A+ A-
عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي في أزمة: أزمة جيش الاحتياط*
2005-03-30

جبرائيل بن دور, مدير برنامج دراسات الامن الوطني ,جامعة حيفا
عامي بداحزور,استاذ مساعد للعلوم السياسية في جامعة حيفا
بادي حاسيس, مختص في علم الاجتماع

عقيدة الأمن القومي الاسرائيلي في ازمة:
ازمة جيش الاحتياط
افترضت عقيدة الامن القومي الاسرائيلي الحاجة الى جيش المواطن (الأمة تحت السلاح)، المبنية على التجنيد الشامل، بما في ذلك الزام المواطنين بالبقاء والخدمة في الاحتياطي العسكري حتى عمر متقدم. ويشكل هذا الجيش الاحتياطي غالبية القوة البشرية المتوافرة للقوات المسلحة في اسرائيل.
وتقوم هذه الدراسة بتحليل رغبة المواطنين في الخدمة بالجيش، وتستخدم الدراسة في ذلك اربعة طرق: طريقة المستوى الفردي والطريقة المؤسسية او التنظيمية، وطريقة الالتزامات التنافسية وطريقة الظروف الاجتماعية. وتعتبر هذه الدراسة اول دراسة تجريبية تنشر حول هذا الموضوع، مبنية على عينة ممثلة للسكان في اسرائيل.

عقيدة الأمن القومي الاسرائيلي في ازمة جيش الاحتياط
بنيت عقيدة الامن القومي الاسرائيلي على عدد من الافتراضات الواضحة.وكانت احداها صعوبة اسرائيل في مجاراة الاعداد الكبيرة من القوى البشرية العسكرية المتوافرة للبلدان العربية المحيطة باسرائيل والمهددة لها. وهناك افتراض اخر، وهو ان الطريقة لمقاومة هذه الصعوبة والتغلب عليها كانت الاقامة والمحافظة على "امة تحت السلاح"، والذي من شانه كذلك المساهمة في تحقيق الأهداف القومية الهامة في البلد.
وتشتمل هذه الأهداف تقليديا على "تجميع من في الشتات"، وهذا ما يشير الى الحاجة لدمج الاعداد الكبيرة من المهاجرين الجدد داخل المجتمع الإسرائيلي، وكثير منهم يجيء من بلدان تختلف اختلافا كبيرا عن اسرائيل من كافة النواحي الهامة (الثقافة والسياسة والمعايير الاجتماعية). وهناك هدف هام اخر وهو التعليم المدني، وهو ما يشير في جوهره الى الحاجة لتعليم الجمهور وتربيته على قيم الديمقراطية والوطنية، مرة اخرى، امام وفي مواجهة التنوع الشديد في المجتمع الاسرائيلي، الناشئ عن الهجرة الجماعية من بلدان مختلفة من انحاء العالم.
وقد ظلت مناقشة المظاهر المختلفة للعلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع في اسرائيل ترافق العلوم السياسية والاجتماعية لسنوات عدة. واليوم وعلى عتبة الالفية الجديدة، نرى ان اهم موضوع بارز يشغل بال الناقدين هو الازمة في هذه العلاقة وبخاصة جيش الاحتياط الاخذ في الضعف.
جيش الاحتياط الاسرائيلي:
تعني نظرية "امة تحت السلاح" التجنيد العام للرجال والنساء مع استثناءات مناسبة (يقررها وزير الدفاع) تمنح للاقليات (يستثنى المواطنون العرب كلهم من الخدمة الاجبارية) ولقطاعات دينية معينة من السكان اليهود الذين يشكلون الغالبية (مثل اليهود شديدو التدين من الرجال الذين يدرسون لوقت كامل في الاكاديميات الدينية، والنساء المتدينات بشكل عام، عدا الذين يختارون اداء نوع من الخدمة الوطنية).
وتعتبر هذه العمومية مسالة عقيدة في الروح الشعبية القومية الاسرائيلية وجاء كنتيجة طبيعية لهذه المجموعة من الافتراضات امتداد مفهوم العمومية الى خدمة الاحتياط. ولانه لا يمكن حل النقص في افراد القوات المسلحة في المجتمع الاسرائيلي (على الاقل بمعنى التغلب على التفوق العددي للجانب العربي)، كان من الضروري الابقاء على خدمة جيش المواطنين الى ما بعد حدود الجيش الاجبارية (وهي ثلاث سنوات للرجال وسنتان للنساء).
ويتشكل الجيش الاسرائيلي من ثلاثة أطر تنظيمية رئيسة: جيش الخدمة الالزامية (في سن 18-21 سنة)، المبني على مبدأ الخدمة العسكري الالزامية وشبه العامة، وجيش الاحتياط، والجيش المحترف. وقد تم تصميم نظام الاحتياط الاسرائيلي على اساس توليفة من نموذجين: نظام الاحتياط السويسري، والوحدات العسكرية اليهودية التي كانت قائمة قبل قيام الدولة، وهي وحدات الهاغانا-تشيش. ويخدم جنود الاحتياط في وحدات قتالية ولوجستية وخدمية. وتركز الوحدات القتالية الاحتياطية على تدريب الجنود والمحافظة على مهاراتهم القتالية. وفي واقع الامر يعتبر 65 في المائة من الوحدات القتالية. في قوات الدفاع الاسرائيلية من وحدات الاحتياط. ويخدم اليهودي الاسرائيلي الذكر في نظام الاحتياط من نهاية الخدمة الالزامية حتى يصبح عمره نحو 51 سنة. ومن حيث المبدأ، وبموجب القانون، يتم استدعاء كافة الرجال المؤهلين الى الاحتياط مرة في السنة ولفترة معدلها 26 يوما للجنود و 24 يوما للضباط. ويحول جنود القتال في سن 35 من وحدات خطوط الجبهة الى الوحدات اللوجستية بعيدا عن ميدان القتال. وفي خلال فترات الطوارئ، كما يحدث في حالة حرب، يمكن ان يقضي جنود الاحتياط الاسرائيلي عدة اشهر في الخدمة. ويمكن الاستنتاج بان اليهودي الاسرائيلي الذكر يكرس ما بين خمس الى ست سنوات من حياته للخدمة العسكرية.
ان بنية جيش احتياط كبير يتشكل من الغالبية العظمى من السكان البالغين في بلد ما ويستخدم هؤلاء الجنود لتنفيذ مهام عسكرية على اساس نظامي ويعتبرهم محتوى جيش حاسم في اوقات الحرب، تختلف عن نظم الاحتياط في ديمقراطيات اخرى. فمثلا، في الولايات المتحدة، وبصرف النظر عن قوات الدفاع المحترفة، هناك قوات احتياط الحرس الوطني وكذلك قطاعات اخرى من الجيش الامريكي المبنية على الجنود المتطوعين. ومنذ حرب فيتنام انخفض المحتوى العامل في الجيش بينما ازداد المحتوى الاحتياطي في الجيش. وكان نمو المحتوى الاحتياطي غير متكافئ في وحدات الدعم القتالي وذلك لتزويد المحتوى العامل بالكثير من مهام الدعم القتالي المتناقضة. ففي عام 1988، جاء 43% من دعم الخدمة القتالية من جيش الاحتياط، و 24% من الحرس الوطني، مقارنة مع 33% من المحتوى العامل في الجيش. ويدخل الاحتياط في القوات الامريكية في تدريب نشيط في نهاية اسبوع واحد من كل شهر (ويدفع للجندي معدل 200 دولارا شهريا) ويمكن حشد الاحتياط باشعار قصير في حالة الطوارئ القومية ليخدم لمدة تصل الى ستة اشهر مع القوات العاملة. كما يطلب من جنود الاحتياط الخدمة في التدريب الفعلي لمدة اسبوعين سنويا.
وفي كندا، تعتبر الخدمة في الاحتياط تطوعية وليست اجبارية ويطلب من افراد قوات الاحتياط حضور دورة تدريب لمدة مساء يوم واحد على الاقل اسبوعيا، ولفترة نهاية الاسبوع شهريا خلال فصل التدريب الذي يدوم تسعة اشهر، وينتهي ذلك باسبوعين من التمرينات المركزة خلال الصيف، ومن ناحية اخرى، تعتبر مسؤوليات الافراد قليلة، فلا توجد فترة رسمية للاشتراك ويمكن للافراد المغادرة عندما يريدون.
كان لا بد للدور العسكري الواسع في حياة كل اسرائيلي، مقارنة مع مجتمعات اخرى، ان يقود الى خلق قدر كبير من الجنود المتمرسين والمدربين يتحتم استدعاؤهم بسرعة خلال وقوع ازمة، كما في حالة حدوث هجوم معاد. وعند حدوث هذا الامر الطارئ، يشكل جيش الاحتياط الغالبية العظمى من القوة المسلحة تحت قيادة الاركان العامة الاسرائيلية.
يرى يورام بيري ان قوات الدفاع الاسرائيلية تعاني من توازن سلبي في حجم قوة احتياطها منذ عدة سنين. وبتعبير اخر، فقد ازداد عدد الجنود المتسربين من جيش الاحتياط قبل سن الاعفاء الرسمي بنسبة اكبر من عدد الجنود الجدد المجندين للخدمة الالزامية في الجيش. وقد كشفت دراسة اجرتها قوات الدفاع الاسرائيلية بانه في حالة منح الخيار لن يتقدم معظم جنود الاحتياط للخدمة العسكرية. وتتعارض نتيجة هذه الدراسة بحدة مع نتيجة دراسة مشابهة جرت منذ اكثر من 25 سنة، في عام 1974، بينت ان 20% فقط ابدوا عدم الرغبة في الخدمة العسكرية. واظهرت دراسة مسيحية جرت في نهاية التسعينات بان اثنين فقط من بين كل 11 جندي احتياط تقدموا فعلا للخدمة العسكرية.
وليس استخدام الطريقة الكمية جديدا في البحوث التي تعالج العلاقة بين الجيش الاسرائيلي والمجتمع. ولكن، وحتى هذا التاريخ اجرى الدراسات حول هذا الموضوع "ادارة العلم السلوكي" لقوات الدفاع الاسرائيلي (مادما)، وتركزت بشكل اساسي على تطبيق برامح عملياتية. وبالاضافة لذلك، لم يكن معظم البيانات المجمعة في هذا الاطار قد عرض على الجمهور. واجرى كذلك باحثون مستقلون من الخارج دراسات كمية تدرس وتتقصى الدافعية للخدمة في الجيش الاسرائيلي، ولكن كان معظم مجتمع العينة من المرشحين للخدمة في قوى الامن (ملشافيم) في الكليات.
واجريت دراسات اخرى على مجندين الزاميين جدد في الجيش،ولكن من الصعب، كما لاحظ "لين" مقارنة دافعية شاب في الثامنة عشر من العمر، يستثيره احتمال لبس البدلة العسكرية وحمل سلاح، ياخذ دورا في العمل العسكرية مع دافعية جندي احتياط له سنوات طويلة من العمل. وتكمن الميزة الفريدة لهذه الدراسة، من بين امور اخرى، في جمهورها المستهدف وامكانية الحصول قدر على صورة دقيقة وحديثة حول الاسئلة المطروحة سابقا.

مراجعة الادبيات:
العوامل المؤثرة على الدافعية للخدمة في جيش الاحتياط
يمكن الوصول الى معظم الابحاث الخاصة بالدافعية، للخدمة في قوات الاحتياط في الادبيات التي تتعلق بالجيش الامريكي. وكما ذكرنا سابقا، يعتبر جيش الاحتياط الاسرائيلي فريدا من حيث مدى المشاركة الفردية والمطالب الثقيلة الملقاة على عاتق الجنود. ولذلك كان القياس التمثيلي مع التفسيرات النظرية المبنية على الجيش الامريكي للدافعية للخدمة او الاحتفاظ بالجنود في الاحتياط هاما، ولكن يجب تناولها بحذر. ولذلك فاننا نقدم اولا نموذجا تفسيريا مبنيا على دراسات سابقة اجريت على قوات الاحتياط المتطوعة، ثم نقدم مستوى اخر من التفسير يناسب قوات جيش الاحتياط الالزامي. والفرضية التي تعزز هذا القرار هي انه بينما تتأثر قوات الاحتياط الالزامية بالمشكلات وثيقة الصلة بقوات الاحتياط المتطوعة، فان تفسيرات مشكلات الدافعية في جيوش الاحتياط الالزامي الكبيرة، يمكن كذلك ان تستخلص من ظروف اجتماعية اوسع.
وكما يرى بيري وغريغتين ووايت، يمكن توزيع المنظور البحثي حول الانهاك عند جنود الاحتياط كالتالي: طرق المستوى الفردي، والطرق المؤسسية/التنظيمية، وطريقة الالتزامات التنافسية.وكما لاحظنا سابقا، نقترح تكملة التحليل بطريقة اخرى، وهي منظور الظروف الاجتماعية.
طريقة المستوى الفردي:
يؤكد هذا النوع من الطرق على المميزات الشخصية المتصلة بالاحتفاظ العالي بالخبرة. وقد وجد كل من غريسمر وكيربي، مثلا، ان اصحاب مستويات التعليم المنخفضة والاستعداد المنخفض كانوا من بين اقوى المرشحين من بين احتياطي الجيش للتسرب قبل نهاية التدريب الاولي. ولوحظ بان المجندين البيض والكبار السن والاناث كانوا ذوي مستويات من الانهاك اعلى ممن ليست لديهم هذه المميزات. واظهرت دراسات اخرى بان جنود الاحتياط صغار السن غير المتزوجين كانوا اقل احتمالا البقاء فترة طويلة في الجيش من جنود الاحتياط الاكبر سنا او المتزوجين.
ويمكن لطريقة المستوى الفردي ان تؤكد كذلك على دور الحوافز المادية في تجنيد الافراد والاحتفاظ بهم في قوات الاحتياط وتفترض هذه النظرة عاملا منطقيا حيث يتصرف الشخص حسب مبادئ تكلفة ومنافع بدائل الوظيفة. فمثلا ترى "نظرية ضوء القمر" بان قرار الفرد بالتجند في الاحتياط مبني على مقارنات مالية تتعلق بالراتب العسكري والمنافع، مع ما يدفع في الوظائف المدنية. وقد اصبحت الاعتبارات الاقتصادية عاملا هاما عند الكثيرين من جنود الاحتياط الاسرائيليين. والواقع ان الجندي عندما يستدعى للاحتياط، تدفع له الدولة مرتبا يساوي دخله المدني. غير ان الذين ينزعون الى النجاح في القطاع المدني ولديهم اتجاهات لتفضيل قيم سوق العمل المدني التنافسي ، هم اقل ميلا للخدمة في مجال الاحتياط الصارم.
الطريقة المؤسسية-التنظيمية:
تركز هذه النظرة على السياسات والممارسات العسكرية المؤسسية او التنظيمية التي يمكن ان تؤثر على توقعات واشباع حاجات ودوافع افراد الخدمة العسكرية بعد انضمامهم للاحتياط. ومضامين هذه الطريقة مناسبة بشكل كبير لكل من قوات الاحتياط الالزامية والتطوعية. وتستنتج الفرضيات المبنية على هذه الطريقة من تجارب الجنود داخل وحدة احتياط الجيش. وتشتمل العوامل المؤثرة على الانهاك وتناقص الافراد على الارتباط مع الوحدة والثقة في الضباط، واعتبار قادة الوحدة بانهم يقدمون المساعدة. وتتمثل الحوافز المعززة لدوافع الفرد على البقاء في القوات في نوعية الاشراف والرضى عن مختلف مظاهر العمل. وتتطابق هذه الطريقة مع الادبيات المدنية التي تقصت ووجدت علاقات قوية بين مميزات الوظيفة والاحتفاظ بالوظيفة. وتبين دراسات عديدة اجريت على جنود الاحتياط في الولايات المتحدة ان مميزات مهنة خدمة الاحتياط على درجة عليا في الاهمية في قرارات الافراد لمواصلة الخدمة العسكرية ولكي نطبق هذه الطريقة على قوات الاحتياط الاسرائيلية، اخترنا الاهتمام بعاملين اثنين: مستوى التزام الجندي بافراد وحدته، ومستوى رضاه عن الطريقة التي تعامله بها سلطات الجيش. وينشأ اختيار هذه الاجراءات عن البحوث التي تظهر بان احد العوامل الرئيسة في المحافظة على مستوى عال من الدافعية لاداء مهمة الاحتياط هو اذا ما كان الجندي ينتمي الى وحدة قتالية متناسقة على مر السنين نوعا من "الاسرة الممتدة"، ويعرف جندي الاحتياط بانه اذا تهرب من الخدمة فان ذلك سيؤثر على اصدقائه المقربين. ذلك ان الخدمة في الاحتياط في اطار وحدة قتالية متناسقة كليا (عضوية) تخلق شعورا عميقا ب "وحدة التجربة" وتناسقها، أي شعورا عميقا من اعتماد الجندي على رفاقه. وتبين من بحث اجري على جنود الاحتياط الذين حشدوا في "عملية عاصفة الصحراء" ان طبيعة الاتصال بين الجندي وقادته والسلطات العسكرية تشكل كذلك عاملا اساسيا في تفسير مستوى الدافعية. وتتطابق هذه المظاهر مع النتائج المستخلصة من مجال السلوك التنظيمي (البحث المتعلق بمفهوم "سلوك المواطنية المنظماتية) التي تظهر بان درجة رضى المستخدم (او الجندي) تتصل مع درجة استجابة المسؤولين ومديره المباشر (القائد في السياق العسكري) لمشكلاته الشخصية. فالجندي الذي ينتمي الى اطار عضوي متناسق يكون عادة في اتصال مستمر مع قادته الذين يعرفونه منذ عدة سنين، والذين يضعون في اعتبارهم الوضع الشخصي للجندي اذا دعت الضرورة لذلك. وبالاضافة لذلك، اذا حدثت مشكلة خارج اطار الوحدة فان القائد سوف يمثل الجندي ويتبنى موقفا اقوى له في مواجهة سلطات الجيش. وبذلك يمكن الافتراض بان الجنود الذين يخدمون في وحدة عضوية يعبرون عن مستويات من الدافعية اعلى من زملائهم في وحدة مختلفة في كل مرة يستدعون فيها للالتحاق بالجيش.
طريقة الالتزامات التنافسية
تعتبر هذه النظرة خدمة الاحتياط بانها تجيء في المرتبة الثانية بعد الالتزامات الاساسية لوظيفة الشخص المدنية ومسؤولياته الاسرية. ولذلك يوجد احتمال للتعارض بين مطالب الوظيفة الاولى والثانية، مثل جدولة فترات العمل، واداء العمل والولاءات التنظيمية المتنافسة. وفي الغالب تكون الوظيفة الاساسية هي المورد الاكثر اهمية للرزق، واذا تعارضت مهام الاحتياط مع الوظيفة المدنية الاساسية، فان الاحتمال الاكبر هو ان يترك جنود الاحتياط الخدمة في الجيش. ولكن تركيز هذه الطريقة ليس مقصورا فقط على المطالب المتعارضة بين مكان العمل الاساسي والخدمة في الاحتياط ولكنه يستمل كذلك على التزامات متعارضة اخرى (مثلا، كزوج او عضو في اسرة ...ألخ). وهناك احتمال كبير في حدوث تغيرات كثيرة في الحياة خلال فترة الخدمة العسكرية الطويلة نسبيا، وبذلك يحدث مجال واسع للتعارض بين الادوار. وتدل البحوث التي جرت في الولايات المتحدة على ان خلافات الزوج او رب العمل كانت اسبابا كبرى للتوقف عن الخدمة العسكرية في الاحتياط.
ونرى كذلك انه في الحالة الاسرائيلية، تعتبر الالتزامات المتعارضة، وبخاصة خلال فترات الاعمال العدائية العسكرية (الحروب وفترات ما بعد الحرب، وحتى فترة الانتفاضة الفلسطينية 1987-1993)، عاملا اساسيا. وفي هذا المجال يقع العبء الرئيسي على جنود القتال الذي يعتبرون امرا اساسيا لهذه المهام، وبالتالي يصبح هؤلاء الجنود الاحتياطيون هم الاكثر تحررا من وهم واجبهم.
ويستدعى جنود الاحتياط العاملون في وحدات خلفية لفترات خدمة اقصر كثيرا. وكانت القرارات التي يتخذها الجيش حول من الذي يستدعى للخدمة، وحول تكرار الدعوة ومدتها، حسب الحاجات العسكرية ولا تهمها مسالة عدالة الواجبات. وقد اصبحت هذه المشكلة خطيرة خلال حرب 1973. وقد انعكس تاثير خدمة الاحتياط المطولة بسبب طول الحرب على كافة مجالات الحياة المدنية: الدراسات الاكاديمية واماكن العمل والاسرة. وادى ذلك الى اثارة السخط والشعور بالتمييز عند الذين جرى استدعاؤهم لفترات طويلة من الخدمة العسكرية، وكان معظمهم من الجنود القتاليين على خط الجبهة. ولهذا السبب، كان الجنود العاملون في انشط المواقع القتالية هم الذين عانوا من ضعف اهتمام سلطات الجيش بهم، وكانت المضاعفات الهامة هي انحدار الدافعية عند هؤلاء الجنود.
وقد استنتجت هذه الطرق الثلاث ومنظور كل واحدة منها حول الدافعية للخدمة في الاحتياط، من تجارب القوات المسلحة الامريكية، وتبين، بدرجات متفاوتة، انها تصلح للتطبيق على الحالة الاسرائيلية كذلك، ولكننا هنا نود تقديم فئة اخيرة من التفسيرات المناسبة بشكل خاص لبنية الخدمة العسكرية الاجبارية ولروح الجماعة "امة تحت السلاح".
طريقة الظروف الاجتماعية:
هيمنت هذه الطريقة، المتصلة بشكل متوسط بنظريات الوطنية، على البحوث الاسرائيلية لسنوات عديدة. وعلى وجه العموم، تركزت الابحاث المحلية على فكرة "بناء الامة" والدفاع. وحسب هذه النظرة، يتصل العامل الرئيسي المؤثر على "رغبة المواطن في الخدمة بجيش الاحتياط بالتزامه بالجماعة. وكلما زاد تهديد الادراك الحسي للوضع الامني، كلما قوي الاندماج مع الجماعة وعظمت رغبة الفرد في حماية الجماعة. وبالاضافة لذلك، كلما زادت قوة اندماج المواطن في قيم الجماعة المركزية كلما قويت رغبته في الخدمة بالوحدات القتالية.
ومع تقدم عملية "بناء الامة"، حلت بالتدريج عوامل اخرى مكان الشعور بالالتزام بالجماعة من حيث دافعية الخدمة العسكرية. ويرى "بن دور"، من ناحية اخرى، ان المجتمع الاسرائيلي اصبح مع مر السنين مشغولا في البحث عن "الحالة السوية". ويعود ذلك، ليس الى عملية السلام وانحسار عقلية الحصار التي كانت تسود حتى وقت قريب ولسنوات طويلة، وانما كذلك لتغييرات اساسية حدثت في الميدان الاجتماعي. وقد اصبحت اسرائيل في اعقاب عمليات العولمة، بالتدريج، جزءا من العالم الغربي وتعرضت لنفس العمليات الاجتماعية التي اثرت على الكثير من البلدان الاوروبية. واذا ترجمنا هذه العمليات الى اثرت على الكثير من البلدان الاوروبية.
واذا ترجمنا هذه العمليات الى عوامل مؤثرة نجد ان المجتمع الاسرائيلي يتميز بايمان عميق في مؤسساته القومية الرسمية، ولكنه اصبح في نفس الوقت يرتاب في المؤسسات السياسية، وخاصة الاحزاب السياسية، واصبح التعبير الساخر من السياسيين قويان ومثلما هو الحال في الولايات المتحدة تراجع مستوى "مصدر القوة الاجتماعية" (أي الثقة بين الاشخاص في المجتمع). ويقدم بوتمان رأيا بان المستويات المنخفضة من المشاركة المدنية والمشاركة الدينية والروابط الاجتماعية في مكان العمل. وبذلك نستنتج بان المستويات المنخفضة من مصدر القوة الاجتماعية ستكون مرتبطة كذلك بالدافعية المنخفضة للخدمة في قوات الاحتياط.
وهناك عامل ثان وثيق الصلة بالموضوع ويتعلق بالدافعية للخدمة في القوات المسلحة وهو المظاهر المختلفة للقومية الجديدة. ويرى يورام بيري بان هذا النوع من الدافعية يتعلق حاليا بموضوعات مثل المعتقدات الدينية والقومية واتجاهات الكراهية للعرب والطموح للانتقام منهم. ولذلك، وبالمقارنة مع التوجهات الاشتراكية والعلمانية التي قامت عليها دولة اسرائيل، يمكن الاستنتاج بان مركز الجيش في المجتمع والطريقة التي ينظر الموطنون بها اليه قد تغير. ولذلك فان الطبيعة المتغيرة للدافعية للخدمة ستكون على صلة بشكل مختلف مع المميزات الديموغرافية والسياسية. والقطاع السكاني الذي يصف نفسه بالقومي سوف يتصف بدافعية عليا للخدمة في القوات المسلحة. اما القطاعات الاكثر لطفا فستكون ذات دافعية اقل. وقد تاكد هذا الافتراض في عدد من الدراساتز.

فرضيات البحث
طريقة المستوى الفردي
الفرضية الاولى: ترتبط المميزات الشخصية مباشرة مع الدافعية للخدمة في الاحتياطالفرضية الثانية: الحوافز التي يقدمها السوق المدني للمستجيب للاستبيان تقلل من دافعيته للخدمة في الاحتياط.الطريقة المؤسسية التنظيمية:
الفرضية الثالثة: المستويات العليا من الالتزام بالمجتمع العسكري ستكون متصلة ايجابيا بالدافعية للخدمة في الاحتياط.الفرضية الرابعة: سوف تنشا