A+ A-
المختلون عقليا يشعلون موجة جديدة من العنف الطائفي في مصر خشية متنامية من الاخوان المسلمين واستمرار المراهنة على التكفيريين التائبين
2006-04-21
تزايد الاحتقان الطائفي في مصر خلال السنوات القليلة الماضية بصورة ملحوظة، ويدعي الاقباط ان التمييز والاهمال، بحقهم موجود في كل المجالات، وخاصة في السياسة، والتعليم، والجيش.وتوحي المؤشرات أن التوتر الطائفي في تصاعد مضطرد، نتيجة ضعف الجهود الكفيلة لتعزيز الانتماء الوطني، وضعف الدولة وعجزها عن تقديم خدمات اساسية بما دفع المواطنين للجوء الى المنظمات الانسانية كالتعليمية والصحية، التي نشأت على اسس دينية اكثر منها وطنية، بما يعزز التعصب الديني في وقت تحاول النخبة الحاكمة ان تظهر للمجتمع ايضا انها اكثر تمسكا بالاسلام من الاسلاميين انفسهم.
وقد تتوج الاحتقان الطائفي مؤخرا باندلاع موجة جديدة من المواجهات العنيفة بين المسلمين والاقباط في مدينة الاسكندرية، على خلفية اعتداء على ثلاث كنائس، قام به ما وصفته السلطات بأنه مختل عقليا، ويدعى محمود صلاح الدين حسين (25)، حيث قتل مسيحيا واصاب آخرين في14/4/2006، وزعم ان فعلته بسبب الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول ص.
وقد اسفرت المواجهات التي استمرت لثلاثة ايام عن مقتل مسلم في اليوم التالي للحادثة، واصابة عشرات بين الجانبين، هذا اضافة الى عشرات المعتقلين، وطال التخريب مسجدا وكنيسة، ومن بينهم افراد من الشرطة بحسب البيانات الرسمية.
وتقول مصادر مطلعة إن الجاني سبق له الاعتداء على كنيسة "ماري جرجس" العام الماضي، ووقف أمامها يتحرش بالمصلين، مردداً هتافات إسلامية، وأخرى معادية للمسيحيين، واستوقفته الشرطة حينئذ ثم أطلقت سراحه بعد أن استسمح أهله المجلس الملي بالإسكندرية، وكهنة الكنيسة ليتنازلوا عن بلاغهم لدى الأمن، غير أنه منذ إطلاقه، لم يخضع لرقابة أو متابعة أمنية.
الاقباط يشككون في فرضية فردية الاعتداءات عليهم
شكك عدد من الفعاليات القبطية، ومن بينهم رجال دين في الرواية التى تسوقها السلطات، واعتبروا أن هذه دعاية تهدف الى اسكاتهم، وجعلهم يعتقدون ان الامر يتعلق بحادث فردي. وحذروا من ان ذلك يوفر المعاذير لمهاجمي الكنائس، وهي العمليات التي تكررت في أماكن شتى من البلاد منها الإسكندرية ذاتها العام الماضي.
ودفعت هذه الاحداث الى اعتكاف البابا شنودة الثالث حيث اعتذر عن استقبال عدد من مسؤولي الحكومة والأمن والحزب الحاكم في مصر، متعللاً بالاعتكاف داخل الدير، كما تتجه المناقشات الدائرة داخل أوساط رئاسة الكنيسة القبطية إلى الاعتذار للمسؤولين أيضاً عن استقبالهم للتهنئة بالأعياد، احتجاجاً على ما عبرت عنه الكنيسة من خلال بعض قياداتها بالامتعاض من تكرار الاعتداءات على منشآت وأشخاص المسيحيين في مصر، دون موقف حازم من قبل النظام الحاكم ضد المهووسين دينياً الذين تزايدت أعدادهم على نحو ينذر بمخاطر كبيرة.
ومن جانبه اعتبر المفكر القبطي الدكتور ميلاد حنا، أن هناك جماعات إرهابية لا تزال موجودة تحت الأرض في الإسكندرية، وأنها وراء هذه الأحداث التي وصفها " بالانتقامية" ضد المسيحيين، رافضاً أي تفسير بأن يكون وراءها فرد واحد مختل عقلياً. وهاجم حنا أجهزة الأمن واعتبرها لا تمارس عملها بالشكل المطلوب لوقوع هذه الأحداث في وقت واحد على ثلاث كنائس رغم أنه من المفترض وجود حراسات أمنية عليها، لافتاً إلى أن هذه الأحداث تكشف عن وجود ثغرات اخترقتها هذه التنظيمات يخشى من تحول مصر إلى صراع طائفي أكبر. وأشار إلى أن الإسكندرية على وجه التحديد تشهد منذ سنوات تصاعد للتيارات الإسلامية المعتدل وغير المعتدل. وأوضح حنا أن التوقيت الذي تم اختياره لتنفيذ هذه العمليات وقت تكدس الكنائس بالأقباط لا يشير إلى أن منفذها مختل نفسي أو عقلين ولكنه توقيت معد لضرب المصلين في تجمعهم.
ويعتقد قطاع عريض من الأقباط ان وسائل الإعلام المصرية الحكومية ـ سواء كانت صحفاً أو محطات تلفزة ـ تسهم بطريقة أو أخرى في تغذية مشاعر الكراهية ضد الأقباط من خلال استضافتها لمتعصبين يسفهون معتقدات المسيحيين، ودأبها على تبرير الممارسات الإرهابية التي ترتكب ضد الأقباط بين الحين والآخر.
والملفت في الامر اقحام الولايات المتحدة نفسها في الامر، والتنديد بالعملية، حيث قالت الخارجية الأميركية إن "هذا العمل غير مقبول وسنطلب من الحكومة المصرية مواصلة جهودها لنزع فتيل الموقف بما فى ذلك توفير الأمن الفعال لكل أماكن العبادة".
ويعتقد مراقبون أن ما فاقم من الامر هو وصول الحد بـ جورج عبد الشهيد عضو المجلس المِللي ‏بالإسكندرية أثناء جلسة عقدها المجلس الشعبي المحلي للإسكندرية برئاسة ‏الدكتور طارق القيعي، للمطالبة بإنشاء ميليشيات مسلحة من الأقباط تتواجد داخل وخارج ‏الكنائس؛ بزعم حمايتها من أية هجمات تتعرض لها.
وفجَّر هذا الاقتراح حالةً من الغضب والرفض, ‏سواء من قبل أعضاء المجلس الشعبي المحلي، أو من قبل الصحفيين الذين ‏حضروا الاجتماع؛ حيث سخر أحد الصحفيين من الاقتراح، واقترح على ‏المجلس الاستعانة بالدبابات بدلاً من الميليشيات المسلحة لحماية الكنائس.‏
ومن جانب آخر - وفي محاولة لاسترضاء الأقباط - اقترح الدكتور طارق القيعي ‏رئيس المجلس الشعبي المحلي إطلاق اسم " نصحي عطا جرجس" - وهو ‏الشخص القبطي الذي لقي مصرعه في الأحداث - على أحد الشوارع المهمة ‏بالإسكندرية. لكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض الشديد, بل وطالب البعض في ‏المقابل بإطلاق اسم الطالب محمد السقا - وهو الذي لقي مصرعه ‏برصاص الشرطة داخل الحرم الجامعي لكليات المجمع النظري بجامعة ‏الإسكندرية منذ 3 أعوام - على شارع مماثل، وكذلك إطلاق اسم الشخص ‏المسلم الذي لقي مصرعه بقنابل الغاز المسيل للدموع في أكتوبر الماضي في ‏أحداث محرم بك, رغم أنه لم يكن مشاركًا في تظاهرات الاحتجاج على تصوير ‏مسرحية مسيئة للإسلام داخل إحدى الكنائس بمنطقة محرم بك.‏ وأمام رفض ومطالبة أعضاء المجلس بأن تكون المعاملة بالمثل، سكت الدكتور ‏طارق القيعي واكتفى بإصدار بيان للشجب والإدانة والتلميح بوجود جناة ‏آخرين، على حد ما ورد في البيان الصادر عن المجلس.‏
وقال الرئيس المصري حسني مبارك إنه سيتصدى بكل حزم لأي محاولات تستهدف الإضرار بالوحدة الوطنية.
وأدان الحزب الوطني وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني بالاعتداء على الكنائس التي وصفتها جماعة الإخوان المسلمين فى الاسكندرية بـ "جريمة اعتداء على شعب مصر كله مسلميه واقباطه"، ودعت اجهزة الشرطة المصرية الى ضرورة توفير الحماية الامنية الكافية لكل المنشات الدينية.
وعزا المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للاخوان المسلمين في مصر الاعتداء على الكنائس بالإسكندرية وما تبع ذلك من ردود فعل عنيفة عند المسيحيين لغياب مناخ الحرية عن مصر سواء حرية تكوين الأحزاب أو حرية التعبير عن الرأى وحرية إصدار الصحف والعمل بقانون الطوارئ.
ويرى محللون ان الاعتداءات التي تطال الاقباط ليست بعيدة عن اِنشغالُ النظامِِ بمعاركِ بقائه، والبقاءِ في الأمانِ بعيداً عن المتربصين. ويعتقدون ان عزلةُ النظامِ عن الشعبِ فتحت البابَ واسعاً للعابثين والظلاميين، خاصة وأن النظام يدفع ثمن ضعف دوره امام الضغوط الامريكية التي استلب الدور الاقليمي المصري، ولم يعد بيد النظام سوى اللعب للحفاظ على بقاءه دوليا سوى التخويف بورقة الخطر الداخلي.
المجانين يصعدون من اعتداءاتهم ويهددون الوحدة الوطنية في البلاد الملفت في بيانات وزارة الداخلية انها في احيان كثيرة تعزو الاعتداءات الرديفة الى مختلين عقليا، وأول هذه الحوادث كان الاعتداء الذي ارتكبه شخص "مختل عقليًّا" بحسب الداخلية ضد سياح أجانب داخل فندق سميراميس بالقاهرة عام 1993، وأسفر عن مقتل أمريكي وفرنسيين.
ويستذكر المراقبون أن سليمان خاطر الذي هاجم السياح الاسرائيليين في سيناء وصف بأنه كان مختلا عقليا ايضا.كما ويستذكرون حادثة قرية شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في المنيا (صعيد مصر) التي أسفرت عن قتل 10 أشخاص بثلاثة منازل متجاورة في ليلة واحدة، بينهم أطفال مع التمثيل بجثثهم بشكل بشع في ديسمبر 2005. وألقت الشرطة القبض على شخص قالت إنه مرتكب الجريمة، وأشار تقرير للطب الشرعي أن المتهم معروف بين أهالي القرية بأنه مصاب بـ"مرض نفسي"، كما أكد أطباء عالجوه إصابته بانفصام في الشخصية. وذكرت التحقيقات أنه قال إن "هاتفًا" أوصاه بأن يقتل الضحايا ليلة الحادث، إلا أن أطباء نفسيين آخرين استبعدوا أن يتمكن شخص بمفرده من ارتكاب هذه المذبحة وحده دون أن يثير انتباه أحد.
ومن المفارقات، انه وفي غضون حادثة الاعتداء على كنائس الاسكندرية، اعتدى شخص وصف بانه مختل نفسياً على مجموعة من المصلين داخل مسجد التقوى بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، شرق دلتا مصر، وكان قسم أول المنصورة تلقى بلاغاً من أحد المصلين، يفيد فيه اعتداء شخص على مجموعة من المصلين أثناء إقامة الصلاة بعصا غليظة مما أدى إلى إصابة بعضهم بإصابات بالغة. وانتقلت الشرطة إلى مسجد التقوى، وتبين أن المتهم يدعى محمود سعد، 48 سنة، ويعمل خراطاً تم ضبطه في موقع الحادث مع الأداة المستخدمة في الاعتداء "عصا غليظة" وكان يهذي بكلمات غير مفهومة. وتم نقل مصاب يدعى ماهر عبد الرازق، 63 سنة إلى مستشفى المنصورة العام، فيما اكتفى المصابون الآخرون بالإسعافات الأولية التي تلقوها في موقع الحادث.
وقد ترافق ذلك ايضا، بأن ادعت المصادر الامنية المصرية انها أحبطت محاولة اعتداء على كنيسة في القاهرة بعد ثلاثة أيام من الاعتداء على كنائس الاسكندرية. وادعى المصدر ان الدافع كان السرقة. وقام به شخص يدعى زكريا السيد زكريا.
وفي نجع حمادي بصعيد مصر، اقتحم مواطن قبطي كنيسة، وفوجئ المصلون أثناء الصلاة المسائية (صلاة البسخة) بكاتدرائية القديس ماري حنا باقتحام شخص يُدعى فيليب فهمي لكنيسة الكاتدرائية حاملاً في يده عصا وهو في حالة هياج شديد، محاولاً الاعتداء على كاهن الكنيسة إيليا بولس، ونجح المصلون في السيطرة على الشخص المقتحم وحالوا دون وصوله للكاهن الذي كان منشغلاً بصلاته.
وبعد اقل من اسبوع على حادثة الاسكندرية ضبطت الشرطة رجلاً يحاول دخول كنيسة «إيفا أنجلي أسموس» بحي العطارين بالإسكندرية في شمال مصر، ويدعى علي محمد إبراهيم (33 سنة) فيما ادعى في التحقيقات الأولية للشرطة أنه يعاني من «مس من الجن» وأن العرافين أبلغوه بأن علاجه في الكنيسة.
وعلى اثر هذه الحوادث قامت الشرطة بحملة للقبض على المجانين في الشوارع، كان حصيلة اليوم الاول 150 مصابا، بحسب المصادر الاعلامية الرسمية، هذا في حين ان وزير الصحة اعلن ان في مصر اكثر من 6 ملايين شخص مضطرب نفسيا وعقليا موجودون خارج المصحات.
الأقباط أكبر الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط

يشكل الاقباط الارثوذوكس، اقلية مهمة في مصر، ويعدون كبرى الطوائف المسيحية في الشرق الاوسط. وبحسب الكنيسة القبطية يشكل الاقباط 10% من المصريين البالغ عددهم 73 مليون نسمة، بيد ان الاحصاءات الرسمية تشير الى ان نسبتهم تقارب 6% من السكان. واضافة اليهم توجد في مصر اقليات اخرى وهم، الاقباط الكاثوليك، والروم الارثوذكس، والبروتستانت.ويتحدر الاقباط من المصريين القدامى الذين حافظوا على دينهم المسيحي بعد الفتح الاسلامي لمصر، واعتنق 90% من الشعب المصري الاسلام على مر العصور حتى صار دين الغالبية في مصر.
ويعاني الاقباط ضعفا في التمثيل السياسي، اذ ليس هناك سوى ستة نواب في مجلس الشعب (الذي يبلغ عدد اعضائه 454)، منهم واحد منتخب، وخمسة معينون، ووزيران، ولكنهم ممثلون بنسبة اكبر نسبيا في المناصب الادارية العليا، وفي مواقع النفوذ الاقتصادي.
وافاد رجال الاعمال الاقباط من الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في سبعينات القرن الماضي، وللدلالة فإن قائمة الرجال العشرة الاكثر ثراء في مصر تضم ثلاثة اقباط على الاقل.
ويترأس الكنيسة القبطية الانبا شنودة الثالث منذ 29 عاما، وهو الخليفة 117 للقديس مرقس الذي اسسها في القرن الاول الميلادي. وتبنى دوما مواقف سياسية لا تتمايز عن مواقف الغالبية المصرية المسلمة، لاسيما في ما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي، وله مواقفه المشهودة المناوئة للتطبيع مع اسرائيل، حيث منع الاقباط من الحج الى القدس، وردد "سندخل القدس مع اخواننا المسلمين والفلسطينيين".
العنف الطائفي في مصر بدأت أحداث العنف الطائفي في مصر عام 1972 بحادثة الخانكة بالقيلوبية حيث تعرضت كنيسة لحريق متعمدواعتبرت القيادة السياسية وقتئذ أن هذا الحادث شأن سياسي يعالج سياسيا، وبالفعل شكلت لجنة تقصي حقائق برئاسة القانوني جمال العطيفي، وأعدت اللجنة بالفعل تقريرا مهما عن المسألة القبطية بكافة أبعادها، غير أن التقرير لم تجر مناقشته ولم يؤخذ بأي من التوصيات الواردة فيه، بل أحيل الملف القبطي برمته لمباحث أمن الدولة أسوة بملف الاصولية الاسلامية التي خاضت مواجهات دامية ضد السلطة والسياح الأجانب خلال العقود الثلاثة الماضية.
وتلت ذلك أحداث متعددة في أعوام 75 و 76 و 77 حتى الثمانينات من القرن الماضي، حيث اضطر الرئيس الراحل انور السادات او ما كان يوصف بـ " الرئيس المؤمن" في عام 1977 إلى الاعتراف بوجود أزمة طائفية في أعقاب إحراق إحدى الكنائس بقرية محافظة الفيوم، لتشهد العلاقة توترا عنيفا بين الكنيسة والدولة. وشكلت حادثة الزاوية الحمراء التي اندلعت بين المسلمين والأقباط عام 1981، ذروة الصدامات بسبب قيام جمعية الكتاب المقدس ببدء الصلاة بمقر الجمعية، وهو ما اعتبره المسلمون محاولة لفرض كنيسة بهذه المنطقة. والتي اصدر على أثرها السادات قرارا عام 81 بوضع البابا شنودة الثالث رهن الإقامة الجبرية في دير وادي النطرون في صحراء مصر الغربية، لاعتقاده انه يسعى الى اداء دور سياسي. وقد الغى الرئيس حسني مبارك الذي شن حملة شعواء على المتطرفين هذا القرار.
وشكل الاقباط خلال موجة العنف الاسلامي التي شهدتها مصر في تسعينات القرن الماضي الهدف الثاني لاعتداءات الاصوليين المسلمين بعد قوات الأمن المصرية. وعلى حد وصف الباحث القبطي الدكتور هاني لبيب فان حقبة التسعينات شهدت مرحلة اخطر في مسألة العنف الطائفي، حيث انتهج بعض المتطرفين الإسلاميين مبدأ العنف بالتعدي المباشر على دور العبادة، حيث اقتحموا بعض الكنائس، وقتلوا أقباطا في صلواتهم في وقت أطلقت فيه الجماعات المتطرفة مبدأ الاستحلال لمحلات الذهب المملوكة للأقباط والتعدي على الكنائس والعديد من الأقباط في محافظات مختلفة.
وكانت أحداث قرية الكشح بمحافظة سوهاج هي الأشهر في تاريخ العنف الطائفي في مصر والتي انفجرت في الليلة الاخيرة من عام 1999 والايام الاولى من عام 2000، والتي سقط فيها 21 قتيلا، بينهم مسلم واحد وعشرون قبطيا، وكانت حلقة فارقة في مسلسل العنف الديني، حيث انطلقت بعدها أحداث متفرقة غير انها كانت في مجملها فردية. وفي تلك الحادثة ألقت سلطات الامن القبض على 96 شخصاً (38 مسيحياً و58 مسلماً)، ثم أحالتهم على القضاء بتهم القتل والشروع فيه والاخلال بالسلم والأمن العام، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وتهديد الوحدة الوطنية. وقضت محكمة جنايات أمن الدولة بتبرئة معظم المتهمين ولم تدن إلا أربعة متهمين بمدد سجن مابين عامين و15 عاماً لكن بطريرك الكنيسة القبطية البابا شنودة الثالث أعرب خلال ندوة بمعرض الكتاب بالقاهرة عن احتجاجه، فطعنت النيابة العامة في الحكم السابق، وقضت محكمة النقض بقبول الطعن وإعادة محاكمة كل المتهمين أمام دائرة جديدة قضت بتخفيف العقوبة الصادرة ضد المحكوم فايز عبد الرحيم من السجن 15 عاما إلى 13 عاما، بعد ان استبعدت عنه تهمة التجمهر، كما أيدت المحكمة ذاتها حكما سابقاً صدر بمعاقبة المتهم محمد شبيب بالسجن ثلاثة أعوام, ورفضت المحكمة طعن النيابة العامة على براءة 94 متهما آخرين في القضية ذاتها.
وتعد محافظة المنيا بصعيد مصر اكثر المحافظات المصرية التي شهدت أزمات عنف طائفية خلال السنوات الأخيرة، وسقط فيها عدد محدود من القتلى، وكان من اشهر احداث العنف بالمنيا حادثة منقطين وبني واللمس ومغاغة وسمالوط، إضافة إلى أحداث طائفية أخرى في البحر الأحمر بسبب سور أحد الأديرة الذي وقع وأرادت الكنيسة بناءه بدون الرجوع للجهات الأمنية كما هو متبع.
وعلى الرغم من وجود أزمات أخرى كانت سببا فيها الصحافة مثل أحداث جريدة النبأ والراهب المشلوح لدير المحرق، الا ان معظم الأحداث حسبما يؤكد المراقبون كانت بسبب تشدد المطران في بعض الكنائس، فضلا عن ان بعض هذه الأزمات جاءت بسبب إسلام بعض المسيحيين، غير ان قضية وفاء قسطنين زوجة أحد الرهبان بمحافظة البحيرة وإسلامها كانت من اكبر الأزمات الطائفية التي اندلعت في مصر وتظاهر على أثرها المسيحيون في مختلف المحافظات المصرية.
ورغم ان محافظة الإسكندرية من المحافظات الهادئة نسبيا، إلا أنها شهدت في نهاية العام الماضي أزمة عنيفة بكنيسة مارجرجس بمنطقة محرم بك على اثر توزيع الكنيسة CD يحوي مسرحية بعنوان " كنت أعمى والآن أبصرت" ويحكي قصة مسيحي اسلم ثم عاد للمسيحية باعتبارها الأفضل بالنسبة له، وهو ما اعتبره المسلمون إساءة مباشرة للإسلام، خاصة انه عرض بمقر الكنيسة، ووزع بها فخرج على أثرها المسلمون في مظاهرة عارمة أحاطت بمقر الكنيسة ووقعت فيها أحداث عنف وإصابات، وإلقاء حجارة، وسقطت فيها راهبة تدعى سارة رشدي بطعنة شاب مسلم يدعى محمد السيد احمد، والقي القبض على اكثر من مائة متظاهر في الأحداث التي استخدمت فيها القنابل المسيلة للدموع. في وقت اتهمت فيه أطراف قبطية وإسلامية الأجهزة الأمنية بالتراخي في التعامل مع هذه الأحداث، مما أدى إلى اتساعها وسط محاولات من هنا وهناك لاحتوائها، غير ان التعامل من دون فتح قنوات حوار إيجابية، يقف دائما عائلا ضد تنقية الأجواء بين المسلمين والأقباط.
وفي شهر يناير الماضي اندلعت أحداث دامية في قرية "العديسات" جنوب مدينة الأقصر، حيث اعتدى مسلمون على كنيسة العذراء وأحرقوها، وأسفرت هذه الأحداث عن وفاة مواطن قبطي متأثراً بجراحه، فضلاً عن إصابة 14 شخصاً وإشعال الحرائق في ممتلكات مسيحيين. ولم تكن هذه الحادثة بعيدة عن أزمة بناء الكنائس، حيث تعد مشكلة بناء الكنائس هي الأزمة الأكبر في تاريخ العنف الطائفي، ولم يكن قرار الرئيس المصري حسني مبارك بمنح المحافظين سلطة القرارات ببناء الكنائس والتي كانت خاضعة لقرارات رئاسية من قبل، وكانت حلا للازمة حيث يطالب الأقباط بإصدار قانون لتوحيد بناء دور العبادة للأقباط مثل المسلمين.
وتعد مشكلة اشهار الاسلام من الدوافع التي تحرك المشاعر القبطية وتدفعهم الى التظاهر، حيث شهدت القاهرة مظاهرات حاشدة نظمها الأقباط في ديسمبر( كانون اول) 2004 احتجاجًا على ما اشتهر بقضية "زوجة الكاهن قبطي"، المدعوة وفاء قسطنطين، وطالبوا سلطات الأمن بإعادة الزوجة للكنيسة مما تسبب في أزمة بين الكنيسة والسلطات، خاصة بعد اعتقال عدد من المتظاهرين واعتكاف البابا شنودة في الدير احتجاجا على اعتقالهم، لكن الأزمة انتهت بعد أمر النائب العام بالإفراج عن المحتجزين، وعودة السيدة إلى الكنيسة وإنهاء البابا اعتكافه.
وتظاهر حشد من الشباب القبطي في مدينة الفيوم جنوب القاهرة يوم 27 فبراير 2005 احتجاجًا على ملابسات أحاطت واقعة اختفاء فتاتين قبطيتين تدعيان ماريان مكرم وتيريزا عياد، قيل إنهما اعتنقتا الإسلام، غير أن قضية الفتاتين انتهت وفقًا لبيان أصدرته حينئذ وزارة الداخلية إلى "جلسة النصح والإرشاد" التي جرى خلالها إقناع الفتاتين بعدم المضي قدمًا في إجراءات إشهار إسلامهما.
الاضطرابات مرآة لضعف الحكومة وتراجع هيبتها
قرون طويلة من التاريخ المصري، تقف شاهدة على التسامح الديني، وحميمية العلاقة بين مسلمي مصر واقباطها، وقلما ارتبط ذكر نسيجها الوطني، بالاحتكاكات الدينية، ودموية صراعاتها، بالقدر الذي توحد وطنيا في مكافحة الاستعمار.
ويثير اندفاع ظاهرة العنف الطائفي في مصر الى الواجهة في السنوات القليلة الماضية التساؤلات، لارتباطها بعدد من العوامل الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشائكة.
ويطالب ذوي العقول الراجحة بالحد من الشحن الطائفي في البلاد من خلال ايجاد وتفعيل الآليات الثقافية والدينية الكفيلة باطفاء التوتر بصورة مستدامة، مستبعدين أن تكون الوسائل الامنية كفيلة بوضع حد للعوامل التي دفعت لسخونة الاحداث.
وتكمن الخطورة في أن احداث الاسكندرية الاخيرة، اكدت على أن السلطات لم تعد على ذات هيبتها في الشارع، وصاعدت المخاوف من أن ازمة اقتصادية أو سياسية ما، قد تجعل من الصعب على حكومة تفتقد الهيبة السيطرة على شارعها الجائع، والمهدور في كبرياء طموحاته القومية منذ رحيل عبد الناصر.
وفي اعتقاد بعض المحللين أن المستفيد الاول من الشحن الطائفي الحالي، هو النظام بحد ذاته، الذي ينظر للمسالة القبطية بعين الحل الامني، لسحب الانظار عن فشل سياساته الداخلية والخارجية، حيث يتعزز نفوذ الاخوان المسلمين على حساب افقاد واشنطن لدوره الاقليمي.
والنظام لا يزال يستشعر الخطر فقط، في جماعة الاخوان المسلمين، كتهديد فعلي للنظام وهي صاحبة النفوذ التقليدي والعميق الجذور في مهدها الام مصر، التي تضم سجونها نحو ثمانية عشر الف معتقل بحسب مصادر اصولية في حين ان بعض المصادر الامنية تقول انهم نحو عشرة الاف.
لا مخاوف من ذوي اللحى الشعثاء بقدر المخاوف من ذوي اللحى المقصقصة
يستبعد المراقبون أن تكون لدى النظام المخاوف من الجماعات التكفيرية، بل على العكس فهذه الجماعات تخلق الذرائع للنظام للابقاء على حالة الطوارئ السائدة في البلاد منذ اكثر من ربع قرن، ولعل حملات الاعتقال المستمرة بحق جماعة الاخوان المسلمين ما يدلل على خشيته المستعصية من تواصل تمدد نفوذهم، خاصة وان هذا النفوذ اخذ دفعة قوية بعد نجاح اشقائهم الفلسطينيين (حماس) بتولي ادارة السلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي الاعتقاد أن للنظام المصلحة حاليا في الاستفادة من وجود شرخ بين الجماعات العنفية والتكفيرية التي انشقت عن الجماعة لخلق جدل بين – اسلامي، يبقي النظام بعيدا عن اعين جماعة الاخوان البراغماتية، وهي الحركة المتمرسة على العمل السياسي والحزبي، والقادرة على امتصاص الضربات، بما تتمتع من رصيد شعبي واسع اعطاها جلدا، بما لا يقارن مع الحركات التكفيرية التي لا تتمتع برصيد شعبي، بما يقصر نشاطها على ثلل من الشباب المندفع، تحركهم عواطف جياشة لفترات متقطعه، سرعان ما تنكفئ نتيجة لاقتصارها على مجموعات صغيرة، أو نتيجة للنضج والحلم بتقدم السن.
ولذلك فمن الملاحظ أن النظام يواصل حملة الافراج عن المعتقلين من الجماعة الاسلامية، حيث قارب على الانتهاء من ملفهم، بعد أن افرج مؤخرا عن نحو تسعمائة من اعضائها من بينهم قياديين في الجماعة وعلى رأسهم منظرها الاول ناجح ابراهيم، والقيادي فيها كرم زهدي، بعد مراجعات الجماعة الاسلامية التي صدرت عام 2002، والتي انتقدوا فيها العنف. ويتردد حاليا في اوساط الاصوليين أن ثمة صفقة شبيهة بالتي جرت مع قادة الجماعة الاسلامية، قد تنتهي بالافراج عن عبود الزمر زعيم تنظيم الجهاد السابق الذي انتهت محكوميته ولا زال في السجن لضلوعه في قضية اغتيال السادات عام 1981، لقاء امتناعه عن الادلاء بتصريحات تتعرض للسلطة، مقابل قيامه بالقاء محاضرات في السجون تعزز فكرة المراجعات الفكرية لدى عناصر اسلامية معتقلة لم تلتزم بمراجعات الجماعة الاسلامية التي لم يوقع عليها الزمر في حينها. وتشير المصادر الى أن الزمر بدا بالقاء محاضرات في سجن دمنهور حول حتمية وقف العنف، بحضور عصام دربالة وعاصم عبد الماجد القياديان التاريخيان في الجماعة الاسلامية واللذان لا يزالان يقبعان في السجن.
النظام لن يلغي العمل بقانون الطوارئ
مؤشرات عدة تؤكد على نية النظام تمديد العمل بقانون الطوارئ، ومن المفارقات أن يتبع حادثة الاسكندرية اعلان السلطات عن ضبط تنظيم إرهابي جديد يحمل اسم " الطائفة المنصورة"، يضم 22 عضواً، ويتزعمه طالب جامعي، ادعت السلطات انه كان يهدف لتفجير خط أنابيب الغاز الطبيعي وتفجير منشآت حكومية وسياحية واغتيال بعض رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وارسال متطوعين للجهاد في الخارج وخاصة العراق.
وشككت بعض الاوساط السياسية المصرية في امر التنظيم المشار اليه، واعتبرته مجرد فرقعة امنية، لاثبات وجود النظام ولقطع الطريق على المطالبات المتصاعدة بالغاء قانون الطوارئ.
وليس بمستبعد أن تكون التيارات البرلمانية المعارضة، على حق في توجسها من أن تكون هذه الأحداث مقدمة لمد العمل بقانون الطوارئ لمدة جديدة، بعد أن تنتهي المدة الحالية في 25/5/2006. حيث المح الرئيس المصري الى أنه سيمدد القانون قائلا ان وجود فراغ تشريعي قبل اصدار قانون مكافحة الارهاب الجديد سيكون خطرا شديدا.
وقال الامين العام للحزب الوطني الديمقراطي صفوت الشريف ان مبارك قال أيضا "اننا نعيش في منطقة مشتعلة ولا بد أن نقدر أن مصر من وقت لآخر مستهدفة".
جاء ذلك في وقت اعلن فيه 114 من أعضاء مجلس الشعب هم نواب جماعة الاخوان المسلمين وعددهم 88 ونواب مستقلون وحزبيون وثلاثة من نواب الحزب الوطني الديمقراطي تشكيل تكتل سمي "نواب ضد الطواريء". وهو القانون المطبق منذ اغتيال السادات عام 1981.
ولا شك أن من مصلحة النظام ان يلتف الاقباط حوله بوصف التمدد الاسلامي خطرا يتهددهم كما يتهدده، ولعل النظام يستفيد من استيائهم من تنامي هذا النشاط كما هو الحال في الاسكندرية حيث تمدد دور الجمعيات الاسلامية في الاونة الاخيرة. ومع ذلك فإن النظام اليوم في مأزق جدي، خاصة انهم يتعرضون لاعتداءات المتطرفين، ومواطنتهم منقوصة، ويشعرون بالغبن، وعليه الاستجابة لمطالبهم لاسترضائهم، مع عدم اغفال المخاوف من دور بعض جماعاتهم في الخارج، وبالذات في امريكا وتأليبهم لاقباط مصر، بدفع من المحافظين الجدد في الادارة الامريكية تحت راية الفوضى البناءة في المنطقة، ولعل في سرعة رفض واشنطن لما جرى في الاسكندرية ما يدلل على النية في صب الزيت على نار الوضع، وتعقيد سبل حله امام السلطات اذا ما خالجها السير عكس الرغبات الامريكية في المنطقة.
*إعداد مركز القدس للدراسات السياسية