A+ A-
قانون الانتخاب الاردني الحالي
2004-11-20

شكراً أخي، وصديقي الدكتور سليمان عربيات، على هذا التقديم، وعلى إدارتك للجلسة، وشكراً لمركز القدس للدراسات السياسية الذي أتاح لنا هذه الفرصة، لنتناقش جميعا في همومنا، وفي مجالات معينة تتعلق بقانون الانتخاب طرحتها هذه الندوة، وشكراً لمن تحدثوا قبلي، ولمن أبدوا مداخلات قبلي أثروا فيها هذه الندوة.أولا: الموضوع الذي سأتحدث عنه هو "قانون الانتخاب الأردني الحالي"! لقد كلفني الأستاذ عريب قبل يومين أن أتحدث في الموضوع وبالتالي، لم يكن بالمقدور أن أضع الورقة مكتوبة، فقررت أن أشرح ما بذهني حول هذا الموضوع، لعلني فيما بعد أزوده بورقة مكتوبة، أو أكتفي بما سأقول ليكون ورقتي.الامر الثاني : الأوراق الموزعة هذا الصباح لا أعتقد أن أي واحد منا كانت لديه الفرصة الكافية لقراءتها قراءة متمعنة، لكي يجري الحديث حول ما هو مكتوب فيها، ومن ثم فإن الحديث عنها سيكون حول ما تم شرحه عنها، وقوله عنها من كاتبها.أبدأ حديثي بوضعنا داخل المملكة الأردنية الهاشمية وأقول، على الرغم مما قد نختلف فيه من وجهات نظر بين قائل بسلطات حكومية متشددة وعدم توافر الحريات الكافية، وقائل بأن في ذلك تضخيم للأمور، وأن الحريات موجودة، فإني أسجل هنا موازنا مع دول المنطقة، بأن ما نقوله هنا وما نقوله في محاضراتنا وندواتنا، وعلى صفحات الصحف من نقد للحكومات، يشكل هامشا أكثر اتساعا للحرية في الأردن! وأقدر أنه لا مثيل للهامش والمدى الذي نتحدث فيه هنا في كثير من الدول العربية، لا أريد أن أسمي، ولعل نباهتكم تدرك ما أقول. لكننا نطلب مزيدا من الاتساع لهذا الهامش.
الأمر الثالث: نحن هنا نتحاور كمثقفين ننطلق من تطلعات إلى الأفضل. السلطات السياسية والسلطات بوجه عام، تتعامل مع ما هو قائم. المثقف يتعامل مع ما يجب أن يكون، وفي ذهنه صورة نموذجية يعتقد أنها تناسب ظروفنا. وليس لرؤية المثقف أية حدود، فهو يطرح ما يعتقده، ويترك للسلطة السياسية أن تأخذ بأقصى مدى تستطيعه مما يقول، وبود المثقف أن تأخذ السلطة السياسية بكل ما يقوله، أو بالكثير مما يقوله، من أجل أن نصل للأفضل، ونتقدم دائماً.من هذا المنطلق، أتحدث عن "قانون الانتخاب"، وأبدأ بالقول إننا في الأردن هنا، ولعقود خلت، عشنا ظروفا سياسية متقلبة قبل انتخابات مجلس النواب "الحادي عشر"!. قبلها كانت الأحكام العرفية، وكانت الأحزاب ممنوعة من ممارسة نشاطاتها، وترتب على هذا الوضع لثلاثين أو أربعين سنة آثار اجتماعية ما زلنا نعاني منها، ونبحث عن حلول لهذه الآثار القادمة من الماضي. أول أثر، أدى غياب الأحزاب السياسية الى ضرورة أن يجد المواطن الأردني "رئة" سياسية كمؤسسة يتنفس بها ومن خلالها. وكان من نتيجة هذا الغياب للمؤسسة الحزبية أن تصبح المؤسسة التي تعبر عن أفكاره السياسية هي "النقابة"، فأصبحت النقابات هي الرئة التي يتنفس بها الأردنيون تنفساً سياسياً. وبسبب الخوف القادم من الماضي حول الانتماء الى الأحزاب، وهي حديثة النشأة، وذلك بالنظر الى أن قانون الأحزاب قد صدر عام 1991، ثم بالنظر الى ضعف هذه الأحزاب، ظلت النقابات تشكل الرئة السياسية المتجذرة واقعيا للممارسة المطلوبة، والمرغوب فيها حتى الآن. وعندما وجدت السياسة أن طروحات النقابات لا تناسبها، أرادت هذه السياسة التضييق على النقابات تحت ذريعة أن الأحزاب، وليست النقابات هي وسائل ممارسة العمل السياسي. ومع هذا الطرح الجديد من قبل الحكومة واستعانتها بالمجلس العالي لتفسير الدستور؛ لتغطية مقولاتها من الناحية الدستورية، حدث الصدام بين الحكومات وبين النقابات. وما زلنا نعيش هذه المرحلة.
الأمر الرابع: إنه مع غياب الأحزاب السياسية، وعدم وجود الحكومات المنبثقة من أغلبيات برلمانية حزبية، كانت الحكومات قصيرة العُمر، محدودة النظر، لا تعرف لماذا جاءت، ولا متى ستذهب. وحتى الوزراء فيها، فقد لا يعرفون بعضهم قبل دخول الوزارة، وفي جميع الحالات، فليس هناك من طروحات، أو توجهات، أو خلفيات سياسية تشكل قاسما مشتركا بينهم، أو سببا لاشتراكهم معا في حكومة واحدة. وكلما جاءت حكومة اعتقدت أنها تبدأ من الصفر، فتكرر تجربة سابقتها، وتظل فاقدة للقدرة على اكتشاف الاتجاهات، ورسم التوجهات والسياسات البرامجية المتكاملة المطلوبة للمجتمع الأردني. ولهذا لم يكن هناك استمرارية في المسار. هذا الفراغ الذي تركه عدم الاستمرارية، وعدم رسم نهج متواصل للإدارة الحكومية، استتبع أن يحل مكان هذه الحكومات جهة لها طابع الاستمرار، فحلت الجهات الأمنية محل الحكومات، ولكن بمنطلقات يسيطر عليها ويحكمها التفكير الأمني والرؤى الأمنية. وما زلنا إلى الآن نراوح في هذه المرحلة، سواء أكان ذلك في موضوع النقابات، أو في موضوع الحريات، أو في موضوع الحكومات التي تتحرك وتتغير بسرعة دون أن تشكل أي حكومة استمراراً لنهج أو خطة، أو برنامج لمن قبلها.وبالنسبة لقانون الانتخاب، سوف أتحدث بشكل موجز عن جانبين من جوانبه لضيق الوقت:الجانب الأول: الجوانب الدستورية.الجانب الثاني: الجوانب الموضوعية لقانون الانتخاب، وآثارها الواقعية.
وبالنسبة للجانب الدستوري أقول: صدر قانون الانتخاب الحالي، في 19/7/2001، "كقانون مؤقت" وألغى قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان الأردني عام 1986، وفي سنة 1989، أجرينا انتخابات وفقاً لقانون 1986، الذي كان صادراً في فترة الأحكام العرفية، وفي سنة 1993، أدخلنا نظام "الصوت الواحد" بتعديل جاء بقانون مؤقت، أُقر فيما بعد من قبل مجلس الأمة. ثم جاءت سنة 2001، فأصدرت الحكومة قانونا مؤقتا للانتخابات؛ ليحكم انتخابات العهد الذي أطلق عليه العهد الديمقراطي، حيث ألغينا فيه قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان عام 1986، أيام الأحكام العرفية عندما كان العمل الحزبي محرما ومعاقبا عليه. ويا ليت قانوننا الماضي بقي محل القانون المؤقت الذي نعيش في ظله الآن! يؤخذ على القانون المؤقت للانتخاب، أن إصداره كقانون مؤقت مخالف للدستور، لسبب بسيط جداً، وهو أنه لم تكن تتوافر لإصداره حالة الضرورة التي تشترطها المادة (94) من الدستور. هذه المادة تشترط "وجود حالة ضرورة من أجل أن يصدر القانون المؤقت"!. راجعت لمدلول الضرورة كل الأحكام التي صدرت عن القضاء: الأمريكي، والقضاء الإنجليزي والفرنسي، والمصري، والياباني، والهندي، ووجدت أن مفهوم الضرورة في هذه النظم يتفق تماماً مع ما يجمع عليه الفقه العربي. الفقه العربي يقول بتعريفه للضرورة: "إنها الحالة التي تنتج عن توافر ظروف فجائية، أو حالات شاذة، أو خطر داهم يحدق بالوطن، يستوي في ذلك الخطر الناتج عن غزو خارجي، أو عصيان مسلح، أو نكبات عامة، أو اضطرابات داخلية شديدة الخطورة، بحيث يتعذر دفع هذه المخاطر بالوسائل القانونية العادية، مما يضطر الحكومات إلى اللجوء إلى السلطات الاستثنائية باعتبارها الإجراء الوحيد الذي لا بد منه، للتغلب على هذه الظروف الشاذة ومواجهة هذه الأزمات"!
في القانون المصري، والأحكام المصرية، هذا هو المنطق تماماً كما أقول، وأضيف يجمع الفقه العربي على ذلك. وعندما أقول (يُجمع) فإني أتحمل كأستاذ للقانون مسؤولية ما أقول. وفوق ذلك جاءت أحكام القضاء الأردني لتؤكد ما أقول. فقد جاء في حكم محكمة العدل العليا عام 1982، أنه يشترط للاحتجاج بأحكام الضرورة ما يلي: "وجود خطر يهدد النظام العام، وأن يتعذر دفع هذا الخطر بالطرق العادية"، وفي عام 1997 قررت المحكمة العليا: "إن حالة الضرورة تتمثل في نشوء خطر جسيم يتعذر مواجهته بالطرق القانونية العادية، كالحرب والكوارث والفتن الداخلية..الخ"!، وفوق ذلك جميعه، فإن المادة (13/1) من الدستور الأردني تنص بشكل واضح على أن حالة الضرورة تتمثل في: "حالة الحرب، وقوع خطر عام، أو حريق، أو طوفان، أو مجاعة، أو زلزال، أو مرض وبائي شديد للإنسان أو الحيوان". ويبدو أن حكومة (القوانين المؤقتة) كانت تعتقد أن الدستور لا يعني لها شيئا.
إخواني، بتاريخ 15/7/2001، أي قبل أربعة أيام من صدور قانون الانتخاب المؤقت، وجهت -بصفتي أستاذاً للقانون، وأتعامل بالفقه القانوني- رسالة إلى دولة رئيس الوزراء، نُشرت على صفحات جريدة (الدستور)، عنوانها: "إلى دولة الرئيس حتى لا تخالف الدستور"، وكان من ضمن ما قلت فيها "يا دولة الرئيس تتحدث الصحف عن نية الحكومة إصدار قانون انتخاب مؤقت، وأرجو أن أؤكد لك أن المادة (94) من الدستور تشترط لإصدار القانون المؤقت أن تتوافر حالة الضرورة. نحن الآن في 15/7/2001، والشعب الأردني معي يعلم أنه لا توجد حالة ضرورة بالمعنى المجمع عليه بالفقه، أرجوك لا تصدر قانون الانتخاب كقانون مؤقت، فإن وجدت يا دولة الرئيس أن السياسة تقتضي منك إصدار قانون بمواصفات معينة، أرجوك أن تنتظر شهرين، وبعدها يرجع مجلس النواب بحكم المادة (73/1) من الدستور؛ لأنه يكون قد مضى أربعة شهور على عدم إجراء الانتخابات بعد حل المجلس، وعندها يصدر لك مجلس النواب القانون المطلوب، وتتجنب مخالفة للدستور". وأنا هنا أيها السادة أتحدث عن الشكل، لكن أحداً لم يسمع ذلك. وكان هذا أول قانون مؤقت تصدره الحكومة دون خشية من مخالفة الدستور. ويبدو أن من يقتل قتيله (ضحيته) الأولى، لا يهمه الدم بعد ذلك، فقد أعقب هذا القانون (219) قانونا مؤقتا، امتدت من قوانين العقوبات إلى قانون الشركات، وقانون الجامعات، وقانون الخلع ..... وهكذا.
والعديد من القوانين المؤقتة التي صدرت، كان فيها نص موحد الصياغة يقول: "يلغى اي نص آخر، أو لا يعمل بأي نص آخر في التشريع الأردني، إلى المدى الذي يتعارض مع أحكام هذا القانون" أي القانون المؤقت. وعلى هذا النحو ففي الـ (220) قانوناً مؤقتاً التي أصدرتها الحكومة، ألغينا من النظام القانوني للدولة الأردنية أعدادا من النصوص لا يعلمها إلا الله. الراسخون في العلم لا يعلموها لأنهم لا يعلمون المجهول! ولا يستطيع أحد الآن معرفة النصوص الملغاة من نظامنا القانوني. وأنا أتحدى أن يعرف أحد ما حكم القانون الأردني في بعض الموضوعات، لأن هناك نصوصاً نسخت غيرها دون أن تحدد ما هي!؟، هناك الناسخ والمنسوخ، والمعارض الجزئي والمعارض الكلي، ونتيجة ذلك، فنحن الآن نعيش في فوضى بالنظام القانوني لا اعتقد أن دولة في العالم المتحضر مرت في مثل هذه التجربة، وهذا الظرف، ومع ذلك كثر الحاملون للمباخر لهذه الحكومة.
الأمر الثاني: انظروا، هذا هو الدستور الأردني، إذا تصفحتم مواده، لن تجدوا فيه قوانين مسماة سوى أربعة قوانين، وكل واحد من هذه القوانين التي سماها الدستور يستمد قوته من ذات القانون؛ باعتباره قانونا سمى الدستور موضوعه حصرا وتحديدا. أما القانون المؤقت فهو لا يستمد قوته من ذاته، و إنما تكون له قوة القانون، ويسري مفعول القانون المؤقت بالصورة التي يسري فيها القانون، فهو ليس قانونا في الأصل، وإنما يسري بالصورة التي يسري فيها القانون!.
قانون الانتخاب، وقانون العقوبات، وقانون الدفاع مثلا، هي من القوانين المسماة، ذُكر اسمها وموضوعها حصراً بالدستور، لأنها من قوانين الحريات الأساسية. ولذلك أوجب الدستور أن يصدر قانون انتخاب، وقانون عقوبات، وقانون دفاع كقوانين فحسب دون أن ترتبط بها صفة التوقيت. بعبارة أخرى، فلأن هذه القوانين ذكرت بالاسم، فقد أصبحت محرمة على الإصدار كقوانين مؤقتة، لأن قوتها كقوانين مسماة تنبع من ذاتها، أي تنبع من اسم موضوعها الذي حدده الدستور حصرا، ومن ثم، فلا يتفق مع طبيعتها الدستورية أن يكون لها مجرد قوة القانون، وأن تسري بالصورة التي يسري فيها القانون كما هو الحال بالقوانين المؤقتة. أي قانون آخر يمكن أن يثور الخلاف بشأن توافر حالة الضرورة فيه، أما القوانين المسماة هذه، فلا تثور بشأنها حالة ضرورة، بمعنى أن الضرورة منها براء بحكم الدستور، ولا يوجد لإصدارها حالة ضرورة. قانون العقوبات، قانون الانتخابات، قانون الدفاع هذه متعلقة بالحريات والحقوق العامة، وبالتالي محرمة على القوانين المؤقتة، والنظم الدستورية سمَّت هذه القوانين بالاسم، حتى لا تخضع في إصدارها، وفي موضوعها لأهواء الحكومات؛ فتصدرها كقوانين مؤقتة.
ومخالفة دستورية أخرى، نجدها في المادة (52) من قانون الانتخاب الحالي. فهذه المادة تقول: يصدر مجلس الوزراء "نظام تقسيم الدوائر الانتخابية". الدستور الأردني، لا يعرف سوى نوعين من الأنظمة: الأنظمة المستقلة التي قوتها مثل قوة القانون، كما هو الحال بالنسبة لنظام الخدمة المدنية، والأنظمة التنفيذية : التي تصدر تفصيلاً لما أجمله القانون، دون أن تضيف إليه أي حكم جديد. لكن نظام تقسيم الدوائر الذي فوض القانون المؤقت فيه مجلس الوزراء بإصداره، هو نظام تفويضي، لا يعرفه الدستور الأردني. في الدول الأخرى، نصت عليه الدساتير تحديدا عندما قالت: يصدر مجلس الوزراء "نظاماً تنفيذياً، نظاماً مستقلاً، ونظاماً تفويضياً"!، وهذا ليس موجوداً في دستورنا على الإطلاق. اخترقنا الدستور، وخالفناه، وأضفنا نوعاً جديداً من الأنظمة بموجب قانون مؤقت، في حين أنه حتى مجلس الأمة، لا يجوز له في دستورنا أن يفوض الحكومة في سلطاته لإصدار أنظمة تُغني عن إصدار قوانين، وتكون بديلة عنها. "المطربون" القانونيون للحكومة يبدو أنهم أفتوا بجواز ذلك، بحجة أنهم درسوا (قانون)، واعتقد أن من قال بذلك فإن القانون منه براء.
المخالفة الدستورية الأخرى أيها السادة، تتعلق بالمادتين (38 و 75) من الدستور. فالمادة (38) تتحدث عن نوعين من العفو في دستورنا الأردني، "العفو العام والعفو الخاص"!، وجاءت المادة "75" من الدستور، لتقول: لا يجوز أن يترشح شخص ما للانتخابات إذا حكم عليه أكثر من سنة سجن بجريمة غير سياسية، إلا إذا أعفي عنه. ووفقاً للمادة (38) من الدستور فإن عبارة "أعفي عنه" تشمل بحكم اللزوم الدستوري العفو العام والعفو الخاص". ولكن جاءت المادة "8" من قانون الانتخاب، وقالت: "لا يجوز ان يترشح أي شخص للانتخابات، إذا حكم عليه أكثر من سنة في جريمة غير سياسية، إلا إذا كان قدر صدر عفو عام عنه"! وهكذا فإن المادة (8) من قانون الانتخاب المؤقت نزعت وألغت مفعول عبارة "عفو خاص" الواردة في الدستور!. "إن الدستور الذي يشكل مظلة للأردنيين، ويعتبر أبو القوانين، أصدرت الحكومة قانوناً مؤقتاً ألغت فيه كلمة "العفو الخاص" من الدستور؟؟!!. ماذا نقول لطلاب القانون، وطلاب العلوم السياسية في جامعاتنا؟ هل نقول لهم: إن إرادة الحكومة ورغبة الحكومة هي الدستور الحقيقي، لأن الحكومة تستطيع إلغاء حكم دستورنا لعام 1952 في أي وقت تشاء!! يا سادتي، هذا هو العبث بعينه !!
إخواني، وهنا آتي بإيجاز على الجانب الثاني المتعلق بالأمور الموضوعية، المتمثلة بفكرة وموضوع "الصوت الواحد"، وهذا الموضوع دخل الأردن عام 1993، بتعديل أجري على قانون الانتخاب الصادر عام 1986، وهذا القانون الدائم كان (ماشياً) بشكل جيد. وفي سنة 1993، أدخلنا عليه نظام "الصوت الواحد"، يعني أن المواطن في دائرة لها "7" مرشحين أو ثمانية، ليس باستطاعته أن ينتخب سوى شخص واحد. وفي عام 2001، أعطت الحكومة لنفسها، بمقتضى قانون الانتخاب المؤقت الذي أصدرته ذات الحكومة، سلطة تقسيم الدوائر، فقامت الحكومة بتفتيت الدوائر الكبيرة، إلى دوائر صغيرة بمقتضى نظام أصدره مجلس الوزراء. تقسيم الدوائر الانتخابية أيها السادة هو جزء لا يتجزأ من قانون الانتخاب، ولا يجوز أن يصدر بموجب نظام بأي وجه من الوجوه، وإلا فإن الحكومات سوف تعبث بأي وقت بموضوع بتقسيم الدوائر، في حين أن هذا أمر متروك للقانون الذي يوافق عليه مجلس النواب.
الأسباب التي أعطيت لتبرير فكرة "الصوت الواحد" تتمثل في تحقيق العدالة من حيث قيمة الصوت الواحد للمواطن!. ولتوضيح تبريرهم هذا، نقول إنه في دائرة اربد أو دائرة الكرك كان المواطن يستطيع التصويت لعدد من المرشحين يساوي عدد المقاعد النيابية المخصصة في القانون لتلك الدائرة. فإذا كان لاربد (9) مقاعد، وللكرك (5) مقاعد، فإن عدم العدالة بالنسبة للمنظرين لفكرة الصوت الواحد يتمثل في أن وزن صوت ناخب اربد أكثر من وزن صوت ناخب الكرك. ولقد غاب عن ذهن هؤلاء المنظرين أن عدد مقاعد اربد أو الكرك يحددها قانون الانتخاب وليس المواطن الناخب. فإذا أعطينا للناخب حق اختيار عدد من المرشحين يساوي عدد جميع المقاعد المخصصة في القانون لدائرته، فقد حققنا المساواة والعدالة لوزن صوت الناخب كمبدأ، لأن المعيار هو جميع المقاعد المخصصة للدائرة، وليس عدد هذه المقاعد. ومبدأ انتخاب المواطن لمرشحين بمقدار مقاعد الدائرة الانتخابية أمر مستقر في الأردن طيلة عمر الدولة الأردنية، أي منذ العشرينيات من القرن الماضي. وبعد سبعين سنة من الممارسة قالت لنا الحكومة: إن قوانين الانتخاب السابقة جميعها التي عاش في ظلها الأردن، وطبقتها عشرات الحكومات، وارتضتها جميع مجالس النواب، لم تكن عادلة. هل كنا نتعامل بالخطأ، وكان عملنا " ليس عدلاً"! هل كنا نشتغل خطأ!؟ وكان الآباء والأجداد وآباء الدستور لا يفقهون شيئاً. "يا سبحان الله!"، في عام 1993، اكتشفنا أن الحكومة تعرف "عدالة" أكثر!
يقولون لتبرير فكرة "الصوت الواحد" إن قانون الصوت الواحد في بريطانيا ينص على دائرة صغيرة لها مرشح واحد، وصوت واحد، في أمريكا كذلك، وفي البلد الفلاني كذلك، ونسي هؤلاء أن التطور هو الذي أوصلهم لذلك، وعندما بدأوا كانوا غير ذلك!.
يا إخوان، عندما أتحدث عن هذه النظم وقوانينها، فإني أتحدث عن قوانين في هذه الدول أوصلت الأمر الى دائرة المقعد الواحد، والصوت الواحد بعد 200 أو 300 سنة من الممارسة والتطور، وانتهوا في هذه الدول الى تفصيل الأوضاع عندهم حسب البنى الحزبية الموجودة داخل تلك الدول، فوصلوا إلى هذه المعادلة. نحن لم نبدأ بعد!؟، نحن مختلفون على البداية لغاية الآن، ومع ذلك يريدون أن يأخذوا كسرة من طوبة من نظام كامل في بريطانيا أو أمريكا، ويجعلوا من كسرة الطوبة هذه نظاماً كاملاً للأردن. إذا كان هذا ما يرغبون فيه، اعطني 20% من الموجود لديهم، أو حتى 5% من واقعهم الذي يعيشون، ولكن لا تعطني شيئاً غير "هالكسرة"، وتقول لي: هذا هو النظام الدستوري البرلماني الصحيح، لأنه يحقق عدالة؟!.
إخواني، أنا مواطن مثلكم، وأعيش مثلكم آثار الظروف الاجتماعية والإنسانية التي تركها "قانون الصوت الواحد" على واقعنا. كلكم ترون أن عملية الانتخابات وفقا لقانون الصوت الواحد، قادت الى اللجوء إلى العشيرة، وتجاهلنا الأحزاب لحداثة نشأتها. ففي عام 1991، صدر قانون الأحزاب، وعام 1993 عدلنا قانون 1986 الى نظام الصوت الواحد، أي بعد مضي سنتين على السماح للأحزاب بالنشوء، لكن هذه الأحزاب لم تستطع النمو خلال سنتين، وهذا أمر طبيعي. ولذلك، فعندما صدر قانون الصوت الواحد أصبح كل واحد يلجأ إلى عشيرته، وبداخل العشيرة أصبح هناك مشاريق ومغاريب، واصبح هناك انقسام داخل العشيرة، هذا مع "الفخذ" الذي له الزعامة التقليدية، وهذا ضده، فتنقسم العشيرة إلى قسمين. وأحيانا يجرون انتخابات داخل العشيرة للاستقرار على مرشح، لكن ذلك لا يعجب بعض أفراد العشيرة، فيرشحون أنفسهم. وهكذا يسقطون جميعاً في الانتخابات، ويصبح كل واحد يكيل التهم هو، أو فخذه للطرف الآخر، حتى أصبحنا داخل العشيرة الواحدة جزراً من العداوات المستقرة داخل النفوس بين الأقارب.
ومنذ عام 1993، وحتى عام 2001، كان يفترض قليلاً من النمو للأحزاب، بحيث يصبح بمقدور الحزب الذي عُمره خمس أو ست سنوات أن يلتقط أصواته من دائرة واسعة، وأن يفرز نائبا يقدم طروحات الحزب في مجلس النواب، ويقيّم أداء الحكومة من خلال هذه الطروحات، الأمر الذي يمكنه من استقطاب الأعضاء والمؤيدين للحزب. ولكن إذا عملت دائرة ضيقة من كم قرية فلا يستطيع الحزب أن يلتقط منها أصواتا تكفي لمجرد احتمال الفوز لمرشحه، وبخاصة في ظل الظروف النفسية للمواطن الأردني. ورغم أن قانون الصوت الواحد الذي أخذنا به عام 1993، أدى الى ترسيخ حلول العشيرة، كمؤسسة اجتماعية، مكان الحزب، ثم الى تفتيت مؤسسة العشيرة كما قلنا، فإن قيام الحكومة بتفتيت الدوائر الانتخابية عام 2001، أوجد عقبة كبيرة في وجه أي نمو حزبي محتمل. وإذا استمر التفتيت للدوائر على النحو القائم الآن، فسوف يكون ذلك الضربة القاضية لقتل الأحزاب تباعا. إذا كنا نريد أن نأخذ بأيدي الأحزاب من أجل النمو، أرجو أن ندرس تجارب غيرنا. لا نريد أن ننسخ، ولكن ينبغي أن نعلم أن تجارب الديمقراطيات في دول العالم تؤكد لنا أن الأحزاب تقوم على طروحات، وهذه الطروحات هي الوسيلة التي أثبتت تجارب الأحزاب التي تعمل في العلن أنها الطريق الطبيعي لانتشار الحزب وتوسعه وتعريف الناس بما لديه. وطريق النمو لهذا الحزب هو أن يوصل نائبا إلى مجلس الأمة ليقدم هذه الطروحات، ثم ليقيم أداء الحكومة من خلال طروحات الحزب، ليكون في ذلك وسيلته لاجتذاب الأتباع والأنصار كما قلنا، لكن هذا تم تحريمه على الأحزاب، هذا تم تحريمه بمقتضى تفتيت الدوائر الانتخابية. والحكومات مسرورة ومبسوطة على عدم وجود تمثيل حزبي في مجلس النواب، لأن كل نائب في غيبة النواب الحزبيين يشكل بمفرده أقلية. وعلى هذا، فقد أصبح مجلس النواب عندنا الآن يتكون من (93) أقلية زائد أقلية الـ (17) نائبا في حزب جبهة العمل الإسلامي. وحتى لو قلنا أن هناك كتلاً، لكنها كتل "هلامية"!، ليست ثابتة، وإنما متحركة دائماً وأبداً. والنائب الأقلية لا يستطيع مواجهة أي حكومة، هذا فضلا عن أنه من السهولة بمكان على الحكومة احتواء النائب من خلال ما تقدمه له من تسهيل لبعض المصالح الخاصة، وقبول وساطاته المصلحية على حساب سيادة القانون، مع ما يستتبعه ذلك من فساد، أو إفساد في الحالات كافة. ولعلاج الأزمة الناتجة عن تطبيق نظام الصوت الواحد، فإن الاقتراح الذي قيل لنا في هذه الندوة كبديل هو نظام "الانتخاب النسبي"، هذا النظام يعني أن الحزب يقدم للترشيح قائمة، وعلى الناخب ان ينتخب القائمة بجميع من فيها من المرشحين، فلا يستطيع الاختيار من بينهم واحدا أو أكثر، يعني إما أن يختار القائمة كاملة، أو يتركها كاملة. وبعد ذلك، فإن حصلت القائمة على أصوات تكفي لفوز مرشحين بالحزب، يسمي الحزب عددا من هؤلاء المرشحين تبعا لترتيبهم في القائمة في ضوء نسبة الأصوات التي حصلت عليها قائمته. هذا أمر مخالف للدستور الأردني مخالفة كبيرة. الدستور الأردني في المادة "67" ينص على: أن يتألف مجلس النواب من أعضاء منتخبين انتخاباً عاماً، سرياً ومباشراً، أي ينتخب الناخب اسما لمرشح معين، وليس لقائمة اسمها القائمة البيضاء أو الحمراء أو الخضراء. إذا كنا نريد أن نتفق مع الدستور هذا هو حكم الدستور بالنسبة للقوائم، بمعنى أن الأخذ بنظام القوائم النسبية، مخالف للدستور. يقول البعض من المتحدثين إذا كان نظام القوائم النسبية يخالف الدستور، فلنعدل الدستور. قولوا ما شئتم، لكنكم لا تستطيعون الأخذ بنظام القوائم النسبية في ظل دستورنا الحالي، وتقولوا إننا نستند الى الدستور الأردني.
وكلمة أخيرة، أقولها: أقترح نظام انتخاب يسمح للناخب، بانتخاب عدد من المرشحين، لا يقل عن ثلاثة ليكون "واحداً لعشيرته، وواحداً لحزبه، وواحداً لصاحب الكفاءة"! فلعل ذلك يشكل خطوة أولى ننتقل بها من الصوت الواحد، إلى "الثلاثة أصوات" كحل وسط!. ونجد أساسا قانونيا وواقعيا من أجل نمو الأحزاب وتوفير الكفاءات دون تجاهل العشيرة. وبعد أن تنمو الأحزاب، ويصبح لدينا نواباً حزبيين، فإنه يمكن التعامل مع قانون الانتخاب، وفقا لمنطق يفرضه تطور التجربة

ورقة عمل قدمت لمؤتمر " انتخابات 2007" نحو قانون انتخاب عصري" بتنظيم مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 20-21/ تشرين الثاني 2004 ,الاردن -عمان.