A+ A-
التفاعلات بين روسيا والأردن في الشرق الأوسط*
2017-11-04


إلينا ميلكوميان
الأستاذة في جامعة الانسانيات الحكومية الروسية/روسيا


الأردن شريك دائم لروسيا في منطقة الشرق الاوسط وإن لم يكن هو الأكثر أهمية بالنسبة للمصالح الروسية الاستراتيجية وفي الوقت ذاته نشأت علاقات جيدة بين البلدين والتي وصفها القادة الروس بأنها "علاقة صداقة مبنية على مصالح مشتركة".


شهد البلدان زيارات متكررة من مسؤولين رفيعي المستوى وقد تمت هذه الزيارات على مختلِف المستويات.

زعيما الدولتين: زيارة الرئيس بوتين في 2012، وزيارات الملك عبد الله الثاني والتي كان آخرها في كانون الثاني/يناير 2017.

وهناك اتصالات دائمة بين وزيري خارجية البلدين – سيرجي لافروف وأيمن الصفدي. في الظروف الحالية، تحتاج عمّان موسكو كما تحتاج هذه الأخيرة عمّان على الصعيدين السياسي والعسكري وليس كشريكيْن في الاقتصاد. ولقد اقتصرت اجندة العلاقة الثنائية في معظمها على الحوار السياسي وصفات تجارية متواضعة جداً (شكلت مساهمة الأردن في التجارة الخارجية لروسيا في 2016 ما نسبته 0.0373%). من هذا المنطلق، احتلّت المحادثات المتعلقة بالتعاون في مجال الدفاع مركز الصدارة في إطار هذه العلاقة. فمنذ العام 2000، قامت موسكو وعمّان بتوقيع عدد من صفقات الأسلحة بما فيها نظام الدفاع الجوي المحمول المعروف باسم إيجلا ونظام مضاد الدبابات كورنيت. 

في الوقت ذاته، هناك توق لدى روسيا والأردن لتنفيذ اتفاقيات اقتصادية بما فيها مشاريع مشتركة في مجال الطاقة بالإضافة إلى اتفاقيات لتطوير الاتفاقيات الاقتصادية بما فيها المشاريع المشتركة في مجال الطاقة واتفاقيات لتنشيط السياحة، والتبادل الثقافي والإنساني.

كانت عملية السلام في الشرق الأوسط وما زالت على جدول المفاوضات الروسية – الأردنية. فالبلدان يشتركان في مواقف متشابهة تؤكّد على التزام لا يحيدان عنه بحل الدولتين للقضية الفلسطينية ضمن إطار قانوني شامل معترف به عالمياً بما في ذلك مبادرة السلام العربية والحاجة إلى إطلاق محادثات مستدامة بين إسرائيل والفلسطينيين دون تأخير.

اتفقت روسيا مع الأردن على تعزيز التعاون بينهما في مكافحة الإرهاب وقد صرّح وزير الخارجية الروسي – سيرجي لافروف بعد محادثات مع نظيره الأردني – أيمن الصفدي قائلا:" لقد اتفقنا على تعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب والتطرف وهناك فهم مشترك بين الأردن وروسيا بشأن الطريقة الكفيلة بتعزيز هذا التنسيق دون غموض وبعيداً عن ازدواجية المعايير متجنّبيْن الاتخاذ من شعارات مكافحة التطرف ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة والحيلولة دون وجود محاولات من هذا النوع."

لقد خلق الصراع في سوريا سياقاً جديداً تماماً للعلاقات بين روسيا والأردن، وعلى الرغم من اختلاف أهدافهما ومواقفهما إلا أنهما يشتركان في الرأي الخاص بإيقاف إراقة الدماء في سوريا وحل المشاكل الإنسانية بالإضافة إلى إطلاق عملية التسوية السياسية وفق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وثمة توافق فيما بينهما بشان ضرورة الامتثال لمطالب مجلس الأمن الداعية إلى احترام السيادة وسلامة أراضي سوريا مع إعطاء الشعب السوري فرصة لتشكيل مستقبل بلدهم بأنفسهم.

وقد قال ملك الأردن عبد الله الثاني في مقابلة له مع الواشنطن بوست في تشرين الأول/أكتوبر 2017 إن التقاء الأردن في الرأي مع روسيا بشان القِرَم كان بقصد الحصول على مساعدتها في سوريا. بالنسبة للجانب الروسي، كان هذا الموقف من الجانب الأردني ذا أهمية كبرى.

لقد ارتأى الأردن أن الأزمة السورية محفوفة بالخطر والمخاطر بسبب حقيقة مفادها الحدود المشتركة بينهما والتي تمتد لأكثر من 385 كيلومتراً. بالنسبة للقادة الروس، هناك حقيقة أخرى مفادها أن الأردن كان من بين قلّة من الدول العربية التي رفضت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا وهذه حقيقة مهمّة جدّاً. لم يغلق الأردن السفارة السورية في عمّان آخذاً بالاعتبار "الروابط الخاصة والفريدة بين شعبيْ البلدين". وعلى خلاف اللاعبين الآخرين في المنطقة، لم يجعل الأردن أبداً من عزل الأسد من الحكم شرطاً لإنهاء الأزمة. فقد ترك هذا القرار للشعب السوري نفسه.

لقد اختار الأردن اتباع مسار مستقل وعدّل موقفه ليقتصر على الحقائق الجغرافية الآخذة بالتطور على الأرض غير ان أساسيات تلك السياسة بقيت ثابتة دون تغيير: أصرّ الأردن وما زال يصرّ دوماً على الحفاظ على سلامة الأراضي السورية وفي الوقت ذاته الدعوة إلى قرار سياسي إزاء الأزمة. وقد ثمّنت روسيا عالياً هذا المسار الذي اختطّه الأردن إزاء الأزمات السورية.
في أيلول 2015، فوّض المجلس الفدرالي وهو مجلس الشيوخ في البرلمان الرئيس الروسي بنشر القوات المسلّحة في سوريا وقد أقرّت روسيا أن الضربات الروسية لم تستهدف داعش وحسب وإنما أيضاً الجماعات الثورية مثل جبهة النصرة، وفرع القاعدة في سوريا بالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية الأخرى.

في ذلك الحين، كان حوالي 2500 روسي يقاتلون إلى جانب عناصر داعش وأعلن الرئيس بوتين أنهم يشكلون تهديداً لروسيا عند عودتهم إليها وأنه من الأفضل قتالهم على الأرض السورية. تشكّل مشاركة روسيا في الأزمة السورية نموذجاً في الشرق الاوسط كما في المضمار العالمي.

سوف يحمل هذا الوضع مضامين لافتة بالنسبة لتوازن القوى والمتصارعين في الحرب الأهلية السورية ناهيك عن الصراع بين القوى العظمى للاستحواذ على مركز النفوذ العالمي والسيطرة على العالم. لعلّ الهدف الفعلي لهذا التحرّك الروسي والذي لبس قناع القتال ضد داعش هو السعي نحو تحقيق الطموحات الروسية على الصعيد العالمي والدفع قدماً بجهودها لتكون بين القوى الأكثر نفوذاً على الساحة العالمية.

رفضت روسيا وهي التي كانت تساند حليفها الرئيس بشار الأسد دعوات الغرب لتنحّي الأسد عن الحكم قائلة إن الشعب السوري هو وحده الذي يقرر من يكون قائده عبر الانتخابات.

في هذه الظروف يكتسب الدور الأردني أهمية كبرى بالنسبة لمخططات روسيا في سوريا. في أيار 2015، قال وزير الخارجية الروسي إن المشاركين في محادثات فينّا بشأن سوريا قد اتفقوا على قيام الأردن بتنسيق الجهود للخروج بقائمة توضح من هي المجموعات الإرهابية في سوريا.

أنشأ الأردن في بواكير العام 2016 مركزاً عسكرياً مع روسيا لتنفيذ العمليات المنسّقة ضد داعش في سوريا. وقد اتفق جيشا البلدين على تنسيق إجراءاتهما عبر آلية مقرّها عمّان. وهناك غرفة عمليات حربية مشتركة تستضيفها المملكة شمالي عمّان تسمّى بالقيادة الأمريكية المركزية إلى الأمام – الأردن في إطار تنسيق بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل.
بقي الأردن في التحالف ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة مظهراً الوفاء للتحالف الإسلامي العسكري ضد الإرهاب. ولكن عقب إطلاق الحملة الروسية العسكرية في سوريا، انشأ البلدان قناة للتشارك بالمعلومات الاستخبارية لمساعدتهما في التنسيق على الساحة السورية بما في ذلك طلعات عسكرية جويّة فوق سوريا.

هناك تعاون مستمر بين روسيا والأردن في مجال الأمن الجوي إذ يتبادلان المعلومات الاستخبارية بما فيها المعلومات حول الأشخاص المشتبه بوجود علاقات بينهم وبين المتطرفين والذي من شأنه أن يشكل تهديداً لهما. وما هو أبعد من ذلك، يبدو أن هناك علاقة تعاون جمعت بين البلدين في العمليّات البريّة.

في الوقت ذاته هناك بعض الخلافات بين روسيا والأردن بشأن سوريا. فتكثيف أنشطة الجهاديين في جنوب غرب سوريا بالإضافة إلى الهجرة المحتملة لمقاتلي داعش باتجاه الحدود الأردنية قد استدعى تكثيف تواجد القوات الأمريكية والبريطانية في شمال الأردن. وقد كانت العملية المشتركة بين الأردن والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في جنوب سوريا سبباً للقلق الفعلي في موسكو حيث أن هذا الإجراء كان يمكن أن يعرّض حكومة الأسد إلى الخطر وكان من الممكن أن يفتح جبهة جديدة ضد القوات الإيرانية في سوريا.

لكن، وفي ضوء غياب حوار حقيقي بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن سوريا، يؤدّي الأردن دوراً مهمّاً في الاتصال بين الروس والأمريكان.

في تموز/يوليو 2017، اتفقت الولايات المتحدة وروسيا والأردن على تعزيز وقف إطلاق النار في منطقة محدودة في جنوب غرب سوريا. وقد جاء هذا الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات بين الدول الثلاث. وصرّح سيرجي لافروف - وزير الخارجية الروسي آنذاك قائلاً : "سوف يسري وقف إطلاق النار في مناطق درعا والقنيطرة والسويداء في سوريا بمحاذاة الحدود الأردنية". في البداية، تضمن القوى إحقاق الأمن في محيط منطقة التهدئة هذه من خلال القوات والوسائط العسكرية- الشرطية الروسية بالتنسيق مع الأمريكان والأردنيين."

في أيلول 2017، أعلن الأردن عن عمله مع روسيا لتعميم خطة لإنهاء الاقتتال في جنوب غرب سوريا "في أسرع وقت ممكن" – جزء من تعهّد بإحقاق السلام في المنطقة الحدودية بالتنسيق بين عمّان وموسكو وواشنطنز اجتمع وزيرا الخارجية الأردني والروسي في عمّان لمناقشة التقدّم المتحقق في إنشاء "منطقة التهدئة في المنطقة ذات الحساسية الخاصة والتي تشمل الأراضي السورية المجاورة لإسرائيل.

أعلن وزير الخارجية الروسي لافروف: "لقد عبّرنا عن دعمنا لحل جميع المسائل المتصلة بأداء مناطق التهدئة." وأكّد نظيره الأردني – أيمن الصفدي ذلك. كما صرّح اثنان من كبار الدبلوماسيين بأن القوى قد احرزت تقدّماً في رسم خريطة لمنطقة التهدئة.

كما ضغطت موسكو على الأردن لإعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع سوريا وهو ما قاومته عمّان حتى الآن معتبرة أنه بحاجة إلى المزيد من الأمن. ولكنّها دعمت بقوّة صفقة التهدئة الأوسع نطاقاً مستشرفة فيها تمهيداً للسبيل المؤدّي إلى عودة عشرات الألوف من اللاجئين في نهاية المطاف إلى مناطق التهدئة.

في ضوء الاستقطاب الروسي الحالي في الشرق الاوسط، اعتبر الأردن والذي تتمتع موسكو معه بعلاقة براغماتية وسيطاً محتملاً بين روسيا والعالم العربي حيث توجد خلافات بين روسيا وبعض الدول العربية بشأن نظام الأسد الحاكم في سوريا.
وقد جاء قرار روسيا شمول الاردن في مفاوضات السلام في سوريا في الآستانة – عاصمة كازخستان ليظهر إدراك موسكو المتنامي بأن دعم العرب لجهودها الدبلوماسية مهمُّ للغاية.

عقد ممثلو الحكومة السورية ومجموعات المعارضة اجتماعهم في عاصمة كازخستان – الآستانة في كانون الثاني/يناير. وقد جاءت محادثات آستانة بموازاة حوارات جنيف بوساطة الامم المتحدة لإيجاد حلّ في سوريا. وكانت هذه الأداة الإضافية التي ساعدت المجموعات على الوصول إلى اتفاقية فنيّة ترسي الأساس اللازم لإجراء المزيد من المفاوضات. وقد نسّقت روسيا بالتعاون مع تركيا وإيران محادثات الآستانة بحضور خبراء من الولايات المتحدة والاردن والأمم المتحدة وروسيا وتركيا وإيران وتمخّضت عن إعلان مشترك بتحوّل هذه الدول إلى ضامنة لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية ومجموعات المعارضة بالإضافة إلى بيان مناطق التهدئة تحديداً. غير أن تعقيدات الموقف على الأرض في سوريا وغياب الاتفاق بشأن الدول التي من المحتمل أن تقدّم قواتها لمراقبة هذه المناطق يظهر حقيقةً مدى الصعوبة التي تكتنف التوصل إلى توافق في هذا المجال.

هناك اهتمام يجمع بين روسيا والأردن يتعدّى إدامة وقف إطلاق النار إلى بذل المزيد من الجهود لإيجاد تسوية للصراع في سوريا من شأنه ضمان الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط. قد تكون موسكو الآن اللاعب الرئيسي بين الساعين إلى حلٍّ سياسي في الأزمة السورية وتحاول الحصول على الدعم من الأردن.

ترجو روسيا أن تتعاون مع الأردن أيضاً في إعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الصراع. وهذا أمر مهم بالنسبة لروسيا وأيضاً الأردن بصفته شريكاً في ميزان القوى الجديد في منطقة الشرق الأوسط لأن القادة الروس يعتبرون أنه ينبغي لهذه المنطقة أن تكون ضمن اولويات السياسة الخارجية لروسيا وهم يخططون لتكثيف نفوذها فيها.

لكن وفي ضوء تعاون وثيق بين الأردن والولايات المتحدة الأمريكية، سوف يقتصر التنسيق بين روسيا والأردن على المسائل التكتيكية وليس الاستراتيجية.


*ورقة عمل قدمت في مؤتمر الأردن في بيئة...إقليمية متغيرة سيناريوهات المرحلة المقبلة-"2" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية خلال الفترة من 4-6 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في عمان-الأردن فندق رويال عمان.