A+ A-
التيار القومي في الأردن هل آن الأوان للإفلات من نظرية "المركز والمحيط"؟
2003-05-10
تاريخيا، توزع التيار القومي في الأردن على محاور ثلاث: البعث بتلاوينه المختلفة ... القوميون العرب ... والناصرية كما عبرت عنه شخصيات وجماعات أقل وزنا وتأثيرا.
• وبرغم أن النظام السياسي الأردني نهض على فكرة قومية أساسا "الثورة العربية الكبرى"، إلا أنه أخفق في بلورة تيار سياسي قومي يتخذ من "رسالته" مرجعية فكرية وسياسية، وهنا نتحدث عن غياب التيار وغياب الأحزاب على حد سواء.
• جمعت التيارات الثلاث الأولى، وبنسب متفاوتة القواسم المشتركة التالية
:1. نهض الخطاب السياسي – الفكري لهذه الأحزاب على فكرة الخلاص من الاستعمار والتصدي للغزوة الصهيونية لفلسطين، وإعادة توحيد الأمة الواحدة، ونحت جميعها بهذا القدر أو ذاك من التفاوت، منحا اشتراكيا، متأثرا بصعود الاتحاد السوفياتي، وتنامي دور حركات التحرر في العالم.
2. من المفارقات أن تجربة هذه الأحزاب في السلطة، جاءت في خاتمة المطاف بنقيض شعاراتها ومبادئها... فالساداتية هي ناصرية ما بعد الهزيمة... واليمن الجنوبي الذي نظر إليه كقاعدة لتحرير الشمال المتخلف، لم يجد ملجاء من حروبه الأهلية سوى بالهجرة نحو الشمال والانضواء تحت لوائه... والبعث العراقي الذي انتهج سياسة صارمة في عدائها للإمبريالية والصهيونية، وفر بحروبه على جيرانه، وسياساته التسلطية داخليا أفضل الفرص لعودة الاحتلال المباشر للخليج العربي بداية وللعراق ذاته في نهاية المطاف، وخلق الأرضية لحلول سياسية للصراع العربي الإسرائيلي لطالما ناصبها الرفض والعداء الشديدين ( مؤتمر مدريد بعد اجتياح الكويت، وخريطة الطريق بعد سقوط بغداد)، والحبل على الجرار.
3. تأثرت هذه التيارات إلى حد كبير بالمدرسة البيسماركية، وغاب عن خطابها مفهوم "المصلحة"، فالوحدة معطى ثابت، وعقيدة لا يرقى إليها الشك، وبخلاف ذلك يكون الوقوع في براثن "التجزئة الاستعمارية"... ولم تلحظ هذه الأحزاب الوزن الجديد الناشئ "للدولة القطرية"... ولم تول اهتماما لمفهوم "المصلحة" كرافعة للعمل الوحدوي، بل ولم تنظر لهذا المفهوم إلا من منظار سلبي.
4. تميزت تجربة هذه الأحزاب في الحكم بغلبة الحزب الواحد، الزعيم الأوحد، القيادة التاريخية... ومع استمرار وجودها في السلطة، اختصر الشعب بالحزب، والحزب بمجلس قيادة الثورة، والمجلس بالزعيم.
5. بالنظر لاعتمادها أسلوب الانقلابات العسكرية في الوصول لى السلطة، ولأن الجيوش في قوامها الأساسي تنتمي للأرياف، فقد قطعت الانقلابات العسكرية فرص التطور الطبيعي المتدرج للمدن العربية ومجتمعاتها الأهلية... وغزا الريف المدينة، في أكبر عملية "ترييف" للمدن، خصوصا في العراق وسوريا.
6. ناصبت هذه الأحزاب خصومها العداء الشديد، واعتمدت سياسة إقصاء تباينت في درجة دمويتها، وأجهضت كل فرص التطور الديمقراطي الداخلي، وأنشأت نظما سياسية أقرب ما تكون للشمولية التوتاليتارية.
7. لم يكن الإخفاق في تشييد الوحدة العربية، الإخفاق الوحيد أو الأبرز لهذه الأحزاب، بل أنها أخفقت في تحقيق التقارب بين دول خاضعة لسيطرتها، وتميزت العلاقات بين هذه الدول بموجات التوتر البارد والساخن، خصوصا بين جناحي البعث، كما أخفقت هذه الأحزاب في التصدي لمعالجة قضيتها المركزية الأولى، فلسطين، وبدأ انهيارها المدوي بعد هزيمة العام 1967.
8. أخفقت هذه الأحزاب، بحكم اعتمادها سبلا إنقلابية عسكرية، وإقامتها نظما أمنية شمولية متخلفة، في الحفاظ على وحدة القطر الواحد، فنزعات التفتيت الطائفية، والحكم العائلي الجهوي، كانت له عقابيله المدمرة للنسيج الوطني الاجتماعي لهذه الدول والمجتمعات.
9. أخفقت هذه الأحزاب في بناء نماذج للتنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة، فالتأميم ترتب عليه بناء قطاع عام متخلف، ومعدلات نمو متواضعة، حتى في الدول الثرية منها ( ليبيا والعراق) حيث جرى تبديد ثروات البلاد في حروب ومغامرات ومشاريع وهمية تقترح مسارا ثالثا للبشرية جمعاء، ويمكن القول أن تجربة الانقلابات الحزبية – العسكرية – القومية، تجربة الجمهوريات التوتاليتارية، قد خسرت الرهان أمام من كانت تعتبرهم ذات يوم، قوى محافظة وتقليدية ورجعية وعميلة للاستعمار (الجزائر أمام المغرب، وجنوب اليمن أمام شماله، وتونس أمام ليبيا، وملكيات الأردن والخليج أمام العراق وسوريا والعراق).
10. لم تكن الانقسامات بين الأحزاب القومية لتولد أحزابا قومية موازية فحسب، كالبعث بمختلف اتجاهاته، بل تولد عنها أيضا، انفصال شرائح واتجاهات أكثر راديكالية، حيث تأثر الفكر القومي بنشوء وتطور الحركة اليسارية العربية، وتولدت عنه اتجاهات قومية يسارية في حقبة الستينات والسبعينات، وفي حقب لاحقة، عادت بعض الأجنحة اليمينية في التيار القومي للالتقاء مع ما اصطلح على تسميته بموجة الصحوة الإسلامية، وتأثرت بطروحاتها.
11. وبنظرة إلى الوراء، نلحظ أن هذه التيارات التي ملأت الشارع يوما، لم تعد كذلك اليوم، فالبعث الذي اضمحلت تياراته اليسارية، فقد بالأمس جناحه العراقي على نحو مروع، في جناحه السوري يسعى في التكيف مع عوالم ما بعد الحادي عشر من سبتبمر والحرب على العراق، وهي العملية التي تتم بمعدلات متسارعة، وبشروط غير مواتية، إذ بدل أن تقدم التنازلات للشعب السوري، يجري تقديمها لمن اعتبرهم البعث يوما في صدارة معسكر أعداء الأمة.
12. وإذا كانت الناصرية قد بدأت اضمحلالها قبل رحيل عبد الناصر، فإن حركة القوميين العرب، لم يتبق منها اليوم سوى فصائل متواضعة الحجم والتأثير في فلسطين واليمن وبعض أطراف الخليج.
في الأردن:
1. بوصول البعث إلى السلطة في العراق وسوريا، والقوميون العرب في جنوب اليمن، والقذافي في ليبيا، ومن قبل الناصرية في مصر، أصبحت هذه المدارس في الحكم، نماذج للنظام السياسي الذي تتطلع إليه غالبية أحزابنا القومية وتستلهمه، وتتأثر بالتحولات التي طرأت على الأحزاب الأم بعد وصولها للسلطة، وهي تحولات ذهبت في اتجاهات معاكسة للشعارات الكبرى التي رفعتها هذه الأحزاب.2. ارتبطت معظم أحزابنا القومية، فكريا وسياسيا دائما، وتنظيما وماليا غالبا، بمراكز وحواضر قومية خارج الحدود... دمشق، بغداد، طرابلس الغرب، والقاهرة، وهذا أمر طبيعي إذ طالما فعلت نظرية "المركز والمحيط" فعلها في السياسات العربية ، الرسمية والشعبية.3. واستتباعا، تميزت علاقات هذه القوى بالنظام السياسي الأردني وحكوماته المتعاقبة، بكونها انعكاسا لعلاقات الأردن الرسمية بهذه المراكز وهي علاقات حقنتها الحرب الباردة بشحنات من التوتر الساخن.4. لم يفقد هذا الارتباط أحزابنا استقلاليتها فحسب، بل وأفقدها القدرة على الاحتفاظ بكينونة "قائمة بذاتها" ... فعندما توزعت حركة القوميين العرب على الأقطار، استأثر جناحاها الفلسطينييان بموروث الحركة أردنيا ، والبعث بأجنحته المختلفة تتعلق مصائره بمستقبل بغداد ودمشق، والناصرية لم يبق من حضورها على الساحة السياسية المحلية، سوى مقالات تكتب في ذكرى ميلاد الزعيم عبد الناصر، أو تأميم قناة السويس.5. ترتب على ذلك، التزام الأحزاب القومية الأردنية بأجندات هذه الحواضر وأولوياتها، وغياب الأولويات الوطنية، والعودة لبرامج هذه الأحزاب، تكشف وطأة "أولويات المراكز وأجنداتها" عليها.6. وترتب على كل هذا وذاك وتلك، انحسار نفوذ هذه الأحزاب وتشققها وفقا لخرائط الأحزاب الأم، ومع تنامي ظاهرة الانفضاض الشعبي عنها، وتهاوي نماذج الحكم التي أسستها في عواصم المنطقة.7. إن هذا التيار يعاني في واقعه الراهن من أزمة بنيوية عميقة، بعد انكشاف غطائه الإيديولوجي، وانهيار مرجعياته... وهو إذ يخفق في تجديد نفسه، فإنه يعرضها للركود والاضمحلال... ويزداد الأمر تعقيدا مع بروز مظاهر النفعية والارتباطات المالية والتنظيمية لبعض أحزابه، بمراكز خارج البلاد.8. ويتهم هذا التيار باعتماده سياسة مزدوجة تميل للكيل بمكياليين، فهو إذ يبدي حماسا ظاهرا للديمقراطية والتعددية والحرية، وينبري للتصدي لأي خرق ظاهر لها أردنيا، فإنه لاذ ويلوذ بصمت القبور عندما يتعلق الأمر باقتراف أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان في مراكزه ومن قبل مرجعياته، أو عندما تذبح الديمقراطية هناك على محراب ادعاءات ثبت زيفها وبطلانها.9. وترتب على ارتباط هذا التيار بالمراكز والمرجعيات المعروفة، ظهور حالة من "الكسل الفكري المروع" عن رموزه ورجالاته، فقلما أننتجت أحزابنا هذه مفكرين ومجددين قوميين، وأغلب رموز الفكر القومي الأردني نشأت في حواضن خارجية في الأساس، وفي مراحل المد القومي على وجه التحديد، أو كان لإسهامها طابعا فرديا متفردا.
نظرة إلى المستقبل:

• لأن البعد القومي مكون رئيس من مكونات الشخصية الأردنية، العامة والفردية، فإن الأحزاب القومية ستظل تحتفظ بمساحة خاصة على المسرح السياسي الوطني.
• على أن هذا التيار الموزع على عدد كبير من الأحزاب الصغيرة والشخصيات، مطالب بإجراء المراجعات الضرورية، لمنظومته الفكرية والسياسية، فالفكر القومي العربي بحاجة للتجديد اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصا بعد زلزال بغداد.
• إن هذه المراجعة يجب أن تنصب على محاور عدة من بينها:
* الاعتراف بالدولة القطرية العربية باعتبارها أمرا واقعا، بل وتعبيرا وحدويا في شروط معينة (العراق نموذجا)، والانطلاق من هذه الحقيقة، نحو ضفاف عمل عربي مشترك يفتح الطريق لإنشاء منظومة عربية متكاملة جديدة.
* النظر إلى الهويات الوطنية الآخذة في التشكل للشعوب العربية، وعدم الركون فقط إلى "الهوية القومية الجامعة"، فهذه الهويات أخذت تتنزل من علياء الخطاب الرسمي إلى الوعي الشعبي، بل وأخذ دورها يتعمق في صياغة وجدان الشعوب ويؤثر على مسارات حركتها وتحركها.
* تجريد هذا الفكر من نزعاته البيسماركية المدمرة، وإعلاء شان مفهوم "المصالح المشتركة والمتبادلة" في بناء نسيج علاقات عربية بينية، تمكن من إنشاء بنى تحتية صلبة للتعاون والتكامل وصولا لأي شكل أو مستوى من أشكال الوحدة العربية (الاتحاد الأوروبي نموذجا)،وإعطاء اهتمام خاص بدور المجتمع الأهلي في عملية التكامل هذه.
*الوقوف عل أسباب إنهيار نماذج الحكم في الدول "القومية"، وتحديدا، لجهة الإجابة على أسئلة الديمقراطية والمشاركة والتعددية واحترام حقوق الإنسان.
* إعادة النظر في نظرية "المركز والمحيط" العربية، فدائرة اهتمام الحزب وبرامجه وتوجهاته، تبدأ من الوطن الصغير إلى الكبير، فالأحزاب القومية في الأردن ليست امتدادا للسياسات الخارجية أو الداخلية لدول المركز القومي، أو بالأحرى لا يجب أن تكون.
* لما كانت الوحدة من المحيط إلى الخليج هدف مختلف الأحزاب القومية، فإنه لمن غير المفهوم أن يتوزع التيار القومي في الأردن المتواضع أصلا، على عدد وافر من الأحزاب والشخصيات، وأن يظل بعض هذه الاحزاب منقسما وفقا لما حصل في "شباط أو آذار" قبل أربعين عاما في هذه العاصمة أو تلك.
ورقة عمل قدمت الى ندوة "الاحزاب السياسية الاردنية ...الواقع والطوح" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 10-11/ايار2003 الاردن-عمان.