A+ A-
الانتخابات البلدية اللبنانية سياسية لا انمائية ملهاة ثنائية الصراع ضمن الطائفة الواحدة *
2004-06-01

تكتسب الانتخابات البلدية والاختيارية اللبنانية أهمية في بلد يتأثر ويؤثر بمفاعيل السياسة الاقليمية، ويعتبر مفتاحا للعبة القوى الدولية، وبمجملها لم تأت الانتخابات البلدية بالكثير من المفاجئات الدراماتيكية، ولكنها اعطت من المؤشرات الكثير، التي تفيد في قراءة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (انتخابات الرئاسة الأولى ومن ثم الانتخابات النيابية في العام المقبل). وبالرغم من أن الانتخابات البلدية ادخلت قدراً من التعديل على ميزان القوى داخل المثلث الرئاسي الذي يضم بري والحريري والرئيس اميل لحود, لكن بعض المصادر السياسية دعت إلى عدم التسرع في الجزم بأن نتائج هذه الانتخابات ستسهل تمديد ولاية رئيس الجمهورية.
ولعل القاسم المشترك في الانتخاب عادة هو أنها لا تخل بالسياق العام للسياسات المعتمدة، حتى إذا اختلفت التحالفات وتصادم القائلون بوحدة المسار والمصير، والطابع العائلي الذي يسمها لا يخرجها من الإطار الطائفي بل يؤكده فيها، وإن مموهاً بالعشائرية التي أعاد احياءها الضعف المستشري في الحياة السياسية برموزها عموماً، أحزاباً وتيارات وشخصيات.
وتتميز الانتخابات اللبنانية بعدم تخطيها للقواعد المرسومة للنظام اللبناني الخاص الذي يحفظ مسبقا الامتيازات الطائفية، واخضاع بيروت ذات الخليط الديمغرافي لمقتضيات الوحدة الوطنية، وبالتالي فلا بد من تثبيت التوازن بالمناصفة في المجلس البلدي ولو "مفروضة"، حتى لا يهتز الأساس الذي قامت عليه التسوية السياسية في الطائف، والمهم ان تبدو بيروت عاصمة للوحدة الوطنية، ولو في صورة مركبة.
وللتاكيد على أن الانتخابات البلدية لا تستطيع أن تخرج عن نطاق النظام اللبناني الخاص فاللافت في لبنان ان انتخاب أي مجلس بلدي، وبأية أكثرية من الأصوات، يفترض ألا يؤثر على دور المحافظ، الذي يتوجب ان يبقى للتخفيف مما يوصف بالآثار الضارة للديموقراطية على الوحدة الوطنية.
تضعضع وضع رئيس الوزراء رفيق الحريري لا يعني وفرة حظوظ غيره:
خرجت نتائج انتخابات بيروت وصيدا بنتيجة مفادها أن رئيس الحكومة الذي خرج في العام 2000 الاقوى بين رجالات السنة، لم يعد الآن الزعيم المطلق، وان ظل الاول بينهم، وهذا يؤدي عمليا الى اعتبار ما واجهه الحريري نكسة سوف تؤدي الى اضعاف موقعه في توازن العلاقات الرئاسية وادارة الملف الحكومي من جهة، كما ستقلص من حجم تأثيره المحلي في الاستحقاق الرئاسي.واذا كان الحريري استطاع الظفر في بيروت، فقد كان فوزه هشا عكسته نسبة الاقبال الهزيلة، ليفاجأ بالخسارة الكبيرة التي مني بها في صيدا وهو ما قد يدفعه الى اعادة الحسابات، في الاستحقاق الرئاسي المقبل.
الحريري هو الأقوى في بيروت وقدره كان صناعة التوافق :
في بيروت فازت "لائحة وحدة بيروت" التي يقف ورائها الحريري، بالمقاعد الأربع وعشرين بالكامل، وبفارق كبير من اللائحتين المنافستين، التي يصفهما بعض المحللين بنصف لائحة يدعمها العماد عون، وربع لائحة وجدت نفسها فجأة بلا دعم سياسي بعد انكفاء الرئيس سليم الحص وانسحاب عبد الحميد فاخوري.وبحسب النتائج لم يفز أي من أعضاء لائحة الكرامة والتغيير برئاسة خالد الداعوق المدعومة من التيار الوطني الحر والنائب السابق نجاح واكيم خلافاً لما كان يراهن عليه أعضاء اللائحة، كذلك لم يخرق أي من أعضاء اللائحة الثالثة التي حملت إسم أهل بيروت.
وواجهت لائحة الكرامة والتغيير المعارضة صعوبات كبيرة على الصعيد الاسلامي مقابل مشكلات اقل في الشارع المسيحي، برغم ان نسبة التصويت هناك كانت هي الاخرى اقل مما توقعت قوى المعارضة نفسها. والملاحظ بقوة أن قوى المعارضة التي عانت شروخا سياسية في المرحلة التحضيرية كانت تعاني من مشكلة أكبر على مستوى الناخبين، وهو الأمر الذي تجلى بفروقات كبيرة في الأصوات.
وبحسب مصادر لبنانية فقد ضمن الحريري بتشكيلة لائحته وصول مجلس بلدي مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكرس مبدأ العيش المشترك في العاصمة، وهو ما شدد عليه السوريون في اتصالاتهم عشية تأليف اللائحة التي أدخلت مرشح تمام سلام الي قلب اللائحة، وأبقت خارجها حزب الكتائب من دون أن تدفع برئيس الكتائب كريم بقرادوني المقرب من رئيس الجمهورية اميل لحود الى التصويت ضدها، بل إنه استمر في دعمها الى جانب حزب الطاشناق الحزب السوري القومي وحزب الله وكلهم مقربون من الرئيس لحود، وقد يكون هذا التوافق هو الذي دفع بالنائب السابق واكيم الى الحديث عن صفقة بين لحود والحريري والى توقع اجتماع بينهما قريباً في قصر بعبدا لبحث تفاصيل تمديد ولاية رئيس الجمهورية، وهو ما نفته مصادر متعددة.
ولكن فوز قائمة الحريري جاء بنسبة متدنية للمقترعين، واذ عزيت قلة المشاركة الى "التوافق البيروتي" الذي تسبب بإشاعة انطباع عن فوز اللائحة مسبقا، فان ذلك لا يخفي الاثر السلبي الذي ترتبه هذه المشاركة الضئيلة حيث قرأ عدد من المحللين ذلك كأبرز الرسائل السلبية التي اطلقها البيروتيون مهما تنوعت دوافعها وأسبابها، وأدرجت في خانة رئيس الحكومة.
ولدى النظر الى المقترعين فقد كان لافتا ان الاقبال على التصويت لدى الطائفة السنية هو الأكبر مقابل تراجع في التصويت الشيعي، وكان التراجع أكبر في الوسط المسيحي، وتحديدا في منطقتي الاشرفية والصيفي، بحيث لم تبلغ النسبة حدود العشرة في المئة، اي ما يستعيد تماما نسبة المقاطعة للانتخابات النيابية عام1992. وهذه النسبة لم تشارك بصورة كبيرة في الانتخابات البلدية بل في انتخابات المخاتير التي اتسمت بحماسة غير اعتيادية.

وبحسب وزير الداخلية الياس المر فقد بلغت نسبة المشاركة 23 في المئة. وقالت اوساط الحريري ان نسبة التصويت كانت اكبر من تلك التي تحققت عام 1998 اذ احتسبت نسبة المشاركة على عدد حاملي البطاقات الانتخابية الذي بلغ 210 الاف بحيث تصبح نسبة المشاركة 50 في المئة.

وفي رده على "البعض الذي يحاول التقليل من شأن الانتصار والقول ان بيروت صوتت بأقل مما يجب". قال الحريري ان "بيروت صوتت في شكل واضح وصريح لوحدة بيروت وقالت كلمتها وصوتت للوحدة الوطنية ولهذا المجلس الذي يمثل جميع فئات المجتمع في بيروت".
وفي المقابل كانت لـ"التيار الوطني الحر" قراءة معاكسة للنتائج، اذ أشار الى ان مجموع أصوات المعارضين وصل الى 34 الفا بينها 20 الفا للتيار بازاء أعلى رقم في لائحة الحريري الذي بلغ 59 الف صوت. واعتبر "التيار" "ان هذا الرقم جدير بالاهتمام والدرس ونعتبره سقوطا لتفرد الحريري ونهج السلطة خصوصا ان الكتلة الناخبة للحريري لا تتجاوز العشرين الف صوت فيما تتوزع الكمية الاخرى على الاحزاب والاطراف الاخرى" في الائتلاف. واعتبر "التيار" ايضا انه تمكن من رفع نسبة المشاركة في المناطق المسيحية الى اكثر من 20 في المئة وهي نسبة تقارب النسبة العامة في بيروت والتي بلغت 23.5 في المئة، وهي اقل مما كانت عليه في العام 1998 أي 28 بالمئة، وأقل بكثير عما كانت عليه في ذروة تعبئته السياسية في العام 2000. حين تجاوزت 35 بالمئة.
ويزعم مصدر في الماكينة الانتخابية لـ التيار الوطني الحر ان حصول التيار على نسبة تصل الى 90 في المئة من مجموع اصوات الناخبين المسيحيين في معظم اقلام الاشرفية والصيفي والرميل والمرفأ، وكذلك في منطقة المصيطبة والمزرعة. وبحسب المصدر العوني ، فكتلة الرئيس الحريري الناخبة لا تتعدي 20 الف صوت من اصل المجموع العام الذي حققته لائحته، مع احتساب الكتل الناخبة الاخرى المنضوية في لائحة السلطة من الارمن الى حزب الله والجماعة الاسلامية وتمام سلام و امل والاحزاب الاخرى، مع الاشارة الى ان الدعوات للمقاطعة لم تكن في جانب لائحة السلطة بل على جوانب لائحة المعارضة. وبحسب ذات المصادر فهذا ما يثبت سقوط تفرد الحريري والاجهزة في بيروت، ويؤشر لانقلاب المعادلات في أي استحقاق ترتفع فيه نسبة المشاركة.
وفيما ذهبت بعض الاوساط الى التحدث عن أن 77 في المئة من اهالي بيروت قاطعوا الانتخابات، رأى الرئيس سليم الحص الذي كان غائباً عن العملية الانتخابية أن الصوت الاعلى في الانتخابات كان صوت الذين لم يصوتوا ، اما رئيس الكتائب الوزير كريم بقرادوني فاعتبر أن ضآلة مشاركة أهل بيروت في الانتخابات تدل على استيائهم من طريقة تركيب لائحة رئيس الحكومة وعدم تمثيل الفاعليات والاحزاب السياسية المسيحية .
سقوط مدو للحريري في صيدا:
أكبر المفاجآت في الانتخابات اللبنانية كانت سقوط اللائحة المدعومة من رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري بكاملها وفوز لائحة منافسيه في تحالف النائب اسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري على نحو فاق كل التوقعات.
وقالت بعض المصادر المطلعة أن الحريري الذي خاض في بيروت معركة تكريس زعامته السياسية بوجهيها الطائفي والوطني، عمد في صيدا لمعركة تكريس زعامته الصيداوية باعتبار أن صيدا عقر داره ومسقط رأسه، والتي تنافست فيها لائحتان، الأولى يدعمها الحريري ويرأسها المرشح عدنان الزيباوي متحالفة مع "الجماعة الاسلامية" تحمل اسم لائحة "الوفاء لصيدا"، و الثانية"لائحة ارادة صيدا" برئاسة الدكتور عبد الرحمن البزري المدعومة من النائب أسامة سعد.
واقترح الحريري التوافق أو المعركة فاختارت "لائحة إرادة صيدا" المعركة، وواصلت حملتها الانتخابية لتكون النتيجة اسقاط كامل لائحة الحريري.
ويذهب البعض في الاستنتاجات السياسية الى حد الاعتقاد بأن الحريري هو المستهدف الوحيد, وان العامل الاقليمي (السوري) كان حاضراً في المعركة، وأن النتائج ستكون مؤثرة في تحديد المناخ السياسي الذي يحيط بالاستحقاق الرئاسي لجهة تغليب التمديد لرئيس الجمهورية على ما عداه من الخيارات السياسية, لكن البعض الآخر يرى فيها محاولة للهروب الى الأمام, بغية اخفاء الظروف المحلية التي أحاطت بالمعركة الصيداوية.
وفي هذا السياق أكد وزير بارز" ان لا يجوز القفز فوق الحقائق في الحديث عن صيدا", مشيراً الى عدم وجود نية سورية في استهداف الحريري في إشارة الى العامل الاقليمي الذي تبنى في النهاية وجهة نظر رئيس الحكومة حيال البلدية في بيروت، ولعب دوراً في ترجيح دعوته الى التوافق بعد ان شعر بأن الآخرين يستهدفونه بذريعة الائتلاف.
وتعتقد بعض الأوساط السياسية أن الرئيس الحريري الذي كاد يتحول في السنوات الماضية الزعيم غير المنازع للطائفة السنّية، سيجد نفسه مضطراً بعد "الرسالة الموجعة" إلى إعادة تقويم حساباته في ضوء نتائج صيدا وتعذر قيامه بدور أساسي في انتخابات طرابلس في شمال لبنان. حيث يعتقد أنه طرح فكرة "الوفاق" في لحظة كان الوقت قد تجاوزها، علماً انه كان يمكنه "استيعاب" عبد الرحمن البزري. فالانقسام التاريخي في صيدا هو بين عائلتي سعد والبزري. واداء فريق الحريري استتبع تحالفاً بين "الضدين". وهذا خطأ سياسي يرتّب انعكاسات مستقبلية حتى على بيروت التي يعتبر الرئيس الحريري انه يمتلك "مفتاحها"، والتي نجح على الاقل في ان يحافظ انتخابياً على وحدتها الوطنية وتوازن تلاوينها الطائفية عبر الصيغة الوفاقية.
حزب الله لم يستطع الظفر بوحدانية التمثيل الشيعي :تكتسب المنازلة الانتخابية بين حزب الله وحركة امل اهمية سياسية من حيث اعادة رسم حجم كل من الطرفين. ومنذ البداية بدا أن الحزب عازم على الطلاق بلديا مع امل بما يؤسس لطلاق "سياسي" في الاستحقاقات المقبلة بدءاً ممّا تبقى من 2004، وعلى امتداد 2005، الأمر الذي يعني تكراراً ان ثمة مفترقاً شيعيّاً جديداً.
ويتضح أن حزب الله يشعر دائماً أنه لم ينل حقه من الحضور السياسي والنيابي والخدماتي في السنوات الماضية، وأن الظروف الحالية والمستقبلية قد تؤهله للاعتراف بحقوقه، فوضع نصب عينه تبوء موقع حركة أمل التقليدي في الشان الداخلي.
وسبق أن اضفى "حزب الله" على انتخابات البقاع بعداً يتجاوز البعد المحلي مع قول نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ان هذه الانتخابات "وجهت رسالة واضحة الى الدوائر الاستكبارية عن مستوى الالتفاف حول حزب الله وما يمثله من مشروع للاستقلال والحرية".
وفي الخلاصة فإن حزب الله الذي سحق حركة أمل في الضاحية الجنوبية، واكمل معركته في بعلبك والبقاعين الشمالي والأوسط، لم يستطع أن يكمل مشواره في الجنوب تحديدا، وهي المنطقة الاشد تعبيرا عن الحساسية الداخلية والخارجية في حسابات الاحجام، وبالتالي فإن انتصاره كان ناقصا، ولم يستطع تغيير الكثير في ميزان القوى السياسي حيث لم يستطع توجيه ضربة قاضية للحركة وزعيمها رئيس المجلس النيابي نبيه بري ، الا أنه اثخن أمل وضعضعها بما قد يؤسس لاعادة صياغة العلاقة بينهما بصورة مختلفة.
وتعتقد بعض الأوساط السياسية أن الحزب بات بعد الانتخابات اللاعب الأول على الساحة الشيعية, وهي الصفة التي كانت تطلق على حركة "أمل" ورئيسها في السنوات الماضية، ولم تستبعد أن تكون لهذه النتائج انعكاسات على المدى البعيد على موقع بري في رئاسة المجلس النيابي من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى نائب من "حزب الله".
الضاحية الجنوبية:
أدار الحزب أولى معاركه الانتخابية في الضاحية الجنوبية لبيروت بطريقة منظمة، وحشد كل ما يستطيع من امكانات، مما حقق له فوزاً كاسحاً، في حين أن حركة أمل لم تكن تملك حضوراً بارزاً سواء على صعيد أبناء المنطقة، أو على صعيد الماكينة الانتخابية.
وفي برج البراجنة أقام الحزب تحالفاً قوياً مع النائب باسم السبع( المؤيد من الحريري) في مواجهة لائحة مدعومة من حركة أمل والنائب صلاح الحركة. والمعروف ان النائب السبع يشكّل قوة انتخابية حقيقية في الدائرة، وله علاقات مع العديد من القوى العائلية.
أما في حارة حريك فقد تعاون الحزب مع العائلات المسيحية (التي اصبحت خارج الضاحية لكنها لاتزال تنتمي اليها)، وتعاون فيها مع النائب السبع والتيار العوني، وتم تشكيل لائحة وفاقية بدون أية منافسة جدية، باستثناء مرشح منفرد دعمته حركة أمل، ولم ينل سوى عدد قليل من الأصوات.
أما على صعيد دائرة الغبيري فقد كانت المعركة حامية بين اللائحة التي يدعمها حزب الله برئاسة الحاج محمد الخنسا وبين لائحة "عائلات الغبيري" التي لقيت دعماً من حركة أمل ورياض رعد، فيما بقي النائب السبع على الحياد.
البقاع:
على عكس بيروت شهد البقاع نسبة مشاركة قياسية بلغت في مختلف أقضيته نحو 70 في المئة حسب وزير الداخلية، وسط اجواء تنافس حاد للغاية بين حركة "امل" و"حزب الله".
وفي بعلبك، أدّت المواجهة الأولى من نوعها بين "حزب الله" وحركة "أمل" فيها ومحيطها وصولاً إلى الهرمل والبقاع الشمالي، إلى إدخال المنطقة في أجواء حماسية لم يعرفها البقاعيون سابقاً في انتخابات 92 و96و98و 2000، بسبب حالة التفاهم والائتلاف التي كانت سائدة بين الطرفين الأساسيين•
وتحالف الحزب مع البعث في بعلبك والهرمل، وفازت لوائحه واستعاد الحزب بلدية بعلبك التي خسرها في العام 1998. كما فاز تحالف الحزب مع الرئيس حسين الحسيني في شمسطار.
اما في بريتال ففازت اللائحة التي يدعمها انصار الشيخ صبحي الطفيلي على لائحة "حزب الله".
وأعلن نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن فوز الحزب في 30 بلدية من اصل 57 في البقاع، ولفتت مصادر في حركة أمل الى ما وصفته بالتعتيم الاعلامي غير المفهوم على نجاحات الحركة في أكثر من بلدة يقابله إضاءة على نجاحات الحزب.
الجنوب:
شهد الجنوب نسبة اقتراع عالية وغير مسبوقة، لامست حدود الـ68 بالمئة، وتفوق حزب الله في البلدات الشيعية الكبيرة. ولم تؤد المنافسة الى قلب موازين القوى لمصلحة هذا الفريق الشيعي ضد الآخر, أو الى التأسيس لمعادلة سياسية جديدة في الجنوب طالما ان العناوين الرئيسة لقانون الانتخاب الجديد لا تزال مجهولة, ومع ذلك فإن الهمس حول شكل القانون الجديد بحيث يتحول الجنوب الى محافظتين أو أكثر بدلا من واحدة اسهم في حمية الانتخابات التي اثبتت لا مكان لحرب الالغاء بين القوتين الشيعيتين الأساسيتين.ولم يتوقف السجال بين الطرفين غداة اعلان النتائج. ذلك ان "حزب الله" اعلن انه فاز في 87 بلدية في الجنوب اي ما نسبته 61 في المئة من البلديات الشيعية في المنطقة وبالمقابل ردت أمل بتأكيدها انها فازت في 94 بلدة شيعية واوردت لائحة اسمية بها. وقالت "ان مجموع البلديات الشيعية يبلغ 171 بلدية يحذف منها 18 بلدية فازت بالتزكية وبالتوافق ويبقى 153 كانت موضع منازلة وتجاذب بين الحركة والحزب، ويبقى تاليا للحزب 59 بلدية.
وبقيت النتائج تحت سقف أن الحزب لم يجتح المنطقة ويحجم بري، بالرغم من زيادة حصته في البلديات الكبرى ذات ألـ18 مقعدا فما فوق التي حقق فيها فوزا كبيرا، ففاز بخمسة (النبطية، الخيام، عيثرون، بنت جبيل وجويا) مقابل اثنتين للحركة هما صور وميس الجبل، كما حقق الحزب فوزا في عدد كبير من بلدات القطاعين الأوسط والشرقي والتي كانت سابقا تحت نفوذ حركة أمل.
ويمكن القول ان الحركة استعادت في الجنوب توازن التمثيل الشيعي مع "حزب الله" ففازت "امل" في مدينة صور بنسبة كاسحة وقرى قضائها وكذلك في الخط الساحلي. فيما فاز "حزب الله" بنسبة كاسحة في بنت جبيل وكذلك في مرجعيون.
ويعتقد المراقبون أن الفضل في محافظة بري على تواجده في المناطق الساحلية الجنوبية يعود الى توطيده لعلاقاته مع الوسط غير الشيعي فيها. واللافت أن غالبية الناخبين المسيحيين في المناطق المختلطة اصطفت الى جانب الرئيس بري، ليعطيا اشارة قوية بان الكتلة المسيحية في الجنوب ليست جاهزة للخيارات السياسية وحتى الاهلية التي تمثلها قوى المعارضة المسيحية، ولا سيما اقطاب قرنة شهوان، وتفضل اعتدال الرئيس بري على راديكالية حزب الله.
سكاف يثبّت زعامته لزحلة :
دافع الوزير إيلي سكاف بقوة عن زعامته التاريخية في زحلة حاصدا المجلس البلدي، وفازت فيها اللائحة المدعومة منه والنائب نقولا فتوش، في مواجهة اللائحة المدعومة من الرئيس الياس الهراوي والنائب يوسف المعلوف، ولكن طرأ تغيير واحد اذ خرقها سمير الهراوي ابن شقيق الرئيس الياس الهراوي الذي كان مرشحاً على اللائحة المنافسة. وأشارت النتائج النهائية غير الرسمية الى ان اسعد زغيب نال 11482 صوتاً فيما نال الوزير السابق نقولا الخوري 9164 صوتاً. ومن ابرز الارقام التي ظهرت في هذه الانتخابات هي القوة التي تمحورت حول التيارات المعارضة كالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والحركة الاصلاحية الكتائبية والتي تمكنت من حصد حوالي 4500 صوت.
الزعامة المارونية تضعف في جبل لبنان والمر يكتسح المتن الشمالي وجنبلاط يجتاح الشوف:
مع انتهاء المرحلة الانتخابية الأولى في جبل لبنان في الثاني من ايار، انطلقت القراءات السياسية للانتخابات، وتقاطعت عند ظاهرة تبعثر المعارضات المسيحية، وفوز النائب الأرثوذوكسي ميشال المر في المتن بصورة كبيرة، وهو النصر الذي يصب سياسيا لمصلحة الرئيس اميل لحود كما اعلن المر نفسه.وكرست نتائج الانتخابات البلدية في جبل لبنان المعادلة التي تشكلت، تدريجيا، منذ اقرار دستور الطائف في عام 1990وهي الثنائية الارثوذكسية - الدرزية بدل الثنائية المارونية - الدرزية التي تكرست في صيغة القائمقاميتين في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
واجتاح المر مدن وبلدات وقرى قضاء المتن الشمالي، وان كان لم يلامس بلدة حليفه وقريبه رئيس الجمهورية اميل لحود، وهي بلدة بعبدا التي فازت فيها اللائحة المدعومة من النائب المعارض نسيب لحود.
ومن اصل 48 بلدية فاز تيار المر بنحو 40 بلدية، فيما سقط، او تساقط، زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون الذي كان يراهن على تحقيق نجاح او نجاح كاسح في معظم مناطق الجبل.
وأما الزعيم الماروني الآخر الرئيس امين الجميل الذي حضر في مسقط رأسه بكفيا دون ان يكون له تأثير في البلدات الاخرى، فيما تعاطى الناس مع نكسة وزير الاتصالات جان لوي قرداحي في مدينة جبيل حيث لم يتجاوز نصيبه المقاعد الستة بعدما تمت محاصرته من قبل قوى مختلفة في المدينة اختزلتها لائحتان.
وحققت اللائحة التي يدعمها النائب ناظم الخوري هي التي حققت النصر، فيما مني رئيس حزب الكتلة الوطنية كارلوس اده، ابن الوزير والنائب الراحل بيار اده بهزيمة كبيرة جراء تعاونه مع تيار عون، وهي الهزيمة التي عدها البعض بمثابة غروب دور آل ادة السياسي الذي أوجده جده اميل ادة رئيس الجمهورية اثناء الانتداب الفرنسي وواصله ريمون ادة عمه.
وكانت المفاجأة هي فوز اللائحة المدعومة من وزير البيئة فارس بويز والنائب فريد الخازن على اللائحة المدعومة من النائبين جورج افرام المقرب من القصر الجمهوري، ومنصور غانم البون، وان كان مؤكدا ان المعركة في جونية اخذت منحى انتخابيا وليس سياسيا.
وفي دير القمر، فازت اللائحة التي يرأسها رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون (والمدعومة من وليد جنبلاط)، ولكن باختراق وحيد من رئيس اللائحة المنافسة العميد المتقاعد ادونيس نعمة.
وكان لافتا ظهور وليد جنبلاط كزعيم أول في منطقة الجبل الدرزية، حيث اجتاح مدن وبلدات وقرى قضاء الشويفات، باستثناء بلدة الدامور التي دمرت في الحرب، وصولا الى قضاء عاليه، حيث كانت المواجهة القاسية في المعقل الاخير للزعيم الدرزي الآخر طلال ارسلان، اي بلدة الشويفات، حيث كانت الحصة الجنبلاطية 11 مقعدا، والحصة اليزبكية 7 مقاعد.
وفي اقليم الخروب، اكدت النتائج ان تحالف رئيس الحكومة رفيق الحريري مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط هو سيد الموقف في معظم البلدات السبع باستثناء بلدة برجا التي ذهبت الاكثرية فيها الى الجماعة الاسلامية، وكذلك في بلدة كفرمايا.
المعارضة المسيحية تحصد المزيد من الخسائر السياسية في جزين وقراها بعد الذي واجهته في بيروت وجبل لبنان.
منيت المعارضة المسيحية بانتكاسة في بلدة جزين الجنوبية التي شهدت نسبة اقبال قياسية بلغت نحو 54 في المئة، عززت الاعتقاد بافتقار المعارضة إلى برنامج يوحد تياراتها وتنسيق فعلي بين رموزها.
وتكررت المنازلة البلدية بين النائب سمير عازار وحليفيه كميل سرحال والقاضي مارون عزيز من ناحية وبين "لقاء قرنة شهوان" المعارض و"التيار الوطني الحر" اللذين لم يتمكنا من الثأر منه لهزيمتهما في الانتخابات البلدية السابقة مما يعني ان لا دور لخطابهما السياسي في جذب الناخبين بخلاف منافسهما المقيم الدائم في البلدة.
وأبدى حزب الكتائب ارتياحه لنتائج الانتخابات جنوباً وصيدا وجزين خصوصاً, معتبراً "انها حجّمت السياسات الفوقية".
حاصبيا :
أدى انسحاب الحزب التقدمي الاشتراكي الى تقدم كبير لتحالف الحزبين السوري القومي الاجتماعي والديموقراطي اللبناني (الوزير طلال ارسلان) بعد ان خرج النائب أنور الخليل من المبارزة, التي اعتبرها البعض نقيضاً لما آلت اليه المحصلة البلدية في الشويفات التي ربحها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كان أعلن انسحابه من المعركة في حاصبيا, الا ان محازبيه خاضوها على طريقتهم وبأدواتهم المحلية ما ألبسه ثوب خسارة لم يقرر خوض المعركة فيها.
انتخابات الشمال وعكار :تميزت المرحلة الرابعة والأخيرة للانتخابات البلدية في محافظتي الشمال وعكار، بعدم وجود عنوان مشترك، يجمع بينها بسبب التنوع السياسي لكل قضاء والتمايز العائلي في كل بلدة وقرية؛ كما لم تلق اهتماما كبيرا لأنها لم تحمل معاني سياسية كالمراحل التي سبقت، وتراجعت نسبة الاقبال على الاقتراع عن اطارها العام لتبلغ 45 في المئة، ويعتقد أن الانكفاء النسبي في نسبة الاقتراع يعود الى الانعكاسات التي خلفتها احداث 27 أيار في الضاحية الجنوبية التي ظلت تتصدر واجهة الاهتمامات، ولم تظهر اغلب النتائج شيئا جديدا وحافظ اغلب قيادات الشمال على اوضاعهم.
وافرزت النتائج فوزا هزيلا لحلفاء الحريري في طرابلس، ولم يستطع الرئيس عمر كرامي بتحالفه أن يسقط القائمة ولكنه اخترقها بتسعة أعضاء. واللافت في النتائج هو عدم فوز المرشحين المسيحيين في اللائحتين كما هو الحال في صيدا حيث سقط المرشح المسيحي الوحيد ليصعد بدلا منه المحسوب على الحريري.
ومن أبرز المؤشرات هو نسبة الاقتراع الضئيلة التي لم تتجاوز في طرابلس الـ 30% رغم الأجواء التنافسية، بين لائحتين الأولى؛ وهما لائحة طرابلس المدعومة من تحالف وزير الاشغال نجيب ميقاتي ووزير التربية سمير الجسر ونواب التكتل الطرابلسي الثلاثة موريس فاضل، محمد الصفدي ومحمد كبارة، ولائحة الكرامة للإصلاح التي يقف ورائها الرئيس عمر كرامي والجماعة الاسلامية وجمعية المشاريع الخيرية الاسلامية والاسعاف الشعبي(كمال شاتيلا)، والطائفة العلوية والطوائف المسيحية، وهي القائمة التي ضمت (3 مسيحيين و3 علويين و18 من السنة) منهم 10 يمثلون كرامي و8 اسلاميين اربعة منهم للجماعة الاسلامية، وتشكلت على عجل قبل يومين من الانتخابات على عكس القائمة الأولى، حيث يقول كرامي ان "الاخوة السوريين عرضوا لنا الظروف التي تمر بها المنطقة ولبنان وهي تستدعي توافقاً وتجنباً للمعارك الجانبية، وقبلنا ان يكون لنا 12 عضواً (في اللائحة) والرئيس واعطيناهم اربعة اسماء ليختاروا منها رئيساً ولكننا فوجئنا بانهم اعلنوا تأليف لائحة من 13 عضواً وكانت رسالة وجواباً قطعياً انهم رفضوا الوفاق". ويقول انه فوجئ بأن الطرف الآخر شكل لائحة وعرض عليه ستة أعضاء وهو ما يراه بأنه استفزاز لهم حيث لم يعتاد على "شقفة من لائحة"، واضاف ان لائحتهم كانت تضم 11 عضوا من تيار الحريري وهو ما وصفه بأنه يكفي عن بقية الكلام.
ولفتت مصادر شمالية الى أهمية تحالف كرامي مع التيارات الإسلامية وقالت ان دمشق شجّعت "الجماعة" و"الأحباش" على التعاون تاركة لهما اختيار حليفهما الرئيسي, مشيرة الى ان مبادرة تلك التيارات الى التحالف مع رئيس الحكومة السابق كانت وراء عدوله عن قرار كان يعد له بالانسحاب من المعركة بذريعة ان هناك من يحاصره وأن جهات معينة تتحرّك ضدّه على الأرض.
وأما في المناطق المسيحية فلم تكن هناك الكثير من المفاجئات ايضا، ففي زغرتا ثبت الوزير فرنجية زعامته، والنائب بطرس حرب في البترون، وفاز تيار القوات اللبنانية في بشري بقوة وهو الذي خاض المعركة تحت اسم " الوفاء لسمير جعجع " وواجه تجربة انضمام "قواتيين" الى لائحة منافسيه، فيما حملت النتائج مفاجأة في القبيات، تمثلت في تقدم اللائحة المدعومة من النائب السابق فوزي حبيش في مواجهة اللائحة المدعومة من النائب مخايل الضاهر.
وأما في محافظة عكار ففازت اللوائح المدعومة من النائب عصام فارس في معظم البلدات، وفي الكورة اعلن الحزب القومي فوزه في 21 بلدية من 28 خاض فيها معارك انتخابية فضلاً عن فوز 23 مختاراً دعمهم من اصل 25 مرشحاً.
حيادية سورية مشروطة:
يرى المتابعون للشأن اللبناني أن الجميع في لبنان فهم عبر اشارات عدة ان التدخل السوري الذي تجلى في معركة انتخابات بلدية بيروت كان بهدف اساسي هو وضع "طبقة عازلة" حول العاصمة، ترسم صورة سياسية تمنع الكسر الفاقع لطرف وتحول دون الربح الكامل لطرف آخر، وتحدد الاحجام سلفا على نحو لا ينعكس على المشهد السياسي العام والتوازنات الرئاسية، وهذه الخصوصية والفرادة تنطبق على بيروت وحدها ولن تطبق على سواها من المناطق حيث اللعبة مفتوحة على كل ابوابها واحتمالاتها.
ولمست الاوساط الديبلوماسية الغربية نجاح ممثّل السيادة السورية في لبنان العميد الركن رستم غزالة في إعطاء "انطباع الحياد" عندما كان بعضهم يتساءل عن معنى "عدم التدخّل" ودلالاته، واظهرت دمشق أنها على "مسافة واحدة" من حلفائها. وهي إن نصحت "بالوفاق" بين الحلفاء فانها لم تتدخل وانطلقت من نظرية مفادها: "فليكن تمثيل القوى مرتكزاً على ما تمثّله بين الناس".
ويبدو للمراقبين أن لذلك علاقة بسقوط نظرية "الاحادية القطبية" في الطوائف التي استتبعتها على الأقل بروز ظاهرة "الثنائية القطبية"، والتي كشفت في العمق أيضاً ان "المعركة الانتخابية" لم تقع تحت عنوان "المواجهات الطوائفية"، بل على النقيض كانت مواجهات حادة داخل كل طائفة. عند السنّة بين الرئيس رفيق الحريري وخصومه. عند الشيعة بين "حزب الله" وحركة "أمل". عند الدروز بين النائب وليد جنبلاط والوزير طلال ارسلان. وعند المسيحيين بين الموالاة والمعارضة، وأحياناً كثيرة داخل الصف الواحد. وبالتالي يرى بعض المحللين أن ذلك اضعف آنيا المشاريع الطوائفية ، لصالح تعميق المشكلات داخل الطائفة الواحدة مما يعزز الطروحات اللا طائفية وبما يصب في فكرة المواطنية اللبنانية.
لا مانع للتنافس بشرط عدم اقصاء الآخر ضمن الطائفة:
وتبرز التساؤلات حول ماهية الموقف السوري مما آل اليه الوضع بين حزب الله وأمل بينما اعتاد الطرفان مسايرة الرغبة السورية خاصة عندما يتعلّق الأمر بـ"تفاصيل" لبنانية ودائماً في ظروف إقليمية "دقيقة". ومن المعروف ان الطرفين الشيعيين حليفان لسوريا، وان سوريا نجحت في مناسبات عدة طيلة السنوات الماضية في ضبط العلاقة بينهما تحت سقف معيّن بدا من خلاله ان "أمل" لتمثيل الشيعة في النظام وحزب الله لقيادة المقاومة، وان سوريا أخضعتهما لتحالف انتخابي منذ العام 1992.
وحسب مصادر فقد تبين إن سورية لا تعتزم اطلاقا التدخل لفرض نوع من الائتلاف يحدد الاحجام ويرضي الجميع، رغم سريان معلومات افادت ان ثمة من طلب سابقا من دمشق علنا مثل هذا التدخل.
ويبدو للمراقبين أن السوريين لم يستطيعوا ثني حزب الله عن الاستمرار في معركته الانتخابية مع أمل، حيث اعترف نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بفشل مساعي التوافق بين الحزب وحركة "امل" حتى برعاية سورية.
وترجح بعض الأوساط الشيعية ان ثمّة سماحاً سورياً بخوض اختبار القوى بين الحزب والحركة ، وان حزب الله الذي يبدو في الظاهر "مغامراً" بمبادرته الى فرض اختبار جديد لميزان القوى، انما يتحرّك هذه المرة بنسبة من الراحة ..وان الحساب السوري قد يكون اقليمياً هذه المرة اكثر من اي وقت مضى.
ومع ذلك تعتقد بعض المصادر السياسية أن الحزب بـ"رسائله الاقليمية والمحلية" أثبت ان احد مصادر قوته الأساسية ناجم عن عاملين: ظاهرة المقاومة وظاهرة تعويضه غياب الدولة في الاطراف والضواحي وأحزمة البؤس. لكن هذا الحزب المستهدف أميركياً واسرائيلياً يحتاج اكثر من غيره الى شبكة امان واسعة لبنانياً وتحديداً في الجنوب. وهذا يعني ان عليه تجنّب اغراءات "اللاعب الوحيد" و"القطب الأوحد" في الطائفة الشيعية، لان هذه الاحادية تخيف الآخرين، جميع الآخرين، ليس في الطائفة الشيعية وحدها وانما خارجها أساساً.
وقد اثبتت الانتخابات ان الرئيس نبيه برّي يملك شعبية في طائفته لم تكن حركة "أمل" قادرة على توظيفها واستثمارها، ففي كثير من القرى والبلدات ثبت ترهّل كادراتها وماكينتها الانتخابية مما يفترض "ترجمة" فكر الامام موسى الصدر تنظيماً وبرامج وأفكاراً وممارسة. ويساعد الرئيس برّي في مثل هذه "المراجعة" انه حافظ على وضعه في الجنوب وانه براغماتي ويمتلك رصيداً شخصياً واسعاً في صفوف الانتلجنسيا الشيعية وغير الشيعية. كما ان ميثاق "حركة المحرومين" الذي وضعه الامام الصدر يمنحه امكاناً واسعاً للاجتهاد في الخط السياسي مما يعطيه امكان استقطاب مسيحي تنظيمي. وهذه ناحية غير متوافرة حالياً لـ"حزب الله" على الاقل.
قيادات لبنانية أخطأت في قراءة بوصلة العلاقات السورية - الأميركية :وبدوره يقول مصدر وزاري مطلع، إن قراءة استراتيجية خاطئة أو على الأقل متسرعة في التقدير والاستنتاج ربطت بين ما هو قائم وجار على صعيد المنطقة، وبين الاستحقاقات على الساحة الداخلية اللبنانية، والتي تقود بشكل غير ظاهر لحرب الاستحقاق الرئاسي، والذي وجدت دمشق نفسها مضطرة للدخول على خطه، والتدخل لسحبه من التداول في السوق السياسية اللبنانية ، نظراً لأن ذلك سابق لأوانه، ولا يجوز تالياً لأي طرف في الداخل أن يطرح الموضوع قبل غيره ممن يفترض فيهم أن يطرحوه وأين يطرحونه، لأن معادلة التقاطع الإقليمي والدولي لا تزال هي صاحبة الترجيح والاختيار فيها على الجانب الداخلي اللبناني أن يتولى تظهير صورة قرار هذا التقاطع.
ويضيف هذا المصدر أنه اذا كان صحيحاً أن العلاقات الأميركية - السورية تمر في مرحلة توتر هو على حدّه في ظاهره وحتى ربما في جوهره راهناً، الا أن الصحيح أيضاً أن انفجار هذه العلاقات ممنوع بقرار ذاتي أميركي أولاً له حيثياته ومعطياته، ذلك ان واشنطن، كما يقول المصدر، غير غافلة عن موقع سوريا ودورها في المنطقة كعامل استقرار أساسي ومهم، خصوصاً وانها مع عهد الرئيس الدكتور بشار الأسد تعاطى بمفهوم انفتاحي سياسي واقتصادي كبير يتجاوب مع التطلعات نحو المستقبل ويتلاقى تالياً مع المفاهيم التي تطلقها واشنطن ولكن دمشق تتعاطى معها على طريقتها ووفق مفهومها وثوابتها ورؤيتها لمنطق الأمور، مع العلم، يقول المصدر، ان تاريخ العلاقات الثنائية يحمل منذ عقود من الزمن عنوان التوتر وإن بوتيرة مختلفة في كل فترة.
ويعتقد المصدر الوزاري نفسه أن خطأ بعض القيادات اللبنانية في قراءة التطورات الحاصلة وتحليل معطياتها، عكس نفسه على التعاطي بين هذه القيادات سواء التي تحالفت أو افترقت أو بقيت على مسافة، بما ينسج تحالفات لها علاقة بالتأثير في الاستحقاق الرئاسي سواء من خلال التمديد أو التجديدً لرئيس الجمهورية أو انتخاب شخص جديد للرئاسة، خصوصاً اذا كان بعض المعادلات التوازنية القائمة في المنطقة قد تعرّض لأي خلل، وهو ما ثبت عدم صحة قراءته، لأن تطورات الوضع في العراق سلباً بالنسبة الى الولايات المتحدة، جعلت واشنطن أكثر تمسكاً بهذا التوازن، ولقاء مستشارة الأمن القومي للرئيس الأميركي كوندوليزا رايس مع رئيس الوزراء الفلسطيني يشير بوضوح الى بوصلة الوضع التي قرأ البعض في الداخل تأشيراتها خطأ.
ويكشف المصدر أن موقف دمشق من (تحالفات) الاستحقاق البلدي و(اكتفائها) فقط بالنصح الى حلفائها الاستراتيجيين المباشرين كحركة أمل وحزب اله) بالتحالف أو عدم الصدام في حال الاختلاف، يشير بوضوح الى (الرسالة) الواضحة الى واشنطن ومفادها أن الوجود السوري في لبنان تخطى القضايا الداخلية اللبنانية وهو استراتيجي للتوازن الذي تريده واشنطن - بغضّ النظر عن انحيازها الكامل لاسرائيل - لضمان الاستقرار راهناً وفي المرحلة المقبلة. ‏
تقليم موقع برّي والحريري لصالح لحود:
اللافت لبعض المحللين أن الانتخابات اظهرت تداخلاً بين ما هو سياسي وما هو انمائي وما هو عائلي، فلا أحد يستطيع ان ينكر مستقبلاً ان هذه الانتخابات أطاحت فكرة "الترويكا الرئاسية". وهذا يعني ان المعادلات السياسية في مرحلة ما بعد الاستحقاق الرئاسي المقبل لن تكون نفسها القائمة اليوم، فهي وفّرت حظوظاً متساوية لخيار "التجديد" للرئيس اميل لحود ولخيار انتخاب رئيس جديد. فالرئيس لحود خرج بهذه الانتخابات أقوى مما كان بعدما ثبت ان حليفه النائب ميشال المر تفوّق من بعيد على منافسيه سواء "التيار العوني" أو "لقاء قرنة شهوان" كما أنه يفيد من دعم "حزب الله" له بما يريحه في أي قرار يتصل بالتعديل الرئاسي.
وبينما يلاحظ أن الرئيس نبيه بري وحركة أمل يشهدان بعض التراجع على صعيد الحضور السياسي والشعبي، رغم احتفاظهما حتى الآن بدور ملموس في المؤسسات والأجهزة الرسمية، تعتقد اواسط شيعية متابعة أن ثمّة رابط بين ما يجري الآن على ساحة الانتخابات البلدية وبين كلام يتكرّر على صعيد فريق الحكم حول "تقليم" موقع برّي في النظام السياسي، خاصة إذا قُيّض لهذا الفريق أن يمدّد بقاءه. ففي أوساط هذا الفريق كما تقول المعلومات، ثمّة نيّة لتقليم عدد من المواقع، تنطلق من ان التمديد صار محسوماً ويتصرّف أصحابها على هذا الأساس. ويتعاطى أصحاب هذه النيّة مع حزب الله بوصفه حليفاً لمشروع تغيير على مستوى المعادلة السياسيّة في الاتجاه المشار اليه، ويعتبرون ان الحزب الذي يجد نفسه مضطراً الى إعطاء "الداخل" الاهتمام، لن يكون بعيداً عن هذه التوجّهات جميعاً.
ويستفيد حزب الله حالياً من قوة علاقاته مع بعض أطراف السلطة، خصوصاً رئيس الجمهورية العماد اميل لحود، وتراجع حدّة علاقته مع رئيس الوزراء الحريري، بالاضافة الى نسج علاقات جيدة مع المؤسسات الرسمية من وزارات وهيئات خدماتية، بالاضافة الى العلاقة القوية بين الحزب والقيادة السورية.
العامل الاقليمي مرتبط بخيار الرئاسة اللبنانية:
ومع ذلك ففي تقديرات بعض المصادر السياسية أن خيار الرئاسة الأولى يبقى محكوماً أيضاً بـ"العامل الاقليمي" بما فيه "المسألة العراقية" وما سيؤول اليه الوضع بعد الثلاثين من حزيران، وما اذا كان دور الأمم المتحدة سيتوسّع. وهو دور يحاول الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان ان يرسمه بالتعاون مع دمشق وطهران والرياض بعدما نصحه تيري رود لارسن بضرورة طلب مساعدة دمشق في الملف العراقي. ورغبة عنان في ان تكون دمشق طرفاً في علاج "المسألة العراقية" تفتح بالتأكيد نافذة للحوار بين واشنطن ودمشق، وخيار الرئاسة اللبنانية ليس بعيداً عن هذا الحوار لان "المقاربة الاممية" للمسألة العراقية تشمل في ما تشمل معادلة الصراع العربي - الاسرائيلي بعدما تبيّن حجم "التداخل" بين مشاكل المنطقة.
اذا ما جرى التجديد للحود فسيتغير القانون الانتخابي لصالح تخفيف الطائفية:
يعتقد وزير الداخلية والبلديات الياس المر ان الانتخابات النيابية المقبلة ستتأثر حتما بنتائج الانتخابات البلدية، واذا ما قدر له أن يستمر في الداخلية في العهد الجديد، فأنه سيجعل قانون الانتخاب مهمته الاولى بحيث يخفف من وقع العامل الطائفي من خلال التقليل من مناطق التمركز والصفاء الطائفي او المذهبي حيث يمكن جغرافيا، وذلك لمصلحة الدمج بين المناطق والطوائف حتى تنتفي قدر الامكان مشاعر الشوفينية او التقوقع وتأثيراتها السياسية والانتخابية ويأتي النواب بأصوات اغلبية مختلطة، بما يعزز امكانات التعايش والتفاهم، ويخفف من وطأة التحالفات المقفلة طائفيا، ويوفر امتدادات للمرشحين خارج منطق الانتماء الطائفي لهم، بما يوفر مساحة اكبر للبرنامج السياسي. ويميل المر الى بحث معمق لفكرة دمج الاقضية حين يحين اوان طرح مشروع قانون الانتخابات النيابية، بما يوفر دمج شرائح من ألوان طائفية مختلطة، خصوصا ان بعض الاقضية المتقاربة تصح فيها عملية الدمج بما يحقق الهدف المنشود، مثل دمج قضاءي المتن الجنوبي والشمالي، وعاليه الشوف، لكنه يترك التفاصيل الى وقتها، بما تفرضه من نقاش على مستوى السلطة والقوى السياسية.
خلاصة :

بالرغم من الحديث عن أن الانتخابات البلديه هي انمائية الا انها كانت سياسية بامتياز، وأخذت تعطي مؤشرات الدخول في الاستحقاق الرئاسي قبل أوانه.
وبينما دفع السوريون باتجاه التوافق بين القوى، الا أن القوى التي كانت تعتقد أنها تستطيع أن تغير المعادلات داخل مناطقها، وتشعر أنها مغبونة اندفعت للانتخابات، وهو مؤشر يعتقد بأنه لم يرض السوريين.
واظهرت النتائج صورة تقريبية عن تاثيرات القوى السياسية، واثبتت أن حزب الله هو القوة الرئيسية والأكثر تماسكا في لبنان، كما بينت النتائج تهاوي دور حركة أمل وزعيمها رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري. واظهرت ايضا ضعف مجموعات المعارضة المسيحية المنقسمة بين تيار قرنة شهوان والتيار العوني والقوات اللبنانية، اضافة الى الزعامات ، حيث لم تحقق نتائج هامة مما لا يخولها الحديث باسم تيار واسع من اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا.
وإذا كانت النتائج تشير الى تحجيم دور رئيس الوزراء الا أنه ومن خلال القراءات يبقى الأكثر نفوذا بين القوى السنية.
ويرشح أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات تغييرية، وخلط أوراق تصب في اطار ما تحمله هذه المرحلة من معطيات ومحطات تتعلق بالتحضير للاستحقاق الرئاسي في تشرين أول / اكتوبر القادم، الذي كان طيفه حاضرا في نتائج الانتخابات البلدية، ولم يكن غائبا عن خلفية التحركات الميدانية التي حصلت، وهو الاستحقاق الذي لا يزال في جوهر الخلاف القائم بين اهل السلطة الذين يهتمون به اكثر من اهتمامهم بالملفات الاجتماعية التي انفجرت أو فجرت يوم 27 مايو الماضي.
وبينما يجري السعي لتغيير الحكومة ومحاولة المجيء ببديلة تصب في خانة التوجهات المتصلة بالاستحقاق، مع تصاعد المطالبة برحيل الحكومة من خلال تحميلها مسؤولية الضغط المعيشي على المواطنين، الا أن ما جرى في الضاحية خلط الأوراق ويعتقد بأنه اعاد الحاجة للحريري مرة أخرى، وبالتالي فإن من الصعب الاطاحة به قبل الاستحقاق الرئاسي في بلد يمتاز بسرعة انتقال التحالفات وتبدلها، ولعل في لقاء الحريري بزعيم حزب الله ما يصب في هذه التقديراتن ويحمل من العلائم الكثير.

* إعداد : مركز القدس للدراسات السياسية