A+ A-
أثر التشريعات في تطوير الأحزاب السياسيةمراجعة تحليلية لقانون الاحزاب السياسية *
2004-06-12

د. كمال ناصر
نقيب المحامين سابقا

ايها السادة،،
اسمحوا لي ابتداءا ان اتقدم بشكري وتقديري الى السادة مركز القدس للدراسات السياسية بشكل عام والى مدير المركز السيد عريب الرنتاوي بشكل خاص الذي مكنني من المساهمة في هذا المؤتمر العام بعنوان:الاحزاب السياسية في العالم العربي ...الواقع الراهن وآفاق المستقبل ورغم ان الحديث عن الاحزاب متشعب، وتجاور محاور الاوراق بعضها البعض بل تتقاطع وتتقاسم. فانني ساحاول قدر الامكان ان احصر حديثي في نطاق ورقتي-ما امكن- والتي هي بعنوان: "أثر التشريعات في تطوير الاحزاب السياسية-مراجعة تحليلية لقانون الاحزاب السياسية في الاردن".
وتعلمون ايها السادة ان التشريع هدف ووظيفة وانه يتعين ان يحيا ويطبق في بيئة صالحة، وتبعا لذلك فان التشريع يتطور بتنوع الاهداف وتغير البيئات وبخلاف ذلك فان الحكم يكون حتما على المجتمعات البشرية بالجمود وهو ما لا يقبله احد.
ورغم ثبات المبدأ الدستوري المنصوص عليه في الدستور من حيث الحق في تاليف الجمعيات والاحزاب السياسية، الا ان القانون الناظم لطريقة تاليف هذه الجمعيات والاحزاب قد اختلف من مرحلة الى اخرى وفقا لمستحقات كل مرحلة، كما ان الواقع العملي في تشديد القيود او تخفيفها على بعض هذه الاحزاب دون الاخرى امر نقر بوجوده حتى اصبح ثمة تباينا واسعا بين تنظيم واخر مما يعني والحالة هذه ان بعض هذه الاحزاب قد اصبح حزبا جماهيريا بينما تعاني معظم الاحزاب الاخرى من اغتراب واقعي عن الجماهير، وقد ساعد في ذلك ضعف الموارد بل شحها عن بعض التنظيمات بينما كانت القنوات المالية ولا تزال تتدفق على تنظيمات اخرى، بحيث يمكن القول بان حزب جبهة العمل الاسلامي اصبح الحزب الاردني الحقيقي الذي تردفه جماهير واسعة والذي لا يفتقر اطلاقا الى الموارد المالية اللازمة وقد تمكن الحزب المذكور بعدة اسباب اصبحت معروفة لدى الجميع من الانتشار في المدارس والجامعات والنقابات بل ومؤسسات المجتمع المدني، ونحن لا ننكر حق الحزب المذكور بذلك ولكننا نطالب بتهيئة الظروف ذاتها امام الاحزاب الاخرى حتى تتمكن من منافسة الحزب المذكور والا فان عبارة "التعددية الحزبية" تصبح لا معنى لها.
وبغض النظر عن ماضي التجزئة الحزبية الاردنية، فاننا نقف اليوم امام مرحلة جديدة تبشر بها الحكومة بالتنمية والاصلاح، وتدعو الى ترسيخ الديمقراطية وتداول السلطة وتاكيد سيادة القانون وتطوير بناء مؤسسات المجتمع المدني.
وقد تم وضع استراتيجية اردنية للتنمية السياسية للاحزاب فيها ومؤسسات المجتمع المدني دور كبير كما قامت الحكومة الاردنية بتشكيل عدة لجان للنظر-في اهمية مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب السياسية ووضع اليات خاصة لتطويرها تمهيدا لمساهمتها في الحياة السياسية الاردنية.
وفي ذات الوقت فانه يتوجب ان لا يغيب عن البال ان المرأة الاردنية اصبحت موجودة واقعا وقانونا في البرلمان، وان اصوات الاصلاح الداخلية والخارجية تدعو الى تكريس دور المرأة واشراكها في الحياة السياسية وتعزيز دورها في التنمية وتبعا لذلك فانه لا يجوز ابدا ان تغيب عن البال ونحن بصدد دراسة قانون الاحزاب ان ناخذ بعين الاعتبار التشريع القائم وضرورة تعديلة بما من شانه ان يحقق الاهداف المشار اليها. عدا عن ضرورة الاخذ بعين الاعتبار الى انه وان كان المامول ان تساهم هذه الاحزاب في تاكيد الديمقراطية فانه يتعين ان تسود الديمقراطية الاحزاب ذاتها.
ولكنني ابتداء ابين بانه مهما كانت التشريعات متطورة ومهما منحت الاحزاب الحرية والدعم، فان ذلك لا يكفي اطلاقا لان تصبح الاحزاب في حالة جماهيرية تتمكن معها من الوصول الى المستوى الذي يجعل من بعضها قادرا على تشكيل حكومة ويجعل من بعضها الاخر معارضا يترقب ويراقب. ما لم تستطع ان تخلق حالة جماهيرية تدعمها وتؤيدها وتؤازرها، وخلق هذه الحالة الجماهيرية ليس مستحيلا ولكنه ايضا ليس سهلا بعد هذه السنين الطويلة من حالة الفوضى الحزبية بل وعدم وجود الثقة الجماهيرية بالاحزاب.
ولعل ما ورد في الورقة المقدمة من لجنة الاحزاب السياسية لدولة رئيس الوزراء في 23/4/2003 ليس بعيدا عن الواقع واقتطف منه ما يلي:
"ان المشكلة الابرز للعمل الحزبي اليوم، لا تكمن في الشرذمة فحسب، بل في غياب كتل وتيارات رئيسية يمكنها ان تنهي ظاهرة تفرد تيار بعينه لمؤسسات المجتمع المدني ويمكنها ان تؤسس لحياة نيابية نشطة ومؤثرة تنتهي الى تداول السلطة بين احزاب كبرى في البلاد.
ان الحياة الحزبية الاردنية التي تعاني بحق من مظاهر الشرذمة وعزوف المواطنين عن العمل الحزبي وغياب البرامج السياسية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للاحزاب المنطلقة من الموروث الاقتصادي والنسيج الاجتماعي الاردني والمكرس لخدمة الاهداف العليا للدولة الاردنية، وتمسكها في المقابل بايديولوجيات وشعارات ثبت عقمها تعاني ايضا من ضعف في شفافية عملها الحزبي، وتراجع في منسوب الحياة الديمقراطية الداخلة فيها، وارتباط بعضها الاخر بالخارج ماليا وتنظيميا فضلا عن اختلاف التوازن فيما بينها وغياب الاحزاب والكتل والتيارات الكبرى".
ويتعين ايضا حين الحديث عن اثر التشريع الاخذ بعين الاعتبار عدم عزل التشريع المتعلق بالاحزاب عن تلك التشريعات المتصلة بهذا الخصوص مثل قانون الانتخاب وقانون الاجتماعات العامة وغير ذلك، اذ انها جميعها تشريعات تتعلق بالحرية والديمقراطية وبحقوق دستورية لا يجوز المساس بها.
ومن غير المقبول ان يتم تعديل التشريع المتعلق بقانون الاحزاب ويبقى قانون الصوت الواحد او يبقى قانون الاجتماعات على حاله حيث يحظر الاجتماعات او يحد منها، مشيرا بهذا الخصوص الى المادة 3، والمادة 7 من قانون الاجتماعات العامة رقم 6 لسنة 2004 والى قانون الانتخاب لمجلس النواب المؤقت وتعديلاته رقم 34 لسنة 2001 والذي يتعين تعديله بحيث يساهم مع بقية التشربعات الاخرى في تحقيق الاهداف التي يتم التبشير بها والتاكيد عليها.
ومن غير المقبول ايضا بتشيجع الاحزاب في وقت تمنع فيه الجامعات والنقابات، وهي جهات اولى ان تنشر فيها الثقافة السياسية من خلال هذه الاحزاب.
وعودة مرة اخرى الى قانون الاحزاب السياسية رقم 32 لسنة 92 فان ثمة ملاحظات لا بد من تسجيلها وهي:
اولا:من الافضل تعديل مقدمة المادة الخامسة من القانون المذكور والتي تنص على انه "يجب ان لا يقل عدد الاعضاء المؤسسين لاي حزب عن خمسين شخصا".وبحيث تصبح على النحو التالي:
يجب ان لا يقل عدد الاعضاء المؤسسين لاي حزب عن مائتي شخصا على ان يكون 10% منهم على الاقل من الاناث.
وضرورة التعديل على النحو المشار اليه هو لضمان مشاركة اكبر عدد من المواطنين في التاسيس ابتداء وفي العضوية انتهاءا.
وثمة دساتير اخذت بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي في اقطارها وحرصت على تأكيد تمثيل التنظيمات السياسية الشعبية في احزابها، ومن ذلك ما ورد في جمهورية مصر العربية حيث اورد المشرع بخصوص المؤسسين عبارة:"على ان يكون نصفهم على الاقل العمال والفلاحين".
اما بالنسبة لعدد المؤسسين فهو تجاوز واقع بعض الاحزاب التي بقي عدد اعضائها هو ذات عدد مؤسسيها، وبالتالي لضمان حد ادنى من المشاركة في الاحزاب المذكورة.
ثانيا: يتعين حذف الفقرة أ من المادة الخامسة والتي تشترط في الشخص المؤسس ان يكون قد اكمل الخامسة والعشرين من عمره ذلك ان الفقرة (د) من ذات المادة تشترط فيه ان يكون متمتعا بالاهلية المدنية والقانونية الكاملة.واشتراط توفر هذه الاهلية كاف بحد ذاته للمؤسس والعضو. كما ان المادة 16 من ذات القانون تشترط في العضو الذي يرغب في الانتساب الى الحزب بعد الاعلان عن تاسيسه ان يكون قد اكمل الثانية عشرة من عمره.
ثالثا: يتعين تعديل المادة 12 من القانون بحيث يصبح على النحو التالي:أ-يعتبر طلب التاسيس لاغيا اذا نقص عدد المؤسسين عن 20 عضوا لاي سبب من الاسباب قبل الاعلان عن تاسيس الحزب.
ب-يعتبر الحزب منحلا اذا نقص عدد اعضاء الحزب عن 200 عضو في أي مرحلة من مراحل نشاطه، ولم يكيف اوضاعه خلال مدة اقصاها ستة اشهر.
رابعا: كما يتعين اضافة مادة تلتزم وزارة الداخلية بموجبها بنشر النظام الاساسي للحزب في صحيفتين محليتين على الاقل وعلى نفقة الوزارة.خامسا:يتعين حذف المادة 14 من القانون المذكور التي تحظر استخدام مراكز النقابات والجمعيات الخيرية والاندية واجهزتها لمصلحة أي تنظيم حزبي ذلك انه لا يجوز أن يحرم مواطن مهما كان موقعه من الثقافة الحزبية، كما لا يجوز ان تحرم الاحزاب من عرض برامجها وانشطتها على النخبة من المواطنين المنتسبين للنقابات بل وطلاب الجامعات ، وقد شهدنا في الايام الاخيرة جلالة الملك وهو يستقبل طلابا من الجامعات ويحثهم على اخذ دورهم السياسي في بناء الاردن، وان لا يكونوا ضمن الاغلبية الصامتة، ثم ان تواصل الاحزاب مع طلاب الجامعات والمؤسسات التعليمية في المرحلة الاكاديمية فيه نفع للجميع وفيه تدرج في تعليم وتعلم الثقافة الحزبية وتعددها.سادسا: يتعين تعديل المادة 16 من القانون بحيث تلتزم الاحزاب السياسية باحترام قواعد الديمقراطية في تشكيل هيئاتها القيادية واجراء انتخابات دورية ومنتظمة بصورة تجسد الديمقراطية ويتعين على هذه الاحزاب اشعار الوزارة بنتائج الانتخابات، كما يتعين السماح للاعضاء بالطعن بها.سابعا: وحيث ان للحزب الحق الكامل في ترويج افكاره ونشر مبادئه وممارسة انشطته فان له-وبالطبع- الحق في اصدار مطبوعة او اكثر، ولكن لا ضرورة لايراد القيد الوارد في ذيل المادة 17 من القانون والتي وردت على النحو التالي " وذلك وفقا للشروط المنصوص عليها في قانون المطبوعات والنشر المعمول به".ثامنا: في التمويلان تمويل الاحزاب السياسية يطرح قضايا حساسة خاصة وان ثمة شكوكا في ان هذا الحزب او ذاك يتلقى دعما خارجيا او تمويلا اجنبيا، كما ان ثمة تخوفا في الاقطار الاخرى التي وصل فيها احد الاحزاب الى الحكم ان يحتكر الموارد العامة ويمنع ذلك عن حزب الاقلية او الاحزاب المعارضة.
ولكن ذلك يجب ان لا يمنعنا من النظر بوضوح الى الفرق الشاسع في الموارد المالية لجبهة العمل الاسلامي مثلا وبقية الاحزاب مع ان جميع هذه الاحزاب من المفروض انها مؤلفة لغايات واحدة واهداف اردنية.


ان هذا الواقع يقتضي منا تدبر الامور المالية للاحزاب بحيث يتم مساعدتها لتادية مهامها وتنفيذ انشطتها.
وعلى هذا فانني اقترح تعديل المادة 19 بحيث تتضمن ما يلي:أ-التزام الدولة بان تؤدي للحزب في السنة الاولى من تاسيسه مبلغ عشرة دنانير عن كل عضو سواء أكان مؤسسا او منظما.
ب-التزام الدولة بان تؤدي للحزب مبلغا مقطوعا في السنة التي تجري فيها الانتخابات وعلى ان يثبت ان الحزب المذكور قد شارك في هذه الانتخابات بمرشحين وبحد ادنى عددهم.........
وقد تم عمل ذلك في بعض الاقطار حيث خصص البرلمان المجري مبلغ 12 مليون دولار لاحزاب المعارضة سنة 1990، كما قامت رومانيا بدفع معونات من الدولة للاحزاب السياسية لتغطية نفقاتها الاولية، وكذلك على اساس عدد المرشحين المتقدمين للانتخابات.
اما في نيكاراجوا فقد خولت اللجنة الانتخابية العليا السلطة تخصيص مبلغ معين للاحزاب السياسية بحيث يتم تقسيم 50% منه الى مبالغ متساوية للتوزيع فيما بينها، وتقسيم الباقي على اساس الاصوات التي حصلوا عليها في انتخابات سنة 84.
ج-اقترح تعديل الفقرة الثانية/أ من المادة 19 المتضمنة وضع سقف اعلى لقيمة ما يقدمه الشخص الاردني الواحد ولكن ذلك لا يمنع من وضع نص يلزم الحزب بموجبه بضرورة الاعلان عن الهبات التي يحصل عليها اذا تجاوزت الهبة المقدمة عن مبلغ محدد مع بيان اسم المتبرع وعنوانه وقيمة الهبة وقد ورد مثل ذلك في المادة 25 من القانون الالماني لسنة 67.
وفي المانيا وفنلندة والسويد تقدم الدولة معونة مالية للاحزاب، بغض النظر عن شروط تقديم هذه المعونة وقد اورد قانون الانتخابات لسنة 67 في المانيا نصا بخصوص دعم الدعاية الانتخابية للاحزاب وتحديد مبلغ جزافي مقداره 205 مارك الماني عن كل ناخب في الدائرة، على ان يستفيد من هذا الدعم للاحزاب التي حصلت على 0.05% من الاصوات.
تاسعا: اقترح تعديل المادة 20 بحيث تسمح للوزير في حالات مبررة نشر موازنة أي من الاحزاب السياسية في الصحف اليومية، كما تسمح لاي من اعضاء الحزب الاطلاع على حساباته.عاشرا: ان موضوع حل الاحزاب من قبل الدولة خطير، وتمتد هذه الخطورة الى وقف الحزب عن العمل، ولذلك فانني ارى وجوب التوقف طويلا عند مضمون المادة 25 من القانون.ان اعطاء الحق للوزير للمطالبة بحل الحزب-ولو كان ذلك عن طريق دعوى لدى محكمة العدل العليا في حالة اخلال الحزب. "باي حكم جوهري من احكام هذا القانون".
هو امر لا يخلو من نقد، اذ ان معيار الاحكام الجوهرية غير واضحة وغير محددة ويخشى ان تترك أمر تقدير جوهرية الاحكام للوزير؟
لذلك اقترح حذف عبارة "او اخل باي حكم جوهري من احكام هذا القانون" كما اقترح حذف كامل ما يتعلق بوقف الحزب مؤقتا عن العمل، حيث يخشى التعسف في استعمال هذا الحق مستقبلا.

وبعد فان ما اشرت اليه هو مجرد نقد للتشريع القائم، وقد صيغ هذا القانون في ظل مرحلة مختلفة تماما عن المرحلة الحالية، مما يعني القول حتما بضرورة وضع قانون جديد للاحزاب وليس تعديل التشريع القائم.
كما يتعين وضع قانون جديد للانتخابات والغاء قانون الاجتماعات العامة بل والغاء كل قيد يحد من حرية تاليف الاحزاب وحرية الرأي والتعبير والاجتماع وغير ذلك من الحقوق والحريات الدستورية.
والله الموفق

* ورقة عمل قدمت لمؤتمر "الاحزاب السياسية في العالم العربي ...الوراقع الراهن وآفاق المستقبل" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 12-13/حزيران 2004,الاردن -عمان.