A+ A-
دور القضاء المتخصص في تشجيع الإستثمار في مجال الغذاء والدواء
2018-05-19

الكاتب : الدكتور هايل عبيدات

أصحاب السعادة والعطوفة، السادة الشركاء والمنظمين

اعتقد أننا في هذه الجلسة لا بد أن نتمتع بالجرأة والشفافية معاً، خاصة ونحن نتحدث بدعوة من مركز للدراسات. وأود البدء بما خاطب به مبعوث الروم سيدنا عمر بن الخطاب عندما رآه تحت ظل شجرة، حيث قال له: "عدلت فأمنت فنمت".

وأنا في حضرة إخواننا من القضاء، الأستاذ علي مسيمي، والأستاذ لؤي عبيدات وآخرين ، أؤكد أن أساس المُلك هو العدل.

لقد تسلمت مهامي في المؤسسة العامة للغذاء والدواء في العام 2012، وقد واجهت مع زملائي وزميلاتي العاملين في المؤسسة، وكذلك من سبقنا من المتقاعدين، ومنهم الدكتور محمد الخريشة، واجهنا العديد من التحديات خلال هذه الفترة، وكان الاستمرار من أجل مصلحة هذا البلد.

هناك أيقونتان للصناعة؛ الصناعة الدوائية، والصناعة الغذائية، فنحن لا يوجد عندنا نفط أو ما شابه ذلك من موارد، وفي ظل الظرف الإقليمي الملتهب، وهو غاية ب في التعقيد، تبدو الحاجة ملحة للاهتمام بهذين القطاعين، مع التأكيد على أن الاهتمام والدعم لا يكون بشكل فردي، وإنما هو دعم مؤسسي للقطاعات.

وبالعودة إلى 2003، عام إنشاء المؤسسة العامة للغذاء والدواء، كانت هناك رغبة لجلالة الملك الحسين رحمه الله في العامين 1993 و1994 بإنشاء هذه المؤسسة، لكن هذه الرغبة رُحّلت للعام 2003، والسبب في ذلك هو بكل صراحة تشتت الصلاحيات والمرجعيات، وعدم رغبة أي طرف بالتنازل عن صلاحياته، مع الإشارة إلى أن حالة التشتت هذه قد تُطرب بعضاً من القطاع الخاص، أي تخدم مصالحه بكل صراحة، لأن التشتت يساعد في توفير منافذ غير آمنة وغير سليمة.

جاء بعد ذلك تشكيل المؤسسة العامة للغذاء والدواء ضمن رسالة واضحة؛ فالهدف هو سلامة انسياب غذاء صحي وآمن للمواطن، والاطمئنان لجودة وفاعلية الدواء وتوفره بسعر عادل ومناسب طبقاً لرسالة المؤسسة.

وكانت هناك أسباب لإنشاء المؤسسة العامة للغذاء والدواء، منها العولمة، وهذا موضوع واسع، ويفرض على الأردن التزامات يتعيّن عليه تأديتها، إضافة إلى ظاهرة استخدام التكنولوجيا الحديثة في الصناعات الغذائية والدوائية وكذلك المواد غير العضوية.

كانت المؤسسة العامة للغذاء والدواء، هي أول مؤسسة عربية أُنشئت في الشرق الاوسط والعالم العربي، واحتذت بها كثير من الدول، وكانت السعودية هي من جاءت بعد الأردن في إنشاء مؤسسة للغذاء والدواء.

الهدف من إنشاء المؤسسة، هو الحفاظ على الأمن الغذائي والدوائي، فالأمن الغذائي موضوع معقد جداً. وكثير من الدول، ومنها الأردن تتجه للاستيراد لتأمين الأمن الغذائي والدوائي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه ليس بمقدور أي طرف، بما في ذلك الحكومة، تأمين السلع الغذائية، فهذه تجارة. والأردن يستورد بما قيمته 4.2 مليار دينار غذاء، عدا عن الإنفاق الحكومي على القمح وسواه، أمّا التصدير فتبلغ قيمته 1.2 مليار دينار لحوالي 104 دول، بينما تبلغ قيمة التصدير من الدواء ما بين 700- 800 مليون دينار ، في حين تبلغ قيمة الاستيراد من الدواء ما بين 450-500 مليون دينار، وبالتالي فوضع الدواء أفضل، حيث يميل الميزان التجاري لصالحه.

هناك تساؤل حول انخفاض سعر الدواء في تركيا ومصر مقارنة بالأردن، السبب في ذلك هو محدودية حجم السوق الأردني مقارنة بتلك الأسواق، إضافة إلى أن الشركات العالمية تقوم بتصنيع دواء جنيس يحمل المواصفات والعبوة ذاتها، لكن التركيبة الكيميائية والفاعلية قد تكون أقل من الأصلي، إضافة إلى أن الشركة الصانعة الأم تبقى تحتفظ بسر الصناعة، هذا فضلاً عن أن وجود مظلة تأمين صحي شاملة تساعد في خفض سعر الدواء، وبالتالي نحن بحاجة إلى مظلة تأمين صحي شامل بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.

في العام 2012، بدأت المؤسسة العامة للغذاء والدواء بتنفيذ حملة "حقك في غذائك" تحت شعار "شركاء في المسؤولية وليس شركاء في الأرباح". ونتيجة ورود شكاوى، بدأت حملات التفتيش، وتم ضبط مخالفات جسيمة، وكان هناك معالجات لـ 400 معاملة قبيل شهر رمضان، حيث تكون الأسواق في ذلك الوقت بحاجة للبضائع، ولكن المقترح من البضائع كان أقل جودة، وتم رفضه.

إضافة إلى ذلك، كانت المؤسسة تقوم بحوالي 230 ألف زيارة في العام، وهذا الواقع غير سليم مع وجود 1800 مصنع و82 ألف منشأة غذائية، وإلى جانب ذلك، لدينا الآن أزمة اللجوء السوري. ومما زاد الواقع تعقيداً، الانتشار العشوائي للمنشأت، كل هذه الأسباب أثرت بكل تأكيد على العمل من حيث الدقة في العمل ، فجاء الاعتماد على سياسة تحليل المخاطر وتحديد درجة الخطورة، وبدأ البحث عنها، وتم تخفيض عدد الزيارات وزيادة الاستهداف، وهذا مرتبط بعلم معقد يعتمد على الدرجات الحرجة وتحديد المخاطر وماهيتها، وكل ذلك مرتبط بالمواسم (الصيف، الشتاء).

نسبة المخالفات في المواد الغذائية المستوردة أقل من 5%، أما نسبة المخالفات في المواد الغذائية المتداولة في الأسواق فهي تتراوح بين 6-8%، وارتفعت بعد أزمة اللجوء السوري. ومع اتباع سياسات تحليل المخاطر ، أصبح هناك قطاعات ملتزمة. وخلال السنوات السبع الماضية. لا يوجد لدينا تسمّمات غذائية، حيث لا نرى حالات تسمم بأعداد كبيرة كأن نشاهد 50 أو 100 مواطن متّجهين للمستشفيات بسبب التسمم. إن أكثر القطاعات مخالفة هي القطاعات الأكثر إقبالاً عليها، كالمطاعم والمخابز ، لنجد المخالفات تزداد مثلاً في رمضان، وهذا لا يعني أن المطاعم أو المخابز أو الفنادق في الأردن سيّئة، بل هي بالمستوى المطلوب، وأفضل من دول أخرى.

الشراكة الحقيقية والأساسية هي الشراكة بين القطاع العام والخاص، ويجب أن تكون هذه الشراكة مبنية على المسؤولية والمصداقية وعدم الاستغلال من قِبل أي من الطرفين للآخر ، وأن يكون الأساس هو المصلحة العامة.

وبعد استقرار السوق، وانخفاض نسب المخالفات، بدأ العمل على تعديل التشريعات مع البرلمان السابع عشر، حيث تم تعديل قانوني الدواء والغذاء، وتعديل قانون المخدرات لحماية الشباب. هذه التعديلات القانونية لم تأتِ من فراغ بل بناء على قواعد فنية ومواصفات يتم التوافق عليها عالمياً.

وفي إطار تعديل التشريعات، تم تنظيم المخالفات والعقوبات وتشكيل لجان لهذه الغاية، ومنذ العام 2014، لم تتلقَ المؤسسة أي مراجعات من غرفتي التجارة والصناعة، نتيجة المؤسسية في اتخاذ القرار؛ فقرار المدير العام يسبقه تشكيل لجنة، والموظف المفتش لا يستطيع التحكم رغم الضابطة العدلية لديه، فاللجنة هي التي تقرر الإغلاق أو التوقيف، وهذه المؤسسية أعادت صقل العلاقة مع القطاعات. وفيما يخص العقوبات تم التشدد بها، فهي تشمل دمج الغرامة مع الحبس مع مراعاة التدرج.

في المؤسسة العامة الغذاء والدواء، هناك مديرية هامة، إضافة لمديريّتي الغذاء والدواء، هي مديرية المختبرات، وهي المرآة لعمل المؤسسة وللبضائع، فهي من يقدم الحقائق، ودول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية دعوا للاحتذاء بالتجربة الأردنية فيما يتعلق بإنشاء مؤسسة عامة للغذاء والدواء من خلال توصيات المؤتمر الأخير. ولا بد من الإشارة إلى أن المؤسسة تعتمد على ذاتها ولا تأخذ من الحكومة مخصصات، بل تقوم بتحويل الفائض للخزينة.

أما فيما يتعلق بمسألة وجود غرفة قضائية، فقد تم مناقشة ذلك مع رئيس المجلس القضائي السابق معالي الأستاذ هشام التل، وذلك نظراً لصعوبة إنشاء محكمة متخصصة مباشرة، وتم التعاون في هذا المجال مع القضاة ودائرة النائب العام، وفي الوقت ذاته لا بد من التأكيد على أهمية التوسع في إيجاد غرف قضائية متخصصة، والمؤسسة على استعداد للمساهمة في إرسال قضاة للتخصص وإشراكهم في دورات خاصة من خلال برامج مشتركة، وهناك عديد من المنظمات الدولية والمحلية على استعاد لدعم هذا التوجه لما فيه من مساعدة في حفظ حقوق المواطن والقطاع الخاص، كما أن هذا يحمي من التغوّل الذي هو من أسوأ الممارسات بغض النظر عن الجهة التي يأتي منها، والتغول لا يكون من التجار أو القطاع الخاص، بل من بعض أصحاب رأس المال المتنفذ، وهو ما يشكل خطراً على البلاد. كذلك هنالك أيضاً عمليات ابتزاز لموظفي القطاع العام، وكذلك للقطاع الخاص.

في نهاية المطاف، لا بد من التمييز بين الأمن الغذائي والغذاء الآمن، وأيضاً حلقات التخزين والنقل وغيرها.

كل عام وأنتم بخير بمناسبة اقتراب شهر رمضان المبارك، حمى الله الأردن في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 

- كلمة قدمها عطوفة الدكتور هايل عبيدات مدير عام المؤسسة العامة للغذاء والدواء، في ورشة عمل: "القضاء المتخصص في مجال الغذاء... تمكين المستثمر وحماية المستهلك"، والتي نظمها مركز القدس بتاريخ 28/4/2018.