A+ A-
نحو مشروع قانون انتخابي.. رؤية مشتركة *
2004-11-20

معالي الدكتور ممدوح العبادي
وزير سابق، نائب حالي

بسم الله الرحمن الرحيمشكراً لإخواني في مركز القدس للدراسات للدراسات، على دعوتي لهذا الموضوع الحساس والمهم، رغم أنني أعتقد أنه ما زال الوقت مبكراً للبحث في موضوع قانون الانتخابات، وبخاصةً أن الانتخابات النيابية ستجري سنة 2007، كما هو مقرر لها في توصيات لجان "الأردن أولاً"!، وكما يطالب الناس بأن تجري الانتخابات دائماً في مواعيدها المحددة، ولا تؤجل أو يعطل مجلس النواب. وكما هو متعارف عليه ديمقراطياً، إلا إذا كان هناك بعض القضايا المهمة. تقديم الانتخابات هو علامة ديمقراطية، أكثر من تجميدها أو تأخيرها، فإذا كان هناك ضرورة لانتخابات مبكرة، فنحن معها، بالتالي يكون البحث في قانون الانتخاب قضية ليست مبكرة، وإنما التبشير ولو كان لعدة سنوات، والدراسات والندوات التي تناقش هذا الموضوع الحساس ستشكل في النهاية "رأي عام"، سيشكل عاملاً ضاغطاً على أصحاب القرار سواء كانت الحكومة أو البرلمان لإيجاد قانون انتخاب نيابي، يكون مثلما نتحدث عنه يومياً، "عصرياً"!، وقد نختلف بمعنى العصرية، لكن "قانون الانتخاب" اعتقد أنه الأساس في عملية ديمقراطية.
قبل أيام كنت في مؤتمر برلماني ضد الفساد، عقد في بيروت، حضره برلمانيون من البحرين والكويت ..والمغرب، ومصر،..الخ. الكل كان ينتقد قوانين الانتخاب الموجودة في بلده، خصوصاً ان قسماً من هؤلاء النيابيين، كانوا من أعضاء الحزب الحاكم، وبخاصة البرلمانيون المصريون، الذين انتقدوا "قانون الانتخاب" في مصر، وهكذا. هذا يعني أن قانون الانتخاب ليس مقدساً!، بل هو قانون وضعي فيه نواقص وثغرات دائماً. الشعوب الحية تطالب بإيجاد قوانين جديدة، وعصرية تتماشى مع متطلبات العصر. نحن في العالم العربي، وفي بلدان العالم الثالث مازلنا في المراحل الأولى للديمقراطية، بمعنى أن معظم قوانيننا ليست قوانين عصرية، ليست نزيهة، أو قوانين جيدة لقد وضعت بطرائق مختلفة بحيث تخدم الكثير من المؤسسات الحاكمة. لهذا السبب تطالب الشعوب ونخبها ومثقفوها، دائماً بتحسين هذه القوانين. نحن نعلم أن "قانون الانتخاب" النيابي الأردني بدأ قبل 70 سنة، وكان عبارة عن قوانين ثانوية، تطور تدريجياً.
اعتقد أن معظم القوانين الأردنية التي سنت كلها قوانين مؤقتة حظيت بموافقة البرلمان. بالتالي هناك وجهتا نظر، الأولى تقول: يجب أن يكون هناك قوانين مؤقتة، وأخرى تقول إن البرلمانيين عندما يضعون قانوناً يصيغونه وفق مصالحهم. لهذا يجب أن تكون هناك جهة محايدة تضع القانون، إلى جانب الحكومة. نحن في التجمع الديمقراطي نرى بأن قانون الانتخاب العصري الذي نؤمن به، هو قانون مبني على شعارات بسيطة، نتوخى فيه سلامة "التمثيل والعدالة"!، وتمكين القوى الحية وشخصيات "كفوءة ومنتمية" من الوصول إلى مقاعد مجلس الأمة. يجب أن يكون هناك سلامة وعدالة في التمثيل، وأن يخرج هذا القانون شخصيات كفوءة. قانون الانتخاب الحالي لن يخرج مثل هذه الشخصيات.
بالتالي عندما تبحث عن قانون انتخابي يجب أن يكون نبراسك هو تحقيق هذا الهدف. نريد قانون انتخاب هدفه التنمية السياسية والحزبية، لانه لا تنمية سياسية، دون تنمية حزبية. نحن مع "كوتا" المرأة في مجلس النواب، وإخواني في التجمع يرون بأن "الكوتا" النسائية ضرورة ملحة لقانون الانتخاب، بالطبع تكون بشكل "مؤقت" وتستمر على الأقل لثلاث دورات انتخابية قادمة.
نعتقد بأن القانون الحالي، الذي أجريت على أساسه انتخابات 2003، كان متطوراً.. ومتطوراً جداً من ناحية الإجراءات، بمعنى أن "هوية" الأحوال المدنية، كانت هي نفسها الهوية الانتخابية، وهذا مهم جداً لأنه في انتخابات 1993، كان الناخب يأخذ الهوية الانتخابية يضعها في جيبه، أو يمزقها، أو يتلفها. طبعاً كان هناك ثغرة أن هذه "الهوية" تم "كويها بعد ختمها"!، ربما حدثت ذلك، لأن الأمور لم تكن واضحة للناس، وربما في المرة القادمة يتم تلافيها، يمكن أن "تثقب" الهوية، فلا يتم فيها اي تزوير. هذا الإجراء مهم جداً، أن تذهب بهذه الهوية إلى اي مكان انتخابي. "الدائرة الثالثة" كان فيها 200 مركز اقتراع. بدل أن تذهب لتبحث عن أسمك في جداول الانتخابات، يمكنك أن تذهب إلى اي مركز انتخابي من الـ 200، وتنتخب.
هذا الإجراء شجع الناس على ممارسة حقهم في الاقتراع والتصويت. أيضاً أصبح مكان الانتخاب، هو مكان الفرز، اعتقد أن هذا الإجراء أيضاً يعتبر "نقلة نوعية" كبيرة!. عانينا طوال الفترة السابقة من مشكلة نقل الصناديق، وتزويرها في الطريق، هذه المشكلة تم القضاء عليها نهائياً عندما اصبح الفرز في ذات مكان الاقتراع. لذلك يا إخوان المفاجأة تجلت في أن الدائرة الثالثة سنة 1989، رغم الجو الانتخابي العارم، حينئذ، والجو النفسي الحماسي الواسع، إلا أن عدد الأشخاص الذين أدلوا بأصواتهم في الدائرة الثالثة لم يتجاوز الـ "27" ألف ناخب، إلا أنه في عام 2003، ورغم الإحباط، ـ بمعنى ماذا فعل النواب لنا منذ عام 1989 ـ تجاوز عدد الناخبين الذين مارسوا حقهم في الاقتراع 67 ألف ناخب. بمعنى أن هذه الانتخابات أكثر عدالة وأكثر ديمقراطية، كل ذلك حدث عندما فتح الباب واسعاً أمام المشاركة الشعبية في الدائرة الثالثة. صحيح إنه في الدوائر الانتخابية في الأرياف والبادية، المشاركة عالية دائماً كنتيجة للأجواء العشائرية، لكن في المدن، وفي عمان، والدائرة الثالثة تحديداً كان متدنياً، وبالتالي هذه إحدى علامات الديمقراطية. اعتقد أن قانون الانتخابات ليس بشعاراته السياسية فقط، لكن يمكن أن تقضي على قانون انتخاب عصري، بإجراءات معقدة تفقده زخم المشاركة الشعبية، بالتالي يصبح قانون قسرياً، وليس عصرياً أو حضارياً.
نرى أن هذه الأفكار التي نطرحها في هذه العجالة، وحتى نبدأ بمناقشة تفصيلية لقانون الانتخاب. سابقاً لم يكن هناك اي مشكلة في قانون الانتخاب!!، المؤشرات الأولى بدأت بعد انتخابات 1989، عندما شعرت الحكومة، وشعر المجتمع بأن الإخوان المسلمين يشكلون قوة هائلة، ونتيجة تراكمات تاريخية سابقة أصبحوا القوة الحزبية الوحيدة المهيمنة. ولو بقيت الانتخابات تتبع التقسيمات الإدارية السابقة، كان هناك إمكانية لهيمنة حزب جبهة العمل الإسلامي في انتخابات 1993!. اسمحوا لي أن أضع النقاط على الحروف، "لا نلف ولا ندور"!هذا هو الواقع الذي نعيشه. قبل انتخابات 1993، بدأت الدولة أو الحكومة، والمجتمع يشعر بأن هناك إمكانية كبيرة لأن، يسيطر الإخوان المسلمين على مقاعد أكثر مما هو كائن في انتخابات 1989، لذلك لابد من إيجاد طريقة معينة، للحد من هيمنتهم على مجلس النواب 1993. فتم التفكير بإخراج قانون "الصوت الواحد"!، الذي كان هدفه واضحاً للجميع، وهو تحجيم جماعة الإخوان المسلمين. نحن لدينا معلومات، ولكننا كلنا متفقون على هذا الموضوع "سراً، أو علناً"!؟، واستطاع "قانون الصوت الواحد أن يحجمهم بشكل بسيط بانتخابات 1993، وكان هناك انتخابات 1997، واستطاع جناح "الصقور" في جماعة الإخوان المسلمين أن يتغلب على جناح "الحمائم"، باتخاذ جماعة الأخوان المسلمين قراراً بمقاطعة انتخابات 1997. وبدأ الطرح من جميع النخب أن قانون "الصوت الواحد" هو قانون غير عصري، غير حضاري، ودعت إلى مقاطعة الانتخابات. قوطعت انتخابات 1997، من قبل عدد من الأحزاب السياسية، وبخاصة ذات الصلة بـ"فصائل المقاومة الفلسطينية"! ـ عدا حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي اللذين شاركا في الانتخابات ـ إضافة إلى قيام عدد من الشخصيات السياسية والشعبية الأردنية، بمقاطعتها.
في انتخابات 2003، شعر الإخوان المسلمين أنهم ابتعدوا كثيراً عن المسرح السياسي في الوطن نتيجة مقاطعتهم للانتخابات، مما أضطرهم إلى مراجعة موقفهم السابق، وقرروا المشاركة في انتخابات 2003، وشارك إلى جانبهما معظم الفعاليات، التي قاطعت الانتخابات السابقة، وهذه الانتخابات نتج عنها مجلس نيابي يضم معظم الأطياف، والنخب السياسية الأردنية.
نرى بأن قانون "الصوت الواحد"، الذي أفرز كل هذه المشاكل المتعددة، لم يجر استفتاء عادلاً وحقيقياً بشأنه.. هل قانون "الصوت الواحد" مرفوض، أم مقبول؟. النخب التي تتبع الإخوان المسلمين بطريقة وأخرى، تطالب بإلغاء قانون الصوت الواحد والعودة ـ العودة المقصودة لأي قانون غير معروفة ـ هل هي العودة لقانون 1989؟. قانون 1989 تغيّر في تقسيمات الدوائر الانتخابية. نرى أنه من الضروري أن يبقى "قانون الصوت الواحد، ولكن مع إحداث تغيير في الدوائر، مع إعطاء 20% للأحزاب السياسية، كخطوة أولى حقيقة للتنمية السياسية"!؟.
في 30/5/2004، ألقيت محاضرة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، قلت فيها، "هل التنمية السياسية شعار أم قرار"؟، وثبت لنا بعد التعديل الوزاري الأخير، بأن التنمية السياسية، التي وضعناها في لجان "الأردن أولاً"، بأنها هي الهدف!- لدي قناعة بأن التنمية السياسية-هي "شعار وليس قرار"!؟، بمعنى أن التراجع الحالي الذي نراه عن التنمية السياسية، هو أيضاً شعار "للعودة" عما نصبو إليه من قانون انتخاب عصري، ومن تقدم في هذا المجتمع، لأسباب أعتقد أنها غير موضوعية. التخوف الذي يطرح هنا وهناك، غير موضوعي، لأننا نعيش في هدوء وسلام، ولا حاجة إلى الشعارات المستفزة، التي تريد أن تخلق معركة وهمية على الساحة الأردنية، ومعركة دنكشوتية غير موجودة وغير ضرورية. أرى أن حُسن الرد عليها بإهمالها، وليس بأخذ المواقف العلنية المناوئة لها، حتى لا نخلق أبطالاً وهميين؛ لأن هذا الوطن مليء بالمشاكل.
قضية الدوائر الانتخابية، في انتخابات 1984 التكميلية، كانت عمان دائرة انتخابية واحدة، وكانت هذه الانتخابات استكمالاً للانتخابات التي جرت سابقاً، حيث كانت الأزرق وجرش ومأدبا وعمان إلى حدود وادي الموجب، للأزرق دائرة واحدة. هذه الدائرة الواحدة لو أجرينا انتخابات فيها لا ينجح فيها إلا الحزب المنظم. الحزب المنظم هو الحزب الكبير الوحيد في الأردن الذي يستطيع أن يجد له جذوراً وامتدادات من ذيبان حتى الأزرق. من هو الحزب الآخر البديل؟!، قد يكون هناك وجود لبعض الأحزاب، ولكنه وجود ضعيف. الشخص المستقل، وبخاصة أن معظمنا مستقلون، أين يجد نفسه في ذيبان والأزرق والزرقاء وعمان في آن واحد؟،.. هذا فيه ظلم!، واقعنا غير حزبي وأسبابه كثيرة، ولكن هذا هو الواقع.. إذا أردت أن تطور بلداً يجب أن تتعامل مع الواقع أولاً، ومن ثم ترفع مستوى هذا الواقع وبالتدريج،.. كيف نرفعه؟، نرفعه في التشريعات، وليس في مطالبة الأحزاب بأن تكون موجودة والواقع هو عكس ذلك!. أقنن القوانين، وأقول إنني أريد 20% من المقاعد الانتخابية للأحزاب!، يجبر حينها ممدوح العبادي، أن يذهب إلى أحمد الشناق، ويطلب تسجيله في حزبه. بالتالي أريد مقعداً من 20% المخصصة لـ(لكوتا) الحزبية، غير ذلك أفضل لي واسهل أن أقول إنني مستقل، غير حزبي، وارشح نفسي للانتخابات، وأن أنجح لوحدي. لذلك التشريعات تستطيع أن تطور الأحزاب، وأن تشكل الرافعة الحقيقية للديمقراطية.
يتبقى لدينا الدوائر الانتخابية، في قانون الانتخاب الحالي، صغرت الدوائر الانتخابية، بحيث شكل النائب الذي يصل إلى مجلس النواب نائباً لحارة أكثر منه نائباً حقيقياً، وهذا شيء قاتل للنائب. في منطقة في عجلون في انتخابات 1989، و1993، هناك دائرة صغيرة اسمها لواء "كفرنجة" لم ينجح فيها نائب، إذن أين هي العدالة؟، أطالب أن أكون ممثلاً لمنطقة "كفرنجة" مثلاً. اقتراحنا أن يكون انتخاب النائب من كفرنجة، لا يقتصر انتخابه من سكان كفرنجة فقط، ولكن من سكان منطقة عجلون كافة. بمعنى تنجح الشخصية العامة أكثر، لأنها هي التي تستطيع أن تأخذ أصواتاً من المحافظة كاملة، الشخصية المحلية التي لها وزن تأخذ أكثر في محليتها، بمعنى مواءمة بين إخراج من هم من النواب من منطقة صغيرة ومحددة بحاجة إلى خدمات معينة، لكن يكون انتخابها من مجمل المحافظة، بحيث يستطيع أن يخرج من هذه المنطقة الصغيرة نائب لكنه يتم انتخابه من قبل الدائرة الكبرى.
اقتراحي الرئيسي أن يكون للنائب صوتان: صوت للدائرة التي هو فيها، وصوت للقائمة الحزبية.
اقتراحي الثاني، هو القائمة النسبية، لكن يجب أن يكون هناك أحزاب، بالتالي إنجاح بعض الأحزاب. لا أريد أن تشكل القائمة الحزبية منفذاً، ليقوم الحزب القوي الوحيد بحصد المقاعد كافة ، يجب أن تكون هناك نسب معينة.
بالنسبة لـ(لكوتا) النسائية، نتيجة للمعادلة التي ظهرت في (الكوتا) النسائية، الحقيقة الأخوات اللواتي ترشحن في المناطق الانتخابية ذات الكثافة السكانية خسرن، وبالمقابل ربحت الأخوات اللواتي ترشحن عن المناطق القليلة الكثافة. نرى أن يكون هناك توازن، وإيجاد صيغة معينة بحيث تكون هناك عدالة بين المدن الكبرى والصغرى في (الكوتا) النسائية.
لنقل على سبيل المثال أن يحصل النائب على حد أدنى 1000 صوت للنجاح. لأنه من غير المعقول أن ينجح نائب بـ300 صوت، كما جرى.
أخيراً، أرجو من الأخوان أن نتساعد على إيجاد حلول معقولة لقانون انتخابي عصري وتقدمي. مع تقديم الانتخابات إذا كان هناك توافق على قانون جديد يستطيع أن يؤمن لنا سلامة التمثيل وعدالته، لأن نظام الدوائر المعمول به، فيه ظلم كبير للنائب وللناخبين. تجد بعض الدوائر عدد سكانها 100 ألف لها "4" نواب، وبعض الدوائر عدد سكانها 100 ألف لها نائب واحد. هناك ظلم في الديمغرافيا وفي التمثيل الحقيقي. لا نطالب لكل 10 آلاف "نائب" بشكل مجرد!، بل نطالب بعدالة التمثيل وهي الأهم. لإعطاء انطباع بأن هذا المجلس يمثل فئات الشعب كافة ، وأن هناك عدالة في التمثيل الديمغرافي، السياسي، الفكري، والعشائري.

* ورقة عمل قدمت لمؤتمر " انتخابات 2007" نحو قانون انتخاب عصري" بتنظيم مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 20-21/ تشرين الثاني 2004 ,الاردن -عمان.