A+ A-
*مسارات السلام والديمقراطية المتلازمة
2004-03-17

عريب الرنتاوي
مدير مركز القدس للدراسات السياسية

ثمة رياح جديدة تهب على الشرق الأوسط، وهناك ما يشير إلى وجود نوافذ مفتوحة لفرص عدة، طالما عانت المنطقة من إنغلاقها وفقدانها...هناك نافذة فرص لسلام فلسطيني إسرائيلي، وأخرى لانبعاث حركة إصلاح وتغيير في غير عاصمة عربية...ولا شك أن استغلال فرص السلام والإصلاح، المتاحة بحذر وعلى استحياء، من شأنه أن يسهم في فتح نافذة فرص ثالثة، وأعني بها تلك المتعلقة بتحقيق تقدم جدي في مكافحة الإرهاب واحتواء حركات التطرف الفكري والديني والسياسي، التي كان لها حضورا قويا على مسرح المنطقة طوال ما يقرب من عقدين من الزمان.إن توفر مثل هذه الفرص، ولأول مرة منذ سنوات عدة، وعلى هذا النحو المتزامن، لا يجب أن يفضي إلى الركون والاسترخاء، بل يجب أن يكون دافعا لقوى السلام والتغيير في المنطقة على شحذ همهها وحشد طاقاتها أكثر من أي وقت مضى، فتاريخ هذه المنطقة، كما يعرف كثيرون منكم من دون شك، هو تاريخ إنتاج وإعادة انتاج الفرص الضائعة.
وإذا كان معسكر السلام على ضفتي الصراع العربي الإسرائيلي قد تعرض لانتكاسة حقيقية طوال السنوات الأربع الفائتة، فإن معسكر الإصلاح والتغيير في العالم العربي، قد مني بأفدح الخسائر وتعرض لشتى أشكال التحجيم والتهميش، طوال ما يقرب من خمسة عقود من الركود والاستبداد، الأمر الذي يملي على كلا المعسكرين، العمل لنفض الغبار المتراكم، والشروع في كفاح جاد وموصول من أجل السلام العادل والشامل، من أجل فتح الأبواب، لا النوافذ فحسب، أمام رياح الحرية والديمقراطية والتعددية التي أخذت تهب على العالم العربي من العراق وفلسطين ولبنان .
وفي ظني، أن الشرق الأوسط مرشح خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة، لأن يصبح ساحة لمعركة واحدة، على مسارات ثلاث متلازمة ومتوازية: السلام، الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والتطرف الفكري والسياسي والديني، وأن القوى المنخرطة في هذه المعركة تجد نفسها بحاجة لتنسيق جهودها في شتى ميادين المواجهة مع القوى المناهضة للسلام والمعرقلة للإصلاح على حد سواء.
لقد سقطت منذ زمن، النظرية التي روجت لها بعض الأنظمة والحكومات العربية، والتي كانت تقول بأن إنجاز الإصلاح وتجسيد قيم الديمقراطية والحرية والتعددية، متعذر من دون "حل الصراع العربي الإسرائيلي"، ولم تعد هذه الذريعة أو الحجة مقنعة لأحد، وها نحن نشهد سقوط نظرية مقابلة، صدرت عن دوائر أمريكية محافظة ويمينية، وعن دوائر إسرائيلية تسعى في تأبيد الاحتلال للأرض الفلسطينية والعربية، ومفادها، أن السلام متعذر بوجود نظم "لا ديمقراطية" في المنطقة...النظرية الأولى أريد بها تبرير الركود والاستبداد، والنظرية الثانية أريد لها أن تكون ذريعة لإدامة الاحتلال بدل الإسراع في إنهائه، وتبريرا لموقف أمريكي تميز بانحيازه الصريح للدولة العبرية، فيما المسار الواقعي للأحداث والتطورات في المنطقة، برهن على أن طريقي السلام والتغيير الديمقراطي، متلازمان، وأن أحدهما يكمل الآخر، ويذلل العوائق والعراقيل التي تنتشر عليه، وأنهما سيفضيان حتما إلى تجريد الإرهاب والغلو من أسلحته وذرائعه، ومن بعض التعاطف الشعبي مع رموزه ومنظمات وممارساته، وأن السير على طريقي السلام والتغيير بتزامن وتوازن، يوفران – ربما لأول مرة – الفرصة لمعالجات سياسية – اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، لمشكلة الإرهاب، التي أخذ كثيرون يعتقدون بأنها ليست مشكلة أمنية صرفة.

نافذة فرص للسلام:لم نأخذ على محمل الجد، الحديث الإسرائيلي عن "غياب الشريك" الفلسطيني، لكن رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وإجراء انتخابات رئاسية فلسطينية، كجزء من عملية انتخابية شاملة تشمل البرلمان ومجالس الحكم المحلي، وانبثاق قيادة جديدة، مؤمنة بخيار السلام والحلول التفاوضية، مؤمنة بخيار الإصلاح والتحديث للمؤسسة الفلسطينية، قد مهد الطريق أمام جهود إحياء عملية السلام، وبعث على الأمل والتفاؤل، وجدد الحاجة لمزيد من الجهود الإقليمية والدولية الرامية لتجاوز حالة الانحباس والانسداد التي عاشتها العملية السلمية.
لقد أظهرت مواجهات السنوات الأربع الفائتة، والتي كانت قاسية على الجانبين، وتحديدا على الشعب الفلسطيني، أن طرفي النزاع لم ينضجا كفاية لاستحقاقات السلام والتزاماته، والإخفاق في كامب ديفيد، عائد في الأساس إلى "عدم جاهزية" فريقي النزاع للوصول إلى صيغة حل نهائي، يمكن الدفاع عنها في وجه معارضي العملية السلمية، والقوى الأكثر تشددا في المجتمعين.
وثمة ما يدعو للاعتقاد، بأن أربع سنوات من المواجهات القاسية والمكلفة، أخفق فيها كل فريق في فرض رؤيته وإملاءاته على الفريق الآخر، ربما تكون قد أسهمت في توفير مناخات واقعية وعقلانية تمكن من استئناف المسار السياسي / التفاوضي، بدءا بإجراءات إعادة بناء الثقة بين الجانبين التي يجري تنفيذها بتباطؤ هذه الأيام.
على الصعيد الإسرائيلي، أخفق شعار "دعوا الجيش ينتصر" في كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإصراره على نيل حقوقه الوطنية المشروعة...وعلى الصعيد الفلسطيني، اختبرت القوى المناهضة لعملية السلام أدواتها ووسائلها، من دون جدوى، وثبت لقطاع أوسع من الرأي العام الفلسطيني أن طريق عسكرة الانتفاضة بات مكلفا للغاية، ويبعد الفلسطينيين عن أهدافهم، ولا يقربهم منها.
كما كان للمناخات الدولية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحديدا في العراق وأفغانستان والحرب الكونية على الإرهاب، أثرها في إضعاف "الرفض العربي والإقليمي" للعملية السلمية، وشجعت كثير من الأطراف الفلسطينية والعربية، دولا ومنظمات، على التعامل بإيجابية مع خطط السلام الدولية ( خريطة الطريق ) ورؤيا الرئيس بوش: دولتين لشعبين، تماما مثلما كان لهذه البيئة الدولية الجديدة أثرها في اقرار مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002.
واليوم، إذ تلوح في أفق المسار الفلسطيني الإسرائيلي بوادر انفراج وأمل، إلا أن السؤال المثير للقلق ما زال مطروحا وبقوة: هل نضج الفريقان لشروط السلام النهائي واستحقاقاته، أم أن الحركة السياسية ستعود بهما إلى وضعية ما قبل الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر عام 2000؟ ... ما هي التحديات التي يتعين مجابهتها ؟ ... وما هي الأدوار التي يجب أن تضطلع بها مختلف الأطراف ذات الصلة من أجل ضمان استمرارية العملية السلمية وعدم انتكاستها إلى الوراء من جديد ؟.
من منظور فلسطيني:تتوفر القيادة الفلسطينية الجديدة على الرغبة والاستعداد للدخول في تسويات مؤلمة مع الجانب الإسرائيلي، لكن للمرونة التي تبديها هذه القيادة، حدودا وشروطا، وثمة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها من قبل أية قيادة مهما بلغت درجة إيمانها بالسلام وحلوله التفاوضية...وهنا بالذات، يندرج هدف إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بمقدساتها الإسلامية والمسيحية ( ضمن ترتيبات خاصة ) أما القضية الشائكة الأخرى، وأعني بها قضية اللاجئين، فأحسب أن حلولا كتلك التي تضمنتها ورقة كلينتون ( non-paper)ومبادرة السلام العربية ووثيقة جنيف، يمكن أن تشكل أساسا لموقف فلسطيني يأخذ بنظر الاعتبار الحساسية الديمغرافية لإسرائيل، وكلما تمكن الفلسطينييون من حقوقهم الأخرى، كإنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات وتوسيع رقعة الدولة لتتطابق مع حدود حزيران عام 1967، كلما ارتفع مقياس المرونة الفلسطينية في التعامل مع قضية اللاجئين، وكلما أمكن تسويق صيغة الحل النهائي على قطاعات أوسع من الفلسطينيين بمن فيهم اللاجئون أنفسهم، وكلما أمكن توفير أسس صلبة لسلام دائم بين شعبين وليس بين حكومتين فقط.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مفاوضات الحل النهائي للمسألة الفلسطينية، هو الطلب إلى القيادة الفلسطينية تقديم تنازلات مؤلمة في قضية اللاجئين، من دون تمكينها من بقية الحقوق والمطالبات الفلسطينية، ووحدها صفقة شاملة، حول مختلف موضوعات الحل النهائي، يمكن أن تجعل القبول بهذا الحل أمرا ممكنا.
مثل هذه الصفقة لا تتفق مع مرجعيات عملية السلام وخططها، وتحديدا خريطة الطريق فحسب، بل تحفظ للإسرائيليين الأمن والعلاقات الطبيعية مع الدول العربية، وتمكن الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم وبناء دولتهم المستقلة والقابلة للحياة.
صحيح أن مثل هذه الصفقة، لن تنهي مطالبات قوى فلسطينية متشددة أو توقف ادعاءاتها، ولكنها من دون شك، ستضع هذه القوى في موقع الأقلية دائما، وستفرض عليها "التكيف" مع معطيات مرحلة جديدة، وقد بدأنا نلمس بوادر هذا التكيف ونشهد إرهاصته الأولى، سيما في ضوء التطورات الهامة التي بدأت تطرأ مؤخرا على خطاب هذه القوى وتوجهاتها، وتحديدا حركة حماس، التي تتجه للانخراط في النظام السياسي الفلسطيني الجديد، بعد مشاركتها في الانتخابات البلدية، وقرارها الأخير بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتنامي الأصوات في داخلها ومن حولها بالتحول إلى حركة سياسية، والقبول بالتهدئة والهدنة، وربما لاحقا، وهذا غير مستبعد، بالتخلي عن سلاحها والاندماج في المؤسسة الأمنية والعسكرية الفلسطينية.
وأحسب أن عوامل رئيسية ثلاث، أسهمت مجتمعة في وضع حركة حماس على سكة التحولات الهامة التي تشهدها، أو تلك التي تنتظرها، اولها: الحملة على الإرهاب منظمات ودول راعية وملاذات آمنة، التي أفقدت الحركة مساحات وهوامش واسعة للحركة والمناورة كانت تمتلكها...ثانيها: انتعاش الآمال بإمكانية انطلاق عملية سياسية جادة، بدءا من قطاع غزة، معقل الحركة ومجال نفوذها الحيوي، وثالثها: انطلاق عملية الإصلاح الفلسطينية، التي وفرت فرصا لاحتواء الحركة وضمان مشاركتها السياسية وانخراطها في المؤسسة الفلسطينية، ما يعيد إلى الأذهان تلازم مسارات السلام والإصلاح ومكافحة الإرهاب الي أشرنا إليها من قبل، وربما تكون تحولات حماس، أولى ثمار هذا هذا التلازم، بل ويمكن التنبؤ، بأن تفعيل هذه المسارات في لبنان أيضا، سيفضي إلى جعل "حزب الله" الثمرة الثانية لهذه العملية.
فحماس، شأنها شأن حزب الله، ليست فصيلا إرهابيا معزولا، ولا منظمة محترفة للقتل الرخيص والمجاني، فكلامها يمتلك نفوذا شعبيا واسعا، ويقف على رأس بنى تحتية اقتصادية واجتماعية وثقافية راسخة، بدلالة الفوز الساحق لحماس في الانتخابات البلدية الجزئية في قطاع غزة، والتقديرات التي تتحدث عن احتمال تعادلها مع حركة فتح، التيار المركزي في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية أو تفوقها عليها، في الانتخابات التشريعية المقررة في تموز / يوليو القادم.
وحزب الله، نجح في تجنيد ربع السكان في لبنان، في تظاهرة تعجز عنها الحكومات والأحزاب الحاكمة، ليس في الدول العربية وحدها، بل وفي إسرائيل ذاتها...ما يعني أن اختزال الحزب بكونه حركة إرهابية أو حالة أمنية، تعالج بوسائل أمنية، من شأنه أن يضعف فرص السلام والإصلاح على حد سواء، ومن شأنه أن يعزز ميول التطرف والعنف لدى قطاعات متزايدة من الحزب وأنصاره وفي داخل المجتمع اللبناني.
إن مصائر حزب الله، وفرص اندماجه في نظام سياسي لبناني تعددي وديمقراطي، يتقرران في ضؤ التقدم على مسار السلام مع سوريا ولبنان، وفي ضؤ الإنجازات المتراكمة لحركة الإصلاح والتغيير الديمقراطي في البلدين، بدءا بلبنان، ومن دون ذلك فإن أية محاولة لعزل حزب الله ونزع أسلحته بالقوة، ستنعكس بأوخم العواقب على لبنان وأمنه وسلمه الأهلي واستقراره الاجتماعي، كما ستمس عواقبه، السلام والأمن والاستقرار في الإقليم برمته.
من منظور إسرائيلي: تتحرك السياسة الفلسطينية لإسرائيل بين حدين أو هاجسين: الهاجس الأمني والهاجس الديموغرافي، والمدقق في الخطط والممارسات والسياسات التي تبنتها حكومات شارون المتعاقبة، يلحظ أثر الهاجسين معا، فخطة الانسحاب من جانب واحد عن قطاع غزة، خاطبت البعد الديموغرافي، وبترتيبات أمنية شديدة التعقيد، وجدار الفصل كما ينفذ على الأرض، تحول إلى مشروع استيطاني / أمني، بملامح عنصرية ليست خافية على كل منصف، ومن رحم الرغبة بفرض حلول على أرض الواقع تخاطب الهاجسين معا، ولدت نظرية "غياب الشريك الفلسطيني"، واستخدمت كذريعة لتعطيل المفاوضات وشراء الوقت.
أما مواقف هذه الحكومة من خريطة الطريق، فما زالت ملتبسة ومثقلة بالشروط والتحفظات، التي تبدأ من رفض مبدأ العودة إلى خطوط حزيران عام 1967، والتمسك بالكتل الاستيطانية والعمل على توسيعها، وضم القدس الشرقية المحتلة عام 1967.
لقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون مرات عدة، وفي قمة شرم الشيخ الرباعية في شباط / فبراير الماضي، عن "صلة ما" بين خطة الفصل أحادي الجانب، وخريطة الطريق، لكنه مع ذلك، ظل حديثا فضفاضا، مثير للقلق بدل أن يكون باعثا على الطمأنينة حيال مستقبل المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية.
وإذ تواجه جهوده في تنفيذ خطته "المرحلية" جبهة من المعارضة داخل حزبه وائتلافه الحاكم، ومن قبل "لوبي الاستيطان" الأشد تطرفا في إسرائيل، فإن الشكوك تحيط بقدرة شارون وحكومته على الاستجابة لمتطلبات الحد الأدنى للحل العادل ليس من المنظور الفلسطيني فحسب، بل ووفقا لمنطوق المبادرات والمرجعيات المعتمدة لعملية السلام، ناهيك بالطبع عن مقتضيات الحد الأدتى للسلام مع سوريا ولبنان.
ويجادل مراقبون وديبلوماسيون بأن حكومة شارون، ربما تكون قادرة على إتمام خطة الجلاء عن غزة، وتفكيك أربع مستوطنات صغيرة ومعزولة في شمال الضفة الغربية وغيرها من البؤر الاستيطانية المبثوثة على القمم والمرتفعات الفلسطينية، والتي سبق لشارون ذاته، أن أطلق الدعوة لبنائها زمن حكومة نتنياهو، بيد أن هذه الحكومة قد لا تكون قادرة في ظل المعطيات الراهنة للخريطة السياسية والحزبية في إسرائيل، على الشروع في مفاوضات جادة ومسؤولة، لإنجاز حل نهائي على المسار الفلسطيني، أو الدخول في صفقة "سلام شامل مقابل انسحاب كامل" مع سوريا ولبنان.
على أن هذه التقديرات المتشائمة بعض الشيء حيال المستقبل، لا تستبعد احتمالات أخرى، من نوع أن تفضي "ديناميكيات" التقدم على مسار التفاوض والسلام، إلى إعادة إحياء معسكر السلام في إسرائيل، واحتواء نفوذ "لوبي التوسع والاستيطان" والقوى الأكثر تطرفا في المعادلة السياسية والحزبية الإسرائيلية، سيما وأن الرأي العام الإسرائيلي الذي انحاز أمنيا خلال السنوات الأربع الماضية لليمين الإسرائيلي، ظل في غالبيته على انحيازه لعملية سلام تنهي هذا الصراع، وتوفر الأمن للجميع، وتحدث الفصل بين الشعبين في دولتين مستقلتين.
وهذه "الديناميكيات" ذاتها، يمكن أن تفعل فعلها داخل المجتمع الفلسطيني كذلك، فيتعزز نفوذ التيار المركزي داخل السلطة والمنظمة، وهو النفوذ الذي تآكل خلال سنوات الانتفاضة، ويفسح الطريق أمام قوى الاعتدال والواقعية السياسية داخل فصائل المعارضة الإسلامية والوطنية الفلسطينية، ويعيد تشكيل معسكر السلام الفلسطيني، الذي سينتعش من دون ريب، مع تقدم خطى الإصلاح في السلطة والمجتمع الفلسطينيين.
لكن هذه الديناميكيات، لا يمكن أن تنبثق وحدها، أو أن تنبثق من فراغ، فمع كل تقدم على مسار المفاوضات وإجراءات بناء الثقة والحفاظ على التهدئة ووقف النار الشامل، مع كل انسحاب إسرائيلي جدي ونهائي عن الأرض الفلسطينية المحتلة أو تلك التي أعيد احتلالها مرات ومرات، مع كل دفعة من الأسرى والمعتقلين يفرج عنها، مع كل حاجز أمني أو عسكري يزاح عن الطرق الفلسطينية، مع كل إجراء لتفكيك البؤر الاستيطانية ووقف النشاط الاستيطاني، مع كل تقدم على طريق ترميم البنى الاقتصادية والخدمية التحتية للمجتمع الفلسطيني، مع كل متر يقتربه الجدار من الخط الأخضر، سوف تتعزز هذه الديناميكيات وتفعل فعلها داخل المجتمع الفلسطيني.
وفي المقابل، فإن كل تقدم يحرزه الفلسطينييون على طريق ضبط الوضع الأمني ووضع حد لحالة الفلتان والفوضى، مع كل تقدم على طريق التهدئة والهدنة وجمع السلاح غير المرخص، وإنهاء مظاهر "ازدواجية السلطة"، مع كل تقدم على طريق الإصلاح السياسي والإدراي والمالي والأمني، ستنتعش هذه الديناميكيات داخل المجتمع الإسرائيلي، وفي أوساط المجتمع الفلسطيني كذلك، وسيتمكن معسكر السلام على ضفتي الخط الأخضر، من ترميم صفوفه وإنعاش دوره التاريخي، الذي تمت مصادرته وخطفه من قبل قوى التطرف هنا وهناك.
قلنا أن هذه الديناميكيات لن تنبثق من فراغ، وأشرنا إلى بعض الالتزامات التي يتعين الوفاء بها من قبل الجانبين، ونقول أيضا، أن هذه الديناميكيات لن تنبثق وحدها، فهي بحاجة إلى قوى منظمة، وعمل واع، وجهد دؤوب تضطلع به قوى السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وبدعم نشط من المجتمع الدولي.
إن الفجوة القائمة بين الحد الأدنى المقبول فلسطينيا، والحد الأقصى الذي بمقدور الحكومة الإسرائيلية أن تعرضه على الفلسطينيين، ما زالت كبيرة، والقوى المناهضة لعملية السلام، ما زالت تمتلك من الأدوات والأوراق، ما يمكنها من فرض أجندتها على الجانبين، وسيتعزز دور هذه القوى وينتعش، إذا ما تعثرت المفاوضات المقبلة، سيما حول موضوعات وبنود الحل النهائي.
من هنا تتأتى الحاجة لتوفير شبكة أمان، إقليمية ودولية للمفاوضين عن الجانبين، فقد برهنت تجربة السنوات العشر الفائتة، أن "الأقلية" غير المؤمنة بالسلام، قادرة على فرض مشيئتها على الأغلبية، دللت تجربة المفاوضات، أن حضورا قويا وفاعلا للمجتمع الدولي من شأنه أن يعظم فرص السلام، وفي ظني أن دورا نشطا للرباعية الدولية، مدعما بجهود تبذلها قوى عربية وإقليمية (مصر، الأردن وتركيا على سبيل المثال)، يمكن أن تسهم في توفير شبكة الأمان المطلوبة بقوة.
وفي ظني أيضا، أن مهمة المجتمع الدولي لا تنحصر في دعم المفاوضات والمتفاوضين فحسب، بل في تشجيع وتدعيم مسيرة الإصلاح السياسي والتعددية الديمقراطية في الدول العربية، وذلك من أجل خلق بيئة حاضنة للسلام الدائم والشامل، فالنظم الاستبدادية تتحمل المسؤولية الرئيسة عن تنامي تيارات العنف والتطرف في العالم العربي، والطغاة هم الذين أنجبوا الغلاة في دولنا ومجتمعاتنا.؟؟
وأخطر ما يمكن ان تواجهه مسيرة السلام والإصلاح في الشرق الأوسط، يتمثل في:
* الصمت على ممارسات هذه الأنظمة والحكومات، القمعية والفاسدة، نظير خدمات تؤديها في الحرب على الإرهاب، أو خدمة لاستراتيجيات دولية معينة.
* القبول بالفرضية / الفزاعة التي تروج لها هذه الأنظمة والحكومات، بالقول أن الديمقراطية وصناديق الاقتراع ستأتي بقوى أصولية معادية للغرب، ومناهضة للسلام والديمقراطية، فهذه القوى نشات تحت عباءة هؤلاء الحكام، وتعزز نفوذها في مناخات القمع والإرهاب، وهي أعجز من أن تقوى على قبول التحدي الديمقراطي، أو الانتصار في معركة الإصلاح والتحديث والعصرنة.
* التجاوب مع ميل هذه الأنظمة لتقديم التنازلات، أو التخلي عن حقوق وطنية لشعوبها، أو إسهامها في الضغط على الشعب الفلسطيني، للقبول بحلول لا تتوافق مع تطلعاته الوطنية، فهذه الأنظمة مستعدة لتقديم شتى أنواع التنازلات، على أن لا تكون لشعوبها، ونظير بقائها في موقع السلطة، إلا أنها تغفل أو تتغافل عن حقيقة، أن سلاما وتسويات لا ترضى بها الشعوب، لا تمتلك القدرة على الديمومة والاستمرار.
* قبول مزاعم بعض الحكومات والأنظمة، القائلة بأن تضييقها على الحريات، إنما ينبع من رغبتها في السلام، وحرصها على إضعاف "جبهة مقاومة التطبيع" الناشطة في معظم الدول والمجتمعات العربية، وهي ذاتها الذريعة التي تستخدم للقول بأن مقتضيات الحرب على الإرهاب، توجب مصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان، إن السلام لا يمكن أن يفرض بالقبضة البوليسية، والنظم الديمقراطية قادرة على استيعاب جميع الأطياف، بمن فيها الأطراف المناهضة لعملية السلام، وتوفر التجربة الإسرائيلية نموذجا لذلك، فمقابل القوى المناهضة للتطبيع في العالم العربي، هناك جبهة مناهضة للسلام ومؤيدة لاستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني في إسرائيل، فلماذا تعامل الأولى بالقمع والمصادرة، فيما تقابل الثانية بالحوار وعمليات الدمج في النظام السياسي؟!.
وأخيرا، فإن نوافذ الفرص للسلام والتغيير الديمقراطي في المنطقة، تبدو مفتوحة اليوم، وعلينا أن نبقيهما كذلك، علينا أن نخوض معركة السلام والديمقراطية ومحاربة الإرهاب والتطرف، على مساراتها الثلاث المتوازية، فأي تقصير على أي منها، سينعكس قصورا على الآخر.
شكرا لكم على صبركم وحسن استماعكم