A+ A-
الملف النووي الايراني والسيناريوهات المحتملة
2006-02-06
في الوقت الذي يحتدم فيه الخلاف وتتصاعد وتيرة الأزمة بين طهران والمجتمع الدولي على خلفية البرنامج النووي الايراني الذي يقترب شيئاً فشيئاً من مجلس الأمن؛ تنشغل مراكز الدراسات والابحاث الاستراتيجية والعسكرية في العالم برسم سيناريوهات متعددة لما ستؤول اليه تلك الأزمة التي تعيد الى أذهان المراقبين سيناريو ضرب العراق قبيل الهجوم العسكري الأمريكي عليه وما يرافق ذلك من تسريب تقارير استخباراتية غربية تتحدث عن خطط وتقارير أمريكية وإسرائيلية لتوجيه ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.
والى جانب الحديث عن الخيار العسكري في هذه المسألة تداولت المؤسسات البحثية الاستراتيجة المتخصصة في قضايا الحرب عدة احتمالات أخرى قد تستخدمها الولايات المتحدة ضد ايران اذا فشلت المساعي الدبلوماسية في ايجاد حل لوقف التسلح النووي الايراني مثل سيناريوهات الحصار و العقوبات الاقتصادية. الا ان ثمة مراقبين يجمعون على احتمالات توجيه ضربة عسكرية لإيران على الرغم من الظروف والمتغيرات التي تحكم الأزمة الإيرانية الأمريكية في المنظورين القريب والبعيد؛من هنا نشطت توقعات الخبراء والمحلليين بقيام الولايات المتحدة الأمريكية بعمل عسكري ضد إيران بحلول شهر مارس المقبل 2006، ومنها توقعات تقول أن الادارة الأمريكية تنتظر التقرير المقرر أن تعلنه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في شهر مارس القادم؛ لتقوم بشن هجوم جوي لتدمير المفاعلات والمنشآت النووية الإيرانية بهدف إكساب هذا الهجوم الجوي صورة شرعية.
ولا شك أن المتابع لمراكز البحث والمعاهد والأكاديميات العسكرية في العالم‏,‏يلحظ مدى اهتمامها في وضع التصورات لسيناريو ضربة عسكرية أمريكية لايران والأهداف التي سوف يتم اختيارها والأسلحة التي ستسخدم فيها مع التركيز على نتائج تلك الضربة ‏التي يمكن ان تؤديها الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل وفي الوقت الذي تركز فيه مراكز الدراسات الاستراتيجية سيما تلك المهتمة بالحروب والمقربة من المؤسسات العسكرية والحكومية في الغرب على احتمالات اقتراب مواجهة عسكرية بين طهران والولايات المتحدة أو بين طهران واسرائيل فإن ثمة ما يشير الى انشغال مراكز مشابهة في طهران بهذا السيناريو ،إذ أقام مركز الدراسات الدفاعية والاستراتيحية التابع للحرس الثوري الايراني في الفترة الأخيرة عدة ندوات حضرها كبار باحثيه الاستراتيجيين وضعوا خلالها سيناريوهات بدأت من العقوبات الاقتصادية والحصار وانتهت بتوجيه ضربة عسكرية أمريكية اسرائيلية مشتركة للمنشآت النووية الايرانية .
سيناريو العقويات الاقتصادية :
ترى بعض المراكز الاستراتيجية المتخصصة أن الولايات المتحدة ستستخدم العقويات الاقتصادية ضد ايران بهدف رضوخها، سواء عبر قرارات مجلس وكالة الطاقة الذرية أو عبر قرارات متدرجة لمجلس الأمن. الا ان معظم المصادر الايرانية تتفق على أن العقوبات الاقتصادية بشكل عام، وعلى غرار العقوبات التي فرضها مجلس الأمن ضد ليبيا والعراق ، لن تكون سلاحا مؤثرا ضد ايران، لأنه سيعاني منها أولا الشعب الايراني، وثانياً: لأن هناك العديد من الدول مستعدة لتزويد ايران بما تحتاجه، ولو بشكل غير شرعى، لتحقيق مكاسب مادية وسياسية، وحسب الخبراء في هذا المجال فإن السلاح الوحيد القادر على الإضرار بإيران هو مادة البنزين ،حيث تستورد ايران حاليا 60% من حاجاتها من البنزين والنفط المصفى من الخارج نظراً لقلة عدد المصافي في طهران وازدياد حجم الاستهلاك المحلي يوما بعد يوم، بحيث يبلغ حجم البنزين المستهلك يوميا أكثر من 60 مليون لتر.
ووفقا لدراسة أعدها مركز دراسات الطاقة في ايران، فإن مخزون (احتياطي) ايران من البنزين يكفي فقط لتغطية طلبات المستهلك الايراني من الافراد والمؤسسات لأقل من 45 يوما. وفي حالة فرض حظر على بيع البنزين الى ايران من قبل مجلس الامن، فإنه في فترة لن تزيد عن ثلاثة شهور، ستواجه ايران شللاً في مختلف مجالات الحياة، وعندئذ، من المحتمل قيام مظاهرات ومسيرات شعبية على غرار ما حصل في يوغسلافيا السابقة وأوكرانيا وجورجيا. وفي الشهر الماضي، وفي جلسة خاصة لمجلس الشيوخ الاميركي حول برامج ايران النووية، اقترح أحد النواب، البحث حول آثار حظر البنزين على ايران، ما يدل على ان واشنطن باتت هي ايضاً ا تدرس هذا الخيار.
اضافة الى ذلك هناك من يطرح سيناريو قد تسلكه إيران في تعاملها مع أزمة ملفها النووي وهو المنحى الذي سلكته كوريا الشمالية في يناير 2004 عندما انسحبت من معاهدة منع الانتشار النووى، في ظل غياب أى تنازلات جديدة جوهرية من جانب الاتحاد الأوروبي وفى حال طرح ملفها النووى على مجلس الأمن ؛بالتالي تصبح إيران غير ملزمة بالإعلان عن منشآتها النووية أوالسماح لمفتشين تابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارتها ؛ الأمر الذى يدخل أزمة الملف النووى الإيرانى فى نفق مظلم لا يعرف الى أين سيقود؟
وفي ظل مشهد هذه السيناريوهات المفتوحة على كل الاحتمالات يبرز التساؤل التالي :ماذا لو فشل مجلس الأمن في تبني قرار ضد إيران يجبرها على وقف أنشطتها النووية بسبب عدم وجود دليل على إنتاجها للسلاح النووي أو حتى بسبب فيتو روسي أو صيني؟وماذا لو فشلت كافة الجهود الدبلوماسية للتعامل مع أزمة الملف النووي الايراني سواء من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو من جانب الترويكا الأوروبية؟
سيناريو الضربة العسكرية:
لا شك ان الاجابة على الاسئلة أعلاه تبقى التعامل مع سيناريو الحل العسكري احتمالية واردة في ظل المعطيات المطروحة وقائمة في التفكير الاستراتيجي الامريكي والاسرائيلي .إذ يرجح مراقبون أن تلجأ الولايات المتحدة وحلفائها الى الحل العسكري وقصف المفاعلات الإيرانية .ولأن ضرب واشنطن لإيران بشكل مباشر من شأنه أن يثير أزمة ويفتح باب الحرب بين طهران وواشنطن على مصراعيه، فهناك شبه إجماع بين الخبراء العسكريين على أن واشنطن سوف تضرب مفاعلات إيران عبر وسيط وهو اسرائيل وهذا ما تشير اليه المصادر الصحفية الغربية التي تقول أن التهديدات الأمريكية و الإسرائيلية بضرب المفاعلات النووية الإيرانية و تدميرها، كما حدث مع المفاعلات العراقية عام 1981، ونوايا القيام بعمل عسكري -بتفويض أو مشاركة أمريكية- سبق أن تكررت عشرات المرات على ألسن مسؤولين عسكريين اسرائيليين وأمريكيين منذ بدء إيران بناء مفاعل بوشهر في التسعينيات من القرن الماضي،هذا الخيار وكما تشير المصادر العسكرية الغربية بأنه مطروح على بساط النقاش لدى البنتاغون، أي أن توكل المهمة للسلاح الجوي الاسرائيلي من خلال دعم لوجيستي من قبل اميركا ليضرب مفاعل بوشهر النووي شمال طهران، و 8 أهداف نووية وعسكرية جنوب ووسط ايران .حتى في اسرائيل نفسها هناك من يدفع بهذا الاتجاه ،فالتطورات الأخيرة على صعيد ملف ايران النووي تزامن مع قيام صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بنشر نتائج أحدث استطلاع للرأي، كشف أن غالبية نسبية من الإسرائيليين بلغت 49% ترى أن على إسرائيل المجازفة ومهاجمة منشآت نووية إيرانية إذا ما باءت الجهود الدبلوماسية بالفشل.اما الخيار الثاني أمام الولايات المتحدة هو ان تقوم قواتها بتوجيه ضربة مباشرة للمفاعلات النووية الايرانية بدون وسيط اسرائيلي.
طبيعة الضربة العسكرية؟
يرى خبراء في الشأن العسكري أن طبيعة الضربة العسكرية يتوقع لها أن تكون على غرار افتتاحية الحملة الجوية الأمريكية على العراق عام ‏2003 ‏ دون أن تصحبها عمليات عسكرية برية‏,‏مع دفع عناصر من الاستطلاع والقوات الخاصة التي يمكنها العمل داخل الأراضي الإيرانية قبيل توجيه الضربات الجوية المحتملة .
وفي هذا السياق تشير المعطيات الى ان الخطط العسكرية التي يجري تداولها في أروقة مراكز الدراسات الاستراتيجية سواء في اسرائيل او الولايات المتحدة لا تشير الى انه وفي حال توجيه ضربة عسكرية الى ايران سيتم من خلالها اجتياح الأراضي الإيرانية لصعوبة ذلك، سيما اذا ما تم قياسها بالتجربة العراقية، وفي ضوء حقيقة أن سكان إيران ثلاثة أضعاف العراق وأن لدى الإيرانيين قوة روحية عقائدية ستزيد عنف مقاومتهم وتدفع الجيش العقائدي للاستماتة في الدفاع عن بلاده وعن برنامجه النووي الذي ينظر له معظم الايرانيين على انه مسألة كرامة وطنية، ولهذا يجري الحديث عن قصف جوي محدود للمفاعلات الإيرانية، ولكن حتى هذا القصف ستصعب السيطرة عليه من الطرفين. من جهتهم الخبراء الإستراتيجيون يُجمعون على أن نجاح الضربة العسكرية ضد ايران تتوقف على القيام بهجمات جوية تستخدم فيها "ضربات إجهاضية" ضد البرنامج النووي الإيراني وهذا ما يتطلب تحقيق أربعة شروط :
أولا :يجب توفر قاعدة معلوماتية دقيقة عن مواقع المفاعلات النووية الإيرانية المنتشرة على أجزاء واسعة من المساحة في ايران ، وهذا أمر تتكفل به فرق التفتيش الدولية عادة، كما أن الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية والأميركية المصممة لغايات التجسس وتزود بمعلومات مهمة عن هذا الشأن.ثانيا :القرب المكاني الضامن لوصول الطيران العسكري الذي سيقوم بالمهمة سواء كان الطيران الأمريكي الذي على ما يبدو لن يشكل له هذا العامل أي صعوبة نظراً للوجود الأمريكي في المنطقة وهو بذلك يكون قادر على الوصول إلى الأهداف داخل إيران وضربها والرجوع إلى القواعد بسهولة. الا أن ذلك يثير إشكالاً للإسرائيليين الذين يبعدون عن المفاعلات الإيرانية حوالي 1500 كلم، وفي هذا يرى مراقيون أن يتم التغلب على مصاعب المسافة من خلال الانطلاق من العراق التي يمكن ان تشكل قاعدة انطلاق للطائرات الأمريكية والاسرائيلية المقاتلة.وإذا ما تم استخدام سلاج الجو الاسرائيلي لهذه المهمة فإن الأخير لن يلقى صعوبة في بعد المسافة لأن الطائرات الامريكية ستقوم بتزويد الطائرات الاسرائيلية باحتياجاتها من ذخيرة ووقود من الاراضي العراقية.ثالثاً: غطاء سياسي عالمي، وهذا غير متوفر الآن، لكن من الوارد أن يتوفر مستقبلا بيسر. فالمظلة الدولية الوحيدة التي تحتمي بها إيران اليوم هي روسيا والصين، وهما حليفان لا يمكن الوثوق بهما في ساعات الحرج،وما حصل مع العراق يشكل أنموذجاً لذلك .هذا واذا كان معظم الخبراء العسكريين في البنتاغون يراهنون على الضربة الاجهاضية من خلال القصف الجوي الا ان مصادر مختصة ترى أن عدم نجاح ضربة إجهاضية ضد المنشآت النووية الإيرانية يبقى محصورا في أمرين اثنين:
أولهما:تعدد المواقع النووية الايرانية المنتشرة على مساحة واسعة في الجغرافيا الايرانية، حيث يقدر عددها الآن بأكثر من تسعة عشر موقعا، وهي متباعدة في المكان على مساحة الدولة الإيرانية. كما أن بعض هذه المواقع مبني تحت الأرض، ومحصن تحصينا قوياً.فإذا قررت إسرائيل أو الولايات المتحدة أو هما معا ضرب المنشآت الإيرانية فلن يكون الأمر ضربة واحدة، بل حملة جوية شاملة قد تستمر يومين أو ثلاثة على مدار الساعة، بحكم تعدد المنشآت الإيرانية وتباعدها.وثانيهما: أن ردود الفعل الإيرانية ستكون مكلفة على الجانبين الامريكي والاسرائيلي . ويخشى الإسرائيليون على وجه التحديد من صواريخ "فجر" التي زودت بها إيران حزب الله اللبناني، والتي تؤرق سكان شمال إسرائيل.من جانبها ايران أكدت مراراً وعلى لسان مسؤوليها بأنها سترد على أي هجوم تتعرض له بتوجيه ضربات صاروخية مباشرة للعمق الاسرائيلي إذ لدى ايران قدرة على الرد من خلال صاروخ ارض-ارض شهاب 3 وشهاب4 الذي نجحت الصناعة العسكرية الايرانية بتحسين مداه ليصل الى 2000 كلم كما أظهرت التجربة الايرانية الاخيرة للصاروخ والتي رصدتها وسائل الاعلام الاسرائيلية جيداً.كما يقر الاسرائيليون أيضاً أن لايران القدرة العملية الفعلية على ايصال رأس متفجر بواسطة شهاب 3 يزن طناً واحداً او أكثر الى قلب اسرائيل بل كما تدعي الاوساط العسكرية الاسرائيلية بانه قادر على أن يحمل رأساً كيميائياً أو جرثومياً والحاق اصابات كبيرة جداً بالاسرائيليين ،مما يعني توفر الإمكانية المادية والعملية لايران على اجراء سلسلة من الردود الانتقامية في حال اتبعت اسرائيل نهجاً عسكرياً لمواجهة ايران. .سيما إذا أدى قصف القوات الأمريكية أو الاسرائيلية للمواقع النووية الإيرانية إلى تسرب إشعاعي، فإن استعمال الإيرانيين للسلاح الكيماوي ضد إسرائيل يصبح أمراً مؤكدا، وهذا ما يرعب الإسرائيليين.ما هي أنواع الاسلحة التي سوف تستخدم بهذه المهمة؟
بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية المتخصصة ومنها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يرى انه وفي حال توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية فإن ذلك سيتم عبر هجوم على نطاق واسع وسوف تقوم بهذه المهمة طائرات من طراز ستيث بي 2 الأمريكية التي من المرجح أن تنطلق من قاعدة دييغو غارسيا أو من الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة وبمشاركة القاذفات من طراز اف-117 المنطلقة من قاعدة العديد في قطر ،ويرجح مراقبون أن تضطلع اسرائيل بدور في هذا الهجوم وما يدلل على ذلك قيام واشنطن بنقل أنظمة بنقل أنظمة أسلحة تقليدية ونووية الى اسرائيل شملت أيضاً رؤوس بوستر وبونكر وهي رؤوس تضاف الى مخزونها الطافح من القنابل النووية التي تقدرها مصادر بحوالي 200 قنبلة أو ما أكثر.
وترشح الدوائر العسكرية الأمريكية أن تكون المنشآت