A+ A-
تقرير حول آخر مستجداتالعلاقات الاسرائيلية الاثيوبية
2005-03-15

* خالد وليد

تتميز العلاقات الاسرائيلية الاثيوبية بتشعب أطرها وتعدد موضوعاتها الشيء الذي يعكس تنوع المصالح المتبادلة بين الطرفين والذي جاء بفعل ارث تاريخي يرجع الى خمسينيات القرن الماضي ، في الوقت الذي تظل فيه مسألة يهود الفلاشا والمياه والصراع العربي الاسرائيلي هي التي تتبادر إلى الأذهان عندما تثار العلاقة التي تربط اسرائيل باثيوبيا.وعلى الرغم من ان العلاقة الاسرائيلية الإثيوبية هي علاقة عادية طبيعية في بعض جوانبها، الا أنها تعتبر بالنسبة لأسرائيل حيوية واستراتيجية، وبحسب مراقبين فإن العلاقة الثنائية الاسرائيلية الاثيوبية لازال يدور حولها جدل كبير منذ أكثر من نصف قرن بين صعود وهبوط شهدت أجواءاً من الهدوء والفتور مع النظام الاثيوبي الحالي الا أن زيارة وزير خارجية "إسرائيل" "سلفان شالوم" في مطلع يناير/كانون الثاني "2004" لاثيوبيا أعطت مؤشرات و أبعاداً جديدة بعودة هذه العلاقات الى عهدها الطبيعي.لقد وظفت اسرائيل عدة وسائل سياسية ،اقتصادية ،زراعية ،ثقافية وعسكرية؛ لتمتين علاقاتها مع اثيوبيا، إذ تقوم اسرائيل بارسال مبعوثين وخبراء في جميع المجالات وعلى رأسها "المجال الامني والعسكري " من أجل الاعداد والتدريب وتنفيذ صفقات أسلحة ،وفي معلومات صدرت عن النشرة العسكرية البريطانية عام 1998 جاء فيها "أن ثمة علاقات استخباراتية وثيقة ما بين اسرائيل واثيوبيا ،وأن الموساد الاسرائيلي يعمل بشكل مكثف في أديس أبابا ويدير كادراً كبيراً لجمع المعلومات الاستخباراتية الى جانب قيامه بنشاطات في جزيرة "دهلك" الاريترية والتي مكنته من إدارة مراكز مراقبة وجمع للمعلومات عن اليمن والسعودية والسودان " .
وقد شهدت العلاقة الاسرائيلية الاثيوبية نقلة نوعية كبيرة، وقد تطورت هذه العلاقة لتبلغ أوج التعاون في مجالات عدة،وعلى الرغم من أن ثمة فتور خيم بعض الشيء على تلك العلاقات في عهد "منجستو هيلا مريام" الذي وصل الى الحكم في اثيوبيا عام 1974 ؛الا انها عادت لتتعزز عندما ساهم منجستو في تلبية الرغبة "الاسرائيلية" في ترحيل "الفلاشا" الى اسرائيل في العام 1984م.
وثمة دلالات عديدة تؤكد على ذلك التقارب في العلاقات بين الجانبين ،فقد جاءت الزيارة الاولى لوزير الخارجية الاسرائيلية سيلفان شالوم مطلع يناير/كانون الثاني "2004"الى اثيوبيا على رأس وفد من رجال الاعمال والمستثمرين الاسرائيلين مؤلفاً من "22" شخصاً لتعبر عن الرغبة الحقيقية لاسرائيل في استعادة علاقتها مع افريقيا عبر البوابة الإثيوبية. هذه الزيارة التي اعتبرها رئيس الوزراء الاثيوبي ان لها اهمية خاصة كونها الاولى بعد اول زيارة سابقة لرئيس الوزراء الاثيوبي عام 1989، وهو التاريخ الذي اعلنت فيه اثيوبيا البدء بالعلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل.من جانبه وزير الخارجية الاسرائيلي "سلفان شالوم"رأى في هذه الزيارة "بأن ثمة دبلوماسية اسرائيلية جديدة لتوثيق التعاون مع افريقيا عموماً واثيوبيا بشكل خاص".
وكانت قد رحبت إثيوبيا بزيارة الوزير الاسرائيلي، على أساس انها تأتي في مرحلة مهمة شهدت فيها الساحة تغيرات على المستويين الإقليمي والدولي ،وحسب تصريحات مسؤول اثيوبي فان محور مباحثات وزير خارجية اسرائيل مع المسؤولين الإثيوبيين كان حول العلاقات الثنائية وما تنتظره إثيوبيا من دعم اقتصادي قوي من اسرائيل.
وحسب المراقبين فإن زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي "سلفان شالوم" لاثيوبيا حملت في طياتها مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، بعد أن تضاءل ذلك في السنوات العشر الأخيرة نتيجة مواقف افريقيا المساند للقضايا العربية عموما والقضية الفلسطينية خصوصا إذ تاتي هذه الزيارة لتضييق الهوة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول الافريقية واسرائيل عموما وأثيوبيا واسرائيل بشكل خاص؛ ولفتح مناخ جديد من التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري، سيما فيما يتعلق "بيهود الفلاشا" .وقد توصل الجانبان الاسرائيلي والاثيوبي في هذه الزيارة إلى عدد من الاتفاقيات يتم بموجبها مساهمة "اسرائيل في تطوير الصناعة وإدخال التكنولوجيا الزراعية التي تفتقر إليها إثيوبيا رغم امتلاكها للثروة المائية والأراضي الشاسعة حسب تصريحات الجانبين اللذين أكدا تبادل الخبرات في مجالات الصناعة والزراعة والاستفادة من الخبرة الاسرائيلية في هذا الجانب. ولم يخف الجانبان ان المحادثات عرجت حول عدة قضايا على مستوى الإقليم والقارة، وطالبت اسرائيل رسميا بمساعدة إثيوبيا للعودة إلى افريقيا مقابل ان تساهم اسرائيل في تنمية علاقات إثيوبيا مع الغرب وأمريكا، وتعهدت اسرائيل بتطوير القطاع الزراعي الذي يعتبره خبراء الاقتصاد المخرج الوحيد لإثيوبيا من أزمة الجفاف والمجاعة التي تعيشها والتي تضربها من حين لآخر نتيجة لعدم وجود المخزون الكافي من الأغذية.
وفي أديس أبابا امتدح السفير الاسرائيلي هناك " درون جروسمان" العلاقة الإثيوبية – الاسرائيلية، معترفاً بحدوث تراجع في العلاقات بعد سقوط نظام الإمبراطور "هيلاسيلاسي" على يد النظام الماركسي السابق ، واعتبر السفير بأن زيارة وزير خارجية إثيوبيا في ديسمير 2003 إلى اسرائيل تمثل نقلة نوعية في مسيرة العلاقات التي توجت بأول زيارة يقوم بها وزير خارجية اسرائيل "سلفان شالوم" لافريقيا وبصورة خاصة لإثيوبيا في يناير 2004، وكشف عن تزايد الاهتمام الاسرائيلي بافريقيا، وتوقع حدوث نقلة كبيرة في العلاقة الاسرائيلية - الافريقية، حيث قال أن اسرائيل ستزيد من دعمها للدول الافريقية وخاصة إثيوبيا في مجال التنمية وبناء القدرات وتقديم خبراء اسرائيليين في مجالات مختلفة؛ وذلك للاسهام في تحسين النمو الاقتصاد الوطني في إثيوبيا وتعزيز برامج القدرة التي تعد أهم مشروعات التنمية في إثيوبيا.
يشار الى ان زيارة رئيس وزراء اثيوبيا "مليس زناوي" الى اسرائيل في بداية يونيو 2004م ولمدة ثلاثة ايام مثلت أيضاً اهمية كبرى في اطار العلاقات الثنائية كونها اول زيارة يقوم بها مسؤول اثيوبي رفيع المستوى إلى اسرائيل والتي سبقتها زيارة وزير الخارجية الاثيوبي "سيوم مسيفين" الذي زار القدس من قبل في ديسمبر 2003م وكانت هناك أيضا زيارة لوزير الدولة بالخارجية الاثيوبية في عام 1997 "د. تقدا المو" الذي زار اسرائيل في يوليو/تموز 1997 والذي قال إن إن علاقة بلاده باسرائيل عادية وتوجد في إثيوبيا 94 سفارة والاسرائيلية إحداها، وأن ثوابت السياسة الخارجية تقوم على بناء علاقات طبيعية مع كل الدول والتعاون معها بما يخدم المصلحة العليا لإثيوبيا.
وحسب مراقبين فإن زيارة سيلفان شالوم وزير الخارجية الاسرائيلي الى اديس ابابا في يناير 2004م جاءت كرد على تلك الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الاثيوبي لاسرائيل.

الدعم الاسرائيلي لاثيوبيا :

سعت اسرائيل للاستثمار في اثيوبيا وارسلت في الستينات من القرن المنصرم خبرائها في الامن والتعليم والاتصالات والزراعة والصحة والتخطيط الاقتصادي ،واصبحت السفارة الاسرائيلية في اثيوبيا الاكبر في العالم بعد السفارة الاسرائيلية في امريكا. وكانت اثيوبيا قد توجهت بقوة في عهد "منجستو" نحو المعسكر الاشتراكي واعتمدت على الخبراء من روسيا وأوروبا الشرقية وورث النظام الحالي التعاون العسكري مع روسيا وشهد التعاون بينهما تطورا كبيرا على خلفية الحرب الإريترية - الإثيوبية حيث قامت إثيوبيا بشراء أسلحة من روسيا قدرت بأكثر من ملياري دولار لعبت دورا في ترجيح كافة إثيوبيا في الحرب الأخيرة فيما امتنعت أمريكا واسرائيل عن تقديم أي دعم عسكري لإريتريا وإثيوبيا وجمدت المساعدات العسكرية لهما، وهذا أغضب أديس أبابا التي توجهت نحو روسيا وفرنسا وتعاقدت وزارة الدفاع الإثيوبية مع خبراء روس، إلا أن مكافحة الإرهاب والمشروع الأمريكي الجديد قد خلطا الأوراق وانقلب التحالف لصالح واشنطن التي دخلت بكل ثقلها في القرن الإفريقي واعتمدت على إثيوبيا كحليف رئيسي فيما تسميه مكافحة الإرهاب .
يشار هنا الى انه وبعد عدة اشهر من قطع علاقات اثيوبيا باسرائيل (بسبب حرب اكتوبر) اطلت الثورة الاثيوبية برأسها في وقت تغلغلت فيه القدرات الاسرائيلية في اثيوبيا. وانتشر الخبراء الاسرائيليون في كل الاجهزة الحساسة. واستلم الجيش الاثيوبي بقيادة منجستو عملياً بعد اغتيال "امان عندوم "الاريتري الاصل السلطة ابتداء من عام 1974م. وخلال ثلاثة عقود من الاضطرابات في اثيوبيا لم تنقطع المساعدات العسكرية من اسرائيل فقد بلغ مجموع الواردات من اسرائيل الى اثيوبيا بما يعادل 25 مليون دولار خلال العام 2003 ،ويشار الى أن البعثات العسكرية الاسرائيلية في أديس ابابا كانت دائما الثانية في الحجم بعد البعثة الأمريكية أو السوفييتية ولم تقدم تل أبيب التجهيزات العسكرية فقط بل أيضا برامج تحديث زهيدة التكلفة للأسلحة من الحقبة السوفييتية مثل مقاتلات "ميغ – 21" التي يستخدمها سلاح الجو الاثيوبي، وربما كان أهم من ذلك قيام المستشارين الإسرائيليين بمساعدة الضباط الاثيوبيين للتغلب على الخصومات القبلية لترسيخ وئام تام بمساعدة رجالها المجندين. وشهدت الصادرات الاثيوبية إلى اسرائيل نمواً بمعدل تجاوز 200 %سنويا على مدار معظم سنوات التسعينيات.
وتجدر الاشارة هنا الى ان جذور التعاون العسكري بين الطرفين يأتي بعد وصول منجستو إلى الحكم 1974م عندما داوم "الموساد" على الاتصال بالنظام الجديد والذي تحت ضغط الأزمات الداخلية في إثيوبيا ومعركتها ضد الصومال والحركات المعارضة استجاب للعرض الاسرائيلي بتقديم مساعدات ضخمة له، في ذلك الوقت اشترط "منجستو" ان تظل العلاقة سرية مع اسرائيل ،الا أن اسرائيل لم تحافظ على سرية علاقتها مع منجستو الذي كان يريد في ذلك الوقت بالاحتفاظ بعلاقاته الحميمة مع "الاتحاد السوفييتي" مبقيا على وجهه الاشتراكي، وتم الكشف عن تلك العلاقة في عام 1978 على يد موشي ديان وزير خارجية "اسرائيل" الامر الذي تسبب في غضب "منجستو" وأمر بطرد كل "الاسرائيليين" من أديس أبابا ولم تعد العلاقة إلى ما كانت عليه إلا في العام 1981م عندما اقنع "كاسا" -الذي كان وزيرا للعمل- الرئيس منجستو بالاستعانة بخبير "اسرائيلي" يقوم باستصلاح الاراضي المالحة التي خصصت لإقامة مدرسة زراعية للأطفال، ولتحقيق هذا الغرض سافر كاسا إلى نيروبي لمقابلة رئيس فرع الموساد هناك، وتم التنسيق من جديد بين الموساد وحكومة منجستو. ثم جاءت "عملية موسى" التي نقل من خلالها الفلاشا إلى "اسرائيل" عبر السودان والتي كشفت عنها الوكالة اليهودية العالمية مما اغضب منجستو غضبا شديدا واصفا "الاسرائيليين" بأنهم لا يحتفظون بسر.
وبرغم الخلافات فقد استمر البلدان في التعاون وتطوير علاقاتهما بمجهودات "كاسا كبدي" الذي وقع عن إثيوبيا إعلان إعادة العلاقات في حفل غداء بمكتب رئيس الموساد ناهام اوموني 1989 ووقتها كان منجستو يحتاج إلى مساعدات "اسرائيل" العسكرية للقضاء على الثورة الاريترية. من جانبها تحمست الحكومة "الاسرائيلية" بارسال مدير عام خارجيتها ميرهاف إلى إثيوبيا في يناير/كانون الثاني 1991م وعند وصوله اكتشف تدهور الأوضاع وضعف "منجستو" فعاد ليقنع الحكومة "الاسرائيلية" بالتنصل من إبرام صفقة الأسلحة، محتجاً بأن ذلك يهدد حياة الفلاشا ويغضب الأمريكان الذين يكرهون نظام منجستو الاشتراكي والذي كان وقتها يخوض معركة خاسرة ضد قوات الجبهة الديمقراطية الثورية الإثيوبية الذين باتوا على مشارف العاصمة أديس أبابا، وتحركت "اسرائيل" واقنعت أمريكا بضرورة ترحيل الفلاشا دفعة واحدة وقد اعد سلاح الطيران "الاسرائيلي" خطة سماها "المطر الغزير" وبدأت الصفقة مع "منجستو" لإتمام العملية نظير ان تستلم إثيوبيا مبلغ 35 مليون دولار ومفاتيح دير السلطان في القدس الذي كان محل نزاع بين الكنيستين الاثيوبية والمصرية .

وتجدر الاشارة الى أنه وبعد الحرب الحدودية بين اريتريا وإثيوبيا في مايو/أيار 1998 ترأس اليهودي البروفيسور المليونير ومنسق علاقات "اسرائيل" بافريقيا ومدير مركز الدراسات السامية في ولاية نيوجرسي افريم اسحق وفد المصالحة بين إثيوبيا واريتريا المكون من ثلاثة أشخاص لكل منهما .
*وفي أكتوبر/تشرين الاول 1998 اتهم الرئيس الاريتري "افورقي" اسرائيل بصيانة عشر طائرات إثيوبية من طراز "ميج 21"، وفي الشهر التالي أكد السفير "الاسرائيلي" اريل كريم وجود 70 ألفاً من "الفلاشامورا" في إثيوبيا وان دولته تقوم بتطوير طائرات الميج الإثيوبية بناء على اتفاقية خاصة كأنه يشير إلى الفلاشا مقابل الطائرات".
*وفي فبراير/شباط 1999 اتهم وزير الخارجية الاريتري هيلي ولد تنسائي إثيوبيا بإبرامها صفقة الطائرات مع إثيوبيا ووجه انتقادات شديدة لأمريكا ومنظمة الوحدة الإفريقية باعتبارهما راعيتين لاتفاقية وقف الضربات الجوية بين البلدين.
*لا شك ان العلاقات الثنائية بين اسرائيل واديس ابابا يغلب عليها الطابع الامني نظراً لمخاوفهما المشتركة من تنامي الجماعات الاسلامية المسلحة في السودان المجاورة وبين الفصائل المتناحرة في الصومال.
وثمة طرق أخرى تدلل كيفية التغلغل الاسرائيلي في دول القرن الافريقي عموما واثيوبيا خصوصا عن طريق المساعدات الاستخباراتية نظرا لامتلاك اسرائيل مصداقية عالية عند تلك الدول ،وكذلك عن طريق المساعدات الفنية والتي تاتي عن طريق البرامج التدريبية وتقديم الخبراء الاسرائيليين وانشاء شركات لنقل الخبرات والمهارات الفنية.
وثمة جوانب أخرى للعلاقات الثنائية تعززها الروابط الاستثمارية، فقد وضعت اديس اباب سلسلة من المحفزات لاجتذاب الاستثمارات الاسرائيلية إلى قطاعات غير الصناعة والزراعة، مثل التعليم والتخطيط المدني اللذين يلعبان دورا أساسيا في التنمية بعيدة الأمد. وبنظر المراقبين فإن ما يوطد العلاقات الثنائية الاسرائيلية الاثيوبية حالياً هي الروابط الاستثمارية والاقتصادية وحسب المعلومات فإن ثمة تنامي ملموس في التعاون الاقتصادي بين اسرائيل واثيوبيا الشيء الذي تعطيه اسرائيل أهمية خاصة.وان اسرائيل تسعى جاهدة للدفاع عن مصالحها خاصة الاقتصادية منها في شبه القارة الافريفية وخاصة في اثيوبيا ويمكن قراءة ذلك من خلال تصريحات للسفير الاسرائيليفي اديس ابابا "دورون جروسمان" (أبريل/نيسان 2000) ذكر ان اسرائيل ستسعي وبقوة للتصدي لمحاولات السيطرة على الاقتصاد الإثيوبي موضحا أن كثيرا من الشركات اليهودية والتي كانت قد أغلقت في وقت سابق ستعاود نشاطها في مجالات الزراعة والاتصالات والكهرباء (ذات الصلة بالماء) وجاءت تصريحاته هذه في نفس السنة التي زار فيها وزير الداخلية الاسرائيلي "ناتان شرايسكي" أديس أبابا بهدف معلن هو التشاور مع الحكومة الإثيوبية لترحيل 26 ألفاً من يهود الفلاشا.
وحسب تصريحات السفير فإن اسرائيل تستعد للبدء في (برنامج الأمن الغذائي) في إثيوبيا وان المركز "الاسرائيلي" للتعاون الدولي ( ماشاف) يؤهل الفنيين الإثيوبيين ضمن ذلك البرنامج.
وفي تصريحات نسبت الى السفير الاسرائيلي الذي انهى اعماله في أديس ابابا "أريل كريم" ذكر: بأن إثيوبيا هي في مقدمة الدول التي تحظى بإعانات من "اسرائيل" وانهم يركزون على بناء القدرات بجانب الزراعة والمياه والصحة والتعليم، كاشفا عن عمل مشترك يجري بين الخطوط الجوية الإثيوبية ومصنع الطائرات "الاسرائيلية" من دون ان يحدد ذلك العمل وطبيعته.
وحسب ما قاله وزير الخارجية الاسرائيلي سلفان شالوم في زيارته الى اثيوبيا "انه مابين كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/نوفمبر من عام 2003" وصلت قيمة الواردات من اثيوبيا الى اسرائيل مايقارب 2, 15مليون دولار، أي زيادة بقيمة 5% من عام 2002، و6% عن عام 2001 و20% عن عام 2000. اما الصادرات الاسرائيلية الى اثيوبيا ازدادت مابين يناير ونوفمبر من عام 2003 بنسبة 500%، أي مايعادل 6, 9 مليون دولار.ويبرز هنا دور السفارتين الاسرائيلية في تفعيل وتمتين وتطوير هذا التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
وتجدر الاشارة هنا الى ان اثيوبيا تشكل مجالاً حيوياً لاسرائيل وإمكانياتها الإنتاجية والفنية في الوقت الذي تسعى فيه اسرائيل الى الحصول على مكاسب اقتصادية عبر التبادل التجاري مع اثيوبيا وإيجاد سوق كبيرة لصادرات الصناعة الاسرائيلية، وضمان مورد مهم للخامات المعدنية ؛وتاتي تجارة السلاح وصفقات الاسلحة وتغذية واقع الصراعات والحروب الاهلية في تلك المنطقة لتعطي العلاقة بعدا استراتيجيا مهماً، فقد استثمرت اسرائيل الصراعات الحادة التي تعتري أثيوبيا مثلما استفادت من البيئة التي خلفها الاستعمار في الدول الافريقية عموما وباتت مرتعا للصراعات والاحداث المتأزمة والتي تجد فيها اسرائيل بيئة خصبة لتغذيتها بتجارة السلاح.
ولأن ثمة تركيز اسرائيلي على القطاع الزراعي فقد استندت اسرائيل في تثبيت وجودها في اثيوبيا عن طريق نشاطاتها الزراعية ،لان هذا القطاع القطاع الزراعي يشكل عامل مهم لمعظم كاسبي الدخل في افريقيا عموما وفي اثيوبيا بشكل خاص ،وتشير التقارير الى انه ما بين 70-80% من القوى العاملة الافرقية يعمل في الزراعة.
وإذا ما استعرضنا النشاط الاسرائيلي في القطاع الزراعي في اثيوبيا ،نجد ان اسرائيل ومنذ البداية دأبت على اقامة المستعمرات الزراعية في اثيوبيا تحت اشراف خبرائها في ضوء الخبرة التي تتميز فيها اسرائيل في هذا المجال ،وتمتلك اسرائيل شركة "انكودا" الاسرائيلية في اثيوبيا التي تمتلك هذه الشركة اراضي بمساحة 50 الف هكتار ،وتقيم فيها عدة مشاريع مثل زراعة القطن والمحاصيل وتربية المواشي ،وتروي الشركة هذه الاراضي من نهر "القاش" على حدود السودان .
ومن ناحية اخرى منحت اثيوبيا الشركات الزراعية الاسرائيلية 30 هكتارا أخرى في منطقة "Remote" وذلك لزراعة المحاصيل والخضروات ،و200 هكتار أخرى لشركة "اتاجن" الاسرائيلية في منطقة "عايلت" بين "مصوع" و"أسمرة" ،وقد كانت تقوم اسرائيل باستئجار الاراضي الزراعية ،حيث أبرمت اثيوبيا اتفاقية لزراعة القطن من إحدى الشركات الاسرائيلية ،وقامت بموجبها باستئجار مزرعة "أبدير" بمساحة 20 ألف دونم والتي تبعد حوالي 200 كم جنوبي أديس أبابا ،وتنص الاتفاقية على ان تقوم الشركة بتامين الادوات الزراعية والاسمدة والمبيدات من اسرائيل.
وتشير التقارير بأن اسرائيل ساهمت باعداد دراسات تنفيذية خاصة بإحدى الشركات الزراعية في جنوب اثيوبيا حيث يقوم برنامج الامم المتحدة بتمويله وهو عبارة عن مشروع، للتنمية الزراعية يمتد على مساحة 300 ألف دونم ويشتمل على انشاء سد على نهر "شبيلي".

مطامع اسرائيل في مياه حوض النيل :

بات من المسلم به أن من أهم الاهداف التي تطمح لها اسرائيل في وجودها باثيوبيا هو الرغبة في الحصول على مياه نهر النيل وتوظيف ذلك من اجل الضغط على صانع القرار المصري؛ نظرا لحساسية وخطورة "ورقة المياه" في ورقة الإستراتيجية المصرية والاسرائيلية . ويشار الى ان أطماع إسرائيل في مياه نهر النيل قديمة بمعنى ان اسرائيل تهدف من وراء ذلك تحيقيق أسطورة "بناء الحلم الصهيوني" من النيل الى الفرات ، ولا شك أن إسرائيل تلعب دوراً غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في اثيوبيا مستثمرة جملة من الحقائق أهمها سيطرة أثيوبيا على ما يقارب 80-85% من مصادر مياه النيل فالبحيرات الموجودة على الاراضي الاثيوبية تعتبر المنبع الرئيسي لمياه النيل ،باعتبار أن الاخيرة تشكل المنبع الاساسي والمصدر الاهم له.ويشار الى ان اثيوبيا توجهت لبناء عدد من السدود الكبيرة على نهر النيل بهدف حجز مياهه لارواء مزيد من اراضيها وتحويلها الى صالحة للزراعة ومواجهة مشاكل الانفجار السكاني ، وتوطين المهاجرين من الاماكن المنكوبة بالمجاعة خلال السنوات الاخيرة ، وتوليد الطاقة الكهربائية من هذه السدود سيما أن اثيوبيا تعاني من أزمة اقتصادية لا زالت ترزح تحتها.
وقد حاولت اسرائيل استخدام اثيوبيا للضغط على مصر من خلال شن الحملات المتكررة ضدها للتشكيك في حصتها من مياه النيل ، والتهديد ببناء سدود اثيوبية على النيل والتي من شأنها التاكيد على كمية المياه التي تصل الى الاراضي المصرية ، وحسب مراقبين فإن اسرائيل أقنعت القيادة الاثيوبية بموضوع اقامة مجموعة من السدود ، ومشروعات للري على هضاب الحبشة وعشرات الكيلومترات من الاراضي الزراعية بحجة تحقيق اكبر استفادة ممكنة من مياه النيل الفيضانية ، والطاقة الكهربائية لصالح اثيوبيا ؛ الشيء الذي ياتي بمثابة تهديد لرصيد مصر بمياه النيل ، وبالتالي تهديد لكل مشروعات الري والكهرباء والزراعة على امتداد الوادي ، ودلتا مصر.
وعلى الرغم من وجود أصابع اسرائيلية وراء تهديد اثيوبيا لبناء سدود الشيء الذي اثار حفيظة دول حوض النيل وخاصة مصر التي أبدت استياءها من الموضوع والتي تتهم دائما جهات خارجية لها اطماع في مياه نهر النيل وذلك بالاشارة الى "اسرائيل" وقد نفى الوزير الاثيوبي ان يكون لاسرائيل ضلع في بناء السدود بقوله "لا اعتقد ان هناك من يصدق في العالم العربي ما يتردد من شائعات بان اسرائيل تقوم ببناء السدود على نهر النيل في اثيوبيا للاضرار بمصالح العرب" مشيراً الى ان اثيوبيا عندما قامت ببناء السدود لم تستولي على حصص الدول الاخرى من مياه النهر بمعنى أن التصرف كان ضمن الحصص المقررة لها من دون الحاق الضرر بمصالح الدول الاخرى الواقعة على نهر النيل مثل مصر و السودان"

الخلاصة :
بناء على ما تقدم لا بد من الاشارة الى أن ثمة قواعد تاريخية تتحكم في العلاقات الاسرائيلية الاثيوبية ،ولأن اثيوبيا واحدة من ساحات الصراع في شبه القارة الافريقية فقد كثفت اسرائيل نشاطها هناك من اجل ضمان بقاءها ووجودها وضمان امنها ،ومن الاهداف الاستراتيجية التي سعت اسرائيل في تحقيقها في علاقاتها مع اثيوبيا " الأمن القومي" بمعني تأمين وجود اسرائيل وامكانية تمددها تحت ضغط الهجرة المتزايده و تحقيق الشرعية السياسية التي كانت في "مرحله سابقة " في مقدمة القضايا التي واجهت اسرائيل عن طريق كسر حلقة ا"العزلة" المفروضه حولها بسبب "الصراع العربي الاسرائيلي" بأن تعتمد على شرعية لها بُعد دولي من خلال تأمين وجودها باعتراف أكبر عدد من دول العالم بها وضمان الدعم المادى والسياسى لها ولتوجهاتها .اضافة الى تطويق الامن المائي العربي وتهديد أمن مياه النيل و السيطرة على الملاحة في البحر الأحمر عبر السيطرة على موانئه فاثيوبيا غنية بالموارد المائية وفي اراضيها تجري العديد من الأنهار لعل أهمها اباي، وتكازا، وبارو ، واومو، واواشو ، وابشبلي بجانب بحيرة تانا العظمى وهي في مجموعها تمثل مخزونا مائيا كبيراً ومهماً.
وتبرز قضية أخرى هنا وهي ان اثيوبيا يعيش في أراضيها "الفلاشامورا" والتي تقول بعض الدراسات أنهم (أي الفلاشومورا) ورثة تابوت سيدنا سليمان والذي لا يستبعد فيه مراقبون من ان تكون "اسرائيل" ومحفلها اليهودي يعدون الخطط تلو الخطط لمحاولة "سرقته" أو الحصول عليه بأي ثمن.
ويشار الى ان ثمة علاقة مميزة تربط اثيوبيا بواشنطن الحليف الرئيس لاسرائيل وما يعنيه ذلك من تدفق المساعدات والاسلحة المتطورة لاثيوبيا من كلا البلدين "اسرائيل وواشنطن" ،ولا شك ان اثيوبيا وذلك بالنظر الى خبرتها التاريخية كدولة لها وزنها السياسي في شرق افريقيا تعد حليفا قويا ويمكن الاعتماد عليه من قبل واشنطن وقد برز الاهتمام الامريكي باثيوبيا بعد أحداث 11 سبتمر "والحرب الامركية على الارهاب" ،وسعي اديس ابابا لتقديم نفسها كدولة راعية للمصالح الامريكية والاسرائيلية في المنطقة خاصة فيما يتعلق بسياسات مكافحة الارهاب ،وبنفس الوقت لم تخف الولايات المتحدة امكانية قبول هذا الدور من قبل "أديس أبابا" ،سيما اذا ما قورنت اثيوبيا بدول الجوار لها مثل "تنزانيا" ، "ارتيريا" ،"كينيا" او السودان مثلاً؛ فإنها تعد الدولة الوحيدة التي لم تتعرض فيها المصالح الامريكية لعمليات ارهابية .
وأخيرا فإنه وعلى الرغم من الأسباب وغيرها التي دفعت وتدفع اسرائيل بالتمسك بعلاقاتها الحميمة مع اثيوبيا الا أن ما حملته زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي "سلفان شالوم " لاثيوبيا وما تضمنته هذه الزيارة من اهداف تعد اكثر من مهمة واستراتيجية بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

* باحث في مركز القدس للدراسات السياسية