A+ A-
الأردن وإدارة ترمب*
2017-11-04

 

ديفيد شينكر
مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن/الولايات المتحدة

قد يكون الأردن أفضل الحلفاء العرب لواشنطن. فالولايات المتحدة والأردن يلتقيان على الصفحة ذاتها – كما يقولون -  بالنسبة لجملة من المسائل بدءاً بالأمن وحتى عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين مروراً بالمعركة الأيديولجية المتمثلة بالأفكار ضد التطرف. هذه العلاقة قديمة وتعود إلى السنوات الأولى عقب استقلال المملكة وما زالت الروابط بينهما تزداد متانة. والأهم من هذا كله، هناك دعم عميق في واشنطن للأردن بغض النظر عمّن يكون سيّد البيت الأبيض. في الحقيقة، ليس الأردن سوى حالة نادرة الحدوث في أوساط كونغرس يسوده انقسام مسموم في إطار اتفاق بين حزبين اثنين. فسواء كنا نتحدث عن ديموقراطيين أو جمهوريين، أعضاء الكونغرس جميعهم دون استثناء يقفون وراء الأردن.  

والسبب في هذا يعود – إلى حد ما – لكون الملك عبد الله الثاني بن الحسين – ملك الأردن قد أرسى دعائم علاقاته الشخصية مع المشرّعين الرئيسيين في الولايات المتحدة بالإضافة إلى مناعة العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والأردن أمام موجات التغيير في الإدارة. وعليه، فإن الإدارات الأمريكية قد احتضنت المملكة. وفي العقود الأخيرة التي شهدت ازدهار الشراكة الاستراتيجية بين أمريكا والأردن، ظهرت هذه الروابط الوثيقة جليّة في رفع قيم التمويل الاقتصادي والعسكري للمملكة إلى مستويات مرتفعة. 

لم تتحول إدارة ترمب التي وصلت إلى الحكم في 20 كانون الثاني/يناير 2017 عن هذا الاتجاه. وكان الملك عبد الله الثاني من بين طليعة القادة الأجانب الذين اجتمعوا مع كبار المسؤولين في في الإدارة الجديدة. وفي الحقيقة، فقد اجتمع نائب الرئيس – بنس مع الملك بعد عشرة أيام من التحول. وبعد شهر، اجتمع الرئيس ترمب مع الملك عبد الله الثاني بن الحسين وكان ذلك أول اجتماع له مع رئيس دولة عربية. بتصفّح ما يصدر عن البيت الأبيض منذ الاجتماع المنعقد في الثاني من شباط/فبراير  يتبيّن أن الإدارة الحالية لا تختلف عن سواها من الإدارات السابقة منذ العام 1994 من حيث منظورها إلى هذه العلاقة والتي تسلّط الضوء على أهمية المملكة بالنسبة لواشنطن. 

 

عبّر الرئيس عن التزام الولايات المتحدة باستقرار وأمن وازدهار الأردن. وقد شكر الملك على قيادته الداعمة للسلام والاستقرار في المنطقة. وسلّط الضوء على إسهامات الأردن الهامة في دحر عناصر داعش  وناقش إمكانية إنشاء مناطق آمنة في سوريا. كما أكّد الرئيس ترمب على التزام الولايات المتحدة بتعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الأردن. وشدّد على دور الأردن الأساسي في إرساء نموذج للتسامح والوسطية في المنطقة. كما ناقش الزعيمان عودة الملك إلى واشنطن في إطار زيارة رسمية في المستقبل القريب. 

يشكّل هذا التركيز على العلاقة الاستراتيجية الوثيقة مع الأردن الذي هو حليف رئيس للولايات المتحدة خارج إطار الناتو منذ 1996 محوراً ثابتاً في حديث الإدارة عن المملكة. وثمة سبب جيد لهذا الحديث. ففي السنوات الأخيرة وتحديداً منذ انطلاقة ما يُسمّى بالربيع العربي في 2011، أصبحت الدول العربية المستقرة والحليفة لواشنطن تعاني من نقص الإمدادات. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما يذكر النموذج الأردني في  "التسامح والوسطية" في مثل هذا الحديث وهو ما أصبح يتردد أكثر فأكثر على لسان صناع السياسة الأمريكية في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. 

لكن في السنة الأولى من عمر إدارة ترمب والتي تركزت فيها جهود الولايات المتحدة تحديداً على إلحاق هزيمة عسكرية بداعش في العراق وسوريا، أصبح الأردن أكثر أهمية لدى واشنطن. فالأردن ليس شريكاً في معركة الأفكار ضد التطرف وحسب بل هو حليف أساسي في القتال العسكري ضد داعش وفيه القاعدة الرئيسية للعمليات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة ضد العناصر الإرهابية في سوريا. باختصار، الأردن ركن أساسي لنجاح الحملة ضد داعش. 

تقدّر هذه الإدارة مثل سابقاتها توجّه الأردن إلى الغرب وفي الوقت ذاته يبدو أنها تتفهم التحديات الضخمة التي تواجه المملكة والتي هي ليست بمنأى عن الاضطرابات الإقليمية على الرغم من ثباتها الكبير. فالأردن يواجه اليوم تحديات اقتصادية وعسكرية ضخمة ما زالت تتفاقم منذ 2011 حيث جاء إلى الأردن حوالي مليون لاجئ سوري. 

في هذا الخضمّ كله استطاع الأردن الصمود كواحة استقرار نسبي وأظهر صموداً لا حد له كدولة. ومع ذلك، لا يمكن الركون إلى هذا كلّه واعتبار استقرار الأردن من المسلّمات؛ فبعد سبع سنوات من الحرب في سوريا، هناك ضغوطات حادة على الأردن ما يدعو إدارة ترمب إلى اعتبار عزل الاردن عمّا تشهده سوريا من تداعيات الأحداث فيها في أعلى سلّم أولوياتها في إطار سياستها إزاء الشرق الأوسط. 

الأمن 

تمكّنت واشنطن بفضل معاهدة وادي عربه للسلام 1994 بين إسرائيل والأردن من الشروع بتوفير المساعدة الأمنية للأردن. اليوم، تشكل هذه المساعدة والتي ترتكز إلى تعاون أمني ثنائي حجر الزاوية للعلاقة بين الولايات المتحدة والأردن. كما أن التعاون الأمني بين البلدين قد ازدهر  في عهد الملك عبد الله الثاني منذ تولّيه العرش في 2000. 

في العام 2000، تجاوز مجموع المساعدة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية الأساسية إلى الأردن 228 مليون دولار بقليل.  أما في 2006، فقد وصل التمويل المقدّم من الولايات المتحدة إلى الأردن على الصعيدين العسكري والاقتصادي إلى حوالي 1.7 مليار دولار وهو ما يساوي حوالي عشرة بالمائة من إجمالي الموازنة السنوية للمملكة. 

ومن التشارك بالجهود الاستخبارية إلى التدريب والعمليات العسكرية المشتركة مروراً بالقاعدة الجوية على التراب الأردني، هناك تعاون استراتيجي موسّع ومؤثّر بين واشنطن وعمّان. دعونا نطالع الوصف الذي تقدّم به قائد القيادة المركزية – الجنرال فوتل إلى لجنة الخدمات العسكرية في مجلس الشيوخ الامريكي في آذار الماضي للأردن: 

تعتبر المملكة الأردنية الهاشمية أحد شركائنا الأقوى والأكثر موثوقية في منطقة الشرق. فالأردن يوفر لنا قدراً مساوياً أو حتى أعظم مما يوفره لنا أي شريك آخر في منطقة عمل القيادة المركزية الأمريكية. فالقوات المسلّحة الأردنية وسلاح الجو الاردني يواصلان إسهاماتهما الرئيسية في دعم الحملة ضد داعش. 

 

يعتبر العديد من الأشخاص في واشنطن الجيش الأردني ودائرة المخابرات في الأردن من بين أفضل ما هو موجود في المنطقة. ومع ذلك ثمة قلق دائم في واشنطن بشأن تداعيات الأزمة في سوريا وبخاصة بشأن الأداء الأمني في الأردن عام 2016 وهذا أمر لا يبعث على الطمأنينة. 

في 2 آذار 2016 على سبيل المثال، استغرقت أفضل وحدة كوماندو في الأردن – كتيبة 71 لمكافحة الإرهاب أكثر من 12 ساعة لدحر سبعة عناصر من إرهابيي داعش هم قوام خلية منفردة  في مدينة إربد في الشمال. في نهاية المطاف، قُتل الإرهابيون واسشهد بالمقابل رئيس وحدة مكافحة الإرهاب في عملية يُقال أنها تعطّلت بشكل كبير بسبب تعطّل نظام الاتصالات. 

 

بعدها، وفي 6 حزيران/يونيو اقتحم مهاجم منفرد مبنى مديرية المخابرات العامة في مخيّم البقعة للاجئين على بعد عشرين دقيقة إلى الشمال من عمّان وقام بإطلاق النار على خمسة ضبّاط استشهدوا قبل ان يفرّ القاتل. وبعد أسبوعين فقط من تلك الحادثة، تم تفجير قنبلة في قاعدة عسكرية أردنية في الركبان على الحدود مع سوريا استشهد على إثرها ستّة جنود. وخلال هذين الهجومين، كان من الواضح أن الخفر المناوبين كانوا نائمين أثناء الواجب. 

وأخيراً، في كانون الأول/ديسمبر 2016، استشهد 17 شخصاً وجرح 34 آخرون في هجوم لعناصر داعش ومطاردة لاحقة في مدينة الكرك في الجنوب. وقد أظهرت تسجيلات الفيديو المنشورة عبر اليوتيوب والتي تمّت خلال الحادث ضباط الشرطة وهم يصرخون عبر نوافذ مركز الشرطة المحلّي مناشدين مواطني المنطقة لتزويدهم بالمزيد من الأسلحة والذخيرة. 

مثيرات محتملة

في حين أن هذه الخروقات الأمنية قد أحدثت أثراً مباشراً على الأردنيين، هناك العديد من الحوادث الأخرى التي أثّرت على الأمريكيين المقيمين في المملكة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2015، قُتل اثنان من المدربين الأمريكيين بالإضافة إلى اثنين من أفريقيا الجنوبية واثنين من الأردنيين على يدي ضابط مختلّ في المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة في الموقّر. وقد أظهر التحقيق الأمريكي الأردني المشترك في الحادث أن رجلاً مسلّحاً قد قتل خلال الحادث بعد أن تم استقطابه وانتمائه إلى الجماعات المتطرفة. والأسوأ من هذا كلّه، تم الكشف لاحقاً عن أن سلاح القتل الذي استخدمه الرجل المسلّح في هجومه كان من بين الأسلحة التي قدّمتها وكالة الاستخبارات المركزية في الولايات المتحدة إلى دائرة المخابرات العامة في الأردن لتسليح الثوار السوريين المعتدلين.  هذه البندقية AK-47 ذات المواصفات الخاصة وغيرها الألوف لم تصل أبداً إلى وجهتها المخصصة لها. ووفقاً للـنيويورك تايمز، بيعت البنادق في السوق السوداء من قبل المخابرات الأردنية.  

ومن بواعث القلق الأخرى ما حدث بعد سنة من تلك الحوادث حين قام رقيب بقتل ثلاثة أمريكيين تابعين للقوات الخاصة عند مدخل قاعدة الأمير فيصل الجوية في الجفر في جنوب المملكة. 

على الرغم من تسجيلات كاميرات المراقبة الأمنية، واصلت السلطات الأردنية إلقاء اللوم على الجنود الأمريكيين على مدى خمسة أشهر أعقبت الحادث مدّعية أنهم قد خالفوا الإجراءات الأمنية. حتى أن بعض المسؤولين ذكروا أن الكحول كانت أحد الأسباب في ذلك الحادث. ولم تعترف المملكة بان القوات الأمريكية لم تتصرف باندفاع حينها إلا بعد أن أصدرت قيادة القوات الخاصة الأمريكية تقريرها بشان التحقيق والذي أُعدّ بالتعاون مع الأردن. عندها فقط، وبعد أن مارست عائلات الأفراد الأمريكيين الذين قتلوا الضغط العلني بهذا الخصوص، وافق الأردن أخيراً على مقاضاة الرقيب الذي أدين وحكم عليه بالسجن المؤبّد. 

مجتمعة، تسلّط هذه الهجمات الإرهابية وما يُسمّى بقتل أفراد القوّات المحليّة لأفراد قوات التحالف (قتل أصحاب البيريهات الخضراء لأصحاب البيريهات الزرقاء) الضوء على بعض المشاكل في الأمن الأردني. استجابة إلى هذه الخروقات، عمل الأردن على خلخلة مجمل آلته الأمنية بإعفاء وزير الداخلية – سلامة حمّاد من منصبه، وكذلك مدير المخابرات العامة – اللواء فؤاد الشوبكي  وفي الوقت ذاته من اليوم نفسه، تم الاستغناء عن ستّة من كبار ضباط هيئة الأركان المشتركة وقادتها. في حين أن الآلة الأمنية في الأردن تبقى من بين أفضل مثيلاتها في المنطقة، يبدو أن هذه الخطوة الإصلاحية الشاملة قد عكست عدم الثقة من جانب القصر بسبب تراجع أداء هذه المؤسسات مؤخراً. 

لعلّ هذه الخلخلة كانت ضرورية لكنها لا تخفف من حدّة المسائل التي تجلّت في تحوّل الأسلحة المقدّمة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عن المسار المخصص لها، وضعف التعامل مع حوادث قتل أفراد العمليات الخاصة الأمريكيين في الأردن والإخفاقات التي اكتنفتها وهو ما ينطبق على هجمات أفراد القوات المحلية على أفراد قوات التحالف عموماً في المملكة.  للتأكد، يبدو أن واشنطن قد تحرّكت غير أن هذه الأنواع من الحوادث يمكن أن تحدث المزيد من التوتّرات إن هي تكررت وتبقى شائبة في علاقة ثنائية ممتازة. 

المسائل المتعلقة بسوريا

بالنسبة لإدارة ترمب، سوف تبقى المسائل المتعلقة بسوريا عنصراً محورياً على مدى السنوات القادمة في العلاقات الثنائية مع الأردن. فبدءاً بداعش حتى إيران وحزب الله وغيره من المليشيات الشيعية ومروراً بروسيا هناك مصالح مهمة تتقاسمها واشنطن مع عمّان في سوريا. وأكثرها وضوحاً هو الاهتمام المشترك - غير المعلن -  بين إدارة ترمبت والأردن باتفاقية تهدئة 

الوضع في الجنوب والحيلولة دون انتشار عناصر الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وغيرهما من المليشيات الشيعية المدعومة من إيران على طول الحدود الأردنية. 

لقد تعاونت واشنطن مع عمّان في السنوات الاخيرة بشأن العمليات التي استلزمتها التحرّكات على الجانب السوري من الحدود ضد المسلّحين الإسلاميين السُنّة. ومنذ تحطم طائرة ف-16 بقيادة الطيّار معاذ الكساسبة فوق الرقّة واستشهاده بطريقة بشعة على يدي عناصر الدول الإسلامية، قامت الولايات المتحدة بتوفير الدعم لعمليات البحث والإنقاذ التي قام بها الأردنيون في سوريا. في المستقبل، عند انحسار تهديد داعش، سيكون التحدّي الأكبر أمام واشنطن وعمّان هو إبعاد الإيرانيين عن المنطقة. 

ثمة مسألة أخرى مهمة بالنسبة لإدارة ترمب والأردن ولها علاقة بسوريا ألا وهي الروس. وفقاً لمعظم الروايات، قامت عمّان بإنشاء علاقة عمل جيدة مع موسكو مع التركيز على سوريا عندما أنشأت خليّة للفصل بين جهات الصراع حيث يناقش المسؤولون  الروس والأمريكيون والأردنيون في إطارها العمليات العسكرية المتواصلة بالإضافة إلى كونها مركزاً لمراقبة الخروقات في منطقة التهدئة في الجنوب السوري. 

في حين أن واشنطن تبدو مرتاحة إلى علاقة العمل الحديثة النشأة بين عمّان وموسكو، هناك مسائل أخرى محتملة تتصل بالروابط الروسية – الأردنية والتي يمكن أن تصبح إشكالية فيما بعد. على سبيل المثال، يتدارس الأردن الآن إنشاء محطة لتوليد الطاقة بسعة 1000 ميغا واط بناء على مبادرة تعارضها الولايات المتحدة. وبغض النظر عن موقف الولايات المتحدة، قد تسير عمّان قُدُماً بهذه الخطوة بمساعدة من موسكو. ووفق الخطة الحالية، من المقرر أن تقوم روسيا ببناء هذه المفاعلات والاحتفاظ بجزء من ملكيتها (49.9 بالمائة) علماً أن الكلفة المترتبة على ذلك هي 10 مليار دولار.

القدس

تعود العلاقة الخاصة التي تربط حُكّام الأردن الهاشميين – المتحدّرين من نسل النبي محمّد – بالقدس وهي موطن ثالث الحرمين الشريفين إلى عقود طويلة خلت. وقبل وصولهم إلى الأردن في عشرينيات القرن الماضي، كانوا الأوصياء على مكة والمدينة. وفي 1950، ضُمّت الضفة الغربية إلى الأردن وأعلنت السيادة الأردنية على القدس. يواصل الهاشميون في يومنا هذا رعايتهم للمواقع الإسلامية في القدس ما يضفي شرعية على علاقتهم المذكورة بالمدينة المقدسة. وفي الحقيقة تنصّ معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية الموقعة عام 1994 على..."تحترم إسرائيل الدور الخاص الذي تؤدّيه حالياً المملكة الأردنية 

الهاشمية في الأماكن المقدّسة للمسلمين في القدس" وتلتزم إسرائيل بإعطاء "أولوية مرتفعة للدور الأردني التاريخي في هذه المواقع" وفقاً لما تمخضت عنه محادثات الوضع النهائي مع الفلسطينيين. 

في حين أنه ما زال على إدارة ترمب أن تعمل المزيد، يساور القلق الأردن بشأن اقتراح هذه الإدارة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وهو ما سيتمخض عنه احتجاجات عارمة في المملكة. في 5 كانون الثاني/يناير 2016، اعتبر وزير الإعلام الدكتور محمد المومني هذا المقترح "خطّاً أحمر" وحذّر من عواقب "كارثية" إن هو رأى النور. 

في 22 كانون الثاني/يناير، ناقش الملك المسألة مع رئيس السلطة الفلسطينية – محمود عباس في عمّان حيث اتفق الزعيمان على "اتخاذ عدد من التدابير إن تم نقل السفارة" حسبما أوردت وكالة الأنباء والإعلام الفلسطينية. 

أما النقطة الاخرى المحتمل أن تثير الخلافات بين واشنطن وعمّان، فتتصل بإسرائيل. فالولايات المتحدة مهتمة وملتزمة باستمرار علاقة جيدة بين إسرائيل والأردن اللذين هما أهم حلفاء واشنطن في المنطقة. تأكيداً على ذلك، تبقى معاهدة السلام الموقّعة في 1994 بين الدولتين ثابتة كما هي العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين الجارتين وإن كانت تمرّان من وقت غلى آخر في أوقات صعبة وقد تصل إلى ازمات دبلوماسية ثانوية. 

من الأمثلة على هذا النوع من الأزمات الطريقة العنيفة التي تعاملت بها إسرائيل مع مسألة "هيكل سليمان" أو الحرم الشريف. ففي بدايات 2017 بعد طعن حراس الأمن الإسرائيليين في المسجد الأقصى، قامت إسرائيل بتركيب أجهزة الكشف عن المعادن عند مدخل الموقع وهو ما تمخّض عن مظاهرات ضد إسرائيل بين الفلسطينيين في الضفّة الغربية وعبر النهر في المملكة حيث تتواجد أغلبية السكان من أصول فلسطينية. وحيث أن المملكة تضطلع بدور خاص في القدس وبسبب خصوصيتها الديموغرافية، هناك حساسية قصوى لدى القصر بالنسبة للأحداث التي تقع في المدينة المقدسة. تتسبب هذه الحوادث بـ "وجع الراس" للأردن ومشاكل في العلاقات الأردنية الإسرائيلية وبالتالي للولايات المتحدة. 

وفي وقت لاحق – تحديداً في 23 تموز/يوليو 2016، قام حارس أمن إسرائيلي بإطلاق النار على اثنين من الأردنيين وأرداهما قتيليْن وكان أحدهما بريئاً في حرم السفارة الإسرائيلية في عمّان. وفي اعقاب الحادث، تصاعدت التوترات بين إسرائيل والأردن لتصل أوجها وهو ما أدّى – ربّما – إلى أسوأ أزمة ثنائية منذ 1997 عندما حاولت إسرائيل آنذاك اغتيال القائد السابق لحركة حماس – خالد مشعل على أراضي المملكة. وعلى الرغم من الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها ذلك الحارس، رفض الأردن مبدئياً أن يسمح له بمغادرة المملكة إلى حين استكمال التحقيق ولكنه لان فيما بعد وغادر طاقم السفارة بأكمله المملكة. بعد يوم وفي إسرائيل، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي – بنيامين نتنياهو- علناً وهو يعانق الحارس؛ وهو ما وصفه وزير خارجية الأردن بالأمر "المخزي". 

وبالتالي، اتصل ملك الأردن عبد الله الثاني بالعائلتين معزّياً بالضحية البرئ والمهاجم. كما سرّب القصر الاسم الكامل للحارس للصحافة المحلية ما أجبره على الفرار إلى منزله في إسرائيل لدواع تتعلق بسلامته. وفي بيان بعد أربعة أيام أعقبت حادثة إطلاق النار، قال الملك عبد الله الثاني أن تعامل إسرائيل مع حادثة السفارة والتحقيق الذي ما زال مفتوحاً في حادثة قتل القاضي الأردني على المعبر الحدودي مع إسرائيل في آذار/مارس 2014 من شأنه أن "يحدث أثراً مباشراً على العلاقات بيننا." وفي الوقت الحاضر، يقول الأردن إنه لن يسمح للسفارة الإسرائيلية في عمّان أن تعيد فتح أبوابها قبل تحويل الحارس إلى المحاكمة. 

ما من شك أن واشنطن تتدخل لإعادة العلاقة إلى مسارها السابق. فالمزيد من التدهور في هذه العلاقة الحرجة بين إسرائيل وجارتها العربية لن يصبّ في صالح الأردن وإسرائيل وواشنطن على السواء. 

الخاتمة

في 2017، ينتهي سريان مذكرة التفاهم التي مدتها 3 سنوات بشان مساعدات الولايات المتحدة الخارجية للأردن. وقد نصّت الاتفاقية الموقعة في 3 شباط/فبراير 2015 على توفير تمويل اقتصادي وعسكري للمملكة بقيمة 1 مليار دولار في السنة. بالإضافة إلى المبالغ الإضافية، وصل هذا الدعم إلى 1.7 مليار دولار في 2016. وقد سرت شائعات واسعة النطاق بأن الملك عبد الله الثاني سوف يطلب إلى إدارة ترمب وضع مذكرة تفاهم أخرى يرتفع بموجبها التمويل الأساسي إلى 2 مليار دولار في السنة. ولكن وفقاً لجهود الإدارة لخفض إنفاق وزارة الخارجية الأمريكية في مختلف القطاعات، تطلب موازنة 2018 المزيد من الخفض في تمويل الأردن . في الحقيقة لقد طلبت الإدارة خفضاً بنسبة 21 بالمائة من التمويل العسكري و 22 بالمائة من الدعم الاقتصادي. 

بغض النظر عن طلبات موازنة الإدارة، سوف يتأكد الكونغرس من الإبقاء على مستويات التمويل الحالي الولايات المتحدة للمملكة. وبناء على البيئة السائدة في واشنطن، يبدو أن الأردن قد وضع طلباته المتصلة بزيادة المساعدة الأمريكية على الرف في الوقت الحالي.  

بعيداً عن المسائل المالية، العلاقات الأمريكية الأردنية في السنة الأولى من إدارة ترمب عبارة عن علاقة عمل كالمعتاد. لكن يبقى الأردن حليفاً رئيسياً لواشنطن في منطقة مضطربة وهذا ما زال يظهر في أكثر النواحي أهمية في العلاقة الثنائية. ومن المؤكّد أن ديناميكية العلاقة هذه سوف تستمر طيلة فترة إدارة ترمب. 

 

 

 


 

*ورقة عمل قدمت في مؤتمر الأردن في بيئة...إقليمية متغيرة سيناريوهات المرحلة المقبلة-"2" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية خلال الفترة من 4-6 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في عمان-الأردن فندق رويال عمان.