A+ A-
يسار المستقبل
2003-05-10
مقدمة:
لا نستطيع التحدث عن يسار المستقبل بمعزل عن تجربة اليسار في الماضي وعن النموذج الذي كان سائدا وهو النموذج السوفياتي (الماركسية اللينية)، رغم قناعتي بان المهم في مثل هكذا لقاءات هو فتح حوار حقيقي حول الآفاق المستقبلية لليسار الديمقراطي فقط.أود في البداية ان أؤكد ان هذه الورقة تطرح وجهات نظر قابلة للنقاش والحوار لانه لا أحد يستطيع ان يدعي انه يملك الحقيقة المطلقة ولكننا في طريقنا نحو البحث عنها من حقنا ان نخطئ أو نصيب ومن هنا تأتي أهمية الحوار الموضوعي بدون أفكار مسبقة والذي يساعد التقليل من الخطأ ويساعدنا على الاستمرار في طريقنا نحو البحث عن الحقيقة.
انهيار التجربة:لقد جاءت الأحداث العاصفة التي هزت العالم في السنين التي تلت عام 1989 لتعلن سقوط الأيديولوجية الرسمية السوفياتية، هذه الأيديولوجية التي حكمت فكر اليسار العالمي ومن ضمنه اليسار العربي طيلة قرن من الزمن ولقد اصبح الآن واضحا ان هذا الزلزال الذي حصل كان متوقعا حدوثه من فترة من الزمن، حيث ان الابتعاد المتسارع عن العصر بدأ يظهر في السبعينات وبينما كان الاتحاد السوفياتي يعيش المباراة بين الرأسمالية والاشتراكية بانتصارات رقمية مضللة كان الغرب يحصد ثمار ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية ولذلك وفي النهاية انتصرت رأسمالية القرن الحادي والعشرين على يسار القرن التاسع عشر القديم.
ولقد كان لهذا السقوط أسبابه الموضوعية والذاتية ومن أهم هذه الأسباب غياب الديمقراطية وتفشي البيروقراطية داخل هذه الأحزاب وفي المجتمع مما أدى إلى الجمود والخواء في كل مجالات الحياة السياسية والفكرية والاقتصادية والثقافية، كذلك لقد كان لهذا الإعصار العاصف تأثير كبير على أحزاب اليسار في العالم اجمع ومن ضمنها بلدنا خاصة ان أحزابنا اليسارية كانت قد تبنت النموذج السوفياتي للماركسية اللينية في الفكر والتنظيم كغيرها من أحزاب اليسار في العالم الثالث حتى اصبح هذا التبني يعني الاتفاق العام مع الخط الفكري والتنظيمي والسياسي الذي يتبعه الحزب الشيوعي السوفياتي.
وكانت رؤية هذا اليسار للوضع الدولي وقواه وعلاقته بقضايا الوطنية الخاصة تنطلق من الحرب الباردة بين القطبين وتقوم على أساسها فقط دون ان تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الوطنية لبلدانها وهذا كان له تداعيات خطيرة على قدرة كثير من الأحزاب في انتهاج سياسة مستقلة.
وعلينا ان نقر ونعترف انه رغم هذه السلبيات التي واكبت بناء هذه الأحزاب إلا أنها قدمت الكثير من التضحيات في سبيل الدفاع عن مصالح شعوبها وبلدانها وساهمت بشكل فعال وأساسي في نضال شعوبها من اجل الاستقلال والتحرر من التبعية الأجنبية ( وكان لليسار الأردني دور طليعي بالتعاون مع بقية القوى الوطنية في التصدي للاستعمار والمعاهدات الجائرة وفي الدفاع عن مصالح الشعب الأردني وفي التصدي للاحتلال الإسرائيلي وللأطماع الصهيونية).
لقد كان لهذا الانهيار أسبابه الكثير منها ما هو خارجي وما هو داخلي وهو الأهم وحسب اعتقادي كان أهم أسباب هذا السقوط المريع ما يلي:*غياب الديمقراطية داخل هذه الأحزاب سواءا كانت في السلطة أو خارجها واحتكار الحقيقة المطلقة وقمع الرأي الآخر ولقد كان مبدأ الديمقراطية المركزية السائد داخل هذه الأحزاب سببا رئيسا في غياب الديمقراطية داخلها وبالمقابل كان لمبدأ ديكتاتورية البروليتارية والذي يعني سيطرة الحزب الواحد نفس التأثير داخل المجتمع، ولقد طبق هذا الشكل التنظيمي للحزب والمجتمع في كل أحزاب اليسار ولقد أخذت الأحزاب القومية في عالمنا العربي بهذا الشكل التنظيمي أيضا.
ولقد كان نتيجته انعدام الديمقراطية داخل هذه الأحزاب وداخل المجتمع ظهور حفنة من القادة مع مجموعة من الموظفين المتنفذين والذين يهمهم المحافظة على امتيازاتهم ومواقعهم بأي ثمن مما أدى إلى تنمية روح الوصولية (التجربة أكدت هذا الكلام، يلتسن وغيره من قادة الأحزاب والذين قادوا الثورة المضادة). ولقد أدى مبدأ المركزية الديمقراطية ودكتاتورية البروليتارية إلى انفراد شخص واحد بالتحكم في مصير الحزب والدولة.
وبهذا يقول الدكتور رفعت السعيد:
(لقد أدى هذا إلى مثلث مغلق –حزب – تنفيذ – تشريع، واصبح الحزب هو المفوض أو المبعوث الإلهي أو الرسول الطبقي واصبح هناك حالة من التفويض المتصاعد، الشعب يفوض الطبقة العاملة والطبقة العاملة تفوض الحزب والحزب يفوض اللجنة المركزية واللجنة المركزية تفوض المكتب السياسي والمكتب السياسي يفوض الأمين العام والنتيجة اصبح الأمين العام على راس أطراف المثلث ممثلا للحزب والدولة والقضاء والأيدلوجية والتشريع وعلى أساس هذا اصبح من يعارض الحزب يقف في صفوف الثورة المضادة ومن يعادي الأمين العام يعاد الشعب).
*تفشي العقلية البيروقراطية داخل الأحزاب الحاكمة وانتقال هذه العدوى إلى الأحزاب الغير حاكمة وذلك نتيجة غياب الديمقراطية واقترنت البيروقراطية الحزبية بسلطة القيادات الحزبية التنفيذية والتي تحولت إلى سلطات تشريعية وقضائية وأصبحت هذه القيادات بديلا عن مؤتمرات الحزب ولجان المراقبة والتفتيش ولقد تجلت ظاهرة البيروقراطية فيما يلي:-
1-تحويل المصلحة الشخصية لعضو الحزب (غالبا ما يكون عضو قيادي) إلى مصلحة عامة للحزب بأسره (والعكس بالعكس) أيضا، وهنا يبدأ هذا الحزب القيادي بالتصرف وكأنه الأكثر حرصا على مصلحة الحزب، ونتيجة استمراره في موقعه دون محاسبة لمدة طويلة يصبح مفارقة هذا الموقع بالنسبة له قضية حياة أو موت ولهذا يلجأ العضو الحزبي من اجل الحفاظ على هذا الموقع إلى الانحياز إلى مواصفات الولاء والمحاباة ومسح الجوخ لشخوص القيادات الحزبية.
2-انعدام القدرات عند كثير من قيادات هذه الأحزاب وانعدام أي مهارة أو موهبة وعدم اهتمامهم بالثقافة والفكر والعلم واعتمادها على رصيدها النضالي (مدرسة الحياة) لذلك نستطيع ان نجزم ان كثير من هذه القيادات لم تتطلع على اكثر من بعض الكتب التعليمية في النظرية والفكر ولهذا كان يجري التركيز من قبلهم على ضرورة المحافظة على النقاء الثوري لدى أعضاء الحزب وقراءة فقط الكتب المتعلقة بتعاليم الحزب (لينين وبعض كتب ماركس)، (وكان من الممنوع قراءة لبعض مفكري الماركسية أمثال كاوتسكي، او تروتسكي لانه مجرد ذكر أسماء مثل هؤلاء كان كافيا لان يتهم العضو الحزبي بالتحريفية ومعاداة الاتحاد السوفياتي العظيم والطبقة العاملة).
وكان نتيجة هذا تفشي هذه البيروقراطية بطريقة سرطانية عندما يبدأ توحيد الحزب في شخصية واحدة وهي الأمين العام (أو مجموعة من الأشخاص وقيادة الحزب التنفيذية) بحيث يصبح الحزب عبارة عن شركة خاصة تديرها شلة ما أو في بعض الأحيان عائلة واحدة ويكون أعضاء الحزب عبارة عن موظفين فيها عليهم إرضاء رؤسائهم في العمل (خاصة عن طريق ما يسمى بالتفرغ الحزبي في الأحزاب الغير حاكمة).
ولهذا يصبح الهدف الرئيسي هو وجود هذا الحزب بحد ذاته (وخاصة إذا كان حاكما) للتمتع بهذه الامتيازات ويصبح برنامج الحزب وأهدافه في تطوير المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية كرامة الإنسان وحقوقه عبارة عن شعارات فارغة بدون مضمون، فقط يبقى شعار واحد حقيقي (يعيش الحزب الحاكم، البقاء للامين العام).
*لقد أدت هذه الأمراض إلى الجمود الفكري والعقائدي داخل هذه الأحزاب وأصبحت النظرية عبارة عن كتاب مقدس لا يجوز المساس به مما أدى إلى ان تصبح الماركسية حركة سلفية كذلك لم يتم مراعاة الظروف الخاصة لكل بلد عند تطبيق هذه النظرية ولهذا لم تستطع الأحزاب اليسارية والتي تبنت النظرية الماركسية في عالمنا العربي ان تقوم باسهامات في حقل إعادة إنتاج الفكر (ما عدا بعض المحاولات لبعض المفكرين في مصر ولبنان خاصة) بصورة مستقلة ولهذا كان هناك انقطاع لهذا الفكر العربي اليساري في بدايته في أفكار التنوير العربي في بداية القرن.
من الطبيعي ان هناك عوامل أخرى ذاتية كانت وراء فشل التجربة إلا انه لا مجال لعرضها في هذه الورقة وخاصة المتعلقة بالجانب الاقتصادية للنظرية والذي أدى إلى بناء اقتصاديات مشوهة لم تستطع ان تتماشى مع التقدم العلمي والتكنولوجي.
اليسار الأردني:
ان الظواهر التي تكلمنا عنها لازمت أيضا أحزاب اليسار في بلدان العالم الثالث ومن ضمنها بلداننا العربية سواء تلك التي كانت في السلطة أو خارجها، هذا بالإضافة إلى ظواهر خاصة مرتبطة بمستوى تطور هذه المجتمعات والتي طبقت في بعضها الاشتراكية وللأسف بشكل تعسفي وفي بعض الأحيان فرضت عليها عن طريق الانقلابات العسكرية المدعومة من الاتحاد السوفياتي بدون مراعاة خصائص هذه البلدان ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي (أفغانستان، كمبوديا، أثيوبيا، الصومال، واليمن الجنوبي) وللأسف فان انهيار هذه الأنظمة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أدى إلى مآسي كثيرة وصراعات داخلية أعادت بعض هذه البلدان إلى مراحل مريعة من التخلف.
أما اليسار الأردني فلم يكن هو أيضا بعيد عن هذه الظواهر فالحزب الشيوعي الأردني والذي كان يعتبر الممثل الشرعي للنموذج السوفياتي اعتمد نفس الأسس الأيديولوجية والتنظيمية، ورفض مبدأ الديمقراطية داخل الحزب... وكانت الخلافات داخل قيادة الحزب تؤدي مباشرة إلى انشقاقات وهذا ما حدث عام 1970 حيث تم انشقاق الحزب والإعلان عن تشكيل الحزب الشيوعي الأردني-الكادر اللينيني وأيضا في عام 1982 عندما خرج التكتل وشكل حزبا، ورغم توحد الحزب عام 1986الا ان هذه الوحدة الشكلية لم تصمد أما التغيرات التي حدثت في العالم، ولهذا ترى ان في عام 1990 قامت كوادر الحزب من الصف الثاني وكانوا يمثلون قيادة المناطق (المحافظات) والتي تم انتخابها بشكل ديمقراطي عن طريق الاقتراع السري لأول مرة في تاريخ الحزب الشيوعي الأردني بتشكيل لجان المناطق والتي كان أهم مطالبها إلغاء المركزية الديمقراطية وعقد مؤتمر ديمقراطي للحزب يتم فيه إقرار مبدأ الديمقراطية داخل الحزب وانتخاب جميع الهيئات القيادية وصولا إلى المكتب السياسي والامين العام بطريقة ديمقراطية.
إلا ان هذه المطالب جوبهت بالرفض من قيادة الحزب في ذلك الوقت. ولقد أدى هذا الموقف إلى خروج معظم هذه الكوادر الشابة من الحزب وقام بعضها بتشكيل الحزب الاشتراكي الأردني ومعه جزء من قيادات الحزب القديمة والتي أيدت موقفهم من الديمقراطية، أما الجزء الكبير فقد فضل البقاء في خارج هذه الأطر التنظيمية نتيجة للإحباط، وبهذا خسر عدد كبير من كوادره الشابة والمثقفة.
ولقد عانت أيضا أحزاب حشد والوحدة الشعبية من نفس النتائج وذلك في نفس الفترة تقريبا، إذ قام جزء كبير من كوادر هذه الأحزاب بالانسحاب والخروج من هذه الأحزاب نتيجة رفض مطالبها المتعلقة أيضا بتطبيق الديمقراطية ورفضها الارتباط التنظيمي لهذه الأحزاب بقيادات الخارج.
ان الملاحظ لتجربة أحزاب اليسار الأردني خلال السنوات السابقة يلاحظ ان الهم الأكبر لهذا اليسار كان مرتبطا بالقضايا الوطنية والقومية (والقضية الفلسطينية) ذلك على حساب النضال الاجتماعي والمطلبي والسياسي الداخلي، وما يؤكد ذلك هو ان الخلافات الرئيسية التي حدثت في الحزب الشيوعي الأردني وأدت إلى انشقاقات كبيرة كانت بسبب القضية الفلسطينية. فخلاف عام 1970 كان حول الموقف من الكفاح المسلح الفلسطيني، أما عام 1982 فكان حول الموقف من استقلال التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة عن الحزب الشيوعي الأردني وتشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني، وهذا ينطبق أيضا على أحزاب حشد والوحدة الشعبية وبشكل اكبر وخاصة وانهما امتداد للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
إشكاليات أساسية تواجهنا:

أرى انه من الأنسب في البداية وقبل طرح المهام المطلوب من هذا اليسار محاولة قراءة الواقع الذي نعيش فيه وتحديد المشاكل الرئيسية الموجودة والتي تتطلب منا وضع الحلول الصحيحة للخروج منها.ولهذا سأحاول ان أورد بعض النقاط الأساسية لهذه الإشكاليات والتي يتفق عليها كثيرين من المفكرين العرب سواء كانوا يساريين أو قوميين أو حتى الليبراليين.
1-التحدي الحضاري الذي نجابهه وإشكالية التخلف والذي لا يزال السمة التي تميز أوضاعنا من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا التخلف الذي له أسبابه الموضوعية والذاتية علما بان التخلف هو قضية نسبية يقاس بمدى التقدم الذي حققته البشرية عامة وفي شتى المجالات العلمية والثقافية منها، وهذا يتطلب تطوير مفهوم معاصر لعلاقة بلدنا بالعالم وبمنجزات العصر والانفتاح على المنجزات التي حققتها البشرية في كل المجالات العلمية والثقافية منها مع العمل بشكل فعال على تطوير ثقافة وطنية مستمدة من حضارتنا وتاريخنا بدون انغلاق أو انعزال، ومستفيدة من كل منجزات الفكر الإنساني.
2-إشكالية التنمية، هذه الاشمالية التي تواجه كل بلدان العالم الثالث ومن ضمنها بلدنا ونلاحظ انه رغم الكثير من الخطط التي وضعت في السنين السابقة ورغم ما تحقق من بعض الإنجازات إلا ان التنمية المطلوبة لاخراج بلداننا من هذا التخلف لم نحققها ولهذا أسباب كثيرة إلا انه من أهم أسبابها غياب الديمقراطية والمشاركة الفعالة في صنع القرار.
3-الديمقراطية على صعيد الدولة ومؤسساتها والمجتمع، وتأثيرها على بناء مؤسسات المجتمع المدني بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والثقافية واحترام حقوق الإنسان وكرامة الفرد وعلاقتها بالتعددية داخل المجتمع بكل مكوناتها وعلاقة هذه المفاهيم بقيام الدولة الوطنية الحديثة والتي تجسد الوحدة الوطنية الحقيقية على الأرض وليس فقط بالشعار بحيث يشعر كل المواطنين انهم أبناء هذا الوطن وليس أبناء إقليم أو عشيرة أو طائفة.
4-إشكالية التضامن العربية والذي يجب ان ينظر إليه على أساس تطوير العلاقات العربية على كافة المستويات سواء الرسمية منها ان الشعبية وملاحظة ما يشرب هذه العلاقات من تفكك تتحمل في كثير من الأحيان الجهات الحاكمة مسؤوليتها الأساسية ولو بنسب متفاوتة وضرورة البحث عن أشكال جديدة وعملية للتكامل الاقتصادية والاجتماعي والثقافي، مرتبطة أيضا بالحفاظ على أمن هذه الدول بشكل جماعي وعلى أساس المصالح المشتركة لها جميعا بعيدا عن الشعارات الرومانسية والثورية الرنانة.
يسار المستقبل:
نعم للمستقبل يساره، فتعبير اليسار والذي أطلق على المعارضة (حسب مكان جلوسها) في الجمعية الوطنية الفرنسية اصبح يعني تيار التغيير والتقدم المناهض للقوى المحافظة المسيطرة. ولكل زمان يساره ولكن يسار المستقبل لا يمكن ان يكون صورة عن يسار الماضي. فيسار الحاضر والمستقبل هو كما كان لكل وقت انحياز للإنسان بصفته الإنسانية أي للعدالة والحرية والمساواة لتحرير كل الأفراد من شروط الاستعباد والاستغلال وإهانة الكرامة.
فالثورة اليوم مبررة من اجل الحرية والديمقراطية ولكن ليس من اجل فرض نموذج اجتماعي مقرر سلفا تصادر لأجله السلطة بحيث تصبح المحافظة على هذه السلطة هدفا بحد ذاته بدلا من ان تكون وسيلة لتحقيق الأهداف الحقيقية لليسار والتي في مركز اهتمامها الإنسان.
ان الإشكاليات التي تواجه مجتمعنا تتطلب من اليسار تحديد مهامه على أساس المساهمة في حل هذه الإشكاليات وعلى أساس ما يلي:
1-الالتزام بالديمقراطية كخيار نهائي لا رجعة عنه والاعتراف بان صناديق الاقتراع هي الحل التاريخي الذي نعرفه لحد الآن لإشكالية مشاركة الوطن في صنع القرار. وبان الديمقراطية هي شرط أساسي لبناء الدولة الحديثة والتي تتطلب العمل على بناء المجتمع المدني ودول المؤسسات والقانون وتلتزم بمبدأ تداول السلطة السياسية على أساس ديمقراطي وسلمي.
2-رؤية جديدة واقعية للظروف الحالية الخاصة وهذا يتطلب عدم القفز عن المراحل وتحديد المرحلة التي نعيشها بشكل واضح والالتزام عند صياغة الخطط والبرامج بالمعرفة للواقع وربط الفكر بهذا الواقع والابتعاد عن الشعارات الغير واقعية والتي تتضمن تحديد موقف للتاريخ وليس للمساعدة في العمل على تغيير الواقع الموجود حسب الإمكانيات.
3-طرح برامج للتنمية واقعية حقيقية لا وهمية تأخذ بعين الاعتبار الواقع العالمي وتعتمد في الأساس على القدرات الذاتية الحقيقية وعلى التكامل بين البلدان العربية لحل الأزمات الاقتصادية من مديونية وغيرها...التي تواجه هذه البلدان والى الانفتاح على الاستثمار الأجنبي للقيام بمشاريع إنتاجية مشتركة هذا كله مع الاهتمام بالجوانب الاجتماعية من قضية التنمية وهذا يتطلب الحفاظ على ما هو محقق من ضمانات اجتماعية بالإضافة إلى وضع برامج حماية اجتماعية لحماية ذوي الدخل المحدد تتضمن التامين الاجتماعي والتأمين ضد البطالة والتامين الصحي.
4-الانتهاء من صيغة حزب النموذج الحزب الطبقي الموروث من المرحلة السوفياتية خاصة وان الأساس النظري والظروف التاريخية التي أملتها قد انتهت والتحول إلى حزب المرحلة حزب التغيير الذي يمتلك مشروعا متكاملا للوطن.
ان المطلوب هو مشروع واسع يكتسب مصداقية وقبولا لدى أقسام واسعة من الطبقة الوسطى ومجتمع رجال الأعمال والبرجوازية المتنورة لتحقيق المهام التي طرحناها سابقا ، ويؤمن بالمشاركة السياسية في الحكم مع غيره من الأحزاب والأطر الأخرى.
5-التحرر من الأيدلوجية وسيطرة الفكر في الحزب أو خارجه ولهذا يجب ان يكون بناء الحزب التنظيمي قادرا على ان يصبح حر في التعاطي مع هذا الفكر أو ذاك أو الرفض أو التطوير وغير ذلك واعطاء عضو الحزب حق الاجتهاد المتحرر من العصبوية وعدم التعامل مع أي فكر كعقيدة جامدة أو كفكر صالح لكل مكان وزمان وكحقيقية مطلقة لا رجوع عنها.
6-البحث في الأشكال للحوار بين الرافضين للواقع القائم والبحث عن شروط تحقيق التغيير على المستوى الوطني والقومي وفي الحركة السياسية لتحقيق هذه المهمات وجذب الناس بفئاتهم المختلفة، والانخراط في كل أشكال النشاط الإنساني، وجذب المبدعين من المثقفين حتى الذين تجرفهم هموم الحياة إلى الموقع النقيض لإبداعهم (فنانين وأدباء وشعراء وموسيقيي( لكي نستطيع التأسيس لمشروع نهضوي تكمن شروط نجاحه بعلاقته بالعصر ومنجزاته وبطابعه المستقبلي وبتحرره من السلفية.
وهذا يعني العمل على دفع كل هذه الفئات للمشاركة في بناء المجتمع المدني الجديد على أساس إدراكهم لمصالحهم العامة والتي توحدهم كجزء من المجتمع وتجعلهم أدوات ضغط على الدولة وعلى السياسيين المحترفين لإرساء وتطوير ديمقراطية حقيقية، وخاصة وأننا نلاحظ ان فئات المجتمع المدني في العالم هي التي تشكل القطب الرئيسي لمجموعة الدول الصناعية التي تقرر في العالم وهي الوحيدة التي شكل قطبا مناوئا للعولمة المتوحشة النيوليبرالية، وللسياسات العدوانية لليمين الأمريكي (الموقف ضد الحرب على العرق) وهذا يعني ان اليسار الجديد يجب ان يكون جزء من هذه المنظمات والهيئات المدنية ينخرط بها ويتفاعل معها وبشكل حر من دون محاولة فرض تصوره أو سيطرته عليها والاستفادة منها في عملية التغيير الاجتماعي وبلورة سياسة وطنية بديلة تستند إلى مجموعة من القيم والمعايير التي تنزع السوق الرأسمالي إلى تدميرها أو انحيازها.
ان هذه الأفكار يجب ان تكون متلازمة مع جوهر الخطاب اليساري الذي يجب ان يكون اليوم إنساني، تقدمي علماني بدون محاولة تنقيح الخطاب الماضي أو تبريره أو تجميلة....
في النهاية لا أحد يستطيع ان يدعي انه يقدم حلول نهائية لهذه الإشكاليات، ولكن المهم ان لا نقوم بخداع أنفسنا أو غيرنا بتقديم قوالب جاهزة للتطبيق العملي.
ورقة عمل قدمت الى ندوة "الاحزاب السياسية الاردنية ...الواقع والطوح" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 10-11/ايار2003 الاردن-عمان.