A+ A-
وجهة نظر في واقع وآفاق العمل السياسي في الأردن
2003-05-10

إن من الصعب تقديم قراءة علمية موضوعية متكاملة في بضعة أوراق، إذا كان الموضوع المطروح، كما هو الحال في هذه الندوة الكريمة، موضوعا ذا أبعاد شاملة عميقة الجذور في التاريخ والواقع، ومتنوعة الاحتمالات في آفاقها.

الواقع والمأزق، أردنيّاً:
منذ انطلاق الحياة الحزبية بشكلها الحالي في العام 1992 ولغاية اليوم، فشلت الأحزاب الأردنية بأطيافها المختلفة - باستثناء جماعة الأخوان المسلمين، لأسباب معروفة - في تحقيق أي حضور فاعل في الحركة السياسية، وعجزت عن لعب دور مؤثِّرعلى مختلف الصّعد. فتجربة أحد عشر عاما كان يمكن لها في أي مجتمع آخر أن تبلور أحزابا فعالة تمتلك برامج ورؤى ويكون لها حضور مؤثر في مختلف مناحي الحياة، ولعل في تجربة دول أوروبا الشرقية دليلا واضحا على هذا.ويمكن إرجاع هذا الفشل إلى جملة ظروف وعوامل موضوعية وذاتية، لعل من أهمها:
1. تاريخ الحركة الحزبية في الأردن، وفي المنطقة عموما، والذي لم يقدم نموذجا أو مثالا جذّابا للمواطن الأردني. فالعديد من النماذج التي ظهرت إنتهت الى كونها إما أحزاب شعارات، أو أحزابا نفعية، مما جعل الصورة النمطية للحزب والحزبي في ذهن المواطنين ملطّخة بالكثير من الأحكام السلبية المسبقة.2. واقع التداخل الديمغرافي والسياسي الأردني - الفلسطيني وتأثيراته العميقة على مجمل وتفصيلات الحياة اليومية والسياسية العامة في الأردن، وتغافل المؤسسة الحكومية وأجهزتها الإعلامية الرسمية، ومعهما المؤسسات الحزبية، عن وقائع هذا التداخل. فمن جهة، أدّعى الشعاران الرسمي والثوري معا – باستثناءات قليلة - انعدام وجود تمايزات بين الشعبين، بينما كان الأجدى سياسيا وإنسانيا ووطنيا، توضيح أن النكبة والنكسة حلّتا بالشعبين معا، فلا الشعب الأردني اختار أن يدفع اثمان الهجرات المتلاحقة، ولا الشعب الفلسطيني اختار بإرادته الهجرة واللجوء.3. قوة وانفراد اتجاه أو لون واحد وهيمنته على الشارع المنظم، وهذا أمر واقع ومفهوم بحكم تحالف صاحب القرار الأردني تاريخيا مع الحزب الوحيد الذي لم يتعرض للقمع والمنع، والاستفادة من دوره في مراحل سابقة لمواجهة قوى أخرى، بكل ما عكسه ذلك على الحياة السياسية في وطننا.4. وربما يفسر ما ورد في الفقرة السابقة حالة الفراغ الفكري والسياسي الذي يساهم في تزكية الرموز القادرة عشائريا وماليا ونفوذا. لقد ترافق ذلك مع انعدام مبادرات قوى الحياة والتقدم التي انزلقت أو تم القاؤها إلى الرصيف السياسي. رغم قدرتها على فهم المتغيرات والمستجدات بروح مسؤولة تكون رديفا طبيعيا لموقع القرار.5. الذهنية العرفية التي تشكلت على مدى عقود من ممارسة الأحكام العرفية، والتي، ورغم إلغائها رسميا، لم يستطع كثر من المسؤولين التخلص منها. والمشكلة الأساسية هنا هي فعل هذه الذهنية في المواطن، الذي ولغاية اليوم، يتعامل مع الحكومة ومؤسساتها وفق هذه الذهنية التي ربما تفسر خشية العديدين من الانخراط في العمل الحزبي.6. التقصير الحكومي النسبي في ترجمة وممارسة شعارات الديمقراطية السياسية التي تقول إن نمو الوطن وتطوره وتقدمه مرهون بوجود حركة سياسية فاعلة نشطة وأحزاب قادرة على تداول السلطة. 7. ولعل أخطر ما عرقل ويعرقل العمل الحزبي السياسي في وطننا، بالإضافة إلى ما ذُكر، انكفاء العديد العديد من الأشخاص والجماعات من المخلصين الواعين عن المبادرة إلى لعب دور في الحياة السياسية الأردنية. لقد كانت أسباب ذلك مركبة، فمنها الشعور باللاجدوى من ممارسة العمل السياسي، والاغتراب عن الهموم الوطنية. كما كان لانخفاض سقوف الحريات، والخشية من العودة إلى الصدام مع الحرس القديم، بنوعيه، الحكومي والمدني، وشبح القمع الأمني أو التكفير الديني أوالتخوين الوطني، أمثلة على العوامل التي تكبح مبادرة الآلآف بل وربما عشرات الآلآف عن المساهمة النشطة في الحياة الحزبية والسياسية الأردنية.8. التعمّق المستمر لآثار نضوب مصادر المساعدات والقروض والمنح العربية والدولية، مما أدى إلى تغير درامي في آليات تعزيز النفوذ الحكومي. لقد انعكس ذلك بقوة في صورة المزيد من الخلل في التوازن التقليدي للقاعدة الاجتماعية، التى استندت اليها الحكومات تاريخيا (تجربة معان مثال واضح)، لقد تخلت الحكومات في كثير من الأحيان، وبقوة الأمر الواقع، عن جزء هام من قاعدتها الاجتماعية غير المهيّأة تاريخيا للتعامل المستقل الناجح مع الأوضاع الجديدة. 9. الصراع المعلن والضمني والمرتقب بين الحرس القديم والصيغ الجديدة التي تفرض نفسها. والحرس القديم هنا يعني شخوص وجماعات النموذج التقليدي الذي لايستوعب ضرورات التغيير بحكم طبيعته، وبحكم تعارض التغيير مع مصالحة. والحرس القديم هنا لايعني الحرس القديم في المؤسسة الحاكمة فحسب، بل انه يمثل طيفا واسعا من أشخاص ومؤسسات المجتمع المدني، التي قد تبدو للوهلة الأولى على أنها ضدّ الحرس الحكومي القديم، مع أنها في الحقيقة تتساوق وتنسجم معه، حتى ولو كانت في خندق شعاراتيّ مختلف.10. سيادة البيئة الإقليمية أو العشائرية أو كليهما على مؤسسات المجتمع المدني وخاصة السياسية منها، وردود الفعل المقابلة التي لم تختلف في جوهرها عن هذا النمط، وسلبية عديد من السياسات الحكومية في مواجهة هذا الخلل.
من أجل حياة سياسية جديدة:
ورغم صعوبة تحديد كل ما هو مطلوب من أجل بناء حياة سياسية وحزبية سليمة ومعاصرة وناضجة وفاعلة، إلا أن بالإمكان تعيين بعض المحاور الرئيسية لتحقيق ذلك، منها:1- رؤيه وممارسه حكوميه تعي فعلا أن الخيار الديمقراطي هو الخيار الوحيد المتاح بحيث يتم التعامل مع الحياه والمؤسسات والشعب بهذه العقليه.2- أن تعي الهيئات الحاكمة أن التعامل مع العضوية الحزبية كما لو أنها بالضرورة معاديه هو منطق يدمر أساسا العمل السياسي للكثير من القوى التي يمكن أن تكون فاعلة في الحياة السياسية. إن فصل العمل السياسي عن التدخلات التعسفية الأمنية ضروري وحاسم.3- تعديل قانون الأحزاب بما يكفل لأي مجموعه مهما بلغ عددها وأيا كان توجهها الحق في تأسيس حزب سياسي بما لا يتعارض مع الدستور، وبما يكفل عصرنة هذا القانون بهدف الارتقاء بالحياة الحزبية والسياسية في الوطن وتشجيع أبنائه على المساهمة الفاعلة فيها. 4- تطوير المناهج الدراسيه بما يتجاوب مع التطور العلمي والحضاري الإنساني العام والتعددية واحترام الآخر.|5- أما الإعلام الذي تساوق تاريخيا مع سياسة الحكومات ولم يحاول أن يكون اعلاما مستقلا بعيدا عن إعلام الحكومه وحلفائها، فالمطلوب منه أن يكون إعلام وطن، يخاطب جميع أبناء الوطن وقواه السياسية، فلا ينحاز لفكر أو لرأي أو لجماعة.6- مبادرة الأحزاب إلى وقفات مراجعة شاملة لتقويم تجربتها وصياغة توجهاتها وبرامجها بما يمكنها من إعداد ذاتها للعب دور مؤثر في مختلف مناحي الحياة الأردنية. إن المطلوب أساسا أحزاب ذات برامج علمية واقعية تخاطب مصالح الناس وتتبنّاها وتتحمل مسؤولياتها، وهذا لا يتأتّى إلا بأحزاب لديها مؤسسات، قادرة على تشكيل حكومات ظلّ، وعاملة على تحشيد رأي عام يدعم طروحاتها، التي يجب أن لا تنقصها قوة الإقناع، بعيدا عن المنطق الاتهامي المطلق..7- استيعاب الأحزاب لحقيقة أن حالة التشرذم والتنافر بين العديد منها غير مبرر في أحيان كثيرة، والمصلحة تقتضي محاولة بناء تكتلات ذات وزن.8- مبادرة الشخصيات والقوى التي انكفأت عن المشاركة في الحياة السياسية الأردنية إلى العمل للملمة صفوفها والمساهمة في العملية الديمقراطية الجارية، نظرا لما تمثله من مصالح شرائح وفئات هامة في النسيج الاجتماعي الأردني.9- إن مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، كالنقابات، مطالبة بدورها بوقفات مراجعة شبيهة، فهي ليست خارج النسق العام فيما راكمته من مظاهر الخلل عبر عقود.
ورقة عمل قدمت الى ندوة "الاحزاب السياسية الاردنية ...الواقع والطوح" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 10-11/ايار2003 الاردن-عمان.