A+ A-
الخطة الوطنية لمواجهة التطرف*
2017-11-04

 

معالي الأستاذ محمد داودية

وزير سابق، كاتب ومحلل سياسي، رئيس مجلس إدارة صحيفة الدستور/ الأردن

بسم الله الرحمن الرحيم
الأردن في بيئة إقليمية متغيرة .. سيناريوهات المرحلة المقبلة 2
الأردن في مواجهة تهديد التطرف والإرهاب
6 تشرين الثاني 2017

الأخ والصديق عريب الرنتاوي مركز القدس للدراسات السياسية،
الدكتورة انيت رانكو مؤسسة كونراد اديناور،
السيدات والسادة ضيوف الأردن،
السيدات والسادة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صباحكم سعيد.


في الخطة الوطنية لمواجهة التطرف للاعوام 2014-2016 نحو 195 توصية. 59 توصية منها تخص الأوقاف والافتاء!! اليست هذه أسباب موجبة كافية ودعوة للقيام بالإصلاح الديني والشروع فيه ؟

عدد التوصيات الكبير يشي بعمق المشكلات ويؤشر على حجم الاعطاب التي تفعل فعلها في المجتمع الأردني ويثير السؤال: لماذا تركنا ما يحتاج الى علاج حينا، والى استئصال حينا آخر، يتفاقم ويتسرطن ويتحوصل، ليصبح غددا صلبة تهددنا كل صباح.
وفي اطار "نتفق على التنزيل ونصطرع على التأويل" ورد في احدى التوصيات ان جانبا مهما من أسباب التطرف الديني يكمن في التفسير الخاطيء للدين وتأويله من قبل الأكثرية الذين يتصدون للعمل الإسلامي وينصبون انفسهم حراسا للعقيدة والشريعة ويتوهمون انهم الممثلون الشرعيون الوحيدون للاسلام.

ودعت توصية أخرى الى إشاعة ثقافة مجتمعية سياسية ومدنية ديمقراطية كنقيض لثقافة العنف والتطرف.
ودعت توصية ثالثة الى معالجة النقص الحاصل في الخطباء والائمة والمؤذنين المقدر ب 3300 وظيفة إمام و700 وظيفة مؤذن. ومعلوم ان عددا يقدر بالعشرات من الخطباء الحاليين هم من ذوي المنهج الموسوم بالغلو والتطرف الذين يرفضون الترحم على الشهداء وينتهكون الدستور والقانون حين يسبون المواطنين المسيحيين على المنابر دون حساب او عقاب او حتى عتاب، مما يستدعي احكام سيطرة الدولة على المساجد.

معالجة ظاهرة المدارس المنزلية حيث يعزل المتطرفون ابناءهم عن مجتمعنا ويرفضون ارسالهم الى مدارسنا نحن المرتدين ويدرسونهم في بيوتهم.

الانتباه الى معايير انتقاء المعلمين وتقييم أدائهم والتطوير المستمر للمناهج المدرسية لتواكب التطور والتقدم والعلم والحياة.
إعادة النظر في استقبال ما تبثة اذاعات القران الكريم وفضائيات التكسب والدم والتهييج التي تنشر الخرافة والفتاوى ممن هب ودب، لجهة التزامها بالدستور والقانون.

يتم تسمية التكفيريين هنا بمسميت إيجابية: السلفية الجهادية والتنظيمات الإرهابية بالاصولية وتنظيم الدولة الإسلامية.
وقف ترخيص الأحزاب على أسس دينية حتى لو كانت في سياق مناهضة تنظيم الاخوان المسلمين واضعافهم.
وقف فوضى المذاهب والفتاوى في الاردن استرشادا بالتجربة المغربية حيث تحتل وحدة المالكي المذهب مكانة كبرى في الحياة المغربية بكل فروعها الدينية والسياسة والتشريعية والاجتماعية والثقافية.

في الاردن العديد من الجماعات والجهات، التي يتعامل اكثرها بالفتوى. تتفاوت في مرجعياتها بين التشدد واليسر. فعندنا الصوفية والأحباش وجماعة الدعوة والتبليغ (الأحباب) والسلفية التقليدية (الوهابية) والاخوان المسلمون وحزب التحرير والتكفير والهجرة (السلفية الجهادية).

إن العمل من اجل وحدة المذهب العَقَدي ووحدة المذهب الفقهي، في الأردن وحصر الفتوى في جهات الاختصاص، هي واحدة من متطلبات الإصلاح الديني، وواحدة من متطلبات الأمن الوطني، وواحدة من وسائل الدفاع الوطني ضد التطرف والتشدد والغلو والعنف والإرهاب.

الأردن والحرب على التطرف والإرهاب

نجح الأردن نجح نجاحا بارزا في التعامل مع اخطر التحديات المعاصرة، الإرهاب، حين حسم الجدل الوطني المبكر حول "حربنا ام ليست حربنا". بالخروج الى مقاتلة الإرهابيين الأشرار خارج الاسوار، فشارك في الحملة الدولية على الإرهاب وبنى على حدودنا الشمالية "الوسائد" التي عزلت عنا على امتداد سبع سنوات ما يجري في سوريا من فوضى وحروب شارك فيها مئات الالاف المقاتلين.

عودة التكفيريين

يستدعي قرب عودة التكفيريين الأردنيين الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية، ويقدر عددهم بعشرات المئات، سؤال كيف سنتعامل معهم؟.

خصصت أميركا برنامجا شاملا لإعادة تأهيل جنودها العائدين من حروبها في فيتنام وكمبوديا وكوريا وأفغانستان والعراق، الذين أصيب منهم نحو 30% بأمراض واختلالات ما يسمى "اضطراب الكرب التالي للصدمة" أو "متلازمة ما بعد فيتنام" أو "مرتجفي الحرب" التي تولد اهتزاز فهم الشخص لذاته وللعالم من حوله وتتجلى في أعراضٍ نفسية وعقلية، ينجم عنها الانتحار -العنف ضد الذات- أو العنف ضد الآخر والإدمان على المخدرات والكحول والفصام والكآبة والنعزال وصعوبة الانخراط في الحياة والهياج واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

ومعروفة تجربة الأجهزة الأمنية المصرية التي كرست برنامج حوار واسعا طويل النفس مع التكفيريين في السجون المصرية من اجل إعادة إدماجهم في المجتمع.

معلوماتي المؤكدة هي ان الأجهزة الأمنية الأردنية، قد وضعت خريطة جينيوم "دي إن أي" تشكف من ولغ من الإرهابيين الاردنيين في دماء الأبرياء ومن جنّد ومن ضلل. كما انها أعدت لهؤلاء العدة، المتمثلة في برنامج تأهيل علمي، امني طبي سياسي ديني ثقافي إنساني مهني، يقدس لديهم قيمة الحياة الإنسانية وجدارة عيشها وحلاوتها. ويعزز لديهم فكرة النجاة وفرحتها. ويوفر لهم الإسناد الاجتماعي. وينمي عندهم أفكار المحبة والتسامح والتعددية والقانون والحق والعدل والخير.
سيعود الينا بعض الإرهابيين الاردنيين وهو يحمل في قلبه غلا وحقدا على العالم الكافر الذي "لم يخضع ولم ينخرط في فسطاط الإسلام وولايته". سيعود هؤلاء المذهونون بإحساس المنقذ المخذول، والمرارة تملأ قلوبهم، بسبب "تآمر العالم الضال الشرير، على مشروع انقاذ الأمة من ضلالها، واسترداد كرامتها ودورها".

المقاربة الأمنية هنا على ضرورتها لا تكفي. فالسجون، كما كشفت التجارب العراقية والمصرية والتجربة الاردنية -حالة الزرقاوي- هي ابرز مفرخات الإرهاب والقسوة والتشدد والانحراف والتطرف.
جدلية الاستيعاب والمواجهة مع التكفيريين الأردنيين اننا امام جدلية الاستيعاب والمواجهة الفكرية الثقافية التربوية الإعلامية في التعامل مع التكفيريين الأردنيين.

نحن في امس الحاجة الى مشروع ثقافي وطني لمواجهة مشروع داعش الإرهابي الذي هو مشروع ثقافي ايدولوجي عقيدي في الأساس، قام على كتاب إدارة التوحش لأبي بكر الناجي المكون من 112 صفحة والذي لم تكف 112 مليارا لمواجهته.
حملة هذا المشروع الوطني الملح هم الكتاب والمثقفون والفنانون والصحافيون والاعلاميون الأردنيون الوطنيون التقدميون وميدانها الصحافة والمواقع الالكترونية والفضائيات ووسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

للأسف الشديد، لا نرى ولا نسمع، نحن المشتغلون بهموم التنوير والحداثة والتقدم المدافعون بحق وصدق وبمثابرة،عن صورة اسلامنا الرحيم العظيم، منذ ما قبل داعش والى ما بعدها، اية مؤشرات على وجود مشروع/خطة/برنامج/توجه، لمواجهة التكفيريين والغلو والتشدد والقسوة والتكفير والتحريض واغتيال الشخصيات والعفة والاخلاق، المنتشر بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الحواري والشوارع والجامعات ودور العبادة.

واقتطف من زميلي الباحث الدكتور عارف باشا أبو صبرة قوله "ان القلق يكمن في العنف الخفي والمستتر وما يطلق عليه عنف الحرمان- وهو ما ينتج عن مجموعة الاختلالات في المجالات المختلفة، بخاصة في المجال الاجتماعي والسياسي، الذي ينذر بخطر محدق وشيك على الشباب ان لم يتم التعامل مع هذه الاختلالات بجدية ومكاشفة وشفافية والاستماع اليهم وتمكينهم.
إن الاثار الناجمة عن سلبيات هذا العنف الخفي، وعدم الانتباه له، سيكون مصدرا للتطرف والارهاب والعنف بكافة اشكاله وصوره.

شكرا السيدات والسادة لاستماعكم.
شكرا أستاذ عريب الرنتاوي شكرا أنيت رانكو على هذا المؤتمر.
شكرا معالي الأخ الدكتور عبد الله أحمد عويدات رئيس الجلسة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


  *ورقة عمل قدمت في مؤتمر الأردن في بيئة...إقليمية متغيرة سيناريوهات المرحلة المقبلة-"2" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية خلال الفترة من 4-6 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في عمان -الأردن فندق رويال عمان.