A+ A-
القاعدة في لبنان... بين الإفتراض والحقيقة
2006-04-01
في سياق التقارير التي ركزت بشكل خاص على الظهور المفاجئ لتنظيم القاعدة في لبنان وتحديداً جماعة أبو مصعب الزرقاوي ونفوذه الآخذ بالتنامي هناك ؛ ذكر تقرير غربي في التاسع والعشرين من آذار 2006 أن تنظيم القاعدة شكل قنوات إتصال مع مجموعات وهابية لبنانية ، وتحت عنوان له ( القاعدة تعمق جذورها في لبنان) نقل التقرير تصريحات عن مصدر إسلامي قوله "بأن تنظيم القاعدة بدأ بتمويل والتنسيق مع جماعات إسلامية في لبنان و أن أعضاء القاعدة في العراق يوظفوا هذه المجموعات لإستخدامها في التمرد السني هناك .وأضاف التقرير أن تنظيم القاعدة في العراق إختار بعض المجموعات الوهابية في لبنان لتجنيد وتدريب المقاتلين المسلمين للجهاد في الساحة العراقية ،وأن الذي قام بهذه المهمة هو أبو مصعب الزرقاوي قائد تنظيم القاعدة في العراق من خلال بناء بنية تحتية في لبنان لتدريب عناصر من البلدان المجاورة خاصة من سوريا وبالتالي إستقطابهم و نشرهم في العراق،ويشير المصدر أيضاً أن عدداً من هؤلاء الذين تم تجنيدهم شمل أردنيين وفلسطينيين وثمة 200 مجند من هؤلاء على الأقل إنضموا في الآونة الأخيرة إلى تنظيم الزرقاوي للجهاد في العراق قدموا من لبنان،وأن العديد منهم يعتقد أنهم أجروا عمليات إنتحارية ضد القوات الأمريكية والجيش العراقي في بغداد".
الملفت لانتباه المراقبين أن هذا التقرير يأتي في الوقت الذي أعلنت فيه مصادر الأمن اللبنانية أن مجموعة من الأصوليين ، اللبنانيين والفلسطينيين، ممن غادروا قبل أشهر منطقة صيدا إلى العراق للقتال هناك، عادوا قبل فترة بعدما وثقوا علاقاتهم مع قيادات رئيسية في "القاعدة" وبشكل خاص مع قائد التنظيم أبو مصعب الزرقاوي. كما رجحت المصادر أن هذه المجموعة تلقت أوامر بالعودة الى لبنان لممارسة "العمل الجهادي" ولتشكيل قاعدة أساسية لهم تكون أساساً لعمل تنظيم "القاعدة في بلاد الشام". وحسب تلك المصادر فإن ثمة إتجاهاً لإعلان ما يسمى بـ"ولاية لبنان" في تنظيم "القاعدة"، وسيكون معظم المنتمين إليها من الأصوليين الذين انخرطوا في منظمات متطرفة تحت أسماء مختلفة عبر ما يسمى عصبة الأنصار وجند الشام وغيرها.
هذا وعلى الرغم من عدم وجود أدلة قطعية لغاية الآن تقدر الحجم الحقيقي لتنظيم القاعدة في لبنان وتحديد هوية المنتمين له ، إلا أن إعلان السلطات اللبنانية في بداية يناير 2006 عن كشف شبكة إرهابية في لبنان رُجح أنها تنتمي إلى تنظيم القاعدة قدمت في الأساس من سوريا،ينتمي أعضائها إلى جنسيات عربية؛ لها دلالات من حيث تسليطها الأضواء مجدداً على مسألة وجود شبكات لتنظيم القاعدة في لبنان ،الأمر الذي دفع بوزير الداخلية اللبناني أحمد فتفت إلى القول" أن لديه إنطباعاً بأن تنظيم القاعدة يحاول توريد نشاطه إلى لبنان"، فيما ذهب بعض أركان قوى " 14 آذار "إلى الحديث عن مخيمات تدريب تقام في منطقة الشمال ذات الثقل الإسلامي السني "،وقد تقاطعت هذه المعلومات مع تقارير بعثة دبلوماسية غربية أشارت إلى وجود "جماعات ترسل مقاتلين الى العراق مصدرهم المخيمات الفلسطينية في لبنان وخارجها".
لا شك أن المعطيات أعلاه و الإزدياد الملحوظ للصدامات والإشتباكات التي وقعت بين إسلاميين متطرفين وعناصر من قوات الأمن اللبنانية في الآونة الأخيرة تثير إنتباه المراقبين حول تنامي عمل تنظيم "القاعدة" في لبنان، سيما بعد أن تم إلقاء القبض من قبل السلطات اللبنانية على أكثر من شبكة إعترف أعضاؤها بالإنتماء الى "القاعدة" كان آخرها إلقاء السلطات الأمنية اللبنانية القبض على شبكة في بيروت تضم ستة سوريين وثلاثة فلسطينيين وأردنياً ولبنانياً،وحسب المصادر الصحفية التي تناولت الحديث عن هذه الشبكة ،أشارت أنه كان من إحدى مهماتها توفير متطوعين من لبنان إلى العراق، و أن كل الوثائق التي ضبطت في حوزة هؤلاء مزورة، وأنهم استأجروا أربعة منازل في بيروت راحوا يتحركون بينها، الأمر الذي رأى فيه مراقبون أن ثمة قدرات مادية ولوجستية كبيرة تمتعت فيها تلك الشبكة. وأشار المصدر إلى أن هؤلاء جاؤوا إلى لبنان عن طريق سوريا، ومن المرجح أن يكونوا أعضاء في تنظيم القاعدة في لبنان الذي يرأسه أبو مصعب الزرقاوي،وقد أُعلن أن كشف الشبكة جاء من خلال القبض على اللبناني حسن عبدالله حلاق في مدينة صيدا المحاذية للمخيم الفلسطيني عين الحلوة.
ومما يجدر ذكره أن من الإشارات على تنامي تنظيم القاعدة في لبنان كان الهجوم بصواريخ الكاتيوشا الذي تبناه أبو مصعب الزرقاوي على مستعمرات إسرائيلية ،إذ توقف المراقبون عند أول عملية تنفذها "القاعدة" ضد إسرائيل عندما جرى إطلاق صاروخي كاتيوشا انطلاقاً من الأراضي اللبنانية في أواخر العام الماضي 2005، وسارع يومها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلى تبني هذه العملية، واعداً بعمليات أخرى ستليها ضد إسرائيل فيما حرص في بيان ثانٍ على التأكيد أن هذه العملية تمت بتعليمات من أسامة بن لادن. وفي هذا السياق أشارت مصادر غربية إستخباراتية إلى أن المخابرات الأميركية أعدت تقريراً حول ظاهرة ظهور "القاعدة" في لبنان، إنتهت فيه إلى إعتبار (عماد مغنية) المعروف بأنه مدير جهاز العمليات الخارجية في "حزب الله" مسؤولاً للتنسيق مع تنظيم "القاعدة" في لبنان. وحسب التقرير فإن عماد مغنية الذي لعب مع المخابرات السورية والإيرانية دوراً في تنسيق إرسال عناصر "القاعدة" من لبنان إلى العراق قد تولى منذ أشهر مهمة الإشراف على إحياء هذا التنظيم في لبنان عبر إستمالة الخلايا القاعدية المنتشرة في المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً مخيم عين الحلوة في صيدا. و ذكر التقرير بأن "مغنية" كان أول من إلتقى مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري في السودان في العام 1996 وأنه إستعاد هذه العلاقات بعد إنتقاله إلى إيران، حيث التقى برموز "القاعدة" هناك.
ويرى التقرير أن "مغنية" الذي إنتقل إلى العراق في أواخر العام 2003 قد عمل في بعض المراحل للتنسيق مع الزرقاوي الذي توجه إلى العراق من إيران. وفي الأشهر الأخيرة ورد إسم مغنية كمنسق لتنظيمات فلسطينية متطرفة تنتمي إلى تنظيم "القاعدة" تنشط داخل مخيم عين الحلوة الفلسطيني، وقيل أن هذا التنسيق قاده للإتصال بعبد الكريم السعدي "أبو محجن" زعيم تنظيم "عصبة الأنصار" الذي هرب إلى العراق وبات مقرباً من الزرقاوي. ومن هنا بات الحديث عن مخيم الحلوة وحي التعمير ومدينة صيدا كبؤر لتنظيم القاعدة تتصدر التقارير التي تتحدث عن ظهور التنظيم في لبنان .
وتشير المعطيات إلى أن أول حديث فعلي عن وجود "متطرفين" إسلاميين في لبنان قد تكون لهم علاقات خارجية ترتبط بتنظيم القاعدة كان :
* في العام 1998 عندما إغتال مجهولون أربعة قضاة لبنانيين في مدينة صيدا الجنوبية.
* وفي عام 2000 جاء ملف "الضنية"حيث إشتبك الجيش اللبناني مع مسلحين أصوليين تمركزوا في جرود الشمال اللبناني والتي إرتبطت بشخص أسمه بسام كنج (أبو عائشة) الذي قاد مجموعة الضنية عام 2000 والتي تألفت من مجموعة شبان إضطهدتهم الأجهزة الأمنية اللبنانية، وأنشأ كنج معسكراً لهم في جرود الضنية، وخاضوا مواجهات مع الجيش اللبناني أدت إلى سقوط قتلى من الطرفين على رأسهم "أبو عائشة" نفسه.
* وبعد هذه الحادثة صعد نجم "أبو محجن" عبد الكريم السعدي مؤسس عصبة الأنصار الذي إختفى من مخيم عين الحلوة وحسب بيان لتنظيم الإنصار فإن أبي محجن غادر لبنان إلى العراق قبيل الغزو الأميركي - البريطاني، ليعلن إنضمام جماعته إلى تنظيم "القاعدة" ،حيث يقوم أنصار العصبة بإرسال المقاتلين إلى العراق لمحاربة "الصليبيين والرافضة"،إلا أن ثمة مصادر أشارت إلى أن أبي محجن موجود في المخيم لكنه ضاعف تخفيه إلا أن مصادر مطلعة في المخيم قالت إنه ذهب بدوره إلى العراق، مشيرين إلى سهولة هذا الإحتمال نظراً إلى السهولة التي ذهب بها عشرات من المطلوبين الأعضاء في العصبة إلى العراق، متخطين حواجز الجيش اللبناني عند حدود المخيم ومعظم الحدود الأخرى.
التقارير التي تناولت الحديث عن تنظيم الأنصار وجماعة القاعدة في لبنان تشير إلى أن تنظيم عصبة الأنصار يدار بإمرة قيادة ثلاثية علنية تتألف من أبو شريف (وفيق عقل) وأبو عبيدة وأبو طارق (شقيق أبو محجن). ولها ممثل في اللجنة الأمنية في المخيم، أي تلك المنبثقة عن لقاء القوى والفصائل الفلسطينية.
* وفي العام 2003 أعلنت السلطات اللبنانية عن إكتشاف تنظيم مرتبط بتنظيم القاعدة كان ينوي تفجير سفارات ومقرات بعثات دبلوماسية في لبنان.
خلاصة :
تأسيساً على ما تقدم فإن إنكار بعض المسؤولين اللبنانيين لوجود تنظيم القاعدة في لبنان مقتصرين الحديث عن عناصر فلسطينية ولبنانية متطرفة وأصولية وبعضها يسمى سلفياً من ذوي السلوك العنيف الذي يتمركز في مخيمات اللاجئين يتأتى من خوفهم وقلقهم من تداعيات وجود مثل هذا التنظيم الذي سيزيد المشهد اللبناني تعقيداً .
وما بين الإفتراض والحقيقة تبقى التقارير الصحفية تتحدث عن تنامي جماعات تتصل بتنظيم القاعدة في الساحة اللبنانية هدفها إرسال متطوعين إلى العراق و تتخذ من مخيم عين الحلوة في الجنوب مركزاً رئيسياً لها ، حتى وإن جاءت هذه التقارير في سياق إفتراضات تشير إلى وجود تنامي بين صفوف تيار إسلامي يتعاطف مع زعيم القاعدة أسامة بن لادن ،إلا أنها تنذر وتمثل إشارات مقلقة لدى المراقبين تعزز من فرضية تنامي نشاط القاعدة الذي بات يجد شعبية واسعة في صفوف الناشطين الأصوليين اللبنانيين ، إذ أن معظم هؤلاء ذهب إلى العراق بعضهم قد يكون عاد والآخر ينتظر ،والتقارير تشير إلى أن أعداد هؤلاء مرشح للتزايد وليس للتراجع سيما وأن شبكات تنظيم القاعدة الناشطة في معظم الدول تتشكل من أفراد خاضوا تجربة "الهجرة" وعادوا إلى بلادهم محملين بأفكار مختلفة عن تلك التي كانوا يحملونها قبل ذهابهم، وتحولوا في بلادهم إلى خلايا نائمة مرتبطة إلى حد كبير بالجماعات التي عملوا معها في البلدان التي زاروها وتدربوا فيها وما تجربة الأفغان العرب في كل من مصر والسعودية والأردن والجزائر والمغرب وغيرها من البلدان التي أرسلت بعض أبنائها إلى معسكرات أفغانستان وطالبان وعادوا بغير ما تشتهي تلك الدول إلا أنموذج حي على ذلك ،وبالتالي لن يشكل لبنان إستثناء رغم الغموض حول خفايا وأهداف ظهور "القاعدة" هناك لغاية الآن.
*باحث في مركز القدس للدراسات السياسية