A+ A-
اليسار الأردني... جذور المأزق، وأسئلة المستقبل
2003-05-10
أجل تحقيقها.. ولكن العدالة الاجتماعية تحمل من التفسيرات والألوان ما يجعل من قصرها على اليسار سؤالا مفتوحا تتنازعه مدارس فكرية عديدة. ولكن الملامح الرئيسية لحركة اليسار في العالم وعبر التاريخ تبقى تتسم بانحيازها للكادحين والمظلومين عبر العالم، وبهذا المعنى اخذت المنظمات والحركات والاحزاب اليسارية طابعا أمميا. وفي هذا السياق، جاء الفكر الماركسي في أواسط القرن التاسع عشر ليصوغ في فلسفته المادية التاريخية الجدلية برنامجا منسجما فلسفيا ومعرفيا وسياسيا لإدارة صراع الطبقة العاملة مع الرأسمالية الناهضة، وبتبني المدرسة اللينينية للفكر الماركسي ووصول البلاشفة إلى السلطة في روسيا القيصرية الإقطاعية المتخلفة، رغم أنف النظرية الماركسية نفسها التي أرادت لمشروعها السياسي أن يرى النور بانتصار الطبقة العاملة ووصولها إلى السلطة في البلدان الأوروبية المتقدمة صناعيا في حينه، وبالتحديد في بريطانيا وألمانيا، تمهدت الطريق أمام مفترق آخر من مفترقات طرق الحركة اليسارية العالمية، بدءا من تخوين مدرسة الاشتراكية الديمقراطية (التي لا تزال تحكم في العديد من دول أوروبا الغربية الآن)، وصولا إلى تشكُّل "منظومة الدول الاشتراكية" بقيادة الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار الأحزاب الشيوعية كأحد أهم روافد الحركة اليسارية، في مختلف دول العالم، وبينها الدول العربية.وورثت الستالينية القمعية القاسية الفظة المغرقة في شموليتها لينين، مرورا بمرحلة خروتشون الإصلاحية، وقبيل الوداع، مرحلة بريجنيف، التي أتى غورباتشوف بعدها ليطلق رصاصة الرحمة على التجربة كلها.
ولأن اليسار العربي واليسار العربي الماركسي اللينيني على وجه الخصوص كان بشكل أو بآخر وليد تلك المعادلة منذ صيغتها اللينينية والستالينية، اقتحم "الاتحاد السوفيتي الصديق العظيم" آيديولوجيا وعقول وقلوب اليساريين العرب في جناحهم الشيوعي على الأخصّ، واضطرت قوى ذات تاريخ للانصياع لرغبة الباب العالي الجديد في موسكو بفعل هذا الضغط الفكري والسياسي المباشر وغير المباشر لتبدأ عمليات مصادرة التفكير الحر المبدع. لقد استُخدمت صكوك الغفران والحجر والحرمان في مواجهة كل الخصوم، بمن فيهم أولئك المجتهدين المبادرين في نفس تلك الأحزاب.
إن هذه المقدمة ليست في حال تنظيرا خارجا عن موضوع هذه الجلسة.. فهذه الصيغة المختصرة لواقع عشرات ومئات السنين والأحداث، فعلت ولا تزال تفعل في عقل وقلب وجسم اليسار العربي - واليسار الاردني جزء منه. ولكي لا يُفهم ان المقصود باليسار الشيوعيين فقط، لا بد من التنويه بأن هذه الورقة تتناول بالتحديد القوى التي تبنت بهذا الشكل او ذاك، وإلى هذا الحد أو ذاك، الماركسية- اللينينية فكرا لها. وهذا لا يعني أن هناك قوى يسارية أو ذات ملامح يسارية أخرى خارجة عن التصنيف اليساري.
اليسار الاردنيينحدر اليسار الأردني من رافدين رئيسيين هما: الحركة الشيوعية الأردنية، وعنوانها الأبرز "الحزب الشيوعي الأردني" وما نتج وانشق عنه من احزاب، ومن القوى التي ولدت من رحم حركة القوميين العرب، وبالأساس من الجبهتين، الشعبية والديمقراطية (حزب الوحدة الشعبية وحزب الشعب الديمقراطي – حشد، والاتجاه الذي انشق عنه بالتوازي مع انشقاق حركة فدا عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) بالإضافة إلى عدد من القوى اليسارية المحلية ذات الأصول الفصائلية الفلسطينية أو المحلية، أو الهجينة. لذا، فإن وضع إشارة مساواة بين الشيوعيين واليسار في الأردن، غير صحيح، فتعريف اليسار نسبي في مطلق الأحوال، كما أن واقع القوى الفاعلة في التيار اليساري يقول إنها لا تقتصر على الشيوعيين، بل هم لا يشكلون في الواقع جسمها الرئيسي.
لقد ارتبط نشوء اليسار الاردني وانهياره تاريخيا، وعلى وجه العموم، بالاتحاد السوفييتي نشوءا وانهيارا، وبفصائل حركة المقاومة الفلسطينية (المنحدرة من حركة القوميين العرب)، التي شكلت بدورها مراكز لأطراف أردنية محلية يسارية، وكانت هذه الأطراف ملاحق للمراكز. فالقرار والتمويل والحياة التنظيمية محكومة جميعها بتلك المراكز، وتراجع دور المركز ، انعكس في صورة تراجع الأطراف المحلية الملحقة بصورة مباشرة في الغالب.
لقد كان الحزب الشيوعي الأردني، وفي وقت مبكر من القرن الماضي، أول حَمَلَة الشعار اليساري الماركسي-اللينيني المنظم، وكان أول من حمل تعابير التداخلات الفلسطينية الاردنية، فليس غريبا أن يتاثر هذا الحزب في مسيرته ومصائره بمسيرة ومصائر الأبعاد الأممية والقومية لحركة اليسار.
ان في محطات الاتحاد والانفصال بين الحركات اليسارية الفلسطينية والاردنية مثال بارز على اختلال صياغة اليسار الأردني للعلاقة بين البرنامج الوطني-المحلي، الذي يتصدّى لهموم ومشكلات المواطن الأردني، وبين الشعار القومي الذي من أهم مراكزه قضايا الوحدة العربية والتصدّي للمشروع الصهيوني، وبين العالمي-الأممي متمثلا في سطوة الاتحاد السوفييتي ورؤاه وسياساته. لقد أرهقت هذه المعادلات الهلامية قدرة اليسار الأردني بمختلف تياراته وانعكست على البرامج والتوجهات والقدرة على مخاطبة مصالح الفئات التي كان يفترض بتلك القوى أن تعبر عنها، فبرز في كل ذلك واحد من أهم عناوين مآزق اليسار الأردني.
أزمة اليسار الأردني
أن أسباب أزمة اليسار الأردني تتمحور في العيد من جوانبها في أسباب أزمة اليسار العربي وفي أسباب أزمة التيارات القومية العربية والأممية-الشيوعية، بما لا يلغي المكونات الأسباب الخاصّة باليسار الأردني نفسه، في ذاته، ومع محيطه.
ويمكن في هذا الصّدد تقديم عدد من الفرضيات التي تحاول تحديد الأهم:
1. لم يصغ اليسار العربي في برامج وشعارات تخاطب فعلا الفئات والطبقات التي زعم اليسار أنه يمثل مصالحها.2. لم ينسجم الشعار الوطني الكفاحي مع الشعار الأممي في كثير من الاحيان.
3. كان الشعاران القومي والوطني على غير انسجام مع الشعار الأممي، ولم يُطرح أصلا شعار يساري وطني واقعي مقنع.
4. انفصم الاقتصادي عن السياسي وكلاهما عن الاجتماعي في حين ترى المدرسة اليسارية وحدتها.
5. ركض اليسار بعيدا في دون التمعّن في واقع ومستويات تطور المجتمع الأردني.
6. كانت الآيديولوجيا وليدة الحاجة السياسية، ولم تكن ولادة الآيديولوجبا الشيوعية خصوصا ولادة طبيعية، بل قسرية أصبح فيها ما هو خارجي أهم مما هو داخلي، وما هو شكلي بديلا لما هو جوهري،... فكانت مرجعية موسكو هي الأصل والأساس ومصدر المعرفة وتحليل الواقع، فلم تكن وقائع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مصدرا لبناء البرامج السياسية والاقتصادية.
7. وتنظيمياً، فشلت صيغة المركزية-الديمقراطية في توفير ناظم ديمقراطي متقدم للحياة الحزبية الداخلية فتحولت تلك الأحزاب إلى أنماط من الحكم الشمولي الزعامي بمسحات دكتاتورية وبيروقراطية ومراتبية بارزة، ولم تستوعب الاحزاب اليسارية دروس نتائج انعدام الديمقراطية الداخلية لديها.
8. علاقة تلك الاحزاب والقوى بجماهيرها المفترضة انبنت بدورها على أسس المركزية - الديمقراطية ذاتها، واتحدت في الجوهر أمراض الحياة التنظيمية الداخلية مع أمراض العلاقة مع الجماهير.
9. كان بقاء واستمرار الشيوخ في قيادة تلك الاحزاب مؤشرا على حالت مستعصية من التكلّس والإكليريكية، رغم أن هؤلاء لم يكونوا في الغالب الأكثر وعيا ودراية ومعرفة، لا بالمعنى النظري، ولا في مبادين العمل السياسي والتنظيمي والجماهيري، ففقدت تلك القوى قدرتها على التجدّد والتجديد وموكبة المتغيرات(يقف الآن أكثر من 95% من أبناء تلك الأحزاب خارج أطر العمل الحزبي السياسي المنظم).
10. كانت علاقة الاتحاد والانفصال-الانشقاق بين أطراف الحركة الشيوعية الأردنية والفلسطينية نتاج تهلهل وارتباك في مجمل مسيرة هذا التيار من اليسار الأردني.
12. الدور الهام للجبهتين، الديمقراطية والشعبية، في حياة اليسار الأردني، لم يستطع دفع هذه الحركة خطوات إلى الأمام كما كان يطمح هذان الفصيلان، وما لبث أن أصبح دورهما ذك في ذات الدائرة التي جاء ليخلّص اليسار من حدودها الضيقة، وأصبح الكثير مما يصف الأمراض التقليدية للحزب الشيوعي الأردني ونتاجاته، يصف أيضا مواقع الخلل في الميادين الفكرية والسياسية والتنظيمية للامتـدادات الأردنية لهذين التنظيمين، باختلافات غير جوهرية.
13. انكشاف الوهن الفكري والسياسي والتنظيمي للأحزاب اليسارية الماركسية-اللينينية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، واتضاح هذا الوهن محليا بعد الدخول في مرحلة العمل العلني مع بدايات الانفراج الديمقراطي في الأردن، فكان الخروج من العمل السري الى العمل العلني في الأردن ذا نتائج كارثية على أحزاب اليسار، التي طالما عزت عدم تعاظم دورها إلى كونها تعمل في ظروف العمل السري. لم يترافق "الانكشاف الآيديولوجي" بالذات مع مراجعات فكرية وسياسية وتنظيمية، استمرت المراوحة في المكان النظري والسياسي والتنظيمي دون محاولة التوقف بجدية وعمق أمام الأسباب ومحاولة الخروج بنتائج تحترم الحقيقة والعلم والواقع .
14. الافتقار إلى خطاب آيديولوجي يساري متماسك يستطيع صياغة برامج قادرة على حشد التاييد، وقادر على حل إشكالية العلاقة بين ما هو "يساري" وبين ما هو اجتماعي مقبول من الناس الذين يعكس ذلك البرنامج صالحهم ويدافع عنها.
15. السياسة الإعلامية الرديئة غير المقنِعة، واللغة الديباجية الممجوجة التي سبق وكرهها الناس في الإعلام الرسمي، ساعدتا في تكريس الصورة غير الإيجابية للبدائل التي يحملها اليسار، في المثال الملموس المقدّم في صورة كلمة مقروءة أو مسموعة.
16. الافتقار مشروع نهضوي مقنع معزز ببرامج واقعية تستجيب للمصالح الوطنية والقومية.
17. تدني الوعي بالنظرية الماركسية نفسها، حتى بافتراض صحتها المطلقة، فلم يحسن القائمون على العمل الماركسي وفي صفوف قياداتهم الأولى أيضا (بل ربم بشك خاصّ) فهم نظريتهم نفسها، بل وأحجم معظمهم عن حمل عبىء قراءة ما يزيد على عدد من الكتب (الأساسية) فكانت الملخصات والعبارات المشهورة والاقتباسات بديلا عن العمل النظري الفكري الحقيقي.
18. غلبة النزوع إلـى تنظيم مغلق معزول (تنظيم كادر) على التنظيم الجماهيري المنفتح القادر على بناء المؤسسات وحكومات الظلّ.
19. تشوّش الموقف من الديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الحديثة.
20. استمرار النظر إلى سقوط الاتحاد السوفيتي و "دول المنظومة" كما لو أنه نتيجة مؤامرة، والكفّ بالتالي عن محاولة استنباط وتحليل الأسباب الأعمق لذلك الانهيار الكبير، لاستخلاص النتائج.
أزمة اليسار الأردني في بعدها القومي والأممي فكريا وسياسيا وتنظيمياإن من الظلم تناول أسباب أزمة اليسار الأردني كما لو أنها أسباب خاصة به... فالكثير مما ورد آنفا ينطبق في حدود تزيد أو تنقص على غالبية (وربما كل!) قوى اليسار العربي وفي العالم، وخاصة في التيارات الماركسية-اللينينية، التي تربّت في ذات المدرسة الفكرية، وعلى يد نفس "المعلّمين".. وحتّى لا تُحمّل حركة اليسار الأردني أكثر مما تحتمل، لا بد من استعراض عدد من محاور الأسباب الأعمق لأزمة اليسار، في الجذور النظرية الفكرية والسياسية، والتي منها:
لقد انطلق ماركس في مجمل رؤيته للتحول السياسي الذي ستقوده البروليتاريا الصناعية من أن هذه الثورة – وبفعل قوانين موضوعية - ستكون في بريطانيا وألمانيا، لأن في هاتين الدولتين طبقة عاملة صناعية (بروليتاريا) متطورة في مجتمع أنجز مرحلة الثورة البورجوازية الديمقراطية ودخل عميقا فيها، فجاءت اللينينية، في تشويه نظري غير مبرر، لتطرح نظرية لا علاقة لها بأسس النظرية الماركسية في الثورة والتغيير، فقال لينين إن السلسلة الرأسمالية تنكسر في أضعف حلقاتها وهي روسيا القيصرية الإقطاعية المتخلفة التي لم تكن فيها تلك البروليتاريا التي تحدث عنها ماركس. وهنا، يمكن بناء تصور عن أحجام ونوعيات مركبات التشوّه في الأسس النظرية، والتعبيرات والمظاهر التطبيقية السياسية والتنظمية اللاحقة لانتقال الاستثناء الروسي ونماذجه إلى النموذج العربي الذي ما كنا نعرف له لا إقطاعا ولا طبقة عاملة ولا برجوازية صغيرة أو كبيرة (بالمعنى والشكل الأوروبي).
* إن الحزب (الشيوعي) في السلطة أو خارجها، هو في الأساس الماركسي اللينيني ممثل طبقة او طبقات (رغم أنه في واقع الأمر حزب نخبة مثقفة، مهما زاد عدد المسجلين في صفوفه كحزب سلطة)، وهو بالتعريف "هيئة أركان" تلك الطبقة، وأدتها لقمع الطبقات الأخرى (قيادة أركان)، وفي هذا ما يكفي لتبرير وتفسير النظرة إلى الديمقراطية والدولة الحديثة ومؤسسات المجتمع المدني والحريات، باعتبارها بنى طبقية أو تعبيرات طبقية، لا يمكن التعامل معها في أبعاد اجتماعية شاملة. لقد كان اختصار الطبقة في حزب واختصار الفكر والسياسة في نخبة أو حتى في شخص "الزعيم – القائد – الأمين العام" تعبير عن حقيقة أن تلك الأحزاب حاولت تطويق الحياة والمجتمع في حلقة ضيقة، انكسرت بفعل قوانين الحياة نفسها. إن النخبوية الأقلوية بهذا المعنى تفترق حتى مع أبسط الأسس العلمية المزعومة ل"النظرية" وجدليتها وواقعيتها. إن من الطبيعي والحالة هذه أن نرى تيارات اليساري الأردني والعربي (والشيوعية منها خصوصا) مصابة بذات مظاهر العسف.
* تغليب الشعار والأحكام الجاهزة على محاولة قراءة الواقع والتعامل مع عناصره ومتغيراته ومستجداته، على الرغم كل قوانين الجدل والتراكم والتغير الكمّي والنوعي، كما لو أن النظرية نفسها تسارع إلى دحض نفسها، وكمثال: الموقف من العولمة.. فرغم أن النظرية الماركسية نفسها وقوانينها الاقتصادية تكاد تصف بدقة العديد من مظاهر العولمة (عالمية عمليات الإنتاج، ثمّ التوزيع) إلا أن اليسار لا يستطيع حتى الآن الفصل بين العولمة كظاهرة اقتصادية عالمية هي نتاج فعل قوانين تطور، وبين المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل على تنفيذها دول وقوى ومؤسسات رأسمالية كبرى..
* اعتبار أي خروج عن " النصوص" و" المسلمات" خروجا عن الصف الآيديولوجي والسياسي والتنظيمي لليسار، بما يشبه الإلحاد في نظر المؤمنيين، فالماويون والتروتسكيون واليساريون الجدد، بل وحتى أحزاب الشيوعية الاوروبية "المجتهدون" في الماركسية عملاء (أو يكادون) للامبريالية، وليسوا من أبناء المعسكر النقي الحديدي المتماسك لدول المنظومة وحلفائهم، تبعا لما تقرره المرجعية الأعلى في موسكو، صاحبة القرار الأول والأخير.
* الافتقار إلى نظرية معرفة ومنهجية تحليلية تكون أداة لفهم الواقع، فتحولت تلك الأحزاب برمتها، ليس إلى أداة لتغيير الواقع (غير المفهوم) بل أدوات تشديد للقيود الفكرية والسياسية الرجعية في جوهرها.
* وبدلا من بناء أنظمة علمانية في دول حديثة تحترم قوانينها ومواطنيها في نسق من الحريات المكتسبة على أسس الديمقراطية السياسية والاجتماعية، تحولت دول النظرية الماركسية الى دول تحكمها أنظمة تقدّس الدكتاتورية وتنظِّر لها، وتحتقر الحريات بأنواعها، وبينها بالطبع، حرية الفرد.
* وفي البعد العربي لحالة التشوّش والارتباك والاختلاط المعرفي في بلد المصدر، ونتيجة سياسة استيراد كل ما هو سياسي وفكري، استقبل اليسار العربي استراتيجياته أيضا من أولئك الذين أنتجوا هذا الخلل المعرفي نفسه، وقد تجلى هذا على المستوى السياسي في "الطرق" التي يجب أن يتم المرور بها للوصول إلى الاشتراكية الموعودة (طريق التطور اللاراسمالي، دول التوجه الاشتراكي، حركات التحرر الوطني الديمقراطية الثورية،..)، وتم
* فصل الاجتماعي عن السياسي والاقتصادي في تجنٍّ واضح على الواقع وحقائقه.
* زيف الوعي بالواقع ومستجداته واختصار الوعي بعمليات قولبة ووصفات جامدة و"اقتباسات" مما قاله ماركس وقاله لينين. لقد تحولت محاولة فهم الواقع الى محاولة للبحث عن عبارة لإلصاق الواقع بها.
* التعامل مع المسألة القومية على اعتبارها هامشية (وعربيا: إلى درجة القبول بالاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان عندما يصل الرفاق الفرنسيون الى السلطة في باريس، بل والتعامل المتردد والمرتبك مع الاستعمار الصهيوني لفلسطين). لقد كان عدم استيعاب الأبعاد القومية والوطنية من ابرز الثغرات التي رافقت مسيرة معظم الاحزاب الشيوعية باستثناءات قليلة أبرزها (المثال اللبناني).
* الاتسام بالقوة والفظاظة وعدم احترام الآخر وسرعة إصدار الأحكام عليه، وهذا ما مورس على صعيد الحزب وهيئاته وكوادره وصولا إلى أعضائه المرشحين.
اليسار الأردني وأسئلة المستقبل
• هل من الممكن إعادة تاسيس حركة يسارية أردنية ذات وزن؟ ضمن أي إطار؟ ووفق أي صيغة؟ وما هي الأسس التي تستند إليها هذه الحركة اليسارية العتيدة؟ أين هي القاعدة الاجتماعية المفترضة لهذا اليسار؟
• هل تستطيع حركة ديمقراطية واسعة ومرنة ومؤثرة استيعاب اليسار الاردني ، أم أن هذا اليسار سيكون قادرا على بناء هذا الإطار الديمقراطي الجماهيري الذي يستطيع أن يستقطب المبادرات الديمقراطية الجديدة؟
• هل سيعيد اليسار الأردني النظر في تجربة الاشتراكيات الديمقراطية الاوروبية باعتبارها نموذجا أرقى للدولة الديمقراطية الحديثة ومؤسساتها المدنية أم أن التعفّف عن التعامل مع صيغ "الديمقراطية البرجوازية" ستبقى تشد هذا التيار إلى الخنادق القديمة؟
• هل من استطاع التعايش مع بنى اليسار الأردني (والفلسطيني بالتداخل) طوال عقود من الزمن، قادر على الخروج من شرانقه الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تكلست وصعب كسرها؟ وهل هو مؤهل للعب دور في بناء حزب ديمقراطي جديد؟
ورقة عمل قدمت الى ندوة "الاحزاب السياسية الاردنية ...الواقع والطوح" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 10-11/ايار2003 الاردن-عمان.