A+ A-
مسار الاستقرار والتحول الديمقراطي في العالم العربي في السياقين الإقليمي والدولي*
2018-02-22

كتب: عريب الرنتاوي
مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية 

احتلت "ثنائية الاستقرار والإصلاح" مساحة واسعة في الجدل العام الذي شهدته المنطقة قبل اندلاع ثورات ما بات يعرف بـ "الربيع العربي" وبعدها ... وضعت معظم الحكومات والأنظمة السياسية العربية، مقولة "الاستقرار" في تقابل وتضاد مع مقولة "الإصلاح"، واخترعت "علاقة سببية" بين طرفي هذه "الثنائية"، في مسعى لا تلين له قناة، لتعطيل مسارات الإصلاح والتحول الديمقراطي.

وقد وجدت حكومة وأنظمة عربية عديدة، دعماً لمسعاها هذا، من قبل قوى اجتماعية وجماعات ضغط ومصالح، سعت وتسعى في "تأبيد" الحال القائم في العديد من بلدان المنطقة، وجرى استثمار حالة الانتعاش غير المسبوقة، للهويات الفرعية "القاتلة"، والتي نشأت بالأساس، عن فشل الدولة العربية الحديثة، دولة ما بعد الاستقلالات الوطنية، لإدامة الانسداد في مسارات الإصلاح والتحول الديمقراطي، وتسويغها وتسويقها.

وخلال سنوات طويلة من الركود الذي هيمن على بلدان عديدة في المنطقة، في ظل أنظمة فاسدة ومستبدة، جرت أوسع عمليات إعادة انتاج للموروث الثقافي، وللتقاليد الاجتماعية والثقافية البالية، إن لجهة تحريم "الخروج على ولي الأمر" وتعميم ثقافة "السمع والطاعة" وإحلال مفهوم "الرعية" و"الرعايا" بدلاً عن مفهوم المواطنين والمواطنة الفاعلة والمتساوية، أو بهدف البرهنة على أن شعوبنا ومجتمعاتنا لم تبلغ "سن الفطام" بعد، وأنها غير مؤهلة للعيش في مناخات من الحرية والتعددية والديمقراطية، وأن هذه المفاهيم، جزء لا يتجزأ من "الثقافة الغربية/الاستعمارية المستوردة"، الغريبة عن موروثنا وتقاليدنا.

ومع أن أنظمة وحكومات عربية عديدة، انخرطت في علاقات استتباع "زبائنية" مع مراكز إقليمية ودولية، مفرطةً بكثيرٍ من مظاهر السيادة والاستقلال، إلا أنها لم تتوان عن وصف الحراك الإصلاحي في بلدانها، المطالب بتعميم قيم الحرية والتعددية واعتماد قواعد الديمقراطية في التداول السلمي على السلطة، بأنه حراك مشبوه، ينتهك السيادة، ويعمل وفقاً لأجندة دولية هدفها اختراق "الأمن الوطني" والعبث بمقدرات البلاد ومستقبلها والتحكم باتجاهات تطورها.

لم تبق الحكومات والأنظمة العربية ذريعة لم تستحضرها أو تستعين بها لتأبيد حالة الركود والاستنقاع التي امتدت لأربع عشريات من السنين، فكان أن وظفت الصراع العربي – الإسرائيلي كواحدة من هذه الذرائع، امتداداً للشعار المضلل "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، والذي لم تكن له من نتيجة، سوى خسارة المعركتين معاً: معركة التحرر الوطني واسترجاع الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل، ومعركة الحرية والديمقراطية والتنمية، حيث احتلت "المجموعة العربية" أسفل قوائم التنمية البشرية بـ "جدارة وامتياز"، وفقاً للتقارير الموثوقة والموثقة، الصادرة عن الأمم المتحدة.

ووجدت الحكومات ذاتها، أو امتدادها اللاحقة، في صعود ظاهرة "الإسلام السياسي" في المنقلب الثاني من سبعينات القرن الفائت، ذريعة إضافية لتعطيل مسارات الإصلاح والتنمية البشرية المستدامة، مع أن حكومات عربية عدة، أسهمت إسهاماً في تشجيع هذه الظاهرة، ودعم حركات الإسلام السياسي، السلمية والعنيفة، في سياقات الحرب الباردة ومندرجاتها، ولاحقاً في سياق الصراع المذهبي في المنطقة، الذي يغطي صراعاً جيو-سياسياً، على المصالح والأدوار والنفوذ، تقوده دولتان كبريان في المنطقة، تستخدمان الأدوات ذاتها، وتنظران لنفسيهما على أنهما دولتي المركز السني (السعودية) والمركز الشيعي (إيران).


"الربيع العربي" ... "المهمة لم تنجز بعد"
جاءت ثورات "الربيع العربي" وانتفاضاته، لتعلن دفعة واحدة، انهيار كل الذرائع والأسانيد التي استندت إليها حكومات المنطقة وأنظمتها، في سعيها لتأبيد الفشل والاستبداد والفساد ... فجأة ومن دون مقدمات، بدا أن الشارع العربي قد دخل إلى الحلبة بوصفه لاعباً رئيساً ... بدا أن الشارع الذي قبل بالتنازل عن حقوقه السياسية والمدنية، لم يعد قادراً على احتمال عواقب الفشل الذريع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في معظم البلدان العربية ... بدا أن نظرية "الإصلاح الاقتصادي" التي تبنتها دول عديدة، وعلى نحو يكاد يكون متزامناً، وبتوجيه و"وصفات" من مراكز مالية دولية مرموقة، كانت فاقدة لبعدها الاجتماعي – الإنساني المكمل ... سقطت نظرية الإصلاح الاقتصادي أولاً، وهي نظرية حاولت استلهام "التجربة الصينية" أو تجربة بعض نمور آسيا، على نحو كاريكاتيري زائف، وهي نظرية سعى أصحابها في إخفاء الشطر الثاني من معادلتها: الإصلاح الاقتصادي أولاً وأخيراً ... سقطت "النيوليبرالية" على وقع التحركات الاحتجاجية الغاضبة التي بدأها الشاب التونسي "البوعزيزي"، وتتوالى فصولها حتى يومنا هذا، سواء في الدول التي لفحتها رياح التغيير، أو في تلك التي تصطف في قائمة الدول المرشحة لتلقي "رياح الفوضى غير البناءة" التي تعصب بالإقليم برمته.

وإذ استقبلت معظم، إن لم نقل جميع الحكومات العربية، ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، بكثير من القلق والتحسب، باعتبارها "تحدياً" وتهديدا" لحالة "الاستقرار الزائف" المنتشرة على سطح الحياة السياسية العربية، إلا أن استجابة الدول المختلفة، لهذا التحدي، جاءت مختلفة تماماً، ويمكن التمييز بين أنماط ثلاثة من الاستجابات العربية لهذا التحدي:

الأول؛ وجسدته إلى حد كبير كل من المغرب والأردن، حيث جنحت السلطات الملكية في الدولتين، إلى اعتماد تكتيك "العصا والجزرة" في التعامل مع طوفان الشارع ... تقدمت الحكومات في البلدين ببرامج إصلاحية، تستجيب لكثير من مطالب الحراكات الشعبية، في المغرب أكثر من الأردن، أقله من باب الانحناء أمام العاصمة الهوجاء، الأمر الذي ساعدها من بين عوامل أخرى، في تفادي الفوضى والاحتراب الأهلي.

الثاني؛ واعتمد الأساليب الخشنة في التعامل مع الحراك الشبابي والشعبي، وإدارة الظهر لمطالب الإصلاح والتغيير، واعتماد "نظرية المؤامرة" في تفسير ما يجري في الشوارع والمدن، تعبيراً عن قناعة بأن المشاكل التي لا تحل بالقوة الأمنية والعسكرية، يمكن أن تحل باستخدام المزيد من القوة، دونما تفكير جدي بالمعطيات الإقليمية والدولية المحيطة، وبالمناخات الجديدة التي ترتبت على قوة الجمهور وانتظامه في تظاهرات مليونية، نجحت في خلط الأورق جميعها، وقلب الطاولة على ثالوث "التمديد والتجديد والتوريث" غير المقدس... هنا يمكن أن نشير إلى ليبيا وسوريا على نحو خاص، بوصفهما البلدان اللذان دفعا أفدح الأثمان، جراء هذه المقاربة الأمنية القاصرة.

والثالث؛ وقد استل سلاحيه التقليديين لاحتواء الموقف ومنع التداعيات: قوة المال، والدعوة السلفية، وقد اعتمدت دول خليجية، بقيادة السعودية، هذا التكتيك، ليس لتحصين الوضع الداخلي ومنع شرارات الحراك الشعبي من الوصول إلى دواخلها فحسب، بل ولتسوية الحساب مع قوى التغيير والثورة في "بلدان الربيع العربي" كما باتت تعرف، إذ جرت محاولات عديدة لقطع الطريق على التغيير الجذري في هذه الدول، إن بدعم الأنظمة والحكام البائدين، أو بوقف عجلة التغيير عند حدود سطحية معينة، لا تتعدى تغيير رأس النظام (اليمن والمبادرة الخليجية)، ولاحقاً العودة إلى بعث وإسناد "الدولة العميقة" في عدد من الدول (مصر نموذجاً)، وتشجيع جماعات إسلامية متطرفة، على الدخول على خط الانتخابات والمزاحمة على السلطة الجديدة، من أجل إفراغ هذه الثورات من مضامينها، وتحويلها إلى مجرد اعمال شغب وفوضى، ولخلق القناعة، بأن ما كل ما حدث منذ مفتتح العام 2011، يراوح ما بين الفوضى و"المؤامرة".

وفي ليبيا، وبالأخص في سوريا، استخدم هاذان السلاحان بكامل طاقتيهما، لتسوية الحساب مع نظم سياسية، لطالما جرى تصنيفها بـ الراديكالية"، ولتدفيعها ثمن انحيازاتها وتحالفاتها الإقليمية غير المرغوبة، سيما بعد تنامي الدور الإيراني في المنطقة، في إعقاب فشل واشنطن في العراق، حيث ملأت إيران، حيزاً كبيراً من الفراغ الذي خلفته واشنطن وراءها.
والمتتبع لأداء هذه الدول والحكومات، السياسي والإعلامي، يلحظ تركيزها بشكل خاص، على "شيطنة" الربيع العربي، والنظر إليه بوصفه "مؤامرة خارجية" تستهدف أمن المنطقة واستقرارها، وقد انخرطت أطراف عربية، رسمية وشعبية، في لعبة هجاء الربيع العربي وشيطنته، خصوصاً بعد انتقال شراراته إلى سوريا، حتى بدا كما لو أن ملايين المواطنين، كانوا على خطأ، ولم يكن لديهم ما يبرر ثوراتهم وانتفاضاتهم، بدلالة النتائج الكارثية التي لحقت بمعظم الدول التي لفحتها رياح التغيير والانتفاضات الشعبية.

مع أن أي تدقيق في مجريات الوضع العربي، يفضي إلى الاستنتاج بأن "الثورة المضادة" على ثورات العربي وانتفاضاته، هي المسؤولة الرئيسة عن الفوضى والخراب والدمار الذي لحق بالعديد من الدول والمجتمعات، ويوفر اليمن وسوريا وليبيا، نماذج دالة على دور "الثورة المضادة " في تدمير أية فرصة لانتقال سلمي في هذه الدول، من دون أن يعني ذلك للحظة واحدة، أن الأنظمة و"الدولة العميقة" والزعيم المطلق، والحزب القائد، لا يتحملون بدورهم أقساطاً وافرة من المسؤولية عن المآلات الكارثية التي انتهت إليها دول ومجتمعات عربية عدة.

لقد أخطأ مثقفون عرب كثر، في تقدير حجم التغيير الذي حدث منذ مفتتح العام 2011، إذ ظن كثيرون منهم، أن إسقاط أنظمة حكمت لسنوات وعقود عديدة، عن عرشها، كفيل بإنجاز مهمة التغيير، وسيطرت صور وتقديرات متفائلة للغاية عن مستقبل المنطقة وخرائط طرقها للمستقبل، وقد أغفل الكثيرون منا، تقدير عمق التحولات التي أحدثتها سنوات الركود الطويلة، في بنية المجتمع والحياة المدنية والسياسية في بلداننا ... فقد أخفى الركود السياسي المفروض بقوة القبضة الأمنية، والتزاوج غير الشرعي بين السلطة والمال، عن أنظارنا، حجم التحولات الاجتماعية الجذرية الجارية في بلداننا، بعد أن تشظّت مجتمعاتنا إلى هويات فرعية متناحرة، من طائفية ومذهبية وقومية ومناطقية وعشائرية وقبلية ... وبعد أن تجوفت الحياة السياسية والحزبية وصارت هياكل جامدة لا روح فيها ولا حياة ... وبعد أن تغولت السلطة التنفيذية، على بقية السلطات في النظام السياسي العربي، فلا القضاء عاد مستقلاً، ولا البرلمان ممثلاً للإرادة الحرة للشعب، ولا الأحزاب قائمة على تجسيد التعددية السياسية والفكرية البرامجية، ولا الإعلام المملوك في غالبيته من حكومات قلائل، والمسيطر عليها بقوة السلطة والمال، قادر على القيام بدوره، أما المجتمع المدني في كثير من هذه الدول، فكان يكافح من أجل البقاء لا أكثر، بعد أن لوحق بالقوانين السالبة للحريات، وحوصر مالياً، وتمت شيطنته، بنية ودوراً ورسالة ونشطاء.

المسار الديمقراطي في السياق الدولي
لم يعد خافياً على أي من الباحثين والدارسين لتاريخ المنطقة "الجاري"، أن مسارات الانتقال الديمقراطي المعقدة أصلاٌ بفعل نتائج وتداعيات سنوات الركود والاستنقاع الطويلة، قد ازدادت تعقيداً في ظل احتدام الصراعات الإقليمية والدولية فوق المنطقة العربية وعليها، ومن يتتبع فصول وتطورات الأحداث في "دول الأزمات المفتوحة" يلحظ تنامي الأدوار الإقليمية والدولية في هذه الدول، وتآكل أدوار اللاعبين المحليين في تقرير مصائر البلاد والعباد.

دولياً، جاء انبعاث "الربيع العربي" متزامناً مع لحظة انتقال بالغة الصعوبة والتعقيد في النظام الدولي، من نظام القطب الواحد المهيمن، الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدرا برلين، إلى نظام لم ترتسم ملامحه وقواعده بعد ... فيما العلاقات الدولية تغادر النظام الدولي القديم، نظام القطب الواحد، إلى نظام يأخذ طريقه لتشكيل قواعده وعلاقات القوة بين أطرافه وأقطابه.
الولايات المتحدة، التي وقفت على رأس نظام القطب الواحد، معلنة "نهاية التاريخ" بدا أنها تشعر باحتدام المنافسة مع أقطاب دولية صاعدة، الصين وروسيا، على اختلاف أدوات وأولويات كلتا الدولتين، فضلاً عن وجود أقطاب دولية قديمة (أوروبا) وصاعدة أقل تهديداً، كالهند والبرازيل، ومجموعة "البريكس" وغيرها.
بدأت عملية "الانتقال الديمقراطي" الأكثر جدية في تاريخ هذه المنطقة (الربيع العربي)، مع انتقال مركز الثقل في التفكير الاستراتيجي الأمريكي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى "آسيا – الباسيفيك"، وظهرت أولى إرهاصات هذا الانتقال في السنوات الأولى لإدارة باراك أوباما، ونظريته "حول القيادة من الخلف" والاعتماد على الحلفاء والوكلاء في تسيير شؤون المنطقة وإدارة أزماتها المفتوحة.

على أن ذلك لم يعن لواشنطن للحظة واحدة، إنها قررت ترك المنطقة كلياً للفراغ، أو أنها ضربت صفحاً عن مصالحها الاستراتيجية فيها، ولقد جرت عملية إعادة تقدير لهذه المصالح، فالنفط لم يعد بالقيمة الاستراتيجية ذاتها التي كان عليها طيلة القرن الفائت، وكذا دوله المنتجة والمصدرة في العالم العربي، وإيران التي بدا أنها خرجت أكثر قوة حرب السنوات الثماني، وأنها أفلتت من براثن "الاحتواء المزدوج" بحصاره وعقوباته، لا بد من احتواء طموحها النووي والإقرار بدور إقليمي لها، ينطلق في الأساس من قراءة تربط الإرهاب الدولي بالإسلام السنّي تحديداً، أما إسرائيل فهي في وضع استراتيجي لا يدعو للقلق، وإن كانت التهديدات الأمنية تحيط بها شمالاً وجنوباً، إلا أنها ليست من النوع "الوجودي" الذي يستدعي تكثيف الحضور الأمريكي في المنطقة.

أدركت واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، أن بعض حلفائها العرب، ربما يكونون أشد تهديداً لها من خصومها الإقليميين التقليديين ... حملت على نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وحمّلت "الوهابية" وزر أكثر ضربة تتعرض لها منذ هزيمتها في فيتنام، مع توجيه الكثير من أصابع الاتهام، العلنية والمضمرة، للدولة الأكثر رعاية لهذه المدرسة في التفكير الإسلامي المتشدد.

في هذا السياق، جاء مشروع "نشر الديمقراطية" في العالم العربي، وخصصت لذلك موازنات ضخمة، وتجندت لهذه الغايات منظمات سياسية أمريكية وغربية نافذة، قبل أن تدرك إدارة أوباما أن التغيير سيأتي بالإسلاميين للحكم، وتحديداً من المدرسة الأكثر خبرة وتنظيماً: "الإخوان المسلمين"، فرفعت القيود عن الحوار معهم والاتصال بهم، سعياً لاستطلاع مواقفهم العميقة، من مسألتين اثنتين: الأولى وتتعلق بإسرائيل والسلام معها، بما يحفظ الاتفاقات المسبقة ويبقي على التزامات الأنظمة التي أبرمتها، والثاني؛ ويتعلق بنظرية السوق، واستمرار العمل بها، وبصورة تكفل عدم العودة إلى عصر التأميمات الكبرى، والدور القائد للقطاع العام، وكان للولايات المتحدة، ما أرادت في حواراتها مع إسلاميي المنطقة، رسمياً أو عبر قنوات برلمانية وبحثية مختلفة.
لكن هذا المسار الذي سلكته واشنطن وحلفائها الدوليين، سيصطدم بتطورات "خارجة عن السيطرة"، انتهت إليها الأزمات المفتوحة في المنطقة، فحرب السنوات السبع في سوريا وعليها، أطلقت تهديد اللجوء الذي اجتاح أوروبا، وأنعش يمينها "الشعبوي" المتطرف، وسرّع في تحفيز مسار "البريكست"، وأضعف لحمة الاتحاد الذي بدا أنه عصيٌ على التفكك والتفكيكونهض كشاهدٍ على نجاح "العقلانية" و"الحكمة" في تنظيم السوق وضبط المنافسة، وصياغة المشتركات وخلق الانسجام بين التطلعات المتنافسة لدوله الثمانية والعشرين.

على أن التطورات الأهم، التي كسرت رتابة السياسة الأمريكية في المنطقة، وأحدثت تغييراً في مقاربة الولايات المتحدة الاستراتيجية، إنما جاءت من "سوراقيا"، وأهمها على الإطلاق: (1) نجاح "داعش" في بناء دولته ومؤسساته على مساحات واسعة من سوريا والعراق، مهدداً خرائط "سايكس بيكو"، ومجرفاً للحدود الدولية التي استقرت لمائة عام تقريباً، ومحطماً قواعد "وستفاليا" في العلاقات الدولية ... (2) نجاح إيران في بسط نفوذ لا منازع له، يمتد من قزوين إلى الضفاف الشرقية للبحر المتوسط، متجاوزة بدورها خطوط سايكس بيكو وقواعد وستفاليا ذاتها، وإن بأدوات مختلفة وأساليب مغايرة ... (3) دخول روسيا على خط الأزمات المشتعلة في المنطقة، وعودة "الروح الإمبراطورية" إلى السياسة الأمنية والدفاعية والخارجية الروسية، بدءاً من سوريا، حيث بات الاتحاد الروسي، دولة جارة للعديد من دول من المنطقة، وصارت لاعباً لا يمكن تجاوزه عند التفكير بمصائر هذه الأزمات والحلول المقترحة لها، وإن كانت وحدها أعجز من أن تقرر شكل الحل النهائي لها وصورته.
ستلعب هذه التطورات دوراً رئيساً في "تصعيد" موجة اليمين الشعوبي المحافظ في الولايات المتحدة، وسترتب مجيء إدارة أمريكية جديدة، ستضع روسيا والصين في قائمة "أعداء الولايات المتحدة"، وستجعل من هدف مجابهة التحدي الروسي (والصيني استتباعاً) هدفاً رئيساً لسياساتها الأمنية والدفاعية (بما فيها الاستراتيجية النووية الجديدة للبنتاغون) والاقتصادية والتجارية، وستنفرد كل من إيران وكوريا الشمالية بقائمة "الدولة المارقة"، اما قائمة "القوى اللادولاتية الشريرة"، فتشمل مروحة واسعة من الفصائل والمنظمات والأحزاب، تشتمل على حزب الله وجميع الفصائل الفلسطينية، بمن فيها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، فضلاً قوى "الحشد الشعبي"، شبه الرسمية، في العراق، والتي قاتلت واشنطن إلى جانبها ومن ورائها في معركة تحرير العراق من قبضة "داعش".

وستعود منطقة الشرق الأوسط على اتساعها، وعلى الرغم من انتقال الأولويات الأمريكية إلى آسيا -الباسيفيك، إلى دورها زمن الحرب الباردة، بوصفها ساحة تصفية حسابات دولية بين القوتين العظميين، وإن كانت سوريا هي الساحة الأبرز لعراك القوى الدولية، إلا أن خريطة المحاور والتحالفات المتحركة في الإقليم، ترشح كل بلدانه وبحاره، لأن تصبح ساحات مفتوحة للتنافس وحروب الوكالة بين هذه القطبين، في غياب شبه كامل، لأوروبا والصين عن القيام بدور وازن فيها، الأولى، لانقساماتها الداخلية وانشغالاتها الراهنة بتهديد الإرهاب واللجوء و"البريكست"، والثانية لاختيارها القوة الاقتصادية – التجارية الناعمة، لمد نفوذها وزيادة تأثيرها على مجريات الإقليم على اتساعه... وإذا كانت أوروبا قد اختارت دور "الدوبلير" المكمل والمساعد للدور الأمريكي، فإن الصين اختارت على العموم، أن تستظل بظلال الموقف الروسي، في مجلس الأمن، كما في مختلف ساحات المواجهة وميادينها، من دون أن تعني هذه الأدوار الثانوية، تطابقاً في المصالح، واستتباعاً المواقف، الأمريكية – الأوروبية، او تماثلاً في الحسابات الروسية – الصينية.

صراع الأقطاب في العالم، مرشح لولوج، إن لم يكن ولج فعلاً، مرحلة أشد تعقيداً وضراوة من فصول الحرب الباردة، والعالم يبدو مقبلاً عن موجة جديدة من "سباق التسلح الاستراتيجي"، فيما "العقيدة النووية" لدوله عرضة للتغير، لتخليص هذا السلاح من القيود التي فرضتها طبيعته التدميرية على استخدامه، وثمة عودة منهجية منظمة لاستخدام أدوات الإعلام والدعاية وملف حقوق الانسان، كأداة لإضعاف الموقفين الروسي والصيني، حيث يجري التركيز الآن، على هذه "الأدوات الناعمة" التي كانت فاعلة في انهيار الاتحاد السوفياتي القديم، وقد تكون كذلك في دفع الاتحاد الروسي لخسارة سباق التسلح و"المباراة الاقتصادية و"انهيار نموذج الحكم الخاص"، وكذا الأمر بالنسبة للصين.

ويتعين أن يحذر العرب واللاعبون الإقليميون، من المخاطر المترتبة على المبالغة في تقدير قدرة روسيا على المنافسة وكسب السباق، فالقيود التي أفقدت الاتحاد السوفياتي السابق الفرصة للانتصار، ما زالت تكبل روسيا برغم سنوات الصعود والنمو، والموقع التي تموضع فيه روسيا نفسها اليوم، هو غير ذاك الذي كانت فيه في سنيّ الحرب الباردة، ومحركات السياسة الخارجية الروسية ودوافعها، لم تعد هي ذاتها، وأي خطأ في تقدير الموقف والموقع الروسيين قد يفضي إلى نتائج لا يحمد عقباها، سواء في سوريا أو على ساحة الفلسطيني – الإسرائيلي، أو على امتداد الإقليم.

وسينجم عن تفاقم التهديدات المنبعثة من الإقليم بحروبه الداخلية وصراعات الآخرين عليه، تراجع مكانة "المسار الديمقراطي" موضوع هذه الجلسة من مؤتمركم الكريم، في حسابات الدول الكبرى، فالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات، لم تعد قضايا حقوق الانسان والتحول الديمقراطي، مادة مدرجة على جدول أعمال العلاقات الدولية، كما أنها لم تعد "متطلباً مسبقاً"، لتطوير علاقات بروكسيل وواشنطن بدول جنوب وشرق المتوسط، وحل الأمن والاستقرار والتعاون في الحرب على الإرهاب، محل هذه القيم النبيلة والقواعد السامية في القانون والعلاقات الدوليين، الأمر الذي وضع ويضع، قوى الإصلاح والتغيير في العالم العربي، في مأزق شبيه بما كانت عليه قبل ثورات الربيع، وربما أكثر تعقيداً، وتركها وحيدة تصارع من أجل حفظ زخم وروح ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، ولكن بصعوبة فائقة ونجاحات قليلة.

ولتكون النتيجة المرة لهذه التطورات، أن الغرب الذي استخلص منذ عقدين تقريباً على أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، قاعدة أن "الإصلاح شرط الاستقرار" ومتطلبه الضروري والمسبق، عاد للأخذ بالمفهوم الشائع في المنطقة حول "ثنائية الاستقرار والإصلاح"، وأولوية الاستقرار على الإصلاح، بل والنظر في معظم الأحيان، إلى "الإصلاح" بوصفه مقدمة للفوضى المفضية للهجرة والإرهاب والتطرف، أي لكأننا بالتاريخ يعيد انتاج نفسه ثانية، إلى مفاهيم المنقلب الثاني للقرن المنصرم، ولكن على صورة مأساة متمادية هذه المرة.

أما روسيا والصين، وعلى اختلاف أوزان الدولتين وتأثيراتهما في المنطقة، إلا أنهما كلتيهما، لم تنظرا يوماً للإصلاح بوصفه متطلباً لتطوير علاقات كل منهما بدول المنطقة وحكوماتها، فهاتان الدولتان، نفسيهما، تعانيان "عواراً" حقوقياً وديمقراطياً، ولم تتورعا يوماً عن إقامة أوثق العلاقات مع حكومات ديكتاتوري وفاسدة، بل أنهما تفضلان التعامل مع نظم "الزعيم الأوحد" الممسك بزمام السلطة والقرار (والثروة غالباً)، فهما لم تتعودا العمل والتعامل مع نظم سياسية تتوزع فيها السلطة أفقياً وعامودياً، وتتقاسمها مراكز وهيئات ومؤسسات وسلطات، ليست الدولة سوى لاعب فيها، من ضمن لاعبين آخرين.
الصراع الدولي في هذا الإقليم وعليه، مرشح للتفاقم مع تفاقم الميول الإمبراطورية لدى روسيا ورغبة الصين في توسيع مجالها الحيوي اقتصادياً وتجارياً (واستتباعاً السياسي والأمني)، وعودة التيار اليميني المحافظ للبيت الأبيض في واشنطن بخطاب يعيد انتاج مفردات الحرب الباردة وأدواتها، وهو صراع لا يقتصر على دول الأزمات المفتوحة والنازفة، بل يمتد إلى مختلف بلدان المنطقة وبحارها ومضائقها وممراتها الحيوية، ويتخذ أشكالاً متفاوتة ويعتمد اللاعبون فيه أدوات مختلفة، وهو صراع لا يتهدد "مسارات المنطقة إلى الحرية والديمقراطية"، بل ويتهدد أمنها واستقرارها ومواردها وثرواتها كذلك.

"الإمبرياليات الوسيطة" ونظرية "ملء الفراغ"
يعيد الرائج من الأدبيات السياسية في المنطقة، "الفراغ الاستراتيجي" للولايات المتحدة، إلى إدارة الرئيس باراك أوباما، مع أن هذه "الفراغ" بدأ قبل ذلك بعدة أعوام، في الولاية الثانية للرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، ففي ظل إدارته، بدأ التفكير الأمريكي يتجه إلى آسيا – الباسيفيك، وتبلورت نظريات تقترح إعادة النظر في دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وإعادة تعريف وظائف "الناتو" ودور الولايات المتحدة وحصتها في مشروع حفظ أمن أوروبا وحوض المتوسط، وقد تزامن ذلك كله، مع تنامي وزن المصادر البديلة للطاقة، وبروز المؤشرات الأولى على تآكل مكانة الهيدروكربون كمصدر لرئيس للطاقة في العالم.

وفي ولاية جورج بوش الثانية، سيتم التوقيع على المعاهدة الأمنية بين العراق (نوري المالكي) والإدارة الأمريكية، تم بموجبها تحديد سقف لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، بدءاً من المدن والقصبات، وينتهي في اليوم الأخير من العام 2011 بخروج آخر جندي أمريكي من العراق، وهو اتفاق ما كان له أن يتحقق لولا الزيادة المتسارعة في أعداد الجنود الأمريكي القتلى والجرحى في العراق، وتحول القوات الأمريكية، إلى هدف مباشر لما كان يعرف بـ"المقاومة العراقية" وهو تعبير فضفاض، أخفى وراءه خليطاً غير متجانساً من القوى، بعضها قومية ووطنية عراقية، وبعضها سلفية جهادية تتبع القاعدة وتدور في فلكها، وبعضها الآخر، كان مدعوماً من محور طهران – دمشق، الذي رأى في احتلال العراق، وبقاء القوات الأمريكية فيه على المدى البعيد، تهديداً لوجوده ومصالحه.

لقد أرادت الإدارة الجمهورية بزعامة جورج بوش، ولفيف المحافظين الجدد الذين شغلوا المناصب الرئيس فيها، من احتلال العراق، بأي ثمن وتحت أية ذريعة، أن يكون "رافعة" التغيير المرغوب في المنطقة، فالوجود الأمريكي في العراق، سيؤمن للولايات المتحدة وضع اليد بالكامل وحتى إشعار آخر، على ثروات المنطقة المتراكمة في بطن الأرض وصناديق الادخار والاستثمار، وباحتلاله سيتم تأمين إسرائيل استراتيجياً وإزالة إحدى أهم التهديدات لأمنها: الجيش العراقي، ومن على حدوده الشرقية، من يمكن كبح طموحات إيران العسكرية والإقليمية سواء بسواء، ومن على حدوده الشمالية، يمكن التأكد من "حسن سير وسلوك" الحليف القوي في "الناتو"، الذي دانت له السلطة في أنقرة، ولأول مرة منذ تسعة عقود، تحت راية إسلامية "معتدلة"، يمكن أن تكون مدخلاً للتحكم بديناميكيات "الإسلام السياسي" الذي بدأ يتحول إلى لاعب رئيس في معظم، إن لم نقل جميع دول المنطقة ومجتمعاتها.

لكن العراق، الذي أريد له أن يكون بوابة التغيير الكبير في "الشرق الأوسط الكبير"، وأهم رافعة لواشنطن، لتكريس نظام القطب الواحد، وإبقائه متزعماً العلاقات الدولية، هو ذاته العراق، الذي سيتحول بعد سنوات خمس فقط من الاحتلال المباشر، إلى سبب في تآكل الهيمنة الأمريكية على المنطقة وإضعاف قبضة واشنطن عليها، والمدخل لأدوار متنامية للاعبين إقليميين، لم تحسب لهم واشنطن الحساب الكافي.

كانت السنوات الخمس الأولى لاحتلال العراق، هي السنوات الذهبية التي لإيران منذ انتصار ثورتها الإسلامية في العام 1979، فالعراق الذي كان زمن البعث والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بمثابة السد الذي يكبح جماح طهران وتطلعاتها "الإمبراطورية" الممتدة حتى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، تحول خلال هذه السنوات الخمس، إلى جسر للعبور والتمدد الإيرانيين، وخلال هذه السنوات، ستتعزز علاقات طهران بدمشق، على إيقاع المخاوف المشتركة من مرحلة "ما بعد صدام حسين"، وسيشهد لبنان جملة من التطورات التي ستعزز نفوذ إيران فيه، من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى حرب تموز 2006 التي رفعت أسهم حزب الله جماهيرياً وعلى المستوى إلى مستويات غير مسبوقة، وانتهاء بالسابع من أيار 2007 وما بعده.

وخلال هذه الفترة أيضاً، ستشهد فلسطين ثاني انتخابات تشريعية منذ قيام السلطة الوطنية فيها في العام 1994، وستسجل حماس، حليفة إيران الموثوقة في ذلك الوقت، والتي اتخذت من دمشق مقراً مريحاً لقيادتها، فوزاً استثنائياً، وستشكل أول حكومة لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة 2006، قبل أن يحدث الانقلاب الحسم بعد عام واحد، وتنفرد الحركة في حكم قطاع غزة حتى يومنا هذا اليوم.

وستثير هذه التطورات المتسارعة في مكانة إيران وحلفائها، مخاوف كبيرة في أوساط دول وحكومات ما يعرف بـ "محور الاعتدال العربي"، وستصدر المواقف والتصريحات المحذرة من "هلال شيعي" آخذ في التشكل، وليبدأ منذ ذلك التاريخ على نطاق واسع، صراع ضارٍ بين محورين، في جوهره صراعٌ حول الجيوبوليتكس والمصالح والأدوار والزعامة، وفي مظهره، سيتخذ هذا الصراع طابعاً مذهبياً عابراً للدول والمجتمعات، وستعتمد الأطراف المنخرطة فيه، على الأدوات ذاتها: المال والمذهب، وستقود دولتا "المركز المذهبي" هذا الصراع مجبرة أطراف أخرى، دولاً وحركات "لا دولاتية"، على الانخراط في صفوف كل منهما ... هنا تتحدد حدود المحور وخرائط، بخرائط الانتشار الشيعي و"حلف الأقليات"، وهناك تصبح "السلفية" بطبعاتها المختلفة، بما فيها أكثرها عنفاً ودموية، أداة مشروعة، لتسوية الحساب مع المحور الآخر.... وسوف يأتي الربيع العربي محمّلا بالفرص والتحديات لهذين المحورين، إذ في الوقت الذي احتفى محور طهران – دمشق بسقوط نظام مبارك وبن علي في مصر وتونس ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، لم تمهله التطورات المتلاحقة في عام الربيع العربي الأول، لكي يُتمّ احتفالاته، ويسجل نصراً مجانياً مبيناً على المحور الآخر، إذ هبت الريح العاتية في عقر داره، و"واسطة عقده"، في سوريا، التي دخلت أتون السنوات السبع العجاف، ولم تخرج منه حتى، ومن الصعب التكهن كيف ستخرج منه ومتى وبأية صورة وشاكلة.

في هذه الأثناء، كانت الجارة الإقليمية الشمالية للأمة العربية، تلج عتبات مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، بدت واعدة ومطمئنة، لا لحركات الإسلام السياسي العربية فحسب، بل وللتيارات اليسارية والقومية والعلمانية العربية بالقدر ذاته، فلم يكن منسوب الخطاب الديني – المذهبي قد ارتفع وطغى على خطاب حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، وتميزت السياسة الخارجية التركية في العقد الأول لحكم أردوغان والحزب ومنظره أحمد داود أوغلو، تميزت باعتماد "القوة الناعمة" وسياسة "صفر مشاكل" في علاقاتها مع "عمقها الاستراتيجي"، بخلاف الجارة الإقليمية الشرقية، التي اعتمدت "أدوات خشنة" وفضلت التعامل المباشر مع قوى "لا دولاتية" على منطق التعامل مع الدول وما يمليه من قواعد وأعراف ... وفي الوقت الذي كانت فيه إيران، ترفل في قيود العزلة والحصار والعقوبات الدولية وبرامج التسلح المكلفة، كانت تركيا تشهد أكبر وأهم طفرة اقتصادية في تاريخها الحديث ... وبدا أن الأنظار أخذت تتجه للحليف التركي على حساب الجار الإيراني... بدا أن تركيا نجحت في السباق على عقول وقلوب كثير من العرب، بخلاف إيران التي ظلت العلاقة بينها وبين الغالبية العربية، محكومة بقوة الأمر وسلطة الجغرافيا والتاريخ المشترك، ومحمّلة بالكثير من المخاوف والهواجس.

لم يرق هذا الحال بعض دول الاعتدال العربي، التي وإن رحبت بصعود الدور الإقليمي لتركيا كـ "معادل موضوعي" لدور إيران وثقلها، ألا أنها باتت تخشى خطاب "المزاوجة" بين الإسلام والعلمانية، الإسلام والديمقراطية، وتنظر لتزايد الاهتمام العربي، وبالأخص "الإخواني"، بتركيا، بوصفه تهديداً كامناً، قد ينفجر في وجه زعاماتها في قادمات الأيام، وهو "التهديد" الذي ستُظَهّره ثورات الربيع العربي وانتفاضاته مع بدء العقد الثاني لحكم حزب العدالة والتنمية في تركيا.

وسيوفّر "الربيع العربي" ساحات جديدة لصراع المحاور في المنطقة، سيكتشف "إسلاميو تركيا" أن نجاحات الإخوان المسلمين في الوصول إلى سدة الحكم في مصر وتونس وغزة والمغرب، وتنامي ثقلهم في الأردن واليمن والخليج وسوريا، سيمكن انقرة من استعادة أحلامها الإمبراطورية، وسيضعها لأول مرة، في مكانة الدولة الرائدة والقائدة في العالمين العربي والإسلامي على حد سواء، وسيفضي ذلك كله إلى انتقال انقرة من الاعتماد على "القوة الناعمة" وحدها في مد نفوذها وتأثيرها، إلى الاستخدام المفرط للقوة الخشنة، والوجود العسكري المباشر، في العراق وبالأخص في سوريا، وستدخل انقرة، في صراع لم ينته حتى يومنا، مع الدول التي انقلبت على جماعة الإخوان المسلمين، وناصبتها العداء ووصفتها "جماعة إرهابية" وستكون لثورة يونيو 2013 في مصر، والتغيير الذي قادته المؤسسة العسكرية، نقطة افتراق بين تركيا ومحور عربي وازن، ولم تجد أنقرة سوى دولة خليجية صغيرة واحدة، تتحالف معها، فضلاً بالطبع عن جماعة الإخوان في عموم المنطقة العربية.

ومثلما كان "التغيير" في العراق عام 2003، ورفض تركيا تقديم أية تسهيلات للقوات الأمريكية وقوات التحالف الغازية لهذا البلد، سبباً في تدعيم مكانة تركيا في العالم العربي، مثلما جاءت الأزمة في سوريا لتكون سبباً في انقلاب المشهد وتغيير المعادلات، فتركيا التي فتحت حدودها "للجهاديين" من كل حدب وصوب، وتركيا التي فتحت مستودعات جيشها ومعسكراته لتدريب شتى أنواع المليشيات على اختلاف مرجعياتها ومشاربها، تركيا التي لم تجد حرجاً في توظيف داعش والنصرة، ضد النظام السوري، تركيا التي ما زالت تتخذ مواقف مناهضة للنظام المصري، وبصورة لا هوادة فيها، تتحول من قضية إجماع وموضع إعجاب في العالم العربي، إلى مصدر خلاف وانقسام بين نخبه وتيارات السياسية والفكرية والاجتماعية.

لم يُغرِ الفشل الأمريكي في العراق، إيران وحدها لمد نفوذها الإقليمي في المنطقة، بل أغرى تركيا كذلك، وهي عملت مثل إيران، وإن بنجاحات أقل، لأسباب موضوعية ليس هنا مجال بحثها، لملء حيز من الفراغ الأمريكي في هذا البلد، عبر تعزيز علاقاتها مع إقليم كردستان وقيادته المتنفذة ممثلة بمسعود البرزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني، وأنشأت علاقات تحالفية وثيقة مع فصائل وأحزاب عراقية سنيّة، وعملت على تمويلها وتسليحها وتدريب ميليشيات تابعة لها، لم تكن كافية لتأمين مصالح تركيا في العراق، فبادرت إلى نشر وحدات من قواتها في مناطق شمال غرب الغرب
ومثلما رحبت إيران بثورات "الربيع العربي" في بداياتها الأولى، ورأت فيها امتداداً لـ "الربيع الإيراني" الذي انتهى بسقوط نظام الشاه، رحبت تركيا بهذه الثورات، خصوصاً بعد أن تأكد أن حلفاءها من "الإخوان المسلمين" هم الأوفر حظاً في قطف ثمارها، وبدا أن المنطقة برمتها، قد تحولت إلى ساحة تنافس بين اللاعبين الإقليميين، وأن فراغ "الامبريالية الأمريكية" النسبي، الذي لم تستطع أية "امبريالية دولية" من ملئه، مرشح لأن يملأ من قبل "إمبرياليات وسيطة"، لها تطلعات إمبراطورية ضاربة في جذور تاريخها وبنيتها الثقافية والفكرية وحسابات مصالحه.

على مسار آخر، كانت إسرائيل، القوة الإقليمية الثالثة، ترقب بحذر واهتمام بالغين، تطورات المشهد الإقليمي برمته ... بدا أن إسرائيل تعيش مرحلة استراتيجية مواتية تماماً، فهي تخلصت من التحدي الماثل بوجود ثلاثة جيوش عربية قوية: الأول، بخروجه من الحرب ابتداء بموجب اتفاقات كامب ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ولاحقاً بالانشغال في الصراعات الداخلية وأعباء السلطة والحرب على الإرهاب، والثاني باحتلال أمريكا للعراق وحل جيشه و"تسريحه" بصورة محملة بالنوايا الخبيئة والخبيثة، والثالث، عندما غرقت سوريا وأغرقت في أتون حربها الأهلية وحروب الآخرين عليها.

إسرائيل استقبلت ثورات "الربيع العربي" بكثير من القلق والتحسب، فهي اعتادت إتمام الصفقات والتسويات، المعلنة والمضمرة، الرسمية و"تفاهمات الجنتلمان"، مع أنظمة حكم فردية ومستبدة، ولكنها لم تعتد التعامل مع حكومات ديمقراطية عربية ممثلة، أوسع وأعمق تمثيل لشعوبها، وهي تدرك تمام الإدراك، أنه في ظروف أخرى، وحين تصبح الحكومات منتخبة من شعوبها، فإنها لن تحصل أبداً على أية "ميزة تفضيلية" من أحد، بل أنها قد تواجه جدراناً من الصدّ والرفض، حتى لا نقول المقاومة والممانعة... وربما لهذا السبب بالذات، بدت إسرائيل أكثر ارتياحاً لاستطالة الأزمة السورية وتطاولها، ولتمدد داعش في العراق وسوريا، واستمرار انحباس مسار التحول الديمقراطي في مصر، وغرق السعودية في مستنقع اليمن، وتفشي الأزمة الليبية وتحولها إلى مصدر تهديد لكل من مصر وتونس والجزائر ... إسرائيل في حالة استرخاء استراتيجي، وإن كانت في أعلى درجات الجاهزية لمواجهة التهديد الأمني، لكنها لن تعلن "نصراً استراتيجياً" إلا بعد أن تتخلص من فائض القوة الإيرانية، وتجد السبيل لتقليم أظافر طهران الإقليمية وتقليع مخالبها النووية والصاروخية.

وإذا كانت إسرائيل بحكم جدار العداء المنيع، الذي ما زال يفصلها عن المجتمعات العربية، لم تسجل دوراً مباشراً في العديد من أزمات المنطقة وتطوراتها، إلا أنها كانت حاضرة بقوة، في الترتيبات النهائية لهذه الأزمات، وعبر "الراعي" و"الوسيط" الأمريكي ... بيد أن "عمق مصالحها" في سوريا، وكثافة "خطوطها الحمراء" دفعاها للخروج من "دائرة الظل" أو "حروب الوكالة" وما تستبطنه من عمليات دعم وتسليح وتمويل وتسهيلات لوجستية واستخبارية، إلى التدخل المباشر والمكشوف في الحرب الدائرة في سوريا، عبر الغارات الجوية المتكررة والضربات الصاروخية المباشرة، سعياً منها لتحقيق أهداف ثلاثة: (1) إطالة أمد الأزمة السورية في سوريا طالما أن القاتل والقتيل في معاركها، مدرجون جميعاً على قائمة أعداء إسرائيل، وتحويلها إلى حرب استنزاف لكل هذه أطرافها ... (2) منع إيران من الاحتفاظ بوجود وزان في سوريا، وقطع طريقها البري إلى دمشق وجنوب لبنان ... (3) تجريد حزب الله من أية فرصة للحصول على سلاح كاسر للتوازن مع إسرائيل، وهذا ما فعلته وتفعله إسرائيل في سوريا حتى اليوم، وهو سلوك انتقل من ظلال العمل الاستخباري خلف الكواليس وعبر التحالفات المحلية والدولية، إلى بؤرة دائرة الضوء، المتمثل في العدوان المباشر، المعلن والصريح.

وفي مسار آخر، بعيد عن ساحات المواجهة الساخنة وحروب الوكالة بين الأقطاب الدوليين والإقليميين، شهدت السنوات العشر الفائتة، صعود أثيوبيا، كلاعب متزايد الأهمية، وكجار إقليمي "إشكالي" للامة العربية، يتحكم بمصادر المياه لأكثر من مائة وأربعين مليون عربي، وهو جار ذو خلفية امبراطورية كذلك، ولديه دائماً حسابات التوسع والحصول على منافذ بحرية ... اثيوبيا، وفي غفلة من مصر، الغارقة في مشكلات ما قبل وما بعد "الربيع العربي"، تنجح في إملاء شروط قاسية على مصر، مستفيدة من التدهور المزمن في العلاقات بين القاهرة والخرطوم، ومن تحالفات مع أطراف عربية وإقليمية وازنة كتركيا، ترتبط بعلاقات مضطربة مع القاهرة، ونجحت في نسج علاقات وطيدة مع إسرائيل، في السياق ذاته، وهي توظف اليوم تطلع تركيا للقيام بدور أفريقي وازن، وفي العودة للبحر الأحمر بمضائقه وممراته المائية الاستراتيجية، ومن التنافس التركي – الإيراني – الإسرائيلي على هذه المنطقة، ومن السباق الصيني – الأمريكي على أسواقها ومجالاتها الأمنية والدفاعية، من أجل أن تعزز حضورها ونفوذها، وهي تسجل تقدماً على هذا الصعيد، وقد تصبح في السنوات العشر القادمة، لاعباً يحسب له ألف حساب، عن ظل حال المنطقة على هذا المنطقة، في غياب مشروع نهضوي عربي، وتوزع العديد من دول المنطقة العربية في علاقات استتباع مع المراكز الدولية والإقليمية النافذة.

أين من هنا؟ ... خريطة المواقف والتحالفات
كان العراق ساحة الاختبار الأولى لنظام القطب الواحد، إذ تزامنت حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، مع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، على أن العراق سيعود من جديد، وبعد الفشل الأمريكي الذي أعقب احتلال بغداد وسقوط نظام الرئيس صدام حسين، ليكون بوابة ومدخلاً لبزوغ ملامح نظام عالمي جديد، لم تكتمل صورته بعد، ولم تترسخ قواعده، على أن الأزمة السورية المستعرة منذ سنوات سبع، وبتورط مباشر لجيوش خمسة قوى عالمية وإقليمية (الولايات المتحدة، روسيا، تركيا، إيران وإسرائيل)، سوف تسهم في إنضاج عناصر هذا النظام الجديد وملامحه.

والمنطقة العربية، التي قضت العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، في حالة انتقال دامية، تميزت باحتدام الصراعات الإقليمية والدولية فيها وعليها، وتفشي انقساماتها وصراعتها الداخلية، وتنامي "هوياتها الثانوية القاتلة"، وتعاظم أدوار اللاعبين "اللادولاتيين" في مجتمعاتها، وانضمام أعداد متزايدة من دولها إلى قائمة "الدول الفاشلة"، أو تلك التي تقف على "حافة الفشل"، دول هذه المنطقة، ستدخل العشرية، وقد تتمها، فيما حالة الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار، ستبقى مهيمنة عليها.

أخفقت هذه الدول في اللحاق بموجات الديمقراطية المتعاقبة التي اجتاحت العالم، وظلت في أسفل قوائم التنمية البشرية، ولم تنجح ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، في توفير الحرية والعيش الكريم لشعوبها... وباستثناء نجاحات نسبية هنا وهناك، يمكن القول، أن قطار الربيع العربي لم يبلغ محطته النهائية بعد، وأن المجتمعات العربية ستكون على موعد مع ثورات وانتفاضات جديدة، بدأت إرهاصاتها تطل برأسها في الحركات الاحتجاجية وانتفاضات الخبز في كل من المغرب وتونس والأردن والسودان، وفي الحركات المدنية التي ترفع راية الاحتجاج على هيمنة أنظمة المحاصصة الطائفية وأحزاب المذاهب والطوائف في كل من العراق ولبنان.

"دول الأزمات المفتوحة"
ليست هناك أزمة واحدة في "دول الأزمات المفتوحة" منذ سنين مرشحة لحلول جذرية ونهائية، فيما المجتمع الدولي والقوى النافذة فيه، تعمل على إجراء ترتيبات مؤقتة وهدنات وتسويات محدودة في الزمان والمكان ... سوريا باتت ملعبا لتقاسم النفوذ، بعد أن بدت كلفة التقسيم عالية، مع أن شروط هذا التقاسم، لم تنضج بعد، والمواجهة الأعنف والأوسع والأشد في هذا البلد، ما زالت بانتظاره، وسيمضي وقت طويل قبل أن تنضج شروط الحل الدولي – الإقليمي لسوريا، وقد يحدث ما ليس في الحسبان من تطورات وتداعيات، تعيد ترسيم خرائط المواقف والمواقع والتحالفات، وربما تعيد رسم خرائط الجغرافيا السورية كذلك، وليس شكل الحكم وطبيعة النظام السياسي الجديد لسوريا فحسب.

والعراق الذي أعلن تطهير الجغرافيا العراقية من "إرث داعش"، ما زال يواجه الأسباب ذاتها، التي جعلت نشوء داعش وانتشاره، أمراً ممكناً ... فالعملية السياسية والنظام السياسي غير المتوازنين الذين عاش العراق في ظلالهما منذ عام 2003، ما زالا يوفران مصدراً لا ينضب لإحساس فئة من العراقيين العرب (السنة) بالمظلومية، والعلاقة العربية – الكردية لم تكن على هذا المستوى من التدهور وانعدام الثقة منذ "معارك الأنفال" وعمليات التطهير العرقي الذي شهدها شمال العراق قبل عقود من السنين، وفشل الدولة العراقية الحديثة، في تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين، وتفشي الفساد وكلفة إعادة الإعمار، تجعل البلد مثقلاً بأجندة ينوء بحملها، وربما سيحتاج لسنوات وعقود للخروج إلى فضاءات جديدة
ويزيد الأمر تعقيداً، احتدام الصراع الدولي – الإقليمي في العراق وعليه ... واشنطن، ومن ورائها حلف شمال الأطلسي، تسعى للاحتفاظ بوجود دائم في العراق، يستكمل ما تعمل على إنشائه من قواعد شرق الفرات وجنوب البادية السورية، فيما إيران تنظر لهذا السلوك الأمريكي – الأطلسي، بوصفه سلوكاً موجهاً ضدها بصورة مباشرة، وترى موسكو في المقابل، أن نية واشنطن الاحتفاظ بوجود دائم في سوريا، وخلق "ما يشبه الدولة الكردية" داخل الدولة السورية، هو الغطاء لهذه السياسة، إنما تضمر موقفاً عدائياً لروسيا، في لحظة احتدام الصراع والتنافس بين الدولتين على الساحة الدولية، وفي لحظة انطلاق سباق تسلح نووي جديد، وعودة الحرب الباردة إلى أسوأ مراحلها بين البلدين.

أما اليمن، فتقول التقارير الدولية، أنه يتجه للتحلل والتفكك إلى عدة دويلات محتربة، لا يقوى أي منها على صنع السلام أو كسب الحرب، في ظل تزايد النزعات المحلية والجهوية للانفصال، ومن كان يظن أن تفكك اليمن سيفضي إلى نشؤ دولتين في شماله وجنوبه، يبدو مرغماً اليوم على مراجعة تقديرات وتكهناته، فأبواب اليمن مفتوحة على نصف دزينة من الإمارات والولايات و"الإمامات"، وربما يتفاقم الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك ... فيما الكارثة الإنسانية للحرب، تتهدد جيل بأكمله بالمرض والجوع وسوء التغذية والإعاقة المزمنة ... ولا يبدو في أفق الأزمة اليمنية، أن ثمة ضوء في نهاية النفق، أقله في المدى المرئي والمنظور.

وليبيا تتحول إلى مصدر تهديد وعدم استقرار دائمين، لكل ما يحيط بها من دول وكيانات، أهمها مصر، التي باتت ليبيا إلى جانب سيناء، أهم مصادر تهديد لأمنها واستقرارها الوطنيين، ويخيم شبح التقسيم على "الدولة الفاشلة" التي انتهت إليها ليبيا، فيما الصراع الإقليمي – الدولي على هذه البلاد، يجعل فرص الحل السياسي ضعيفة للغاية، وهو كفيل بتبديد أية فرصة أو محاولة جادة، بذلت أو يمكن أن تبذل في هذا الاتجاه.

"دول الاستقرار النسبي"
إذا كانت هذه هي حال دول الصراعات المسلحة والأزمات المفتوحة، فإن حال "دول الاستقرار النسبي" في المنطقة، لا تبدو أفضل بكثير ... فالأزمة الاقتصادية والمعيشية في معظم هذه الدول، باتت تُقرأ بمفردات "نظرية الأمن الوطني"، وليس بأرقام الاقتصاد الكلي والجزئي، وثورات الخبز وانتفاضات الجوعى، تنذر بتمدد رياح "الربيع العربي" إلى دول لم تعصف بها هذه الريح من قبل ... ويزيد الأمر تعقيداً، انحباس مسارات الحرية والتعددية والتحول الديمقراطي في هذه الدول، وعودة الاعتبار للمؤسسة العسكرية وحكم الجنرالات و"الدولة العميقة" في عدد منها، فيما الثنائية القطبية بين "أنظمة الحكم والإسلاميين" ما زالت تفعل فعلها المدمر للحياة السياسية والمدنية والحزبية في مجتمعاتها، على الرغم من الضربات الموجعة التي تعرضت لها حركات الإسلام السياسي، الإخواني بخاصة، في العديد من الدول والمجتمعات العربية.

"نادي الدول الغنية"
ويمكن إضافة دول الخليج الغنية، إلى قائمة الدول المهددة بحالة من عدم الاستقرار في السنوات القادمة، وثمة الكثير من التقديرات المتشائمة التي ترشح هذه الدول، معظمها على الأقل، لموجة من عدم الاستقرار و"الفوضى غير البناءة" في العشرية الثالثة من القرن الحالي،، ربما في نصفها الثاني، جراء تآكل مكانة النفط، وتراجع عائدته، ووصول دول الرفاه الريعية إلى طاقتها القصوى، وعجزها عن الاحتفاظ بعلاقة "زبائنية" مع مواطنيها، مع تراكم العجوزات في موازناتها، وإخفاق كثير منها في تنويع مصادر الدخل والثروة، ونمو أجيال جديدة من المتعلمين والمثقفين التي لم تعد أنظ"ة الحكم العائلية والسلالية، المنقسمة على ذاتها، وبين أجنحتها وأفخاذها وأجيالها، قادرة على استيعابها، وتفاقم "الهويات الفرعية القاتلة" في أوساطها الاجتماعية، سيما مع بروز عمليات تحديث وعصرنة قسرية، غير مراعية لحساسيات المجتمع وثقافته التقليدية والأدوار التاريخية المتراكمة للمؤسسات الدينية المتشددة فيها، وبروز الصراعات والمحاور داخل "نادي الدول العربية الغنية" وفيما بينها، والتجاء بعضها للخارج، بمراكزه الدولية ومحاوره الإقليمية، للاستقواء على دول الجوار، فضلاً عن وجود عدد من المشكلات الحدودية الكامنة تحت سطح العلاقات بين الدول الست، والمرشحة للانفجار عند أول فرصة مواتية.

وخلاصة القول، أن العالم العربي مرشح للبقاء في عنق زجاجة مرحلة انتقالية طويلة الأمد، مكلفة وقد تكون دامية في العديد من دوله ومجتمعاته، وما شهدته بعض دوله في العشرية الثانية من القرن الحالي، قد تشهد مثله دول أخرى في العشرية الثالثة، وسيدفع العالم العربي، الأثمان الباهظة لإخفاقه المزدوج: إخفاق دوله الوطنية، دول ما بعد الاستقلالات الوطنية في القيام بوظائفها حيال مواطنيها كافة من دون تمييز، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعجزها عن اللحاق بركب الحداثة وموجات الديمقراطية المتعاقبة التي اجتاحت العالم بأسره تقريباً ... وعجز دوله، للسبب ذاته، في بناء نظام إقليمي عربي، قادر على التعامل بكفاءة على معاجلة أزماته وصراعات وحروبه وحروب الآخرين عليه، ووضع حد لأطماع القوى الإقليمية والدولية في أرضه ومياهه وثرواته.

"دول الجوار الإقليمي... نجاحات ولكن!"
وإذ تبدو صورة العالم العربي اليوم، قاتمة إلى حد كبير، مقابل جوار إقليمي ناهض وتوسعي، وقادر على تحقيق بعض "أو كثيرٍ" من أحلامه التوسعية في المنطقة العربية وعلى حساب شعوبها، وأخص بالذكر تركيا وإيران، فإن التأمل بدقة في المشهدين التركي والإيراني على حد سواء، ربما يعطي انطباعاً مغايراً للصورة الظاهرة، بل وربما يفتح ذلك الباب رحباً، وإن بعد حين، لمقاربات عقلانية، تعيد الاعتبار لمفهوم الأمن والتعاون الإقليمي الشامل.

فإيران التي عانت سنوات الحروب والحصار والعقوبات الدولية الجائرة، تعاني سلسلة متراكبة من الأزمات الداخلية، بعضها يتعلق بقصور اقتصادها ونموه أحادي الجانب الذي يذكر بالنمو المشوه للاتحاد السوفياتي المنحل ... ونظامها السياسي لا يمكن أن يبقى إلى الأبد، في وضعية الثورة، فالثورة ما تنتهي من تحقيق أهدافها بتفكيك النظام القديم، حتى تشرع في تأسيس دولتها، ولا يمكن للثورة أن تبقى مشروعاً دائماً، وإلى الأبد ... والنظام بحكم مرجعيته الدينية الصارمة، يحمل في داخله بذور أزماته، إذ يعجز موضوعياً عن بناء دولة المواطنة المتساوية والفاعلة بين جميع مكوناته ومواطنيه وأفراده، ونزيف إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وغيرها من ساحات حروب الوكالة، سيجعل استمرارها بدورها الحالي، أمراً باهظ الكلفة وشديد التعقيد.
لقد وفر التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والمجتمع الدولي، فرصة لطهران لاختبار تجربة العيش من دون "عدو خارجي"، ولأول مرة منذ العام 1979، لكن أحلام "ثوريي" إيران ومحافظيها من جهة، ومجيء إدارة ترامب بسياساتها العدائية الفجة لإيران من جهة ثانية، سيوفر للتيار المحافظ والثوري في إيران، فسحة إضافية لفرض منطقه الخاص، واجندته التوسعية على إيران في المرحلة القادمة، وهو أمر سيصطدم عاجلاً او آجلاً، بالفجوة بين طموحات إيران وقدراتها، والمسألة هنا، ليست فيما إذا كان صدام من هذا النوع سيحصل أم لا، بل متى وكيف.

أما تركيا، التي سطرت دورها الإقليمي بحروف "القوة الناعمة" و"صفر مشاكل" و"المعجزة الاقتصادية، في العشرية الأولى من القرن الحالي، فإنها مرشحة لتلقي ارتدادات الخروج عن تلك السياسات، فالمسألة الكردية التي بدا أنها وضعت على سكة الحل السياسي لأول مرة، عادت إلى ما قبل "المربع الأول"، وهي تنذر بحرب تركية مفتوحة، مع أكراد البلاد (أتراك الجبل) بل ومع أكراد المنطقة برمتها كذلك ... وأفضى ارتفاع المنسوب المذهبي لخطاب الحزب الحاكم ورئيسه مع اندلاع ثورات الربيع العربي وصول الإخوان إلى سدة الحكم في عدد من البلدان، واندلاع الأزمة السورية واحتلال داعش لثلث مساحة العراق، إلى نشوء "مسألة علوية" في تركيا، وهي التي أخفقت في حل مسألتها الكردية ... وأفضي لجوء تركيا إلى أسوأ ألوان وأنوع "القوة الخشنة" وتحول "صفر مشاكل" إلى "صفر أصدقاء" في مرحلة من مراحل الأزمة السورية، وجنوح النظام إلى أنماط وممارسات ديكتاتورية وتعسفية، إلى سد أفق انضمام تركيا لعضوية النادي الأوروبي، واضطراب علاقتها مع واشنطن والناتو، من دون أن تكسب ثقة موسكو أو تنجح في تبديد مخاوف طهران.

لقد ولّى عصر "المعجزات" في الاقتصاد والتنمية التركيين، مع أن تركيا ما زالت تسجل نجاحات على هذا الصعيد، بيد أن أكلاف الحرب وتداعياتها، من أزمة لجوء كثيفة، إلى تهديد إرهابي متعدد المصادر والأسباب والأشكال، إلى خلق تحديات جديدة لتركيا في شتى المجالات والميادين.

يفتح ذلك كله، الباب لسؤال كبير: كيف يمكن للمنطقة العربية أن تخرج من عنق الزجاجة، وأن تتفادى سقوط دولها الواحدة تلو الأخرى، كساحات لحروب الوكالة وتسوية الحسابات، ومتى يمكن للعرب أن يخرجوا من وضعية "ضحايا الحروب ووقودها"، وكيف يمكن لمدنهم أن تتفادى الخراب والتدمير، وأن يعاد إعمار ما تدمر منها وتحول إلى جبال من الأنقاض والخرائب؟
هل يمكن للعرب أن ينجحوا من تلقاء أنفسهم في بناء منظومتهم القومية للأمن والتعاون، وأن يوقفوا حالة التفكك والتداعي التي تعصف بدولهم ومجتمعاتهم؟ ... إن التجربة التاريخية المتراكمة تشير إلى صعوبة، حتى لا نقول استحالة، تحقيق أمر كهذا، فالعرب لا ينتظمون إلا في إطار إقليمي، وغالباً دولي، نظمهم الاقتصادية والمالية لا تتوحد إلى عبر قنوات دولية (البنك والصندوق الدوليين)، ودفاعهم المشترك لا يلتئم له شمل، إلا في إطار أحلاف دولية ومحاور إقليمية، ونظمهم السياسي منخرطة في نزاعات وصراعات، شرّعت كل الأبواب لشتى أشكال الوصاية والتدخل الدوليين والإقليميين، وثمة العشرات من الأمثلة الدالّة على هذا الأمر، في التاريخين الحديث والجاري للعالم العربي.

نحو "منظومة إقليمية للأمن والتعاون"
إن التفكير بمنظومة إقليمية للأمن والتعاون، يمكن أن يكون المخرج الوحيد الممكن، للمنطقة من ازماتها، وهو تفكير يستمد مشروعيته من حالة التآكل الذاتي، أو "الانتحار الجماعي" الذي تمارسه دول المنطقة، والتفكير بمنظومة إقليمية، تشمل إيران وتركيا، يستمد مبرره من بدء إحساس الدولتين الجارتين للأمة، بمأزقهما الذاتي، وبارتدادات حروب المنطقة وصراعاتها "دواخلها"، وبالخشية التي تتسرب إلى دوائر صنع القرار فيها، من احتدام الصراع بين الأقطاب الدولية القديمة والصاعدة، على حسابها وبما يلحق أفدح الضرر بمصالحها وتطلعاتها.

إن تنامي الإحساس بان المنطقة على واحد من خيارين: إما حرب الثلاثين عاماً، وإما الذهاب إلى "وستفاليا" إقليمية، وحده سيوفر الحافز لجميع الأطراف، لإلقاء السلاح جانباً، والذهاب إلى موائد التفاوض والحوار ... إن الطريقة العقلانية التي أدارت بها تركيا وإيران خلافاتها الحادة حيال عدد من أزمات المنطقة، مقابل الطريق "اللا عقلانية" التي أدارت بها الحكومات العربية نزاعاتها البينية أو صراعاتها مع دول الجوار الإقليمي، يمكن أن تكون مدخلاً لإخراج هذه المنظومة الإقليمية للأمن والتعاون، إلى حيز النور.

كما أن "الندية" التي ميزت علاقات دول الجوار الإقليمي، مع المراكز الدولية الكبرى، بالذات موسكو وواشنطن، مقابل علاقات الاستتباع التي ميزت علاقات كثير من العواصم العربية مع هذه العواصم، يمكن أن تميز شكل العلاقات المستقبلية بين "المنظومة الإقليمية للأمن والتعاون" من جهة ومختلف الأقطاب والمراكز الدولية من جهة أخرى.

إنه لمن المؤسف ألا يتمكن العرب من إعادة بناء وترميم نظامهم القومي، وإن تكون طريقهم نحو منظومة إقليمية للأمن والتعاون، ماراً بالضرورة في أنقرة وطهران، لكن المقابل الذي ستحصل عليه دول المنطقة وشعوبها، يمكن ان يعوض هذه الخسارة النفسية والمعنوية المتأسسة على حالة الإعاقة المزمنة للنظام القومي العربي المشترك.
وإذا كانت كل من تركيا وإيران قد اختبرتا أشكالاً من التعاون والصراع، بين بعضهما البعض، وبين كل واحدة منها ومراكز دولية نافذة، فإن من المقلق تماماً، أن طريق بعض العواصم العربية، أو ربما الكثير منها، نحو "المنظومة الإقليمية للأمن والتعاون"، ربما يكون مشروطاً بمواقفة عواصم دولية نافذة، وبالأخص واشنطن، فالنسبة لكثير من الحكومات والأنظمة العربية، لا يمكن الذهاب في مسار كهذا، من دون موافقة الولايات المتحدة، أو قبل الحصول على ضوء أخضر منها، وهو أمر مستبعد في ظل ارتفاع طبول المواجهة والتصعيد بين واشنطن وطهران، وربما تكون هذه واحدة من أهم العقبات التي ستقف في طريق 
إخراج فكرة "المنظومة الإقليمية للأمن والتعاون" إلى حيز التنفيذ.

لكن ذلك، لا يمنع أن تقوم بضعة دول عربية، بشق الطريق نحو هذه "المنظومة"، على أن يبقى الباب مفتوحاً للدول المترددة والمتحفظة، كما أن هذه المخاوف والمحاذير والعوائق، لا يجب أن تمنع نخبة من المفكرين والسياسيين العقلاء، من دول المنطقة جميعها، من التأسيس لمسار "غير رسمي"، يستكشف فرص بناء هذه "المنظومة" ومعوقاتها، وأن يشرع في حشد التأييد لها، في أوساط الرأي العام ومؤسسات صنع القرار في الدول ذات الصلة.


*ورقة عمل قدمت في المؤتمر الإقليمي الثامن الذي نظمه مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيش اللبناني تحت عنوان:  " دعم الاستقرار والتنمية في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط" في بيروت - لبنان خلال الفترة 19 – 23 شباط/ فبراير 2018.