A+ A-
"مـــا بعـــد داعــــش.. مستقبل الحركات الجهادية في المنطقة"*
2017-11-04

عطوفة اللواء الدكتور محمد مجاهد الزيات

مستشار المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية/ مصر


تسعى هذه الورقة للإجابة على عدد من الأسئلة من بينها:

1- هل تم القضاء على تنظيم داعش في العراق وسوريا يعني نهاية هذا التنظيم عسكرياً وفكرياً وتنظيمياً؟
2- ما هي خريطة انتشار التنظيم على مستوى المنطقة والعالم وقدرات الفصائل المرتبطة به؟
3- ما هي انعكاسات انهيار التنظيم على تنظيم القاعدة وروافده في المنطقة والعالم؟
4- ما هو مستقبل العمل الجهادي التكفيري خلال المرحلة القادمة وبالنظر لتطورات المنطقة أو ما هي كتامح ما بعد داعش؟


إن الإجابة على هذه الأسئلة يتطلب في البداية الإشارة إلى طبيعة وخصوصية تنظيم داعش الذي يعد حالة متميزة بين التنظيمات الإرهابية بالنظر لما تمتع به قدرات وإمكانيات فاقت تنظيم القاعدة الذي انبثق منه، وطرح منظومة فكرية تمتعت بكثير من الجاذبية مقارنة بغيرها من الأفكار المتطرفة كما أن إعلانه عن إقامة دولة الخلافة الإسلامية وهو الأمر الذي لم يتمكن منه أي تنظيم قبله عن تحقيقه دفع آلاف المتطرفين على اتساع العالم إلى الإنضمام له وهو ما وفر له خزانا بشريا كبيراً.

وقد أتاح ذلك له التحول إلى كيان تنظيمي أكثر انتشاراً على اتساع العالم، بايعته تنظيمات فرعية، واعتبرت بذلك فروعاً له، كما بايعه وارتبط بفكره أفراد ومجموعات مستقلة تعتبر روفاد له، بحيث يمكن القول أن هناك مظلة تنظمية داعشية لا تقتصر على سوريا والعراق، ولكن لها امتداداتها سواء في المنطقة العربية والإسلامية وكذلك في دول آسيا وأفريقيا وبعض الدول الأوروبية على اختلاف طبيعة من ينطوي تحت تلك المظلة، أي أن المطلة الداعشية تغطي تنظيمات ومجموعات وأفراد ومؤيدين ومناصرين يقدمون الدعم عند الضرورة.

إذن الحديث أو التساؤل عن نهاية التنظيم يبج أن تتفهم طبيعة انتشاره والتي حددها هو في حوالي 17 ولاية خارجية قبل بيعة التنظيمات التي تمارس الإرهاب فيها، ومناطق أخرى لم تقبل بيعة التنظيمات المنتشرة فيها لأسباب مختلفة، إلا أنه لم يقطع الصلة بها، وبالتالي فإن الإمتداد الخارجي يصبح على هذا النحو جزء من الكيان التنظيمي له وإحدى آلياته للبقاء والإستمرار به تنظيمياً بل وعلى المستوى الفكري فإن داعش من خلال طروحات منظريه الأكثر تشدداً امتلك كذلك مظلة فكرية داعشية واسعة الانتشاراعتنقتها تنظيمات ومجموعات وأفراد، وتتميز بأنها مظلة فكرية تكفيرية بالأساس وتبتعد كثيراً عن أي أفكار أو دعاوى جهادية وهو ما استهوى ولا زال معتنقي الأفكار الأكثر تشدداً والأكثر جهلاً بصحيح الدين.

الأمر الذي يطرح ضرورة مراعاة أن كيان التنظيم لا يقتصر على هيكليته في كل من العراق وسوريا ولكن في كياناته غير المركزية وعناصر الإرهاب بلا قيادة، أي تحول الإرهاب من التمركز إلى الإنتشار، أي تحول استراتيجي وجغرافيا العمل الإرهابي.

أن إنهيار قواعد التنظيم في كل من العراق وسوريا وسقوط دولة الخلافة التي أعلنها وعاصمتها أثارت الكثير من التساؤلات حول مصير الآلاف من أفراد التنظيم خاصة المقاتلين الأجانب من العرب والأفارقة والأوروبيين والآسيويين، فالتقديرات التي صدرت من العسكريين وأجهزة المخابرات الغربية سابقاً عن إجمالي هؤلاء المقاتلين تراوحت ما بين عشرين إلي ثلاثين ألف مقاتل من حوالي 85 دولة، وتؤكد تقارير استخباراتية متعددة إلى أن دور هؤلاء المقاتلين الأجانب في صفوف التنظيم قد تطور بصورة كبيرة سواء من النواحي التنظيمية أو القدرات العسكرية، وتميزهم بالانضباط المتزايد، كما أنهم يتمتعون بقدر أكبر من الجرأة، ومن الملاحظ أن هؤلاء المقاتلين انتموا قبل انضمامهم لداعش إلى مدارس فكرية سلفية وتكفيرية متعددة، وهو ما خلق بينها نوعاً من أنواع الاختلاط الفكري التكفيري الذي يدفع بقوة نحو مزيد من التطرف والإرهاب.

والتساؤل هنا أين هي الآلاف من هؤلاء المقاتلين بقدراتهم غير العادية، فالإعلام العسكري لدول التحالف أو الأطراف المختلفة التي تحارب الإرهاب في العراق وسوريا لم تكشف لنا عن مؤشرات واضحة بخصوصهم، فأين ذهبت الآلاف من الضحايا والقتلى بالعشرات وكذلك الأسرى، وهو ما يؤكد على عدد من الحقائق، أولها أن مقاتلي التنظيم من العراقيين والسوريين قد عاد نسبة كبيرة منهم إلى البيئة الحاضنة في المناطق العشائرية والمناطق الريفية، وأن الذين قبلوا التخلي عن أسلحتهم ونُقلوا إلى مناطق أخرى في الصفقات التي وقُعت سيصبحون خلايا نائمة، أما المقاتلين الأجانب فترجح مصادر متعددة انهم بدأوا بالنزوح من العراق وسوريا منذ بداية العام، ولعل رصد بعض المتطرفين الكبار في ليبيا وبعض المناطق الأخرى دليل واضح على استراتيجية التنظيم لإعادة الإنتشار فيما يسمى بالولايات الخاصة تقديراً منها بالعجز عن مواجهة العمليات العسكرية في العراق وسوريا.

إذن القضاء على داعش العراق وسوريا لا يعني بالضرورة القضاء على التنظيم الذي سوف يعيد إنتشاره في مناطق الصراعات الجارية حالياً.

ولا شك أن هذا الإنتشار يرتبط و يتحدد بمدى تميز وقدرة كل من التنظيمات والفصائل المرتبطة به، ومدى ملائمة أي منها لتمركز قيادات التنظيم العسكرية، وما يسمى بالمتطرفين الشرعيين.

وفي محاولة لإيضاح خريطة إنتشار هذه التنظيمات والفصائل التي تعمل تحت المظلة الداعشية، تتميز ليبيا كمنطقة تمركز أكثر ملائمة في ظل الصراع السياسي والعسكري الجاري هناك، وغياب سلطة الدولة المركزية، ووجود مجموعات بايعت داعش فضلاً عن تنظيمات مرتبطة بالقاعدة، وهو ما يمكن الاستفادة منها فيما يسمى بالتشابك الجهادي عند الضرورة، فضلاً عن توافر السلاح بكميات كبيرة، ووجود بيئة حاضنة ملائمة ومناطق قريبة يمكن أن تقدم الدعم للتنظيم خاصة المئات من الليبيين التونسيين والجزائريين المرتبطين بالتنظيم.

ويزيد من ترجيح أهمية ليبيا للتنظيم، خريطة الإنتشار الإرهابي في منطقة الساحل والصحراء التي تمتد من مويتانيا وحتى تشاد قرب الحدود المصرية السودانية والتي ينتشر فيها منظمات الجريمة خاصة التي تعمل في تهريب السلاح والمخدرات والتي تتحالف معها التنظيمات الإرهابية وتستفيد منها، ويود من الخطورة هنا أن انتشارها تمتد عبر الصحراء في مناطق لا تخضع لسلطة الدول على جانبي الحدود وكذلك قربها من منطقة تمركز تنظيم الشباب المتربط بالتنظيم ويعمل في كل من نيجيريا والكاميرون وتشاد وله صلة بمجموعات في الصومال.

والحديث عن ليبيا يشير إلى حجم المخاطر التي تواجهها مصر والتي تمثل هدفاً للتنظيم ومجالاً لإعادة الإنتشار في ظل وجود تنظيم يرتبط به في سيناء وبالتالي فإن الإرهاب المتمركز في ليبيا سوف يمثل خطراً على مصر ليس فقط لتمركزه في دولة جوار ولكن لاعتبار التنظيم مصر هدفاً للإنتشار، إلا أن الإجراءات المتخذة من جانب القوات المسلحة والشرطة سوف تمثل عائقاً كبيراً أمام تحقيق طموحات التنظيم ولكن سيبقى الإرهاب القادم من الغرب أهم تحديات الأمن في مصر.

وتعتبر كذلك منطقة أفغانستان وباكستان ملاذاً ملائماً للتنظيم وبالتالي فإن المنظمات التي ترتبط به هناك ستكون مجالاً لإنتشار مقاتليه خلال الفترة القادمة بالإضافة إلى التنظيمات المنتشرة في أفريقيا ولكن الخطر الأكبر المتوقع من إعادة الإنتشار يرتبط بحركة المقاتلين الأجانب، فالجديد هنا ليس عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلادهم ولكن انتقال هؤلاء المقاتلين إلى مناطق الصراع والنشاط الإرهابي على اعتبار أن لديهم واجب جهادي ينبغي القيام به في أي من أراضي المسلمين، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن القدرات التي امتكلتها عناصر الآلاف من هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى بلادعم أو إلى بلاد أخرى غيرها لا توجد فيها تنظيمات إرهابية، وهو ما تبنى الترتيبات للإستفادة من الأنصار والمؤيدين في تلك الدول أو تحريك الخلايا النائمة فيها ولاشك أن ذلك كله يرتبط بوجود فئات متعاطفة مع الفكر المتطرف للتنظيم.

وتبنى داعش للعمليات الإرهابية المنفردة والدعوة إليها تحت مسميات عديدة من بينها الإرهاب بلا قيادة والإرهاب الفردي والذئاب المنفردة والتي سوف يسعى العائدون لتحريكه وقيادته بصور منفردة ومتفرقة وبحيث تصبح الجماعات المرتبطة بهم تنظيمات مستقلة في حد ذاتها، والإرهابيون المنفردون هنا غالباً لا ينتمون للتنظيم الأم ويقومون بالتخطيط والتنفيذ مستقلاً بذاته من خلال أسلوب اللامركزية الذي دعا إليه بعض منظري التنظيم منذ بداية إعلانه واعتبره استراتيجية عمل خاصة بعد تعرض دولة داعش للحصار والضغوط خلال العام الأخير، خاصة ضرورة الانفصال التنظيمي مع الحرص على الارتباط بالفكر الجهادي للتنظيم على اعتبار أن ذلك وجاب ديني، ولاشك أن ما طرحه التنظيم من استراتيجية عمل إرهابي بصورة جديدة تكشف عن شكل العمليات التي تتطور إليها عملياته والتي عبر عنها في كتيب أصدره عام 2015 بعنوان "توجيهات الأمن والسلامة للمجاهدين من الذئاب المنفردة" وقد خطي داعش خطوة إضافية بالدعوة إلى ما يسمى بجهاد الممكن والذي يهدف إلى القتل وإحداث أضرار بشرية وتحقيق هدف القتل دون التقيد بشروط الجهاد المعروفة ويتجاوز مواقف التنظيمات الإرهابية القديمة.

وقد عبر عن ذلك "أبو محمد العدناني" في رسالة للمتعاطفين مع التنظيم (مايو 2016) وهي بمثابة دستور لجهاد الممكن "فإن عجزت الرصاصة والعبوة فالاستفراد بالكافر بحجر أو سكين أو دهس بسيارة" هو الجهاد الممكن، وهنا لا يشترط التكليف بالجهاد ولكن يكتفي بتلبية النداء، وتبعاً لما سبق فإنه من المتوقع أن يبقى تأثير التنظيم رغم انهيار دولته وحتى بعد تصفية كبار قادته.

وهناك عامل إضافي يجب أن يؤخذ في الإعتبار أن نسبة كبيرة من المقاتلين الأجانب كانت لهم علاقات مع مجوعات كبرى من منظمات الجريمة في أوروبا وروسيا بأفريقيا وبالتالي فإن إعادة نسج علاقات جديدة معها سوف يظل أمراً مطروحاً.
ولاشك أن حرص الدول الأوروبية على عودة مقاتليلها إليها واتخاذ العديد من الإجراءات بهذا الخصوص سوف يساهم في إعادة توطين هلؤلاء المقاتلين مع دول المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة في كيانات غير مركزية.
ورغم ما يثار حول الخلافات الفقهية والتنظيمية بين التنظيم وتنظيم القاعدة، إلا أن استيعاب فلول وتنظيمات ومقاتلي هذا التنظيم سوف يبقى هدفاً لتنظيم القاعدة، وتؤكد تقارير متابعة لمراكز ودراسات للإرهاب وتقارير استخبارية أن بعض قيادات ومنظري القاعدة بدأوا يغدون إلى مناطق تمركز التنظيمات التي بايعت داعش مؤخراً والتي من المرجح أن يصل إليها مجموعات من المقاتلين، واستثمار العلاقات القديمة مع بعض قياداتها وأخذ الحيلة والحذر ويركز على كيفية الهرب بعد تنفيذ العمليات.

خطا داعش خطوة أبعد حيث دعا إلى ما يمكن تسميته بجهاد الممكن، وهو ذلك النوع من العنف تحت شعار "الجهاد بالنفس في سبيل الله" والذي يهدف إلى القتل وإحداث أكبر قدر من الأضرار البشرية ويقوم هذا النوع من العنف بصفة أساسية على تحقيق هدف القتل دون التقييد بشروط الجهاد المعروفة في كتب الفقه والشريعة ويتجاوز مواقف التنظيمات الإرهابية القديمة، هنا الهدف تحقيق القتل دون الإلتفات إلى النتائج المترتبة على ذلك. رسالة "محمد العدناني" للمتعاطفين مع داعش 22/5/2016 تعد دستوراً لما يسمى بجهاد الممكن "ابذل جهدك ف قتل أي أمريكي أو من حلفائهم، فإن عجزت عن العبوه أو الرصاسة فاستفرد بالكافر بحجر أو بسكين أو ادهسه بسيارة"، فجهاد الممكن يختلف عن الصور الأخرى فلا يشترط التكليف بالجهاد (إذن ولي الأمر) ولكن يكتفي تلبية النداء.

يعتقد القائمون على جهاد الممكن اعتقاداً جازماً بوجوبه، وأنه فريضة يجب أداؤها ويستندون إلى تفسيرات مغلوطة لبعض الآيات القرآنية، بل أن البعض منهم يعتقد بوجوب القيام بالعمليات الإرهابية حتى لو لم تحقق أي هدف من ورائها "القتال الدائم هو تحقيق لفريضة الجهاد".

يؤمن هؤلاء بشكل كامل بما يسمى بجهاد الطلب وهو حسب فهمهم الخاطئ ضرورة طلب العدو في أرض وقتاله حتى يدخل الإسلام أو يدفع الجزية لذا يحرصون على قتلهم في عقر دارهم.

يؤمن هؤلاء بأحد المرتكزات الفكرية لدى التنظيمات الإرهابية وهو "حتمية المواجهة مع الكفار"، بهدف احتوائها مرحلياً بصورة متدرجة وإذا كان من الصعب تصور اندماج فلول ومجموعات داعش داخل القاعدة حالياً، إلا أنه من المرجح أن يحدث نوع من التنسيق أو التشبيك الجهادي بينها كمرحلة أولية يمكن البقاء عليها بحيث تبقى فكرة دولة الخلافة في الوعي الجماعي وهو ما يعني عدم تغير الفكر والمنهج التكفيري – حالياً – إلى تغير جغرافية الإنتشار وصوغ التحالفات.


*ورقة عمل قدمت في مؤتمر الأردن في بيئة...إقليمية متغيرة سيناريوهات المرحلة المقبلة-"2" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية خلال الفترة من 4-6 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في عمان-الأردن فندق رويال عمان.