A+ A-
نحو نظام حزبي فاعل في الاردن"الحاجات الى تطوير اتجاهات سياسية وفكرية رئيسية في البلاد " *
2004-06-12

د. موسى بريزات
سفير في الخارجية الاردنية

مقدمة : مفهوم النظام الحزبـي

إن وجود نظام سياسي تنافسي يعني ضمان الات : حرية تشكيل الهيئات والتنظيمات والجمعيات (الاحزاب ) والانضمام اليها ، حرية التعبير دون خوف ، حق الانتخاب، حرية القيادات السياسية والزعماء السياسيين في التنافس للفوز بدعم الشعب او الجمهور لتوجهاتهم عبر الانتخابات، وجود مصادر بديلة للمعلومات ، حق الأفراد والاحزاب في التنافس على المناصب العامـة ، ضمان انتخابات حرة ونزيهة ، ثم ، اخيراً تجسيد سياسات الحكومة لبرامج المرشحين ومطالب المواطنين حسب الافضليات التي تبرزها برامج هؤلاء المتنافسون . وبشكل عام يمكن تلخيص الشروط لوجود نظام تنافسي عام حر بـ: حق الافراد المتنافسين بصياغة الاولويات والافضليات التي يريدونها ، حق طرح هذه الافضليات او الأولويات والاهتمامات على الجمهور وعلى الحكومة وابرازها في ميدان المنافسة الحرة ؛ ثم حق هذه الأولويات والأفضليات ، بعد ان تحظى بالدعم الكافي من الجمهور عبر انتخابات حرة ونزيهه ، ان تجد طريقها الى التنفيذ كسياسات للحكومة .

من جهة اخرى ، اثبتت تجارب الشعوب والامم الاخرى التي وصلت الى مستويات متقدمة من الديمقراطية ان تحقيق ذلك يحتاج الى آلية محددة وهي وجود نظام حزبي يبلور اهتمامات الناس المتعارضة والمتداخلة ويجمعها بطريقة معقولة ويعبر عنها بشكل توافقي وسلمي وبناء ، ثم نقلها الى السلطة لتترجم الى سياسات عملية . إن كل ذلك يستدعي وجود نظام حزبـي فعّال .

ما معنى نظام حزبي ؟ وما هي شروط او متطلبات وجوده ؟
إن وجود احزاب في نظام سياسي ما هو شيء ووجود نظام حزبي شيء آخر. فمجرد وجود تنظيمات وجمعيات او هيئات مدنية واحزاب لا يكفي لقيام نظام ديمقراطي تنافسي . إذ لا بد من وجود نظام حزبي . وتعني عبارة "نظام حزبي " مفهوم فكري وسياسي وتنظيمي " أوسع ، حيث يعالج هذا المفهوم العلاقة الكلية بين الوحدات او التنظيمات (الاحزاب داخل الكيان السياسي )، وبينها وبين النظام السياسي والنظام الاجتماعي الأوسع . أنه الاطار المؤسسي للتفاعل بين احزاب متقاربة في الحجم والقوة وفي المنطلقات من اجل الفوز بما يوفره النظام السياسي من مناصب بهدف تنفيذ سياسات وبرامج عبر انتخابات تنافسية حرة .

لقد اكتشف الحزب بشكله الحديث في القرن التاسع عشر وذلك على إثر تطور المؤسسات التشريعية او التمثيلية في الغرب . ويفصح التطور الديمقراطي في تلك المجتمعات عن أن الديمقراطيـة الغربيـة تطورت عبر سيرورة طويلة مـرت في ازمات وانفراجات وفـي مد وجزر ، وتقدم وتراجع وامتدت على مدار اكثر من اربعة قرون . وتحول خلال هذه المدة الحزب من فكرة غير مرغوبه او محببه ، باعتباره يعني " الانقسام " او " الشللية " او "التحزب " ويعتمد العاطفه والمصلحة كوسيلة ، الى آلية ضرورية لتنظيم عملية ممارسة الحرية كما نجد الان .

لقد تطور الحزب مفهوماً ودوراً من كونه تجمع أفراد يعملون بوسائل مختلفه معظمها خارج القنوات الرسمية والشرعية الى منظمة تعمل بشكل علني وقانوني للدفاع عن مصالح اعضائه . ثم تطور هذا الدور ليصبح الحزب موسسة عامة تمثل توجهات المواطنين وتطلعاتهم وتنظم خياراتهم ، وتحاسب من قبل جمهور الناخبيـن .

وأخيراً أضاف الحزب الى دوره او رسالته مهمة الوصول الى السلطة وإكتساب القوة عبر الانتخابات من جهة ، وتوفير الشرعية للحكومة والدعم والمساندة للنظام الحاكم من جهة اخرى. أسبغ هذا الواقع بعداً جديداً ومركزياً في دراسة الاحزاب تتمثل بعدم امكانية لمعرفة جوهره وطبيعته . خارج نظام العلاقات والتفاعلات والتداخلات مع النظام السياسي الاجتماعي الأرحب الذي يعمل ضمنه الحزب ، وكذلك خارج نظام التنافس العام مع الاحزاب الأخرى . فتركيبة الحزب الداخلية وهوية النويات او التجمعات او الوحدات الفرعية التي يتكون منها ، ثم علاقته بالاحزاب الاخرى ، وكذلك علاقته بالسلطة او النظام السياسي وبقواعده الاجتماعية والانتخابية كلها أصبحت متداخلة وذلك في اطار قيامة بوظيفته الاساسية الجديدة ، والتي هي ذات طبيعه ثنائية وتتمثل بـ : التعبير عن إرادات المواطنين وصقلها ، ثم دعم السلطة وتوفير الشرعية لهـا .

ولهذا لم يعد للحزب قيمة علمية وعملية او فعلية خارج منظومة أوسع تسمى "النظام الحزبي". فالتفاعلات الداخلية في الحزب واهدافه النظرية وتطلعاته وحتى بنيته التنظيمية لم تعد مركز الاهتمام لأن الحزب في الأنظمة التمثيلية (الديمقراطية ) اصبح له وظيفة محددة : محاولة الوصول الى السلطة او الفوز بما هو متاح من المناصب التي يوفرها النظام السياسي ، وتوفير الدعم للحكـم . ويعتبر نظام العلاقات التفاعلية وانماطها بين الاحزاب المختلفة وبنية الفرص التي يوفرها النظام السياسي والنظام الاجتماعي الذي يحتضن الحزب جميعها عوامل مؤثرة في نجاح الحزب او فشله في مهمته الجديدة أكثر من التركيبة التنظيمية .

لهذا أصبح الحزب الحديث ضمن النظام الحزبي وكيلاً للناخبين ومنافس للوصول الى السلطة ، مثلما هو داعم لهذه السلطة ، يضاف الى ذلك حقيقة ان الحزب لا يمكنه التخلي نهائياً عن مصالح اعضاءه . الا أن احتمالات التناقض بين هذه الأدوار دائم الوجود لا سيما بين الدفاع عن مصالح الجمهور ومهمة تقديم الدعم للسلطة . ولهذا نجد ان الحزب في صراع دائم بين اعتبارات متعارضة ومصالح متضاربة . ولكن هذه هي ميزه او فضيلة الديمقراطية . فهي تنقل هذه التناقضات من محاور التماس بين المجتمع والسلطة الى آليات الاحزاب نفسها لتحسم عبر التنازلات المتبادلة وصناديق الاقتراع . ولكن لا يمكن حل هذه التناقضات وادارتها بشكل سلمي وبناء وبطريقة تضمن التغيير والاستقرار معاً الا من خلال نظام حزبي يعمل طبعاً في اطار نمط من التفاعلات والتداخلات التنافسية الأوسع على مستوى الكينونـه . ويمكن تعريف النظام الحزبي بشكل عام على أنه : مجموعة إسس ومعايير اساسية وشبه دائمة يضعها اللاعبون الرئيسيون في العملية السياسية وتتعلق بممارسة الديمقراطية او سبل تدشينها ثم ضمان استمرارها بحيث يلتزم بها الجميع بمن فيهم الاحزاب نفسها . ويأتي في مقدمة هذه الاسس والمعايير التوافق حول ثوابت الدولة ، والنظام الدستوري ، والنظام الاقتصادي والهوية الوطنية ، وحرية التنافس ، ونوعية التمثيل (نسبي ، ام اغلبية ، ام غير ذلك ) ونظام محاسبة الاحزاب وإنضاج النظام الاجتماعي التعددي ، ثم حسم الاختلاف حول أفضل السياسات لخدمة هذه السياسات وحماية مصالح الأطراف عبر صناديق الاقتراع .

ثانيـاً : عناصر النظـام الحزبــييعني النظام الحزبي تحليل انماط متداخلة من التنافس من اجل الفوز في الانتخابات للمشاركة في حكومـة او لمراقبـة اداء حكومه في نظام تنافسي (تمثيلي ) . ويقوم النظام الحزبي-بدرجات متفاوتة- بمهمة او وظيفة توفير سلطة فعاله ، وبلورة خيارات او افضليات للناخبين يمكن حسمها عبر الانتخابات .

واذا كانـت الدراسـة المنفـردة للاحزاب تنصب على فهم قاعدة كل حزب ( النخبة ، الطبقة الوسطى ، مجموعة او جماعة عرقية او لغوية او طائفة دينية او منطقة جغرافية او اقليم 000 الخ) ومحاولة فهم اهدافه ، وشعاراته ، وتنظيمه الداخلي ، وتوزيع القوه الفعلية بين المجموعات والتنظيمات الداخليه او الفرعية فيه . فإن دراسة النظام الحزبي تعني التركيز على العلاقة التفاعلية بين الاحزاب والأطر الأوسع لهذه العلاقة . ولذلك تشمل عناصر النظام الحزبي التي على المحللين او المهتمين التركيز عليها :

* عدد الاحـزاب ( الوحدات ) المشاركـة في النظام الحزبـي .

* قوة هـذه الاحـزاب حيـال بعضهـا البعـض .

* درجة الاندماج الذي يتسم بها هذا النظام ( طبيعة العلاقة بين الاحزاب المشمولة بالنظـام ) .

* جدارة هذا النظام الحزبي ومدى بروزه في النظام السياسي .

* وظائفـه وتأثيره على النظام السياسي والنظام الاجتماعي الأوسع .

من ناحية اخرى يقتضي قيام نظام حزبي وجود نظام تنافسي عام أي تعددية سياسية او سلطة سياسية تسمح بالمعارضة العامة او التنافس السياسي والمشاركة الشاملة للمواطنين . ثم وجود نظام اجتماعي تعددي ، وتوفر قاعدة اقتصادية سليمة ونمو اقتصادي معقول . هذا على صعيد الاطار الأوسع . اما على صعيد النظام الحزبي فلا بد من وجود اكثر من حزب تتقارب فرص كل منها للفوز بالفرص التي يوفرها النظام السياسي عبر صناديق الاقتراع ، بالاضافة الى وجود فرص حقيقية ضمن الحزب الواحد بين مختلف هيئاته ومكوناته للمنافسة ، وتكريس تشريعات ومعايير وإسس واجراءات – مكتوبة او غير مكتوبة – تطبق على الجميع ويراعيها الجميع. ثم قيام الاحزاب بدورها على اساس انها اداة ثنائية الهدف بحيث تبلور وتنظم اراء ومطالب وغايات ومصالح الجمهور وتنقلها الى السلطة من جهة ثم تنقل توجهات السلطة وسياساتها الى المواطنين من جهة اخرى.

وفي حال غياب نظام التنافس الحر على صعيد الكيان وقيام الاحزاب بدورها بين القاعدة والقيادة تصبح الاحزاب مجرد اداة لأحدهما : اي توفير اداة تحكم واختراق وتنسيق بيد الدولة.أو توفير اطار للحشد الجماهيري والتعبئـة الشعبية ليس فقط خارج اطر النظام السياسي ، بل وربما ضده . وفي هذه الحالة نجد ان الاحزاب تحرم من ميزتها الاصلية ودورها الاساسي وهو ان تكون ركيزة الحكم ، حيث تتحول الى مصدر للتوتر والتهديد والصراع مع الحكم وربما مع القاعدة ، اذا ما تحول الحزب الى اداة بيد النخبة الحاكمة فقط. لذلك فإن الضمانة الوحيدة للحيلولة دون حصول تناقض بين مهمتي الحزب هذه هو : أولاً ، العمل ضمن نظام حزبي حقيقي يقوم على مبدأ التنافس بين الأحزاب لتوفير الخيارات الأنسب لجميع اللاعبين ولحسم الخلافات عبر الانتخابات وعلى اساس التنازلات المتقابلة ، والتقيد بالقواعد المشروعة للعبه ، وعدم جنوح أي لاعب لتجاوز التقيدات التي تفرضها طبيعة النظام السياسي . ثم العمل ضمن نظام سياسي تنافسي يحول دون اقدام هذا الأخير على تقييد حرية الاحزاب التي تعمل ضمن الاطر الشرعية وعلى اساس توافـق وطني جوهرة صفقة متكاملة للأمن المتبادل لجميع اللاعبين. ويمكن تسميه هذة الصفقة بالتوافق على الاساسيات والتي تشمل : الدستور ، شكل النظام السياسي والهوية الوطنية ، طبيعة النظامين الاقتصادي والاجتماعي ، التزامات الدولة الخارجية، وكل ما يتم تضمينه في توافق وطني مسبق .

ثالثاً :النظـام الحزبـي فـي الاردن

كيف تقيـم مثل هذا النظـام في الاردن ؟

لا يوجد في الاردن احزاب بالمعنى العلمي للكلمة بسبب عدم وجود نظام حزبي تنافسي، وبسبب عدم وجود نظام تنافسي حر عام – أي عدم وجود ديمقراطية حقيقية. إن الحديث عن احزاب في غياب شروط عمل الاحزاب عبارة عن تجاوز على الواقع ، وتصرف في استخدام المصطلح او المفهوم . غير ان عدم وجود احزاب بالمعنى الحقيقي في الاردن لا ينفي وجود تنظيمات وجمعيات او تجارب تنظيمية وإرث من التنظيم على مستوى مؤسسات المجتمع المدني تكرس من خلالها شيء قريب من ادوار الاحزاب ومهامها التقليدية لا سيما التعبير عن مصالح المواطنين وتجميع رغباتهم وتنظيم مطالبهم ثم توفير نوعاً من الدعم او التأييد الضمني للحكومة . كما ان عدم وجود ديمقراطية حقيقية بالمعنى الكلاسيكي لا يعني انه لم يكن هناك إنفتاح وحرية وتجاوب مع طموحات المواطنين وتطلعاتهم . كما لا يعني ذلك غياب المؤسسات التشريعية والتمثيلية واجراء انتخابات نيابية بالكامل . فغياب الترخيص الرسمي للاحزاب خلال الفترة ما بين نيسان 1957 و 1992 لم يحل دون اجراء انتخابات نيابية التي لم تنقطع الا في ظروف استنثائية ، ومشاركة الاحزاب فيها غير ان هذا الواقع غير قابل للاستمرار . اذ ان المجتمعات المستقرة والكيانات المكتملة تلجأ الى الانتخابات والى الاليات الديمقراطية عندما تواجه ازمات او تمر بظروف استثنائيـة .

إن النظام الديمقراطي يمكن اختصاره بثلاثة عناصر رئيسية : إعطاء الفرد حق بلورة وطرح خيارات وافضليات خاصه به ، ثم حق السياسيين والقادة في التنافس لإبراز هذه الافضليات للشعب والحكومة وحسم الخلاف بينها عبر الانتخابات. وأخيراً ، حق الجمهور بأن تعكس سياسات الحكومة ثقل الاصوات ومطالب الجمهور حسب الافضليات التي حظيت بالدعم الأكبر في صناديق الاقتراع .وكما ذُكر سابقاً فإننا نجد ان النظام في الاردن مارس ، الى درجة كبيرة ، الامور الواردة اعلاه . ولكن بالمقابل هناك نقص في بعضها . فسياسات الحكومة لا تعكس بشكل كاف افضليات المواطنين وخياراتهم . لا بل تقوم احياناً اقلية ، بصياغة هذه الافضليات وعبر وسائل وآليات شبه او غير ديمقراطية . كما ان مصادر المعلومات البديلة والضرورية للعملية الديمقراطية غير ملائمة من حيث الشفافية وحق الوصول الى المعلومة الصحيحة ومن مصدر مستقل حول السياسات او الاحداث العامة . والانتخابات النيابية قد يعتريها أحياناً ما يشير الى عدم نزاهتها وإحتمال وجود تدخل فيها .

ان هذه النواقص لا تنسجم مع شروط الديمقراطية . لكنها في ظل الظروف التي مر بها الكيان الاردني قد تكون مفهومة وذلك بسبب غياب التوافق على الاساسيات بين الاطراف الداخلة في العملية السياسية . فحتى تقوم ديمقراطية حقيقية لا بد من شروط لوجودها تتمثل بضمان معارضة عامه او تنافس حر ثم مشاركة شعبيه شاملة . والمراقب يجد ان الاردن لديه من الثانية اكثر بكثير من الأولى . أي يوجد نقص لدرجة حرجة في شروط وجود نظام تنافسي فعال في الاردن .


ان الخطوة الأولى في حل هذه المعضله هو التقدم نحو بناء نظام سياسي تعددي او تنافسي يسمح بالمشاركة الشاملة . لأن النظام القائم الان هو أقرب الى ما يسمى بالاولوجاركية (الأقلية) التي تسمح بالمشاركة الواسعة لكنها تعاني من نقص في مفهوم التنافس او الانفتاح . فهناك مجال للمشاركة لكن ضمن شروط تنافسية منقوصة .

فالمواطنون يشاركون في العملية السياسية لكن بشروط وضعتها ربما النخبة . فهناك ما يمكن تسميته بعملية " للقيافة السياسية " في كثير من الحالات خارج العملية الديمقراطية ومؤسسة الاحزاب . وهذا امر مقبول من حيث المبدأ بشرط ان يتم ضمن ظروف تنافسية مفتوحة . فإذا ما قامت به الاحزاب ضمن نظام حزبي تنافسي يصبح امراً مفهوماً . فالتثقيف السياسي ، وتطوير القناعات ، والتنازلات المتبادلة وخفض سقف المطالب تمثل جميعها جوهر العملية الديمقراطية . وهو من باب قبول الرأي والرأي الآخر والمرونة والانفتاح . لكن حتى تكون كذلك يجب ان تجري في اطار مشاركة شاملة ونظام تنافسي حقيقي .

إن التحدي الان امام الجميع في الاردن هو خلق نظام تنافسي او بنية تنافسية . والسؤال يبرز حول كيف يعالج الاردن هذا الوضع ؟ يستطيع المراقب الاستنتاج بسهولة ان هذا هو هدف استراتيجية التنمية السياسية كما اطلقتها الحكومـة .

إن العلاج هو ببناء نظام سياسي تعددي تنافسي يسمح ليس فقط بالمشاركة الواسعة ولكن بشروط تنافسية سليمة . وقد بدأت الخطوة الأولى في رحلة بناء هذا النظام بطرح استراتيجية التنمية السياسية .

إن المقصد الاساس من هذه الاستراتيجية هو تدشين او اطلاق عملية الديمقراطية الحقيقية في الاردن . وقد اعطت هذه الاستراتيجية دوراً مركزياً للاحزاب في تحقيق هذه المهمة . ولذلك لا بد من التساؤل الان : هل الأحزاب الاردنية في وضعها الحالي قادرة او مهيئة او مؤهلة لإنجاز هذه المهمة ؟ والجواب المباشر هو بالنفي: أما الاسباب فهي متنوعة ويمكن حصرها تحت ثلاثة عناوين رئيسية . الأولى تتعلق ببنيـة الفرص التي يوفرها النظام السياسي لهذه الاحزاب. والثانية تتعلق بطبيعـة المجتمع الاردني . واخيراً هناك اسباب تتعلق بالاحزاب نفسها .

أثر النظام السياسي على الاحزاب في الاردن

يحدد هيكل او بنية الفرص في النظام اسياسي ليس فقط مدى تنظيم الحزب ولكن ايضاً مضمونة ونوعيته . فالنظام الانتخابي المعمول به وطبيعة المناصب المتوفرة امام الأحزاب والقواعد والاجراءات المعمول بها من اجل الترشيح والممارسات الفعلية جميعها تؤثر على بنية الأحزاب وفاعليتها . ان مشاركة الاحزاب في تجنيد صانعي القرار والتأثير في آلية صناعة السياسات وفي عملية تنفيذ هذه السياسات يترك اثراً كبيراً على الاحزاب . فمثل هذه العملية تفرض على الاحزاب الاهتمام بالبرامج والسياسات بدلاً من الشعارات والمبادىء . إن المشكلة التي واجهها الباحثون في ميدان العلوم السياسية في الديمقراطيات لم تكن ظاهرة رفض الاحزاب للسلطة من اجل المحافظة على العقيدة والمبدأ . بل البحث على المنصب او السلطة ( نائب ، عين ، وزير ، رئيس وزراء ) بأي ثمن واحياناً على حساب المبدأ . وهذا يفرض على الاحزاب الكثير من الواقعية والعقلانية . وفي حال الأردن كانت اول تجربة لتسلم الاحزاب المسؤولية منذ عامي 1956/1977 غير ناجحة . ورغم انني لم اقم بدراسة تلك الفترة بتعمق إلا ان الاستنتاجات الأولية تشير الى ان الطرفين لم يتمكنا من استيعاب المرحلة . فالاحزاب حينها لم تقدر المحددات التي كان يواجهها الحكم . كما أن قوى مختلفة في الداخل والخارج لم تساعد على استيعاب نتائج الديمقراطية التي كانت بكل المقاييس اكبر من ان يهضمها النظام . ولذلك تعثرت التجربة الأولى وحرمت الاحزاب من الفرص التي كان النظام السياسي يمكن ان يوفرها لها كمؤسسات . وان تم التعويض بأن قام النظام في كثير من الاوقات بتجنيد قياداته الساسية بين صفوف منتسبي الأحزاب ربما بعد ان جرى إنضاجهم سياسياً او "تقيفهم" سياسيـاً .

النظام الاجتماعي والاحزاب الاردنيـة

ان الأحزاب والنظام الحزبي لسيت هي نتاج الاليات والترتيبات الانتخابية والفرص التي يوفرها النظام السياسي فقط . فالمكونات الاجتماعية والديمقراطية والجغرافية والثقافية تلعب دوراً في تحديد ماهية الاحزاب والأنظمة الحزبية . فالمواطنون قد ينضمون الى الاحزاب لاعتبارات إقليمية او عرقية او اقتصادية او سياسية او جغرافية او لغوية او دينيـة .

وبشكل عام كان تأثير البنية الاجتماعية في الاردن محدوداً على الاحزاب الاردنية. ان الكثيرين قد يختلف مع هذا الرأي حيث ان الحكمة العامة ان القبلية والعشائرية هي عائق امام انتشار الاحزاب والانضمام اليها . ولكن الحقيقة هي غير ذلك . لقد كانت الاحزاب أوسع انتشاراً بين الاردنيين في بداية تأسيس الدولة وعندما كان المجتمع أقرب الى حالة البداوة والتماسك العشائري . كما ان الاحجام عن الانضمام الى الاحزاب الان هو بين مختلف فئات الشعب : العشائرية منها وغير العشائرية . اعتقد ان هناك عوامل أخرى تتركز جميعها حول بنية النظام السياسي والتجربة الاردنية في ميدان الاحزاب القومية واليسارية والتي تبين انها ادوات لاهداف غير قومية وغير تقدمية في كثير من الاحيان هي التي اثرت على نظرة الاردنيين تجاه الأحزاب .

صحيح ان التصويت يتم على اعتبارات عشائرية وعائلية وجهوية ولكن هذا لا يمنع ان تطرح الأحزاب اشخاص قريبين من هذه التجمعات . لأن الناخب يريد ان يصوت لمن يعرفه وبسبب عدم وجود احزاب تفرض نفسها على المجتمع المحلي برزت العشيرة كخيار وحيد احيانـاً للناخبيـن .

واقع الاحزاب الاردنيــة

أما الاسباب المتعلقة بالاحزاب ذاتها ، وهو موضوع هذه الندوة ، فيمكن ايجازها على الشكل الات :1. العدد : يوجد في الاردن الان حوالي 27 حزباً مسجلاً . وهذا العدد الكبير من الاحزاب يعني اشياءً كثيره في مقدمتها توزيع القوة فهناك تفاوت كبير في القوة بين الاحزاب الأردنيين وهذا يعني عدم امكانية التنسيق بين هذه الاحزاب .كما إن وجود هذا العدد بالنسبة لعدد السكان في الاردن يعتبر عائقاً امام بناء التوافق الوطني، اولا ، ثم ناهيك عن كونه عقبه كبيره امام الحوار. فعدد كبير من هذه الاحزاب تتشابه في المنطلقات الفكرية والتوجهات السياسية ولكنها تختلف فقط باسماء قياداتها وزعمائها . وكثيراً منها انشق عن احزاب سابقة .واذا ما تحقق المرء من اسباب هذه الانشقاقات لوجد فيها برهاناً على عجز مثل هذه الاحزاب عن ادارة عملية تحول ديمقراطي استراتيجية في الاردن . فإنشقاق الاحزاب قبل ان تخوض الانتخابات وقبل ان تشارك او تمارس السلطة يعني ان هذه الاحزاب اما نها احزاب شخصانية ، او ان اليات العمل الداخلي فيها عاجزه عن حسم الاختلاف بطريقة ديمقراطية ، او ان قياداتها لا تقبل بنتائج العملية الديمقراطية الداخلية وبالتالي تعاني من عجز في رصيد الديمقراطية لديها . ان تأثير وجود 30 حزب في بلد تعداد سكانه خمسة ملايين نسمه يمكن ادراكه لو تصورنا ان بلد مثل تركيا عدد سكانها 70 مليون يجب حسب نسبة الاحزاب في الاردن للسكان ان يكون في تركيا 180 حزباً . وفي حال الهند يجب ان يكون هناك 000ر300 الف حزب . اما اذا ما قارنـا ذلك بالصين ، التي يحكمها حزب واحد ، فالأمر يصبح غير قابل للتصور . كما لا يقتصر تأثير هذا الزحام الحزبي على الحوار بين الاحزاب، وعلى صعوبة بناء التوافق الوطني ، بل ويمس بشكل مؤثر على مهمة بلورة الخيارات امام الناخبين . فاذا كان في الساحة ثلاثة احزاب فعلى الناخبين ان يقارنوا بين 3 برامج للاختيار بينها . واذا كان فيها 4 احزاب فيجب ان يميزوا بين 6 برامج ، واذا كانت 5 احزاب فعليهم تقييم عشرة برامج، ولثمانية احزاب فعلى الناخبين النظر في 28 مقارنه حزبية . ولعشرة احزاب يتوجب عليهم تقويم خمسة واربعين برنامج للمقارنة . اما في حال وجود ثلاثين حزباً فالخيار يصبح شبه مستحيل. ويرتبط بالعدد الكبير للأحزاب الاردنية التفاوت الكبير في الحجم والقـوة بينها. فالأحزاب الصغيرة التي تشارك في النظام الحزبي دون ان يكون لها امل بالفوز والمشاركة في ادارة الامور تتحول عادة الى احزاب عقائدية وغير مسؤوله تمتهن المعارضة مما يؤدي الى اضعاف النظام الحزبي الذي تعمل فيه ، وإدراك النظام السياسي برمته . وهذا ما يعانية التشكيل الحزبي الحالي في الاردن . إن العمل مع أي تنظيم جزبي بدون قاعده يهتم بتوجاتها وخياراتها ومصالحها ويمكن ان تحاسبه عند التصويت هو اصعب من العمل مع حزب عريق له قاعدة واضحة . فالأول يريد خدمة اعضائه وبالتالي ليس له تأثير على نتائج الانتخابات او اية نتائج اخرى لعملية تشاورية .

كما إن هذا التفاوت في قوة الاحزاب الاردنية تم في ظل نظام سياسي غير تنافسي يجعل من الصعب الحكم على جدارة كل حزب من هذه الاحزاب بموضوعية. كما ان كثرة عدد الاحزاب مقروناً ببعد المسافة الفكرية والتنظيمية بين العديد منها يجعل امكانية تشكيل تحالفات انتخابية بينها امراً غير ممكناً ، وان تم ذلك فسيكون في الغالب تحالفات مصطنعة وغير مستقرة . ويضاف الى ما سبق ان هذه الاحزاب لم تنطلق من نفس خط البدء بسبب طبيعة المرحلة السابقة . لقد حظيت بعض الاحزاب والتنظيمات بالرعاية او الحماية او الدعم غير المباشر ، وفي مرحلة لم تكن فيها الساحة متساوية امام الجميع . فنتج عن التطور التاريخي للكيونة الاردنية حصول التيار الاسلامي على افضلية حيال التيارات اليسارية والقومية . في حين لم يكن للتيار الوطني أي فرصة حتى فترة قريبة .ولذلك فإن التعامل مع هذا الوضع كأمر طبيعي يضع احزاب معنية في ظروف غير ملائمه للمنافسة . لذلك لا بد ان يجري العمل لبلورة تيارات او منظمات مقابلة لخلق بنية تنافسية تعددية.

أن استمرار الوضع القائم المتمثل بوجود فرص غير متساوية بين الاحزاب الاردنية ، الى جانب تأثيرة على فرص هذه الاحزاب في الفوز او المنافسة يحرم المواطنين من حق الحصول على أفضل الخيارات . فالتوجه الفطري السياسي لدى الناخب هو ان يختار من له حظ أوفر بالفوز عند الاقتراع رغم انه ليس خيارة الأنسب. ولكون هذا التمييز لحزب او أكثر عن البقية ناتج عن سيادة ظروف لا تنسجم مع المرحلة الديمقراطية الجديدة . لذلك فإن تكريس هذا الواقع يمثل اجحاف في حق الناخب في اختيار من يعتقد انه الأصلح والاقرب لمصالحة واهتماماته وليس من يملك فرصة النجاح بسبب ظروف غير تنافسية . فهذا الوضع يؤدي الى تشوهات في خيارات الجمهور وبالتالي في العملية الديمقراطية . ولا اعتقد ان من المصلحة قبوله تحت أي ظرف . ولكن يجب عدم النظر اليه كتحجيم للتيار الاسلامي . اذ لا بد من معالجته بوسائل قانونية وديمقراطية ايضاً . وأعتقد ان على الجميع قبول فكرة التكيف مع متطلبات الديمقراطية وبالتالي التغيير وذلك من مصلحة مشتركة للمجتمع والوطن . ولا بد من خلق ظروف تنافسية متساوية للجميع والا اصاب الانطلاقة الديمقراطية عيب بنيوي منذ البداية . فالنظام السياسي قبل او تعهد بالتغيير من خلال استراتيجية التنمية السياسية ، ولذلك حرى بالاحزاب قبول ذلك قبـل غيرهـا .

2. تعيش الاحزاب الاردنية اختلافات كبيرة في المنطلقات . وكذلك في القواعد الاجتماعية الداعمة لها ، بالاضافة الى اختلاف ظروف نشأتها وتاريخ عدد كبير منها. كما ان الوسائل التي تستخدمها او استخدمتها في تجنيد القادة السياسيين والحزبيين متفاوتـه ، ناهيك عن عدم حماس بعضها للعمل ضمن النظام البرلماني والانقسامات الحادة بينها تجعل علاقاتها البينية اقرب الى الصراع. ويفاقم من هذه المشكلة الارتباطات الخارجية او العلاقات التي تربط بعضها خارج الوطن . وجميع هذه الاعتبارات الى جانب الاختلاف في التوجهات الاساسية وحتى في الفهم العام للعديد من الشخصيات والمواقف والأولويات تجعل امكانية التعاون بين هذه الاحزاب لبناء قواعد او قواسم وطنية مشتركه مهمة صعبة للغاية . إن المتعمق في منطلقات هذه الاحزاب يجد –لاسيما العقائدية منها – انها لا تلتقى الا على فكره المعارضة للنظام او الحكومة . وقد يكون ممكناً التعايش مع هذا الوضع لو انه وُجد في ظل ديمقراطية متجذرة وعريقة ، أي اتى على اعتبار انه تجسيداً لخيارات الناخبين الحرة . غير ان كونه اتى نتيجة ظروف غير تنافسية فلا يمكن ان يشكل قاعدة للانطلاق منها لتدشين عملية ديمقراطية حقيقية يراد لها النجاح والاستمرار . فهذا التفاوت الكبير بين الاحزاب الاردنية حجماً وفكراً والذي لم ينتج عن ممارسة تنافسية بل برز في ظروف غير ديمقراطية فإن التعامل معه كأمر طبيعي في ظل الديمقراطية سيكون اجحاف بحق الديمقراطية .

كما أن دعوة احزاب تتناقض في المنطلقات ، وغير متحمسه للديمقراطية ، ومتفاوته في القوة والحجم ، وباعداد كبيرة للحوار يعطل الحافز لديها لتقديم التنازلات الضرورية للبدء بمسيرة تغيير او تحول ديمقراطي سليم . ان المنطق يقول اذا اجتمعت المتناقضات على هدف فمن المستحيل العمل مع هذه المتناقضات جماعياً خارج هذا الهدف . وقد اجتمعت واجمعت معظم هذه الاحـزاب علـى المعارضـة – كمـا يتضـح من ردها على استراتيجية التنمية السياسية – ولذلك يصعب محاورتها بشكل جدي لبناء نظام تعددي مفتوح . كما يصعب ان تقوم بالدور المنوط بالحزب وهو التعبير عن مصالح الجمهور ثم تقديم الدعم للحكومة وللنظام اذا ما بقيت على وضعهـا الحالـي.3. إن الحزب أسير تاريخه الى حد كبير . واذا انطبقت هذه المقوله على احزاب فانها اكثر ما تنطبق على احزاب اردنية معروفة . فهذه الاحزاب لا سيما العقائدية منها تشكل بعضها وتأسس ليست كاحزاب برلمانية انتخابية بل كجمعيات للخدمة الاجتماعية والدينية وكمنظمات سرية نضالية هدفها ليس الفوز بمقاعد برلمانية بل لتغيير إسس وقواعد اللعبة السياسية . وبعض هذه الاحزاب هو واجهة لتنظيمات سياسية وعسكرية غير اردنية . ومع ان جزء كبير من الخطاب السياسي لهذه الاحزاب طروحاتها قد تغير الا ان منطلقاتها الفكرية لا تزال قائمة . لقد اثبتت التجارب ان الاحزاب التي تنشأ خارج النظام البرلماني وتكون نوياتها التنظيمية اتحادات مهنية ونقابية او جماعات قبلية عشائرية وعائليـة او جمعيات دينية او منظمات سرية عسكرية تكون عادة مياله لمقاومة منطق الانتخابات ، والتوجه لأن تكون منظمات شمولية تدفع نحو نظام يقوم على الحزب الواحد او نظام حزبي مشرذم . ويكون لها اجندات مختلفة . ويبقى الفكر الشمولي والاصولي مسيطر على نهجها .4. يوازي هذه الحالة حقيقة اخرى وتفيد ان النظام السياسي الاردني قد تعرض لتغييرات كبيرة في رؤيتة ومنهجه وأولوياته . وان هذه التغيرات قد تمت ضمن متطلبات المحافظة على البقاء الوطني . وتعتبر بعض هذه الاحزاب ان هذه التغيرات وسبل التعامل معها التي اصبحت جزءاً من البنية الاساسية للنظام ليس فقط غير مقبوله ، لا بل تعتبر من وجهة نظر البعض " انحرافاً " عما يجب ان تكون عليه مسيرة الاردن ومصالح للاردنيين . اذ تذهب بعض الاحزاب الى اعتبار اطروحة " الاردن أولاً " ، ومعاهدة السلام الاردنية – الاسرائيلية لعام 1994 ، والعلاقه مع الولايات المتحدة ، والنهج الاقتصادي الحالي ، والموقف من القضية الفلسطينية – وكلها من الاساسيات للنظام السياسي والحكم – مساساً بمصالح حيوية للاردنيين وغير مقبوله . وتطالب هذه الاحزاب ليس فقط بالتراجع عنها بل تبني خيارات معاكسة لها تماماً .يقابل ذلك تؤيد احزاب اخرى ، ربما ليست بحجم الاحزاب السابقة ، هذه الخيارات وتتحمس لهـا .

5. يخلق الواقع المشار اليه حالة استقطاب شديدة في الساحة الحزبية الاردنية . واذا ما تم نقل هذه الحالة الى الساحة الشعبية التي تعاني هي بدورها من حالة احباط ، لأكثر من سبب ، فإن تدشين عملية ديمقراطية يصبح امراً عسيراً . وتزداد المهمة صعوبة في ضوء التشرذم الحزبي والتجاذب وغياب التوافق على الاساسيات ليس فقط بين الاحزاب نفسها بل بين بعضها والنظام السياسي، ووجود حالة شعبية غير مستقرة يصبح استنباط التوافق امراً معقداً ، بل والحوار غير ذي جدوى ومشكوك في نتائجة.

6. ان المتمعن في البنية الحالية للاحزاب الاردنية يجدها ، الى حد ما بدائية ، وتطورت في ظل ظروف غير تنافسية . لذلك من الطبيعي ان تتغير هذه البنية التنظيمية لتتفاعل مع واقع تنافسي جديد يجري الاعداد له . والأهم فإن هذه الاحزاب ، حسب وضعها الحالي ، لا تشكل نظاماً حزبياً ، ولذلك لا يمكنها مجتمعة تحمل تبعات المشاركة في بلورة استراتيجية وطنية او توافق وطني لتدشين ديمقراطية فعلية . فالعديد منها أحزاب ذات منطلقات ايديولوجية ( دينية / قومية / علمانية ) مما جعل درجة الاستقطاب بينها كبيرة لدرجة ان حالة الاستقطاب تتجاوز مستواها في المجتمع الذي هو اطارها الأرحب بكثير ! ولبعضها طروحات ومنطلقات تقع خارج مدار الكينونة او اكبر مما يستطيع الكيان الاردني تحمله. ولذلك لا يفوت على المراقب تردد بعض هذه الاحزاب في الدخول في بناء بيئة تنافسية فعليه ونظام حزبي في الاردن ، رغم تطلعها للمشاركة في السلطة والانتخابات . إن العديد من هذه الاحزاب اسير ماضيـة .

7. يعتبر الحزب من اهم ركائز الكيان السياسي في الأنظمة الديمقراطية : وهو اخر حلقة في سلسلة التنظيم الاجتماعي دون الحكومة او السلطة . وقد يتسلم السلطة ويشارك فيها . ولذلك فإن نشاطاته تمس بشكل مباشر قيم جوهرية للمواطن لا سيما الرفاه والامن والاستقرار والحرية . ويمكن عبر سياساته اعادة توزيع الموارد والمكتسبات في الكيان وتغير اولويات الدولة . ولذلك هناك حاجة لضمان بألا يستأثر أي حزب يصل الى السلطة بهذه الأخيرة او يقوم بتهديد وجودها او زعزعتها عبر السعي لتكييف اسسها او ركائزها الاقتصادية والسياسية والامنية والاجتماعية مع منطلقاته الفكرية ومصالح اعضاءه .

فاذا كان من الطبيعي ان يبادر الحزب ، الذي يظفر بالانتخابات ، الى السعي لتطبيق برنامجه فمن المفروض ان يكون هذا البرنامج قابل للتطبيق . فالحزب يصنع سياسة . وحتى تتنظم العملية الديمقراطية لا بد ان تكون معالم هذه السياسة واضحة للأخرين . ولا يمكن منح حزب بأجندة مفتوحة فرصة تسلم السلطة او التأثير عليها . وعدد كبير من الاحزاب الاردنية تعمل باجندة مفتوحة وغير محددة المعالـم . وهي احزاب تعتمد على النداء العاطفي والشعار وتتبنى منهجاً دوجماتياً اكثر من اهتمامها بالعمل العقلاني والبرامج والمنهج العملي لذلك . كما ان نسبة كبيرة من المواطنين ترى ان عدد كبير من هذه الاحزاب غير فعّال ، ولا يلبي تطلعاتهم . وتشكل في بنيتها الحالية عبئاً ليس على النظام السياسي ، بل وعلى المواطن الذي يحجم عن الانضمام اليها .

8. إن ما ورد سابقاً يشكل مخاوف حقيقية لدى الكثيرين . وهو ليس تخيلات او مسائل افتراضية . ولذلك فالوضع أكثر تعقيداً وصعوبة مما يتخيله البعض . فبسبب البنية الحالية للاحزاب الاردنية لا سيما الانقسامات الجذرية والعميقة بينها ، واختلاف في المنطلقات بين بعضها البعض وبين السلطة ، وتناقض هذه المنطلقات مع التوافق الوطني السائد ، الى جانب التأثيرات الخارجية على اكثر من تيار حزبي اردني ، بما في ذلك التيار الليبرالي ، ومعتقدات بعض النشطاء الحزبيين والقياديين ، وقناعات رموز المعارضة المعلنه ، وعدم امكانية تحمل النظام تبعات بعض خيارات الناخبين وذلك بسبب الوضع الاستثنائي في اطار العلاقة مع القضية الفلسطينية ، وعدم اكتمال بناء الدولة او الدولة – الأمة لا يمكن للمسيرة الديمقراطية ان تنطلق بفاعلية دون قيام الجميع بتقديم تنازلات جوهرية . لا سيما وان الديمقراطية في ظل مشاركة غير محددة المعالم تعني ، من بين امور اخرى ، ان يصبح القادة الحزبيون والسياسيون اقرب الى الناخبين في خطابهم السياسي وبرامجهم وحتى طروحاتهم والتي هي في احيان كثيرة مدعومة بمنطلقات حزبية . في ظل هذا الوضع يصبح تخوف السلطة من السماح بالحرية قبل وضع معالم او اسس تنظم ممارساتها أمراً مبرراً . فالحكومة بادرت الى اقتراح التنمية السياسية وقدمت بموجبها صفقة يمكن وصفها بـ : " المشاركة مقابل الوطنية " . إلا ان رد فعل الاحزاب ووضعها الحالي لا يبعثـان على الطمأنينة . إن عناصر هذه الصفقة عبارة عن وصفه وطنية تحقق التناغم والانسجام بين عملية ممارسة الحريـة وضمـان تعايش سلمـي بين خمسة شخوص هي : الله والامة والدستور والاردن والمواطن الحر .

ان بناء نظام حزبي في الاردن يتمحور حول عناصر هذه الصفقة هو الضمان الوحيد للبدء بتدشين عملية ديمقراطية سليمة يؤمل منها ولها ان تنمو ليصبح الاردن في فترة معقولة انموذجاً للأخرين . والسؤال الآن هو كيـف يمكـن عمـل ذلـك ؟

رابعـاً : عناصر نظام حزبـي اردنـي

إن اقرب بلد من دول العالم الثالث للأردن من حيث الظروف الحزبية يعرفها الباحث هي اندونيسيا في بداية العملية الديمقراطية فيها . فقد وجدت فيها احزاب علمانية واخرى دينية ، واحزاب كبيرة تمثل مصالح عريضة واخرى صغيرة تمثل مصالح محدده 000 واحزاب طائفية عرقية اثنية واخرى وطنية 000 واحزاب قوية تنظيمياً واخرى ضعيفة 000 احزاب ايديولوجية واخرى ذات برامج عملية 000 الخ .

ولكن لا يمكن نقل تجربة بلد بالكامل وتطبيقها في بلد آخر . فلكل بلد نظامه الحزبي . والسؤال كيف ننتقل في الاردن من وضعه الحالي الى وضع اقل تعقيداً ؟ أي كيف نجعل الاحزاب الاردنية اكثر ديمقراطية واكثر مسؤولية واقل تشرذماً ودوجماتيـة .

نظريـاً يتمكن اتبـاع احد الخيـارات التاليـة :

أ)تبنى التنافسية الكاملة اي ترك الحرية للشعب يقرر في انتخابات حرة ومفتوحة .

ب)تقييد عملية التنافس حتى يمكن تحاشي حدوث مفاجئات غير سارة لجميع الفرقاء .

ج)قيام الاحزاب بتنظيم نفسها وتعاون السلطة الرسمية معها وذلك عبر قوانين تنافسية تحقق مبدأ التنافسية بالتدرج كما تقترح هذه الاحزاب .

د)صياغة عناصر توافق وطني مسبق داخل المجتمع من قبل النظام السياسي وذلك عن طريق الحوار المباشر مع المواطنيين وبدون الاحزاب .

هـ)الحوار مع الاحزاب لصياغة عناصر التوافق الوطني والسياسات المرتبطة بذلك. طبعاً لكل من هذه الخيارات ايجابياته وسلبياته . ولا يتسع المقام لتفصيلها وان تم تفنيد محاذير الخيار الأول بشيء من التفصيل بما في ذلك العقبات التي تقف في طريقه .

وأعتقد ان الأنسب هو منهج يجمع بين هذه الخيارات الخمسة وحسب مقتضيات الظروف. ويمكن تصور بعض المنطلقات التي لا بد ان يتضمنها مثل هذا المنهج ، والتي اهمها :

* الانطلاق بداية من ان أي نظام حزبي يجب ان يبنى على اساس النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يجسده الكيان وليس على تاريخ الاحزاب وشعاراتها أو على استمرار الوضع الراهن في بنية الفرص التي يمثلها النظام السياسي .

* تهيئة الاساس المجتمعي للعمل الحزبي لا سيما انعاش التعدديـة المجتمعيـة .

* توضيح طبيعة علاقة النظام الحزبي المنظور بالدولة والحكومة .

* تخلي النخب المهيمنة على بعض امتيازاتها ضمن عملية التنازل المتبادل بين جميع الاطراف.

* العمل لتقريب المسافة من حيث الحجم والقوة والفكر بين الاحزاب . ويتم كل من الأمرين الاول والثاني عن طريق تدخل مباشر من السلطة . اما المجال الثالث فيترك للاحزاب نفسها وللقوى الاجتماعية والمفكرين حرية التعامل معه.

* الاقرار بأن الهدف النهائي هو بناء نظام سياسي تنافسي .

* شمولية المشاركة وحق المعارضـة والمنافسـة السياسيــة .

* توفر الفرصة لأكثر من حزب للفوز في الاغلبية حتى لا يصبح النظام الحزبي جامداً والنظام السياسي مشلولاً وتحت رحمة مدرسة واحدة ، مما يعطل عملية صياغة خيارات سياسية حقيقية اوسع للمواطنين .

- اخذ الخصوصية الاردنية بعين الاعتبار . وتتمثل هذه الخصوصية بـ :

أ. ان الاردن يعيش مرحلة انتقالية فيما يتعلق بالعملية الديمقراطية وكذلك كونه في خضم عملية بناء الدولة او الدولة - الأمة .

ب. التفاوت الواسع بين الاحزاب في شتى المجالات وضرورة معالجته .

ج. الرغبة بتدشين مرحلة جديدة من التعددية السياسية .

وبموازاة المنطلقات السابقة وتكملة لها لا بد من تبنى خطوات عملية تشمل :

• توضيح بنية الفرص التي يوفرها النظام السياسي للأحزاب – أي بيان المناصب التي يمكن للاحزاب ان تتنافس بشأنها .

• تقليص عدد الاحزاب والمحافظة على المنافسة بين الاحزاب وداخل الاحزاب نفسها.

• صياغة توافق وطني حول الاساسيات شاملة الدستور والعلاقة بين الدين والسياسة، والهوية الوطنية ، والمنهج الاقتصادي المرغوب والبعد القومي للاردن ثم طبيعة التزامات الاردن الخارجيـة ومدى حصانتها من التغيير.

• صياغة قانون انتخاب يعتمد مبدأ الوحدانية في الدائرة والمقعد والصوت وكذلك دخول الاحزاب البرلمان على اساس حاجز انتخابي 15%، واعتماد مبدأ الاغلبية المطلقة ، ثم التمسك بمبدأ فصل منصب النيابة عن الوزارة بحيث قتصر دور مجلس النواب على المراقبة والمحاسبة والتشريع .

• اعتماد الاحزاب لعناصر التوافق الوطني في مواثيق تأسيسها .

• اعتماد قانون احزاب يحدد اسس النظام الحزبي التنافسي والشفافية والتزام الاحزاب بعدم المس بتوازن القوى في الكيان او بالاسس التي اتى الحزب على اساسها للبرلمان. ويمكن ان تعمل الاحزاب على خلق التوازنات الجديدة من خلال سياسات وبرامج ضمن الاطار العام ، وكذلك قبول مبدأ المساومة والتنازلات والابتعاد عن العاطفة والاثارة في مخاطبة الجمهور والدوجماتية في الافكار ، واعتماد البرامج بدل الشعارات والسياسات العملية بدل التشبث بالمنطلقات ، وتنظيم الحملات الانتخابية على اسس لا تسمح بتجاوز متطلبات التنافس الشريف للجميع ، ومحاسبة من يلجأ الى التخوين او التكفير او القدح والذم بالباطل .

• تحويل المخالفين لإسس الديمقراطية الى القضاء ضمن قانون العقوبات وتحمل المسؤولية للاشخاص الذين يرتكبون المخالفة وليس للحزب .

• تهيئة الاساس المجتمعي التعددي والاقتصادي السليم للعملية الديمقراطية .

• تنظيم عملية التنافس على المناصب العامة بعيداً عن تأثير أي جهة. واعتماد الكفاءة والجدارة في ملء شواغر الدولة غير التشريعية ، وانشاء جهاز مستقل لمراقبة ذلك خاضع للسلطة القضائية ، ووضع نظام لاختيار كبار المسؤولين استناداً الى الكفاءة واستقلالية البيروقراطية والسلطة التنفيذية عن التأثير السياسي ، وبضمانة القضـاء .

• التخلص مـن نظـام الزبـون وولي النعمـةPfatron-client system الذي يتصف به النظام الاردني بشكل عام حاليـاً .

ان التمعن بهذه المعطيات ومعالجة هذه المتطلبات والشروط توفر الاطمئنان للجميع فالسلطة لها الحق وهي تشرع الباب امام الاحزاب للمشاركة في الحكم ومكتساباته ان تطمئن الى حقيقة هذه الاحزاب وتوجيهاتها وحدود عملها . كما ان للناخـب والجمهـور اللذيـن يريـدان ان يفوضا مصيرهما الى هذه المؤسسة ( الحزب) الحق بأن يطمئنا ليس فقط الى شخص المرشح وشخصية قائد الحزب او زعيمه بل والى آليات التحكم والتنافس والتغيير عند الضرورة . ولذلك لا بد من وجود شفافية كاملة في العملية السياسية التي تشارك فيها الاحزاب . وكما تم بيانه سابقاً فإن وجود نظام حزبي هو الضمان الذي يحول دون ان يتحول الحزب الى حزب سلطوي او ديكتاتورية جديدة ، أي ان الديمقراطية مكفولة بين وحدات النظام السياسي وبين وحدات النظام الحزبي وداخل الحزب نفسه وذلك بموجب النظام الحزبـي ، ومن قبلـه .

أخيراً ، اعتقد ان قيام ثلاثة الى خمسة احزاب رئيسية ذات برامج عملية منطلقة من ثوابت التوافق الوطني وتتعامل مع خمس عبارات حساسة في حياة المواطن الاردني – الله والوطن والدستور والامة والمواطن – بصيغة عملية واقعية وبرؤيـة مستقبلية سوف تكون خطوة جبارة في اطار بناء او تدشين سيرورة ديمقراطية قابلة للإستمرار والتطور بحيث يمكن ان يتحول الاردن الى وطن قادر على تلبية تطلعات ابناءه وحلمهم في امه عزيزة تستعيد حقوقها وتحفظ مكانتها بين الأمم . إن أي حزب او تألف حزبي يحقق الانسجام في برامجه وسياساته بين تلك الكلمات الخمس هو حزب المستقبل .


*ورقة عمل قدمت لمؤتمر "الاحزاب السياسية في العالم العربي ...الواقع الراهن وآفاق المستقبل" الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 12-13/حزيران2004,الاردن-عمان.