A+ A-
مآلات الصراع الفلسطني - الإسرائيل
2018-10-31

الكاتب : الدكتور رائد نعيرات، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية

أشكر رئيس الجلسة معالي الدكتور صبري اربيحات، وأشكر مركز القدس للدراسات السياسية، كما أشكر مؤسسة كونراد اديناور.

تتطلب الإجابة على سؤال مآلات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من الناحية المنهجية أن أتناول الموضوع ضمن إطارين:

الإطار الأول: هو توصيف الحالة، والإطار الثاني هو محاولة اشتقاق منهجية لكيفية الحكم على مآلات هذا الصراع. إذا ما أردنا أن نُوصّف الحالة، يمكن القول إن حالة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هي حالة قلقة، لا يستطيع الباحث أو المراقب لها الحكم عليها بكل تفاصيلها، إذ ستجد مَن يقول لك بأن الموقف الأمريكي لم يتغيّر، وأن الموقف الإسرائيلي كذلك، وأن ما جرى فقط إنما هو انكشاف لهذا الموقف. وهو رأي لا يخلو من صواب.في المقابل، ستجد من يقول لك، بأن هناك تغيّراً في الموقف الأمريكي نظراً لتغيّر المعطيات التي لم نتمكن من التعاطي معها، وأن هناك عجزاً لدينا عن صناعة الواقع الذي يحقق أهدافنا، وهذا الرأي أيضاً لا يخلو من صواب.إذن ثمة حالة قلقة في توصيف الواقع، وهي إشكالية بطبيعة الحال.

الاطار الثاني : من مظاهر الحالة القلقة، هو الفجوة بين الموقف والواقع، إذ إن هناك مواقف يمكن أن يبنى عليها فعل على أرض الواقع، ومواقف أخرى معزولة عن الواقع، وبالتالي لا يمكن الحكم على الأشياء وفقاً لما هي عليه حقيقة.من الضروري إذا ما أردنا أن نقرأ مالآت الصراع وخياراتنا إزاءه، أن نُعرّف أنفسنا: مَن نحن؟ ولذلك سأتناول المشروع الوطني الفلسطيني، إذ إن الواقع يشير إلى أنه ليس هنالك "كلٌ فلسطيني"، وإنما هناك انقسامٌ على المستوى الرسمي بين مشروعين، كل منهما يدّعي مشروعيته.أما على مستوى التفاعلات الذاتية لكل مشروع، فالإنسان الفلسطيني في علاقته مع الاحتلال كان مقسوماً تاريخياً إلى قسمين، فلسطيني مرفوض من الاحتلال، وآخر مقبول، أما اليوم، فهناك خلط بين هذين الصنفين، لأن هناك فلسطينياً مناضلاً إلا أنه غير مرفوض من الاحتلال، لكن هناك فلسطينياً آخر مرفوض! وبالتالي يصعب الحديث عن الهمّ الفلسطيني الواحد.

إن تناول مالآت الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي تتطلب الإجابة عن أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني، كسؤال: مَن هو الفلسطيني؟ وما هي علاقة الفلسطيني بالفلسطيني الآخر؟ وما هي علاقة الفلسطيني بغيره؟ وإذا ما بقيت هذه الأسئلة دون إجابة سيكون صعباً التنبؤ بمالآت الصراع ومساراته.

ما هي خيارات إسرائيل؟ مع نهاية عام 2000، كان واضحاً أن الخيار الإسرائيلي يسير باتجاه إدارة الصراع، ولكن في مراحل لاحقة بعد ذلك في عام 2012 وعام 2014، خصوصاً وأن فلسطين أصبحت دولة عضواً في الأمم المتحدة، بدأ الموضوع يسير باتجاه آخر، وهو إنهاء الوجود السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية على أرض الواقع، سواءً أكان هذا الوجود وجود المؤسسة السياسية الفلسطينية للسلطة، أو وجود الفعل الناظم لعلاقات المجتمع الفلسطيني مع السلطة الوطنية الفلسطينية، على كافة الصُعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.ولذلك تغيب السلطة الوطنية الفلسطينية اليوم عن حلّ إشكاليات المواطن الفلسطيني، وهذه مشكلة كبرى على صعيد الحديث عن المشروع السياسي وتنميته، فبدلاً من أن يكون المشروع السياسي في حالة نمو، يتآكل فعلياً.
لو تتبعنا حجم العمالة في المستوطنات الإسرائيلية داخل إسرائيل، مقابل حيز العمالة الذي تشغله السلطة الوطنية الفلسطينية لأدركنا الإشكالية الكبرى في الحديث عن المستقبل السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.هذا عدا عن تآكل شرعية المؤسسات، إذ إن هناك اختلافاً كبيراً بين منظمة التحرير الفلسطينية بطابعها الدستوري والقانوني وشرعيتها التاريخية من ناحية، وبين واقعها الحالي من حيث الشرعية الواقعية والتمثيلية وشرعية الفاعلية من ناحية أخرى.

إن هذا الملحظ مهم عند الحديث عن مستقبل الصراع وخيارات الشعب الفلسطيني، لأن عديد الأطراف لن تغفله في الاستفادة من إدارتها للصراع بطريقة تخدم مصالحها.يمكن القول بعد هذه المقدمة، أن فكرة الدولة الفلسطينية أياً كان شكلها، ثنائية أو أحادية، إنما تأتي ضمن منطق إدارة الصراع وليست ضمن منطق البحث عن حلول.

من ناحية واقعية، يصعب الحديث عن دولة في قطاع غزة، لأن سلوك حماس التي تدير القطاع لا يشي بذلك، ولأن الشعب الفلسطيني لن يكون موافقاً على هكذا حلّ، لكن هذا لا يعني البتة ألا نُحذّر من مغبة أن تندفع القيادة في قطاع غزة بكلّ أطيافها باتجاه البحث عن حلول، وهذا هو مكمن الخطر الذي يجب أن يكون حاضراً أمام الفلسطينيين، لأن هذه الحلول بغض النظر عن شكلها، حتى لو كانت بمستوى تهدئة، ستكون مُضرّة بالمشروع السياسي للشعب الفلسطيني بكامله عملياً.

لا بُدّ من إجراء المصالحة الوطنية الفلسطينية، لأنه من غير مصالحة لن تُحلّ مشكلة قطاع غزة، ولا مشكلة المشروع السياسي. لا ينبغي أن يُترك أي طرف فلسطيني لوحده في مسؤولية تحمَله للهمّ العام، إذ من الصعب بمكان حينئذٍ الحكم على خياراته التي يمكن أن يلجأ لها.

لم يستطع الاحتلال الصهيوني أن يبقى هذه المدة إلا لأنه يتمتع بالمراوغة، إذ كان دائماً قادراً على أن يُقدّم الخيارات للشعب الفلسطيني بما يُمكّنه من البقاء مراوغاً، ولذا علينا أن نُقدّم لأنفسنا الخيارات حتى لا نضطر للجوء إلى خيارات الاحتلال، وإن كان هذا الأمر مستبعداً في المدى المنظور لطبيعة العقلية التي تدير قطاع غزة.بالرغم من أن قيام الدولة الفلسطينية يُعدّ طموحاً وقراراً فلسطينياً، إلا أن أيّ واقع الضفة الغربية لا يشير إلى قابلية تحقّق الدولة الفلسطينية المستقلة وفقاً لسيناريو حلّ الدولتين، إذ ليس ثمة واقع جغرافي ولا واقع وظيفي لهذه القابلية خلال العشر سنوات القادمة. بل إن استطلاعات الرأي تشيرُ إلى تآكل هذه الفكرة في أوساط الفلسطينيين والإسرائيليين على حدّ سواء.

إن أكثر الخيارات الإسرائيلية واقعية هو زيادة التفتيت، وزيادة تآكل مؤسسات الشرعية الفلسطينية، وهذا ملحوظ في الشارع الفلسطيني من خلال الواقع الفعليّ أو من خلال استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن80% من المُستطلعة آراؤهم لا يكترثون باجتماع المجلس المركزي الفلسطيني.ستعمل إسرائيل على إبقاء التضييق على مناطق الكثافة السكانية، التي كانت مُصنّفة ضمن المناطق (A) في السابق، وستعمل كذلك على البحث عن حلول في حال حدوث تغيّر كبير كغياب الرئيس الفلسطيني الحالي، ربّما سيكون هذا الحلّ حينها مُتمثلاً بإدارة التجمعات، وهو مبدأ مرفوض فلسطينياً، ولذا ينبغي على الفلسطينيين العمل على تجنّب أيّ سيناريو من السيناريوهات السيئة حتى لا تكون واقعاً.


*ورقة عمل قُدمت في المائدة المستديرة: "الفلسطينيون على مفترق الطرق"الذي نظمها مركز القدس للدراسات السساسية  يومي 31 اكتوبر و1 نوفمبر 2018 الاردن- عمان.