A+ A-
كلمة معالي سمير الحباشنة , وزير الداخلية في افتتاح مؤتمر انتخابات 2007( نحو قانون انتخاب عصري) *
2004-11-20

معالي سمير حباشنة
وزير الداخلية

بسم الله الرحمن الرحيم
أسعدتم صباحاً، السيدات والسادة،

بداية اسمحوا لي أنقل للسادة أعضاء المؤتمر والأخ عريب، والمؤسسة الداعمة تحيات دولة رئيس الوزراء، وأبلغكم بعدم قدرته على المشاركة لوجوده خارج البلاد.
لا شك أنه يتم في هذا الصباح تناول موضوع على درجة عالية من الأهمية، وربما يكون من المواضيع المفصلية في تطوير الحياة السياسية الأردنية، والنهوض بها.
أولاً، أعتقد ويعتقد القانونيون المشاركون معنا في هذا المؤتمر، أن التشريعات هي أدوات لتحقيق الأهداف، وليست أهدافاً بذاتها، وبالتالي فهي وسيلة لتحقيق غايات يسعى لها المجتمع. نحن نتحدث عن قانون انتخابات، لأن في أذهاننا أنه عبر هذا القانون يتم إنتاج مجلس نيابي جيد، أو بلديات جيدة، أو مندوبين للطلبة بمستوى جيد، لكن بالتأكيد ليست الغاية المطلوبة هي أن يكون لدينا قانون انتخاب، لأن تحقيق الأهداف، حتى لو وجد القانون المناسب، مرتبط بالمناخ العام للدولة، والوضع المادي والثقافي والاجتماعي والنفسي لتقبل هذه الفكرة أو إلغائها، أو الهدف الذي عبر عنه هذا التشريع أو ذاك.
لذلك، لا أظن أن البيئة القانونية وحدها كفيلة بتحقيق الغايات. وسأعطي مثالاً من الحياة السياسية الأردنية، لقد سُمح للمرأة الأردنية عام 1974، بالمشاركة كناخبة وكمنتخبة، ومع ذلك انتظرنا لأواسط التسعينيات حتى تحقق هذا الهدف، رغم وجوده في القانون، ولم يصبح عندنا عضو برلمان من السيدات، أو عضو بلديات من السيدات إلا في أواسط التسعينيات. لذلك أعتقد أنه كان بين التشريع، والمناخ العام الاجتماعي والاقتصادي والنفسي وقبول الناس والمواطنين لهذه الغاية التي عبر عنها القانون عشرين سنة لتوفير ذلك المناخ القانوني والتشريعي، حتى رأينا سيدات في مواقع قيادية في الدولة. اذن البيئة القانونية هي عامل لكنها ليست كل العوامل.
مثال آخر، لدينا "الميثاق الوطني" الذي أقرَّ عام 1990 ـ 1991، في ذلك التاريخ كان لدينا أحزاب سياسية في الأردن، صحيح، يمكن القانون لم يعبر عن مساندة قوية لهذه الأحزاب، لكنه لم يعبر عن "إضعاف" لهذه الأحزاب. كُنتْ من الناس الذين دخلوا في إمكانية بناء حزب سياسي في الأردن. كانت حصتي أنني سرت في الأردن (2) مليون كيلو متر. الحصيلة كانت 500 شخص، وإذا ما استعرضنا أسماء الذين انضموا للحزب نجد أن فلاناً انضم للحزب، لأن فلاناً موجود فيه!، ..أو..أو. فالمسألة ليست مسألة قانون، أو مسألة نُخب. أشفق على الشباب الذين يعملون في الأحزاب على الساحة الأردنية وأثمِّن دورهم، إشفاقاً مرتبطاً بالتثمين، لأنني أعرف من داخلهم كم هي تجربة صعبة أن يتم بناء حزب سياسي في الأردن. قد يقول قائل: لدينا حزب جبهة العمل الإسلامي، كحزب قوي، أقول: نعم، فحزب جبهة العمل مرتبط بإرث عمره 60 عاماً، إرث عقائدي، وبحضور مادي، ومؤسسات داعمة، حزب عمره 60 سنة. من الظلم بمكان أن أقارن تجربة حزب جبهة العمل الإسلامي -على سبيل المثال- بتجربة الأحزاب الوطنية الناشئة!؟. عنصر المقارنة هنا غير وارد إطلاقا، فهو كمن (يجمع بين واحد كيلو متر + واحد كيلو متر مربع يقول = 2)، فهذا التجارب شيء مختلف تماماً.
أعتقد أن التوقف عند إمكانية أن يكون لدينا حياة سياسية منظمة وأحزاب، أمر كبير، أمر مرتبط بجملة عوامل محلية وإقليمية، مرتبط بالتكوين النفسي للناس، ونظرتها للأحزاب، وأولويات الناس تجاه العمل العام. هذه كلها عناصر مجتمعة، ليست في مرمى الأحزاب لوحدها، ولا في مرمى الحكومة لوحدها، وإنما أعتقد أن هذا هو هدف، أو غاية للدولة الأردنية، لأنها واحدة من عناصر التطور إذا ما تحققت على أرض الواقع.
هذا ينطبق على قانون الانتخابات، فهناك أناس يعتقدون أنه بمجرد صياغة قانون انتخابات عصري تصبح الأمور في أحسن حال!، فمن خلال متابعتي للعمل العام، أعتقد أننا لم نتفق على "ما العصرية"؟ التي نريدها من قانون الانتخابات الذي نتحدث عنه؟. ما هذه العصرية؟، السيدة تفهم "العصرية" كموضة، وجماعة التاريخ يفهمون "العصرية" بأنها تاريخ معاصر عمره 200 سنة، ويقول لك: بدايات التاريخ قبل القرن الماضي هو تاريخ معاصر. فمفهوم قانون الانتخاب المعاصر، لا بد أن يرتبط ارتباطاً حقيقياً بدراسة المناخ الوطني العام للدولة الأردنية، لناسها، لحكوماتها. ليس كافياً أن نقول: إن هناك قوى "سائرة إلى الأمام"!، وهناك قوى "شد عكسي"!، هذا كلام غير موضوعي.
أنا والأخ عريب ومجموعة من النخب الأردنية شاركنا في موضوع "الأردن أولاً"!، ليس صحيحاً أن "هيئة الأردن أولاً" انتهت لأن هناك قوى" شد عكسي"، سحبتها للخلف!. إحدى مشاكل ومعضلات الدولة إننا مع كل حكومة، ومع كل برنامج يبدأ، نبدو وكأننا نبدأ من "الصفر"!؟. كيف لنا أن نحافظ على تراكمية الإنجاز في الدولة؟!، أعتقد أن هذه أصبحت معضلة كبيرة!؟، عندما يأتي وزير الصحة، أو وزير الزراعة، أو الداخلية، يعتقد أن الدنيا تبدأ معه!، وكأنه قادم إلى "قطاع" أو إلى "حالة" وضعها مؤسف، منتهية، ويبدأ من الصفر، أو من تحت الصفر...هذا كلام غير دقيق!؟، تماماً مثلما يقال عن صراع الأجيال في الدولة الأردنية، هناك أجيال جديدة تتعامل معها الدولة الأردنية وكأنها بدأت من الصفر. مع أن هذه "دولة" إنجاز متراكم. فمن العشرينيات ومن جيل الأجداد، هناك أناس يضعون مداميك في بناء جسم هذه الدولة. هذه الدولة لم تبن من فراغ. هذه الدولة بواقعها الراهن، وبحالتها الراهنة، و بالمقاييس المالية الصرفة، لو لم يكن خلفها عقل أردني، وانتماء أردني، لكنا سنصبح مثل أية دولة متخلفة في القارة الافريقية. ماذا يميزنا عنها في الأردن؟، موازنتك المالية هي التي تجعلك تقتحم أرقام الدول المتوسطة في الإنجاز!. أعتقد أن هناك ذهناً أردنياً وانتماء أردنياً، هناك أجيال أردنية راكمت إنجازات. مؤتمرنا هذا لم يبدأ من الصفر في الحياة السياسية، والذي يرجع إلى تاريخنا يجد أنه كان هناك محاولات لتنظيم سياسي في العشرينيات، والثلاثينيات والأربعينيات في بلدنا، وهكذا!.. فالتجربة الأردنية مبكرة في كل شيء، بما فيها العمل السياسي.
لا اعتقد أن الأمر يتعلق بـ (قوى سائرة للأمام)، وقوى (شد عكسي) لقانون الانتخاب العصري!، من هي القوى "السائرة للأمام"، ومن هي قوى "الشد العكسي"؟!، لم أستطع أن أحددها بذهني!؟، هناك مصطلحات أحيانا تصدر إما لغايات سياسية بحتة، أو لتقييمات وفي النهاية تسيء للدولة، وتبعدنا عن الظرف الموضوعي، عن النقطة التي يجب التوقف عندها حتى ننطلق الانطلاقة الصحيحة. من ناحية المناخ العام الذي تحدثت عنه، هو حاضنة ضرورية، لتحقيق غايات محددة، ومنها الحياة السياسية.
إخواني، نحن في الدولة الأردنية نسمع يومياً عن "خلل واحد"، من أوجهه أن طلابنا في الجامعات اشتبكوا على خلفية "جهوية، أو عشائرية"!.. هذا خلل!،.يجب أن يضيء في عقولنا كافة الإشارات الحمر.
أعتقد أنه من المهمات الكبرى المطروحة على النخب الأردنية إعادة استنهاض "الروح" الوطنية الأردنية، للأجيال القادمة. فأخواتي وإخواني، لا يرون المشهد الأردني بكليته، وهذا من أخطر ما يمكن، ولا يحله قانون أحزاب!، هذا يحله نشاط عام للدولة، باتجاه إعادة توحيد المشهد الوطني الأردني: استحقاقاته، وأهدافه والتزاماته، لأن الهمَّ العام في الجامعات يدعو كل صاحب عقل الى أن يتوقف عنده. أنا من جيل الخمسينيات وهناك شباب كانوا أصغر منّا سناً، وأكثر شباباً، لم يكن هذا الكلام مطروحاً سابقاً "أن تنقسم جامعة، أو ينقسم معهد علمي في جامعة حينئذ، فهذه المراكز العلمية كانت تعتبر مصانع لإعداد قيادات المستقبل"!. كيف لهذه القيادات المستقبلية أن تتقاتل وتشتبك على أساس عشائري؟!، أو على أساس "مكاني"؟!، أنت قادم من هناك، وأنت قادم من منطقة أخرى!؟. أعتقد أنه يجب علينا أن نستنهض الروح الوطنية الأردنية. أشعر أن المشهد إما عليه "غباش "، أو "يتشظى"، وهذا عمل خطر، وخطر للغاية، وربما يشكل هذا أولوية للنخبة الأردنية بمواقعها المختلفة، في المعارضة أو المسؤولية.
مثل آخر، وهذا لا تشاهده إلا في الأردن. عندما تتحدث مع أي شخص يغضب لأي سبب، أول كلمة يقولها: "الله يلعنك من بلد"!، هذه البلد المحترمة التي تحقق لنا دفء المكان، دفء الروح الأردنية، ودفء التجربة التي أعتقد إذا ما قرأ تفاصيلها، حققت على الأرض ما لم تحققه تجارب أخرى!. قال لي الأستاذ بسام حدادين: إنهم طلبوا من أحد الأشخاص في المطار تفتيش حذائه، لأن الجهاز "يزمر"، ليس فيها شيء، هذا الإجراء هو حماية لأمنك فقط، وحماية للمسافرين بالطائرة!. أنا كوزير داخلية أضع شنطتي، وأمرُّ من تحت الجهاز، لأنه ربما أن الشخص المعروف يكون هدفاً سهلاً لنقل "مادة إرهابية" في الطائرة. في مطارات أخرى يسألون: هل أنت رتبت شنطتك لوحدك؟؟، وما كان منه ليرد على تفتيش حذائه، إلا أن "يشتم" البلد؟!. هذا جزء من ضعف روحنا الوطنية، وعدم الاكتراث بالمكان الأردني، والشخصية والأهداف الأردنية.
أعتقد أننا ما زلنا غوغائيين، وما زلنا بحاجة إلى مزيد من المساءلة، والله أنا في هذا الأمر أرى أن من يقول: "يلعن أبو هذا البلد يجب وضعه في السجن لمدة خمس سنوات غير قابلة للاستئناف"!؟، فهذا عيب، هذا شكل من أشكال "ضعف" الروح الوطنية الأردنية في داخلنا. أشقاؤنا في دول أخرى، يمكن أن يكونوا هم في حاجتك، ورغم ذلك يمكن أن يعانوا من أسوأ الأوضاع، لكن المسَّ ببلده وقيادته يعتبرها "خطاً أحمر، وينقلب إلى وحش"!. في إحدى الندوات التي عقدت في القاهرة، ندوة شبيهه بهذه الندوة، تحدث أحد الإخوان اليمنيين عن "مصر"، وكان يقف بجواره أحد الإخوة من المعارضة المصرية، فقال له: "نحن من يتحدث عن مصر، وليس أنت"!؟، بينما كثير من نخبنا في الخارج تتحدث وكأنها بوق من أبواق المناهضة للأردن!؟، وتلطخ صورة الأردن بالسواد!. الذي يسمع حديث بعض القياديين في الخارج يعتقد أننا في حرب أهلية!؟، وهناك متاريس، وأن حالة الجوع لدينا مثل "رواندا" أو الدول الأفريقية الفقيرة!، هذه حقيقة. أولوية الحالة الأردنية غائبة عنا تماماً، وكثير من سياسيينا، ـ دعني أمارس دوري كمواطن أردني يعمل بشكل متواضع ـ لديهم أولوية ثانية أو ثالثة أو رابعة لأجندته الخارجية!. كل هذه المسائل مطروحة على العقل الأردني لأن يعيد إنتاجها ومناقشتها، ولكن يجب أن يشخصها أولاً، قبل أن يعيد انتاجها على أساس ما هو مطلوب.
الحديث عن توزيع مقاعد البرلمان، والدوائر وإعادة ترتيبها، وتعداد السكان وإلغاء كوتا "البدو" وكوتا ..كذا، أعتقد أن التوقيت هو أهم شيء في العمل السياسي، فهذا ليس هو "التوقيت" المناسب لطرح مثل هذه المسائل!؟، قبل أن نرى "الحل النهائي"، والمستقر لقضية أشقائنا الفلسطينيين، فلا يجوز العبث بما هو قائم!؟. أما فيما يتعلق بقانون الانتخابات!، هذا الأمر يجب أن يكون واضحاً لدينا، ولدوافع قومية ووطنية تصب في مصلحة أشقائنا الفلسطينيين، وفي مصلحتنا أيضا. هذا الأمر لا يجوز الحديث عنه الآن، فهو أمر مؤجل إلى أن تنجلي صورة الأبيض من الأسود!. أعرف ماذا سيحل بالصورة النهائية لأشقائنا في فلسطين، هذا أمر ليس مطروحاً، ولا يجوز أن نعزل الدولة الأردنية عن سياقها العام، فالدولة الأردنية أكبر مضيف للاجئين. هناك قضية معلقة اسمها "قضية اللاجئين"!، هناك القضية الفلسطينية، فهي بالنسبة للأردن قضية وطنية في الداخل الأردني، لا أستطيع ترتيب أموري، وأوراقي، بمعزل عن ما يجري في فلسطين تحديداً، يمكن لأي شقيق عربي في دولة أخرى أن يفكر في ترتيب أولوياته دون التوقف عند القضية الفلسطينية، باستثناء الأردن. فهذا "وضع للرأس في الرمال!، أن تتحدث عن تنمية وتطور، ليس فقط تطور سياسي بكل أحواله، وأن تسقط من حساباتك ما يجري غرب النهر!؟، أعتقد أن هذه المسائل ليست في وقتها، لنقولها بكل وضوح المطلوب لهكذا مرحلة.
في الرقابة الدولية على الانتخابات، الرقابة الدولية لانتخابات في بلد ما، إما أن يكون هذا البلد قد تأسس حديثاً، أو أنه بلد فيه إشكاليات وطنية كبرى، ويحتاج إلى من يراقب عليه.
أريد أن أذكّر إخواني أن الانتخابات النيابية الأخيرة في الأردن، إذا تمّ فيها تجاوز فهو تجاوز مواطنين، وليس تجاوز الدولة، وهذا يأتي تحت بند "الكوي"، هذه القصة التي أخذت قسطاً كبيراً من الحوار، سوف أعلن الأرقام المتعلقة بما يسميه الناس "كوي الهويات"، والتي تسميها وزارة الداخلية الأوراق "المكررة"، سوف تتفاجأوا، لأن عدد الاوراق المكررة على مستوى الدولة، يقل عن "1000" بطاقة!، فقط للعلم!، هذه هي القصة التي عملنا عليها مسرحيات وكاريكاتير.. وندوات. وسوف أعلن الأرقام للناس، بحجم البطاقات المكررة في كل دائرة انتخابية!؟.
الرقابة الدولية على ماذا؟..الرقابة الدولية تتم عندما تكون هناك متاريس، الناس ثائرة على بعضها بعضا!. نحن في هيئة "الأردن أولاً!" أنا وأخي عريب ومجموعة من الإخوان كنا أعضاء فيها، وطرحنا أن تكون هناك هيئة مشرفة على الانتخابات، ولكنها هيئة وطنية، قد يكون فيها قضاة، أو إداريون، ولكن بالتأكيد الرقابة الدولية ليست في الحالة الأردنية.
أشكر الأستاذ عريب وأجدد تحيات دولة الرئيس للسادة المشاركين، وأتمنى النجاح لأعمال هذا المؤتمر، شكراً.

* ورقة عمل قدمت في مؤتمر " انتخابات 2007" نحو قانون انتخاب عصري" بتنظيم مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 20-21/ تشرين الثاني 2004 ,الاردن -عمان.