A+ A-
كلمة دولة رئيس الوزراء فيصل الفايز في افتتاح مؤتمر الاحزاب السياسية في العالم العربي ...الواقع الراهن وآفاق المستقبل*
2004-06-12

معالي فيصل الفايز
رئيس الوزراء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يطيب لي ان اعبر لكم عن سعادتي الغامرة، بوجودي بين هذه النخبة المميزة من مثقفي الوطن وفعالياته السياسية والفكرية والاجتماعية، في مؤتمر "الاحزاب السياسية...الواقع الراهن وافاق المستقبل" حيث ستبحثون موضوعا مهما من مواضيع التنمية السياسية، واعني بها الاحزاب السياسية وسبل النهوض بدورها والارتقاء بادائها.

وارحب ايضا بضيوف الاردن الذين قدموا من المغرب الشقيق وتركيا وايران الصديقتين، للاسهام في اعمال هذا المؤتمر. وانني على ثقة بان اسهاماتكم سيكون لها اثر كبير في اغناء الحوار واثرار الفكر واشتقاق المقترحات الكفيلة بتحقيق الهدف من مثل هذا المؤتمر حيث ستوفرون لنا ولكم الفرصة لفهم متبادل، اعمق وادق، للتحديات التي تجابه مسيرة الاصلاح والتحديث في دولنا ومجتمعاتنا العربية والاسلامية.

ايتها الاخوات والاخوة،

ضيوفنا الكرام،

لقد نشأ الاردن في العشرينات من القرن المنصرم كدولة عربية جامعة وتاسست امارة شرق الاردن على قيم الحق والخير والعدالة والمساواة، وكان الاردن وما زال موئلا لاحرار، وحرائر الامة العربية. ولدينا في الاردن من ذلك الوقت تراث ديمقراطي غني تمثل اولا بتشكيل المجالس التشريعية في العشرينيات والثلاثينيات ثم المجالس النيابية المنتخبة بعد ذلك وحتى تاريخنا الحالي. ورغم الصراعات التي شهدتها منطقتنا ولا زالت تشهدها الا ان المسيرة استمرت رغم بعض الانقطاعات التي كانت لاسباب طارئة املتها ظروف معينة حفاظا على الكيان الاردني والدولة.

وكان لحركة النهضة العربية ومبادئ الثورة العربية الكبرى النبيلة وقيمها السامية اثر كبير على الحياة السياسية الاردنية فتالف الاردنيون مع اخوانهم الذين قدموا الى الاردن من فلسطينيين وشاميين وعراقيين وغيرهم في اروع امثلة التلاحم والوحدة والتالف العربي، ونهضت مؤسسات الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحزبية وتم وضع دستور اردني في بداية الخمسينيات يعد من الدساتير العصرية والمتقدمة كفل الحريات ومساواة جميع الاردنيين امام القانون وان اختلفوا في العرق او اللغة او الدين وكفل الدستور تكافؤ الفرص والحرية الشخصية وحرية الراي بالقول والكتابة والتصوير وحرية الصحافة والطباعة وحق الاجتماع وتاليف الجمعيات والاحزاب السياسية وحق مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من امور شخصية او فيما له صلة بالشؤون العامة وكفل الدستور ايضا حماية الدولة لحرية القيام بشعائر الاديان والمعتقدات وحقوق المراة الاردنية وحق التقاضي وغيرها من الحقوق الدستورية.

ورغم العواصف التي هبت وما زالت تهب على اقليمنا المضطرب فان ذلك لم يمنع المسيرة من التقدم والبناء من الاستمرار والنماء من الازدهار.

ونحن ندين بذلك الى وعي القيادة الهاشمية وحرصها على توفير الحياة الكريمة للاردنيين والقيادة الهاشمية سليلة ال البيت الاطهار رضي الله عنهم وارضاهم تحظى بشرعية دينية وتاريخية وسياسية ودستورية وشرعية الانجاز وهي مثال في التسامح والاعتدال وصون حريات الناس والدفاع عن كراماتهم وحقوقهم الاساسية.

والاردن الذي يجد نفسه واقعا بين ازمتين كبيرتين العراقية شرقا والصراع العربي الاسرائيلي غربا استطاع التاقلم مع ذلك ولم تتعطل حياتنا السياسية والديمقراطية بل لعل هذه الاحداث كانت مدعاة لتمتين الوحدة الداخلية ومن هنا جاء مفهوم "الاردن اولا"، فالاردن اولا ليس مجرد شعار بل هو خطة عمل منهجية تبدأ بالمدرسة والجامعة والجامع والعمل وتتخلل كل مناحي الحياة الاردنية. وهي ايضا تهدف الى تقوية البنيان الداخلي وصون كرامة وعزة الوطن والمواطن و"الاردن اولا" ليس دعوة للانغلاق على الذات او ابتعاد عن عمقنا العربي ومحيطنا الاسلامي بل نحن نؤمن بان الاردن القوي الامن المستقر الذي يوفر سبل العيش لمواطنيه ويحقق لهم حرياتهم هو القادر على الوقوف ومد يد العون الى الاشقاء والاصدقاء ومساندة قضاياهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي نؤمن بانه لن يكون هناك استقرار وسلام في منطقة الشرق الاوسط ما لم تحل حلا عادلا وشاملا ومرضيا للفلسطينيين. بما في ذلك اقرار الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة اللاجئين الذين شردوا عن وطنهم وحق تقرير المصير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة وعاصمتها القدس. كما نؤكد ايضا في كل المحافل اهمية الاسراع بحل القضية العراقية بما يكفل بناء المؤسسات العراقية السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية تمهيدا لرحيل الاحتلال.ويسعى جلالة الملك عبد الله حفظه الله بجد متواصل الى دعم هاتين القضيتين في كل زياراته ولقاءاته مع المسؤولين الغربيين ايمانا من جلالته، وهو الهاشمي الذي لا ينام ليله مرتاحا وهو يرى حالة امتنا وما تعانيه من ازمات وتمزق وضياع للحقوق العربية، باننا في الاردن منذورون للدفاع عن امتنا العربية وعن قضاياها الحيوية وصولا الى اقليم لا تحكمه النزاعات بل يسوده الامن والاستقرار الكفيلين بان تنمو الاجيال القادمة في جو من السلام وتتصرف الى الابداع في شتى مناحي الحياة الانسانية.

ومنذ استئناف الحياة الديمقراطية والتعددية السياسية في العام 1989 وضعت قوانين حديثة للاحزاب السياسية والانتخابات النيابية والغيت الاحكام العرفية التي جاءت ظرفية بسبب تداعيات القضية الفلسطينية وتاثيراتها الداخلية علينا وبدات عملية التنمية السياسية التي تاتي هذه الحكومة ، ووفق كتاب التكليف السامي، لتعزيزها وتقوية بنياناها بناء على ما تم انجازه. ونحن الان بصدد المراجعة النقدية الذاتية لمسيرتنا بحيث تتعزز وفق قيم المواطنة والعدالة والمساواة وحقوق المرأة والاصلاح السياسي بما في ذلك التوافق على قانوني احزاب وانتخابات عصريين ومتطورين وتطوير القضاء المستقل العادل النزيه وهذا جزء مما تضمنه مسودة الخطة الحكومية للتنمية السياسية المعروضة للنقاش والحوار على اوسع نطاق في مجلس الامة بشقيه والاحزاب السياسية والنقابات والهيئات الاجتماعية والطلابية والنسائية ومؤسسات المجتمع المدني الاردني بكافة اطيافها ونتطلع الى ردود الفعل العلمية الواقعية حول مضامينها من قبل هذه الهيئات تمهيدا الى المضي في عملية اقرارها.

ايها الاخوات والاخوة،

ضيوفنا الكرام،

عندما شرفني جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله تشكيل حكومة جديدة، في تشرين الاول من العام الماضي ركز كتاب التكليف السامي على اهمية التنمية السياسية ومنذ ذلك الوقت انصاعت الحكومة للامر الملكي وفتحت الباب على مصراعيه لحوار وطني شامل حول القضايا التي تضمنتها خطتنا للتنمية السياسية.

ومنذ تسلمت مسؤولية الحكومة وانا اخوض وزملائي حوارات مع مؤسسات المجتمع الاردني في لقاء ناهزت المائة والخمسين لقد دامت مئات الساعات للوصول الى توافق مجتمعي حول هذه الاهداف والرؤى النبيلة.

مشيرا في هذا الصدد الى اننا نبني على ما تم انجازه وطنيا سواء في الميثاق الوطني او توصيات لجان الاردن اولا، بهدف وصل الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل متذكرين المقولة الشهيرة التي تقول "ان من يطلق رصاص مسدسه على ماضيه سيطلق مستقبله نيران مدافعه عليه". ونحن متيقنون اننا بهدف العملية نطور مجتمعنا ونحميه ونعزز حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية مدركين، ايضا، انه لا تنمية اقتصادية دون تنمية اقتصادية دون تنمية سياسية تواكبها وتعزز ايضا من الواقع الاجتماعي وتنعكس عليه ايجابيا مردودات هذه التنمية وعوائدها.

وندرك ايضا ان التنمية السياسية ليست قرارات فوقية ولا هي رؤى تهبط بالباراشوت بل هي حصيلة حوار وطني ومشاركة شعبية تهدف الى التجديد تشارك فيه كل القوى الحية في مجتمعنا الاردني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشبابية والنسائية والنقابية المهنية والعمالية دون اقصاء او ابعاد او تهميش وبالمقابل دون تخوين او تكفير او تشكيك، مؤمنين باهمية اشاعة ثقافة الحوار وقبول الاخر والاعتراف بحقه في الاختلاف.

ومحصلة هذه العملية ستكون لخير الوطن والمواطن. ونحن نؤكد اننا جادون وملتزمون بتحقيق مشروعنا للاصلاح السياسي الذي ينبع من ذاتنا ومن حاجة مجتمعنا للاصلاح السياسي والاقتصادي وتطوير القضاء وتعزيز حقوق المرأة وتعزيز قيم العدالة والمساواة والمواطنة وليس استجابة لاملاءات خارجية كما يحلو للبعض ان يفكر. وكما اسلفت فقد بدأنا عملية الاصلاح مبكرا وقبل ان يفكر فيها الاخرون. واؤكد ان كل ذلك يتحقق ضمن الاتفاق على ثوابت الدولة الاردنية وهي الانتماء لثرى الاردن العزيز والولاء لقيادته الهاشمية والوحدة الوطنية التي نعتبر ان كل من يمسها عدو للشعب الاردني. كما نؤكد تلازم الاصلاح السياسي والاقتصادي مع الامن والاستقرار، وبدون الامن لن تتحقق تنمية سياسية وحريات او استثمارات اقتصادية. ونحمد الله الذي انعم علينا بنعمة الامن والاستقرار رغم وقوعنا في عين العاصفة التي تعصف باقليمنا ومكننا من احباط المخططات الارهابية التي استهدفت المواطن الاردني ومؤسسات الدولة دون ان تتاثر اوضاعنا الاقتصادية او السياحة بذلك. وخير مثال على ذلك انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت الشهر الماضي الذي حضره اكثر من 1200 شخصية سياسية واقتصادية ومالية من انحاء مختلفة من العالم.

نحن امام تجربة تكاد تكون فريدة في الوطن العربي ونتطلع الى تحقيق هذه الرؤى والطموحات التي تحتاج الى جهد وعطاء كبيرين لكننا واثقون بقدرة ابناء شعبنا على تحقيق ذلك بكل اطيافهم ومشاربهم الفكرية والسياسية والتراثية، ولا ندعي اننا اوصياء على الحقيقة او اننا نحتكرها ونمتلكها لوحدنا بل الحقيقة ضالتنا انى وجدناها التقطناها.

* ورقة عمل قدمت لمؤتمر "الاحزاب السياسية في العالم العربي ...الوراقع الراهن وآفاق المستقبل" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 12-13/حزيران 2004,الاردن -عمان.