A+ A-
بغداد: سباق مع الزمن
2003-06-11

أولا:مقدمة
بعد ثمانية اسابيع من دخول المنتصر في بغداد، دخلت القوات الامريكية في سباق مع الزمن. واذا عجزت عن استعادة الامن الشخصي والخدمات العامة، واقامة علاقة افضل مع العراقيين قبل مجيء حرارة الصيف الحارقة، فان هناك خطورة حقيقية في اندلاع مشاكل خطيرة. ومن شأن ذلك ان يجعل من الصعب القيام باصلاحات سياسية جوهرية، وعندها يصبح التحرير السياسي من دكتاتورية صدام حسين عند غالبية سكان البلد تحول لاحتلال اجنبي حقيقي. ومع تركيز الانظار جميعها في الشرق الاوسط على العراق، سوف تكون الاسابيع والاشهر القادمة حاسمة لتشكيل القدرة الامريكية على فهم المنطقة.
وقد عبر العراقيون العاديون والنشطاء السياسيون والعاملون في مجال المساعدات الدولية والمسؤولون الامريكيون على حد سواء، عبروا لجماعة الازمة الدولية عن مخاوفهم من انه مع ارتفاع درجة الحرارة الى ستين مئوية، كذلك سوف ترتفع حدة مزاج البغداديين الذين تعرضوا للمصاعب والقلق في اعقاب انهيار نظام صدام حسين البغيض، والذين يعتبر تعاونهم أمرا اساسيا لتحقيق انتقال سياسي منظم في العراق. ولكن، على مدى شهرين من الحقبة الجديدة، تصرفت القوات الامريكية والقوات المنضمة اليها على نحو سيء حيال القضايا التي تؤثر على البغداديين تأثيرا مباشرا.
ويتحتم على هذه القوات الاسراع في اعطاء الناس شعورا بأمن اعظم في الشوارع والمنازل وتحسين الخدمات. وهي بحاجة كذلك للخروج من مقارها المعزولة للاتصال بالعراقيين العاديين وتوضيح سياسات افضل حول القضايا الحاسمة التي تسبب بغضا كبيرا وتضم هذه القضايا التخلص من حزب البعث وتسريح قوى الامن، والتاخر في اعادة تنظيم قوة سياسية ذات معنى.
من المبكر جدا الوصول الى استنتاج حول عراق ما بعد الحرب. والخلافات الدولية الحادة حول قرار الحرب، عملت كلها على تعقيد المهمة التي تواجه الحكام الجدد، غير ان سقوط صدام قد احدث تغييرات ايجابية كبيرة. ذلك انه لاول مرة منذ عدة اجيال، يستطيع العراقيون التعبير عما في نفوسهم دون خوف.
وليس من المدهش ان يبدأوا في التعبير عن حرياتهم التي اكتسبوها حديثا، بما في ذلك من خلال مسيرات الاحتجاج ضد بعض سياسات نفس القوات التي جعلت من الممكن الافصاح عن هذا الغضب. وقد بداوا انتخاب او اختيار قيادات جديدة في الوزارات والمؤسسات الوطنية والمجالس البلدية والاتحادات المهنية. وتعتبر هذه اشكالا بدائية من الديمقراطية التشاركية والتي، ان استمرت، تبشر بولادة قيادة وطنية شرعية جديدة ووضع اساس لمجتمع منفتح نابض بالحياة.
غير ان "جماعة الازمة الدولية" وجدت بغداد مدينة تعيش في محنة وفوضى واهتياج، وذلك حيال قضايا تقلق مواطنيها اشد قلق لان القوات المحتلة فعلت ادنى ما يمكنها ان تفعله، والغضب ملموس على ارض الواقع. وبينما تشعر "السلطة المؤقتة للتحالف" بهذه الحقائق، فانها قد بدات تحدث مجرد بداية لتغيير حقيقي في حياة العراقيين العاديين بعد ثمانية اسابيع من الاحتلال. فالكهرباء ، مثلا، بدات الان تتوافر لفترات اطول ، وما زال امدادها غير جدير بالاعتماد عليه. والطوابير التي تدوم وقتا طويلا في محطات الوقود، والشعور بانعدام الامن يظل متفاقما بشكل خاص عند سكان رأوا عمارات حكومتهم ومؤسساتهم الوطنية تنهب بالكامل،واحيانا تدمر في نوبة اشبه بالجنون يشترك في ذلك مزيج من الناهبين والمخربين. والبغداديون الذين لا يشعرون بالامان حتى داخل بيوتهم بسبب موجة الجريمة التي اطلق عنانها فراغ السلطة المفاجئ في العاصمة بعد 9 نيسان، يتحركون بحذر شديد عندما يستطيعون عودة درجة من الحالة السوية، وفي جميع الاحوال يشكون من وضعهم او يتبادلون قصص الرعب عن احداث حالات القتل والاغتصاب وسرقة السيارات والنهب التي ربما تكون او لا تكون قد وقعت في الجوار.
وحتى كبار المدنيين الامريكيين في بغداد يعبرون عن رعبهم من الغياب شبه الكامل للاستعدادات المسبقة للتعامل مع حاجات ما بعد الحرب. وهم من بين اول الذين يعترفون بانهم معزولون عن المجتمع الذي اوكلت اليهم مهمة مساعدته على عودة الوقوف على قدمية. ويدافع الخوف على سلامتهم الشخصية، لا يسمح بالتنقل في المدينة الا بحماية عسكرية، وبجهلهم بالعراق والعراقيين الى حد كبير، لا يخاطرون بالخروج من ساحات قصر صدام حسين السابق، مقرهم الرئيسي، الا نادرا، وتفاعلهم مع السكان على ادنى حد، وبتفاقم انعزال الامريكيين بتأخر اعادة عمل تسهيلات الاذاعة التي حرمت الادارة من القدرة على توصيل خططها وحتى منجزاتها للعراقيين العاديين.
وتنشر اوامر السلطة المؤقتة للاحتلال من خلال الصحف العراقية المتعددة ولكنها غير متوفرة لغالبية الناس، وعبر الاذاعة وهذه البيانات، المزخرفة والمحرفة لانها تنتشر مشافهة، تستقبل بمزيج من الغضب والاستسلام والحيرة والاستنكار الشديد.
فمثلا، جاء بيان 16 ايار حول "حل" حزب البعث، ليقابل بالترحيب من جانب البعض كخطوة اساسية اولى لاعادة بناء الحياة السياسية، ولكنه قوبل بالانتقاد على نطاق اوسع باعتباره يتجاهل العملية القانونية وشاملا الى حد بعيد. ويحمل بيان الحل في طياته امكانية توحيد المعارضة للولايات المتحدة عند الفئات الثلاث المتميزة للبعثيين-الموالين لصدام، والذين انضموا لبعث بدافع المنفعة، والذين انضموا من وقت مبكر بدافع القناعة الايديولوجية-بينما كان ينبغي ان يكون الهدف تهميش الفئة الاولى باستمالة الفئتين الاخيرتين.
واستقبل العراقيون الامر الخير بحل القوات العسكرية والقوى الامنية بمزيد من الغضب لانه يهدد بقذف مئات الالوف من الشبان الى الشوارع بدون وجود احتمال جدي للحصول على اعمال، او الامل في الحصول على معاش تقاعد. ويخشى من انضمام الكثيرين من افرادها الى عصابات اللصوص الذين يطوفون في الشوارع بدون ضابط، او يشكلون نواة للمقاومة المسلحة في المستقبل لما يشار اليه بالاحتلال الامريكي.
ويتصاعد الاستياء عند العراقيين الذين يطمحون الى السلطة السياسية، وهم فئتان ، التي تتمخض ببطء من ظل النظام القديم والتي جاءت من الخارج ويشعر افرادها اليوم بالخذلان من الولايات المتحدة ومن قرار مجلس الامن 1483 الذي يمنح اقل بكثير من الذي توفره لهم الحكومة المؤقتة المستقلة التي يديرها عراقيون والتي يطالبون بها بشدة. ويتضافر على نحو وثيق غياب الامن، والفشل في استعادة الخدمات الاساسية المنهارة بسرعة، واخفاق انطلاق العملية السياسية. فانعدام الامن يدفع بالعراقيين الى الامتناع عن الخروج للشارع والبقاء بعيدين عن اعمالهم . ولا جدوى، اصلاح البنى التحتية الاساسية ما لم تكن تحت الحراسة ومن المرجح ان تتعرض للنهب من جديد. وقد ادى ابعاد الادارة العليا في الوزارات، بسبب العضوية لحزب البعث، الى الفوضى والارتباك، وزاد من تاخير استئناف النشاط العادي. وقد ادت اللامساواة في دفع المرتبات (بسبب الفساد العراقي المستشرى) الى تباطؤ محطات الطاقة والتسهيلات الاخرى، وبذلك تكتمل الدورة بوجود حوافز اضافية للافراد اليائسين للجوء الى الجريمة.
وهذه الدورة، واليأس الذي تولده عند الغالبية العظمى من السكان، هي التحدي امام الادارة الامريكية في العراق وتتطلب المعالجة بأقصى سرعة. وهي الادارة اذ تواجه فجوة ثقة خطيرة، ويعوقها تناوب العاملين والمسؤولين واعادة تنظيم بيروقراطيتها سريعة النمو، فإنها تعتمد على براعة قواتها العسكرية، ومواهب طاقتها الذي يعمل بجد، وتعتمد على قدر من الحظ، لتغيير مسار الاحداث في بضعة اسابيع باقية قبل حلول حرارة الصيف الشديدة. واذا فشلت المقامرة، فان الشرعية الامريكية عند الكثير من العراقيين ربما تعاني من هزيمة ويمكن ان تبرهن على صعوبة التحرك في الاتجاه المعاكس وتوجه ضربة خطيرة ان لم تكن قاتلة للتحول السياسي الذي ما زال يبشر اليوم بتحول مادي هام في حياة العراقيين جميعا.
ان الوقت أخذ في النقصان، ولكي تفوز السلطة المؤقتة للتحالف، هذا السباق فانها بحاجة الى تنفيذ الاجراءات الملحة التالية، والتي نناقشها في اجزاء تالية من هذه الخلاصة: استعادة النظام العام: ويتطلب هذا الحال وضع حراسة مسلحة على مدار الساعة امام كافة المؤسسات العامة والبنى التحتية الهامة(محطات الطاقة، ومصافي النفط، ومحطات معالجة المياه والمجاري، والمستشفيات)؛ ووجود عسكري امريكي اشد تركيزا، تدريب عناصر موثوقة من القوة القديمة، وان كانت تحت الاشراف النهائي للسلطة المؤقتة للتحالف، واعادة تعيين كبار الضباط الذين لم يتلوثوا بالفساد والجرائم المتصلة بالنظام الحاكم السابق. ويجب ان تمول السلطة وترسل قوة شرطية دولية ذات خبرة ومدربة للقيام بمهام شرطية مدنية لاجراء دوريات مشتركة مع نظراء عراقيين، وباستخدام الملفات الموجودة للشرطة ، على السلطة المؤقتة للتحالف ان تطبق اجراء تستطيع بهن بعد مراجعة متأنية على ايدي قضاة عراقيين، التعرف على الكثير من المجرمين الذين عفا عنهم النظام السابق واعادة القبض عليهم.اصلاح البنى التحتية الاساسية واعادة الخدمات الرئيسية: بينما يجب ان تعطى الاولوية في هذا الشان الى التحرك قدما لتوفير التيار الكهربائي المنتظم والبنزين، يجب كذلك بذل جهد لتسريع دفع الرواتب.تحسين القدرات الاذاعية: يجب على السلطة المؤقتة للتحالف استخدام النطاق الكامل من وسائل الاعلام لنقل صورة للشعب العراقي عن تقدمها وخططها، وتنظيم المناقشات العامة في وسائل الاعلام وبثها على الهواء. وبنفس الروح، على السلطة كذلك اقامة مراكز واسعة على مستوى الاحياء (تتوافر فيها الامن) حيث يستطيع العراقيون تلقي ونقل المعلومات وتقديم الشكاوى. وعلى السلطة تحسين الاتصال مع المنظمات غير الحكومية ووكالات الامم المتحدة، بما في ذلك توفير ملخصات اسبوعية يعدها مدراء فروعها المختلفة .اعادة النظر في قرار القضاء على البعث: يجب على السلطة المؤقتة الابقاء على او اعادة كبار المدراء المؤهلين الى مراكزهم ممن ليست لهم سجلات اجرامية مؤكدة، حتى ولو كانوا اعضاء في حزب البعث، وبخاصة اذا لم يكونوا من كبار الاعضاء. وفي نفس الوقت عليها اقامة آلية تدقيق تتألف من عراقيين مستقلين وغير عراقيين مدربين قانونيا لغربلة سجلات الوزارات والمؤسسات الوطنية لتقصي العناصر المشبوهة بارتكاب جرائم في ظل النظام السابق، بغض النظر عن عضويتهم في حزب البعث. وبالنسبة للعراقيين الذين يتم اقصاؤهم عن وظائفهم، يجب على السلطة المؤقتة دراسة امكانية اعادة استخدام او تقديم مزايا تقاعد او اشكال اخرى من التعويض.منح السلطة للعراقيين: يجب اداء ذلك عن طريق تسليمهم اكبر قدر من الادارة والعمل اليومي وسلطات التخطيط في مختلف الوزارات. ويجب على السلطة المؤقتة كذلك الاسراع في اجراء انتخابات على المستوى المحلي والمؤسساتي، مع التأكد من جعل ذلك شفافا ومعلنا الى اكبر حد ممكن وذلك لتعظيم الدعم الشعبي والمشاركة الشعبية. وفوق كل شيء، يجب ان يشعر العراقيون بان لهم مصلحة في نجاح السلطة المؤقتة للحلفاء وان يتوقفوا عن تحميلها مسؤولية كل مشكلة تواجههم. ويمكن تحقيق ذلك فقط بالتاكد من ان لهم دورا في ادارة بلدهم لكي لا تعتبر الاطاحة بصدام على انها استبدال سلطة بسلطة اجنبية، بل على انها فرصة للشعب لكي يحكم نفسه في نهاية المطاف.ثانيا:البطء في استعادة الخدمات

منذ بضعة ايام سبقت سقوط بغداد في 9 نيسان 2003، كانت العاصمة العراقية تعيش بدون تيار كهربائي في معظم الاحيان. وبخلاف ما حدث ابان حرب الخليج الاولى عام 1991، عندما دمرت قوات التحالف الكثير من البنى التحتية، بما في ذلك تسهيلات توليد الكهرباء، تركت القوات الجوية الامريكية تسهيلات الطاقة سليمة الى حد كبير. وحدث بدلا من ذلك خراب كبير في خطوط نقل الكهرباء، وذلك جزئيا بفعل الغارات الجوية التي ضربت ابراج الاسلاك الكهربائية، وجزئيا نتيجة للتخريب. وكان المسؤولون العراقيون، بناء على اوامر ، يطفئون الاضواء، مع التخلي عن مواقعهم والانصراف الى المنازل في وجه التقدم الامريكي. ولاعادة التيار مرة اخرى، كان الامر اصعب بكثير من مجرد تبديل مفتاح كهربائي.
وفي 26 ايار ، اعلن بول بريمر، مدير الادارة المدنية الامريكية، بان معظم امدادات الطاقة والمياه قد عادت للعمل. غير ان الوضع ظل صعبا من وجهة نظر سكان بغداد، فقد تحدثوا عن انقطاع طويل في التيار مع عودته لفترات متقطعة، ولم يكن ذلك بالضرورة في الاوقات المناسبة (مثلا في منتصف الليل) ولم يكن بما يكفي لابقاء الطعام باردا في الثلاجات او لتبريد المنازل والسيطرة على الامزجة. وفي نزهة سيئة على الاقدام، سمعت "جماعة الازمة الدولية" تقارير من البغداديين عن عدم وصول التيار الكهربائي نهائيا في المنازل لعدة ايام. وفي الحر اللافح في المدينة، الذي لا يكاد ينخفض بعد حلول الظلام، فان ذلك لم يفعل سوى القليل ليحبب اليهم القوات الاجنبية . وتفيد التقارير بان محطات الطاقة تعمل بقوة 40 في المائة من قدرتها السابقة للحرب.
والواقع ان توافر الطاقة الكهربائية لم تبدأ تصل الى الحد المقبول حتى شهر حزيران، وحتى الان مع تحسن مستواها، فانها تظل تخضع لانقطاعات كبيرة واختلاف هذا المستوى من منطقة لاخرى .
ورغم ان المواقع الحيوية والمؤسسات الكبرى، مثل الفنادق وبعض المطاعم، بالاضافة الى الكثير من السكان الاغنياء، يستخدمون مولدات كهرباء خاصة لمدة طويلة من اليوم، فان المعدات المتوافرة تستطيع فقط تغطية جزء من حاجات المدينة من الطاقة، ولا يمكن طلب شراء مولدات جديدة قوية او صنعها في الخارج خصيصا لهذا الغرض. وبالاضافة لذلك، تحتاج المولدات الى كميات كبيرة من الوقود غير المتوافرة بعد بشكل كاف.
ويمكن لتعطل جزء من البنى التحتية ان يقود الى انقطاع او حتى الى انهيار اجزاء اخرى، مع ما ينتج عن ذلك من مضاعفات على المجتمع بكامله والذي يعاني اصلا من ضعف منذ اكثر من اثني عشر عاما نتيجة للعقوبات الدولية الموهنة.
لقد ادى النقص في الطاقة الى التأثير على محطات ضخ المياه والمجاري، وتبريد الادوية وتشغيل المعامل (ويتضمن ذلك، مثلا، اجراء الاختيارات على الامراض المتولدة عن المياه، وحتى على انتاج النفط، الذي هو ضروري في حد ذاته لتزويد محطات الطاق�