A+ A-
كلمة مركز القدس للدراسات السياسية في مؤتمر "إنتخابات 2007... نحو قانون إنتخاب عصري"
2004-11-20
معالي الأخ / المهندس سمير الحباشنة، مندوب دولة الرئيس / وزير الداخلية،أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،
أصحاب السعادة السفراء، وممثلي البعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية،
أيتها الصديقات... أيها الأصدقاء،
فإنه لمن دواعي سروري واعتزازي أن أرحب بكم في مفتتح أعمال مؤتمرنا هذا: "انتخابات 2007 .. نحو قانون انتخاب عصري"، الذي يأتي استكمالا، ومتابعة للتوصيات التي انتهى إليها مؤتمر "الأحزاب السياسية في العالم العربي...الواقع الراهن وآفاق المستقبل" المعقود في عمان في الثاني عشر والثالث عشر من حزيران / يونيو من السنة الحالية، وشارك في أعماله عدد كبير منكم.
لقد خرج مؤتمرنا ذاك، الذي تفضل دولة رئيس الوزراء الأفخم الأستاذ فيصل الفايز، برعاية أشغاله، والمشاركة في مناقشاته، بتوصيتين مهمتين: الأولى دعوة مركز القدس للدراسات السياسية لتنظيم حوارات بين مختلف ألوان الطيف السياسي الوطني الأردني، وصولا لصياغة مسودة قانون جديد للأحزاب السياسية الأردنية، تراعي التطور الحاصل في واقع الحياة الحزبية الأردنية، وبما يمكّن أحزابنا السياسية، ويعزز دورها. وقد صدع المركز لإرادة المؤتمرين، ونظم خلال الأشهر الفائتة، سلسلة من الندوات، وورش العمل، انتهت إلى صياغة ما نعتقده "مسوّدة" توافقيه للقانون والأسباب الموجبة للتعديلات المقترحة عليه، وقد جرى توزيعها على نطاق واسع على كل من يعنيهم الأمر، وها نحن نضعها في ملفاتكم، وبين أيديكم اليوم.
أما التوصية الثانية لمؤتمر حزيران، فقد أوكلت لمركز القدس للدراسات السياسية مهمة تنظيم حوارات مماثلة، من أجل صياغة قانون حديث وعصري للانتخاب، وقد صدع المركز لرغبة المؤتمرين وقناعتهم، وبادر إلى تنظيم سلسلة من الندوات، وورش العمل، التي ناقشت مسوّدات عدة لمشروع قانون الانتخابات، وجرى تكليف عدد من الباحثين المختصين من: أكاديميين، وحقوقيين، وحزبيين نشطاء ، بإعداد أوراق عمل حول مختلف جوانب القانون، نوقشت خلال الأشهر الماضية، وبالتوازي مع النقاشات التي دارت حول مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية، وها نحن نتوِّج هذه الأعمال التحضيرية، بعقد مؤتمرنا الوطني هذا، الذي نأمل أن ينتهي إلى خلق قاعدة عريضة من التوافق والاتفاق الوطنيين، حول أسس القانون الجديد وملامحه.
أيتها الصديقات ... أيها الأصدقاء،
وإذ تجدون بين أيديكم اليوم، مسوّدة للتعديلات المقترحة على قانون الانتخاب، التي نأمل أن تجد طريقها إلى حواراتكم ومداخلاتكم القيّمة، فإنني استميحكم العذر للتشديد على عدد من الأفكار الرئيسة، أو بالأحرى المحددات والضوابط والأهداف التي حكمت تفكيرنا وأعمالنا، ونحن نعكف على قراءة القانون النافذ، والنظر إلى مواطن التعديل، والتبديل الضرورية فيه:
أولا: تمكين الأحزاب السياسية: إن أي تعديل للقانون لا يأخذ بالاعتبار هدف تمكين الأحزاب السياسية من النهوض بدورها، ومساعدتها على تجاوز عثراتها، والتغلب على التحديات التي تنتصب في طريقها، يظل تعديلا ناقصا ومجزوءاً. لهذا السبب بالذات، عملنا على اعتماد "النظام المختلط" الذي يزاوج بين الصوت الفردي في الدائرة الانتخابية، والقائمة النسبية أو الحزبية، وهو النظام الانتخابي الأكثر انتشارا، ولربما الأكثر ملاءمة لظروف بلادنا. وقد اقترحنا في هذا السياق أن توزع مقاعد المجلس النيابي القادم بنسبة 1 : 2، فتعطى القوائم النسبية ثلث مقاعد المجلس النيابي الذي نقترح أن يثبت عددها وحتى إشعار آخر، عند حدود المائة والعشرين مقعدا، وتبقى بقية المقاعد خاضعة للمنافسة الفردية في الدوائر الانتخابية.
ثانيا: بالنظر إلى الظروف الخاصة المحيطة بتجربة العمل الحزبي في بلادنا، وما يعتريها من اختلالات، ارتأينا أن تكون القوائم النسبية / الحزبية، على مستوى المحافظة أو الإقليم، حرصاً على تحقيق أوسع تمثيل حزبي في البرلمان الخامس عشر، ومن أجل تحقيق الغاية ذاتها، نقترح أن تكون نسبة الحسم، أو عتبة الفوز، 1%، ويمكن أن ترتفع في الانتخابات اللاحقة، بعد أن تكون تجربة الأحزاب السياسية الأردنية قد شهدت مزيدا من التطور والنضح والعمق.
ثالثا: تمكين المرأة الأردنية من الوصول إلى البرلمان، والسعي في نفس الوقت لاختيار القيادات النسائية الواعية والمجرِّبة، لخوض غمار التجربة البرلمانية. وفي هذا السياق جاء اقتراحنا بأن تُلزم القوائم النسبية والحزبية، بتخصيص مواقع مضمونة للنساء على لوائح مرشحيها، فيخصص الموقع الثاني أو الثالث من القائمة للسيدات المرشحات للبرلمان، فتنتفي بذلك الحاجة للمقاعد الإضافية، أو ما بات يعرف بـ"الكوتا" النسائية، ونضمن في الوقت نفسه، وصول سيدات كفؤات وناشطات في العمل العام، إلى مقاعد مجلس الأمة.
رابعا: إذ تعاني مناطق أردنية عدة، وقطاعات واسعة من المواطنين، من اختلال في التمثيل، تعددت أسبابه وظروفه، ارتأينا أن "التدرج" في معالجة هذه الاختلالات هو الوسيلة المنطقية لتعميق مفهوم المواطنة، والعلاج المسؤول لهذه الظاهرة، دون تطاول على حقوق مكتسبة، أو تغافل عن حالات غبن في التمثيل ليست خافية على أحد.
خامسا: توقفت النقاشات التحضيرية مطولا أمام مسألة "الكوتات" في قوانيننا الانتخابية، وأصدقكم القول، إنها مسألة مثيرة للجدل يصعب الوصول فيها إلى حل توافقي مرض للجميع ....وأصدقكم القول أيضا، إن غالبية المشاركين في هذه الحوارات، استقروا في آرائهم على وجوب دمج "كوتا" المرأة بقوائم الأحزاب النسبية، ودمج "كوتا" البدو بالمحافظات التي يقيمون فيها، بعد أن تجاوز الأردن، بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حالة البداوة إلى ضفاف المدنية والاستقرار، منذ سنوات وعقود عدة خلت ... أما بقية (الكوتات)، وتحديدا المقاعد المخصصة للمواطنين من أصول شركسية وشيشانية، أو لأبناء الطوائف المسيحية الكريمة، فاستقر رأي الغالبية على وجوب الحفاظ عليها كما هي، إلى حين يتسنى لنا اعتماد نظم انتخابية حزبية / نسبية على مستوى الوطن، ولجميع المقاعد النيابية.
سادسا: ولأننا نؤسس لقانون انتخابي مختلط، يلحظ تمكين الأحزاب، ولأننا نسعى للوصول إلى مرحلة تتشكل فيها الحكومات من داخل البرلمان، وعلى قواعد ائتلافية تلحظ الأغلبية والأقلية، ارتأينا أن تتولى الإشراف على العملية الانتخابية، من الألف إلى الياء، لجنة/ هيئة، وطنية مركزية عليا، تتشكل بإرادة ملكية سامية، ويسهم في اختيار أعضائها الحكومة، ومجلس النواب وفق قواعد محددة ينص عليها القانون، وتضم بين صفوفها قضاة كباراً مشهوداً لهم بالنزاهة والحياد، وتعتمد هذه الهيئة في تنفيذ أعمالها على الكفاءات والخبرات، والخدمات البشرية واللوجستية المتطورة التي راكمتها وزارة الداخلية، والجهات الحكومية ذات الصلة طوال السنوات والعقود الماضية.
سابعا: إذ لاحظ المشاركون في الأعمال التحضيرية لمؤتمرنا هذا -بارتياح بالغ- سهولة ويسر وشفافية الجوانب الإجرائية في انتخابات 2003، فقد شددوا على وجوب المضي قدما في تطوير الجوانب الإجرائية في الانتخابات المقبلة، وسدِّ أية ثغرات يمكن أن تشوه نزاهة انتخاباتنا البرلمانية. كما شددوا على أهمية تعزيز دور القضاء في الإشراف على مختلف مراحل العملية الانتخابية، وصولا إلى الفصل في الطعون. وطالبوا بفتح الباب أمام رقابة مدنية أردنية على سير الانتخابات، من دون استبعاد أو تقليل من أهمية استدعاء رقابة دولية على العملية الانتخابية، فليس لدينا ما نخشاه، أو نقلق عليه، أو نسعى لإخفائه.
أيتها الصديقات ... أيها الأصدقاءينعقد مؤتمرنا هذا، ولمّ تنقضِ بعد، سوى أسابيع قليلة على إعلان الحكومة عن خطتها للإصلاح الإداري العام والشامل. وهي الخطة التي رتبت التعديل الوزاري الأول على حكومة الأستاذ فيصل الفايز، الأمر الذي أثار وما زال يثير، الكثير من الأسئلة والشكوك، حول مصير خطة التنمية السياسية، وموقعها في سلم أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة.
بكل الصراحة التي اعتدنا أن نتحدث بها مع بعضنا بعضاً نقول: إن الحكومة مطالبة بتبديد هذه الشكوك والإجابة عن التساؤلات المثيرة للإحباط لدى قطاعات واسعة من العاملين في العمل الوطني العام، فلا يكفي أن نقول إن الحكومة ما زالت ملتزمة بخطة التنمية السياسية، بل المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، اتخاذ سلسلة من الخطوات العملية على هذا الطريق، بدءا بالقوانين والتشريعات الناظمة للعمل العام، وفي المقدمة منها قانون الأحزاب والانتخاب، وانتهاء بإدامة الحوار الوطني، ومأسسته بين مختلف مكونات الرأي العام: السياسية، الفكرية، الثقافية، الاجتماعية.
المطلوب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، وقفة مصارحة ومكاشفة مع الرأي العام الأردني، فإذا كانت عواصف الإقليم المضطرب من حولنا سبباً قد يدفع بعضنا للتفكير وإعادة التفكير بخطط الإصلاح والتنمية السياسيين، وإذا كانت القوى المحافظة ـ أو ما يسمى بتيار "الشدِّ العكسي" ـ هي المسؤولة عن تعطيل عملية التحول الديمقراطي في بلادنا، فإن علينا أن نتفق جميعا، على أن الحوار، والحوار وحده، هو الذي يمكن أن يفضي إلى أفضل التوافقات، والتفاهمات حول خطط الإصلاح وأولوياتها ومعدلات السير على طريقها. علينا أن نتذكر جميعا، بأن ما من إصلاح في جانب من جوانب الحياة وحقولها، إلا ويقابل بقوى محافظة وتيارات شدِّ عكسي، فهل سنظل نعيد النظر في خططنا الإصلاحية والتحديثية عند أول مقاومة، أو ضجيج يصدر عن هذه القوى؟، ألن تقابل القوى المناهضة للإصلاح السياسي، خطط الإصلاح الإداري بالتحفظات الأشد ضراوة، كما قابلت من قبل المشروع الإصلاحي الكبير: "الأردن أولا"!؟. ما الذي ستكون عليه مواقفنا بعد ستة أشهر، أو عام إذا ما قوبلت جهودنا لترشيق الأداء العام، وترشيده بالتشكيك والعرقلة؟
ثم، ألسنا في واقع الأمر أمام مفارقة يصعب هضمها، تتمثل في أن بؤر التوتر العربي الأشد اشتعالا بالفوضى والحروب والعنف، وتحديدا في فلسطين والعراق، هي ذاتها البؤر الأكثر اشتعالا بالحوارات والسجالات الوطنية حول قوانين الانتخاب والأحزاب، والمراحل التحضيرية لولادة نظم سياسية جديدة؟، فيما أغلب دول الجوار ما زالت تبدي تحفظاتها عن بعد، وتغلّب قلقها وهواجسها على أولويات أجندة الإصلاح السياسي الشامل.
أيتها الصديقات ... أيها الأصدقاء،
لقد رأينا في اهتمام دولة الرئيس برعاية هذه المؤتمر وإسهامه الشخصي فيه- والذي لم يحل دونه سوى انشغال طارئ- دلالة على استمرار الاهتمام بخطة التنمية السياسية. كما نرى في حضور معالي الأخ والصديق المهندس سمير الحباشنة وزير الداخلية الأكرم، دلالة أخرى، وفي الاتجاه ذاته، وكلنا أمل أن تشرع الحكومة بعد أن انتهت من ترتيب بيتها الداخلي، وصياغة أولويات برنامجها للمرحلة المقبلة، في إنجاز ما تعهدت به من مهمات إصلاحية في مختلف المجالات: السياسية، والاقتصادية، والإدارية.
على أننا، وفي مطلق الأحوال، ما زلنا على يقيننا، بأن التنمية السياسية ليست حكراً على الحكومات وحدها، وعلينا أحزابا ومثقفين، ومنظمات أهلية، ومؤسسات مجتمع مدني أن نضطلع بقسطنا من المسؤولية عن إدامة الحوار الوطني حول خطط الإصلاح والتحديث، وما مؤتمرنا هذا في حقيقة الأمر، سوى محاولة على هذا الطريق...آملين أن تتكلل أعمالكم بالنجاح والتوفيق.
اسمحوا لي، بعد الاعتذار عن الإطالة، أن أتقدم بالشكر لشركائنا في مؤسسة كونراد أديناور لإسهامهم في إنجاح أعمالنا هذه، ولزملائي وزميلاتي في المركز الذين بذلوا جهودا مضنية خلال الأشهر الست الماضية، ولكل السادة والسيدات الذين أغنونا بمداخلاتهم القيمة في الندوات التحضيرية.
باسمكم جميعا، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لدولة رئيس الوزراء الأفخم الأستاذ فيصل الفايز، الذي تفضل مشكورا برعاية مؤتمرنا هذا، والشكر الجزيل لمعالي الأخ المهندس سمير الحباشنة، مندوب رئيس الوزراء وزير الداخلية الأكرم، على حضوره بيننا راعيا ومشاركا، شكرا لكم جميعا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ورقة عمل قدمت لمؤتمر " انتخابات 2007" نحو قانون انتخاب عصري" بتنظيم مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 20-21/ تشرين الثاني 2004 ,الاردن -عمان.