الرئيسيــة - مركز القدس للدراسات السياسية
                   
A+ A-
القضاء المتخصص في مجال الغذاء ... التحديات والفرص
2018-05-19

بداية أتقدم بالشكر لمركز القدس للدراسات السياسية وجمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية. والشكر موصول لعطوفة الدكتور هايل عبيدات، شكراً جزيلاً لكم على إتاحة هذه الفرصة لي للقاء بكم. نحن نلتقي اليوم، كما فهمت من الدعوة، مع مجموعة من القطاع الخاص، ومن الأهمية بما كان أن يكون هناك تواصل بين القطاعين العام والخاص فهما يُكملان بعضهما بعضاً في سبيل رفعة الأردن.

التخصص في القضاء أمر مهم جداً، فكما تعلمون، فالتخصص في العلوم أصبح سمة من سمات هذا العصر ، فلم يعد من الممكن الحديث في العموميات في ظل التطور والتقدم السريع في العلوم المختلفة, فعندما نتحدث عن العلوم الزراعية والغذائية على سبيل المثال، فإننا نتحدث عن أعداد كبيرة من التخصصات التي لا يستطيع الشخص الإلمام بها، لذلك لا بد من التخصص بالجزئيات ليكون بمقدور الشخص الإلمام بالتفاصيل المهمة ذات الصلة بموضوع معين.

القضاء كبقية التخصصات، لا بد من وجود نوع من التخصص فيه، وتزداد أهمية التخصص في القضاء بالنظر إلى أنه يتعامل مع أنواع مختلفة من العلوم، وليس فقط العلوم القانونية. صحيح، أنه لا يُشترط في القاضي أن يكون مُلمّاً بكل العلوم، لكن ينبغي أن يكون لديه شيء من كل شيء، حتى يستطيع أن يُسير القضية ويحكم بها بصورة تتفق مع الأصول القانونية، وتحقق العدالة، وهذا هو الهدف الرئيسي.

أهمية التخصص هي أن يصبح القاضي مُلماً بكل جزئيات القضية والنزاع المعروض أمامه حتى يستطيع فهم حيثيات النزاع بشكل دقيق، ويتمكن من الوصول إلى فهم معمق للقضية، فالفهم السطحي غير مفيد بل يجب أن يكون الفهم معمقاً حتى يتمكّن القاضي من تأدية رسالته، وهي تحقيق العدالة.

إن الحديث الآن ليس عن القانون وتطويره، وتطوير القدرات القانونية للقضاة، فهذا أمرٌ مفروغٌ منه، الحديث الآن هو عن تطوير قدرات ومعارف القُضاة في الجوانب التخصصية والمهنية، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن القاضي لا يجب أن يحكم بعلمه الشخصي، فهناك أمور فنية ومهنية تتطلب وجود أصحاب الرأي والخبرة برأيهم الجازم، وحتى يتمكن القاضي من مناقشة أهل الاختصاص والخبرة واعتماد ما يُعرض عليه من تقارير الخبرة، يجب أن يكون على دراية بالمبادئ الأساسية الخاصة بما هو معروضٌ أمامه. إذاً، فإن ما سبق يدفع باتجاه الإيمان بأهمية التخصص.

حول عمل المجلس القضائي، لا بد من الإشارة إلى الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبدالله الثاني حول تطور القضاء وسيادة القانون، فقد كانت تُشير بشكل أساسي إلى تعزيز التخصص في القضاء.

إن ترجمة الورقة النقاشية قد تمت ضمن توصيات اللجنة الملكية التي شُكلت لإصلاح القضاء، والتي أصدرت تقريرها في شباط/ فبراير الماضي، واشتمل على توصيات مفصلة تحوّلت إلى تعديلات تشريعية، كان من أهمها تعزيز مبدأ التخصص في القضاء.
وفيما يتعلق بتعزيز التخصص في القضاء، فقد باتتهناك خطة تنفيذية لتحقيق ذلك. فقد تولّى المجلس القضائي مراجعة إستراتيجية القضاء للأعوام السابقة، مع التركيز على الجانب المتعلق بالتخصص لتعزيزه لغايات تحقيق العدالة الناجزة، والسرعة في التقاضي، وبالتالي الوصول إلى سلطة قضائية كفُؤة.

وعند الحديث عن التخصص الذي يعمل المجلس القضائي على تعزيزه، لا بد من أخذ العديد من العوامل بعين الاعتبار ، لا سيما:
1- الإمكانيات القضائية المتوفرة والمتمثلة بالكوادر القضائية وأعوان القضاء والبنية التحتية وأعداد المحاكم.
2- المعلومات والبيانات الدقيقة التي تؤشر إلى درجة الحاجة للتخصص، وفي أي من المجالات، ومن هذه البيانات عدد القضايا وأنواعها.
العبء والمردود الاقتصادي للتخصص، والسؤال الواجب الإجابة عنه. وهل يساعد التخصص في تشجيع الاستثمار وتعزيز الاقتصاد؟ وهل يؤثر على سلامة المواطن؟ وفي السياق ذاته، لا بد من التأكيد على أن القضاء هو خدمة، وبالتالي يجب أن يُراعى عدم ترتيب مشقة على المواطن، فقد يكون إنشاء محكمة خاصة سبباً في تكبّد المواطن عناء التنقل، وهنا يُشار إلى أهمية قضاء القرب.

إذاً في ضوء ما سبق من عوامل وتساؤلات، يظهر السؤال التالي: هل من الأفضل الحديث عن محكمة متخصصة أم غرفة قضائية متخصصة؟ وفي حال عدم إمكانية تطبيق ذلك، فالحد الأدنى المقبول هو تعزيز التخصص بزيادة التخصص الفردي للقاضي، بتدريبه بشكل مستمر على بعض الأمور المتخصصة، وفي هذا الإطار فالمجلس القضائي يرحب بدخول القضاة في العديد من الدورات المتخصصة.

إن النظام الذي يعمل عليه المجلس القضائي هو نظام إدارة المحاكم، وهو نظام محوسب لتسجيل وإدارة القضايا، وقد تم تطويره بحيث يوفر معلومات حول أنواع وأصناف القضايا، والعمل جارٍ لحساب عبء ووزن القضايا، وصولاً إلى نتائج توضح أنواع القضايا ودرجة تركزها في المحافظات والمحاكم، وتبين بالتالي ما إذا كان الأمر يستدعي إفراد قاضٍ متخصص في مجال معين في المحاكم.

بالنسبة لتصنيف الدعاوى، فهو ذو أهمية كبيرة، فمثلاً في قضايا الغذاء، يجب التمييز بين الدعاوى المتعلقة بمخالفة قانون الغذاء، وبين المخالفات الجزائية والنزاعات بين بعض الجهات الحكومية والمستوردين، وغير ذلك، وبالتالي يجب أخذ هذه التصنيفات بنظر الاعتبار لمعرفة الوجهة الواجب المُضي فيها في مجال التخصص، ومدى إمكانية دمج كل تلك الأصناف في محكمة واحدة أم أن الأفضل هو الانتظار لحين ظهور مخرجات الدراسة؟ فالدراسة الآن قيد الإعداد، وفي هذا الإطار ، فالمجلس القضائي يُرحب بأي اقتراحات عملية تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة منها، مع الإشارة إلى أن الدراسة تركز أيضاً على مراعاة توزيع العبء القضائي.

إن ما سبق هو قيد الدراسة وهو مخرجات للجنة الملكية لتطوير القضاء وتضمنته إستراتيجية القضاء المُراجعة حتى العام 2021 وتم ترجمتها لخطة تنفيذية، حيث بدأ العمل على جمع البيانات والمعلومات وتحليلها بهدف الوصول إلى مخرجات تتعلق بالتخصص وتوزيع القضاة على المحاكم وكذلك التصنيف وماهيته، وصولاً إلى اتخاذ القرار بإنشاء محكمة متخصصة أو غرفة قضائية متخصصة أو بالحد الادنى الذي نتحدث به الآن هو تدريب القضاة في مواضيع متخصصة. ويوجد للمجلس القضائي خطة تدريبية للعام الحالي والأعوام المُقبلة عن الموضوعات التخصصية، وسيدرج هذا الموضوع ضمن الخطة التدريبية القادمة، ونرحب بالتعاون، فمثلاً هناك تعاون مع وزارة الاتصالات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات نظراً لوجود بعض المصطلحات التقنية. مع التأكيد على أن التدريب المطلوب يجب أن يكون محايداً ومن جهة محايدة، بحيث لا يكون لمصلحة الحكومة أو القطاع الخاص و أن يكون تدريباً فنياً يزود القاضي بالحد الأدنى من المعرفة الفنية التي تساعده في تحقيق العدالة.
شكراً لكم على حسن استماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


-كلمة عطوفة الدكتور علي المسيمي، مدير التخطيط والتطوير في المجلس القضائي الأردني، في ورشة عمل: "القضاء المتخصص في مجال الغذاء... تمكين المستثمر وحماية المستهلك"، والتي نظمها مركز القدس بتاريخ 28/4/2018.