A+ A-
حرية الصحافة والإعلام في البيئة السياسية والإجتماعية الأردنية*
2004-04-28


*عريب الرنتاوي

لأن حرية الإعلام، تجسد إلى حد كبير، المستوى الذي بلغته حرية الرأي والتعبير في هذه الدولة أو تلك، وتعكس بدرجة أكبر، مستوى التعددية في هذا المجتمع أو ذاك، فإنها تعد بحق مقياسا يمكن العودة إليه عند النظر إلى المستوى الذي بلغته مسارات التحول الديمقراطي في الدولة والمجتمع على حد سواء، كما أنها تعد، وبحق أيضا، علامة فارقة على قدرة المجتمع بمؤسساته المدنية المتعددة، والدولة بأجهزتها وإداراتها المختلفة، على توفير أدوات المحاسبة والمساءلة، ومنصات لتداول الحوار بين مختلف الاتجاهات والمكونات والتيارات السياسية والاجتماعية والفكرية، توطئة لتداول السلطة بينها.

وإذ تبدو الصحافة كمرآة تعكس اللحظة التاريخية التي يمر بها المجتمع والدولة، فإن تقف كشاهد على محصلة تفاعلات مختلف العوامل والمكونات التي تؤثر في تطور المسار الديمقراطي وتتأثر به.

على أن "حرية الكلمة"، وهو التعبير الذي نختصر به مجازا حرية الإعلام، ليست في واقع الحال سوى "المقدمة الأولى للديمقراطية"...فالديمقراطية أبعد وأعمق وأشمل من أن تختصر بهوامش حرية الرأي والتعبير...إنها تتعدى كل هذا وذاك تلك، إلى فضاءات الثقافة وأنماط السلوك ومنظومات القيم ومصفوفة التشريعات المشتقة من الدستور الحديث والعصري والمحصنة به.

وربما يكون من الصعب الحديث عن مقياس واحد لتقيم المستوى الذي بلغته حرية الإعلام...بيد أن الدول والمجتمعات الحديثة توافقت على جملة من المعايير إن جاز التعبير، يمكن الرجوع إليها عند الحديث عن حرية الإعلام منها:

• مستوى السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة

• قدرة هذه الوسائل على تمثيل مختلف مكونات المجتمع السياسية والفكرية والاجتماعية

• وقدرة هذه الوسائل على ممارسة دورها الرقابي، سيما حين يتعلق الأمر بأداء السلطة التنفيذية في الدولة، واستتباعا، قدرتها على الحصول على المعلومة المناسبة في الوقت المناسب

• مستوى الحماية التي توفرها القوانين والتشريعات لحرية الصحافة والإعلام، والأهم مستوى الالتزام الذي تبديه السلطات التنفيذية بهذه القوانين وعدم تجاوزها والتعدي عليها

• إيمان المجتمع بمؤسساته المختلفة، بأن حرية الصحافة والإعلام، هي المرادف الموضوعي لحرية الرأي والتعبير، وأن حق وسائل الإعلام في الحصول على المعلومات هو المرادف الموضوعي لحق الشعب في المعرفة، والتي من دونها يصبح الحديث عن المشاركة والرقابة والمساءلة وحق الاختيار، ضرب من الدعاية المضللة.

• إيمان مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وإدارات الدولة وأجهزتها على حد سواء، بأن حرية الصحافة والإعلام، غير مجزوءة ولا انتقائية، نرحب بها وندعمها عندما تتصدى "للآخر" ونندد بها ونحمل عليها عندما تكشف عن بؤر الضعف ومواطن الخلل المستفحل لدينا، فالازدواجية في النظر لحرية الصحافة والإعلام هنا، هي أقصر الطرق لكبحها والحد من مستوى تطورها.

• مستوى التطور المهني الذي بلغته الصحافة ووسائل الإعلام، فالمهنية هنا بأبعادها الحرفية والتقنية والأخلاقية والقانونية، ليست شرطا للارتقاء بسقف الحرية فحسب، بل وضمانة في وجه تغوّل السلطة التنفيذية عل الصحافة ووسائل الإعلام، وأداة لكبح تطاول الصحافة ووسائل الإعلام على الأفراد والجماعات والمؤسسات من غير وجه حق.

ولعل قراءة سريعة للمعايير التي تعارفت عليها الدول والمجتمعات الحديثة لقياس حرية الصحافة والإعلام، تفضي إلى الاستنتاج بأن العوامل التي تطلق أو تكبح حرية الصحافة والإعلام، متعددة، وأن مصادر التهديد والدعم لهذه الحرية كامنة في صلب البيئة السياسية والتشريعية والاجتماعية والثقافية لأي مجتمع، مع ملاحظة أن أوزان هذه العوامل متفاوتة ومتغيرة من حين إلى آخر، ومن ميدان إلىآخر.

حرية الصحافة والإعلام في البيئة السياسية الأردنية :

وبنظرة إلى حرية الصحافة ووسائل الإعلام في البيئة السياسة الأردنية خلال السنوات الخمسة عشرة الماضية، نلحظ أن استئناف المسار الديمقراطي في الأردن بعد غيبة طويلة عاشتها البلاد في ظل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، قد فتح الباب رحبا أمام حرية الصحافة والإعلام...وأتاح المجال للتعددية الأردنية أن تعبر عن نفسها بقدر كبير من الحرية، سيما في السنوات الخمس الأولى للانفتاح الديمقراطي.

وأمكن للصحافة الأردنية أن تشهد قفزة نوعية وكمية خلال هذه الحقبة، حيث تزايد بشكل ملحوظ عدد الصحف الأسبوعية، ودخلت السوق الإعلامية صحف يومية جديدة، وارتقى مستوى مهنية الصحف وهوامش الحرية فيها، وعكست صحافتنا الوطنية بقدر معين التعددية الأردنية.

وتقلصت إلى أدنى الحدود الرقابة المفروضة على الصحف الواردة للأردن من عربية وأجنبية، وفي أحيان عديدة، رفعت هذه الرقابة بالكامل، عملا بشعار "من المطار إلى السوق".

وبرغم أن الإعلام المرئي والمسوع ظل محتكرا من قبل الحكومة، إلا أن تطورا قد طرأ على أداء هذا الإعلام، تمثل في انفتاح يتفاوت بين حين وآخر، على الرأي الآخر، وتغطية للأحداث المحلية تخطت بعض الأحيان المنطق البرتوكولي الذي يسير في ركاب المسؤول، وتنوعت البرامج الحوارية في الإذاعة والتلفزيون لتشتمل على طيف واسع من الآراء المختلفة.

وشهدت السنوات الأخيرة توسعا هائلا في النشر الالكتروني على شبكة الانترنيت، ويعد الأردن من بين دول قليلة في المنطقة، لا تفرض حظرا إلا على مواقع محدودة جدا على الشبكة، وكنت ثورة المعلومات التي توفرها الشبكة لأوساط متزايدة الفرص لكسر احتكار المعلومات، والانفتاح على القرية الكونية والواحدة، وخلق المنابر للتعبير عن الرأي والضمير.

كما فتح الباب في السنوات الأخيرة لإذاعات أجنبية لمعاودة بثها من عمان، وسيفتح الباب قريبا أمام القطاع الأهلي والخاص للاستثمار في حقل الإعلام المرئي والمسموع.

على أن هذا المسار واجه عمليات صعود وهبوط، تقدم وتراجع، حكمته إلى حد كبير التطورات الإقليمية والدولية الضاغطة، وانعكاساتها المباشرة على الداخل الأردني...كما أن التشوه وانعدام التوازن بين تيارات العمل السياسي والاجتماعي المحلي، قد أسهمت بدورها في تعميق القلق وتكريس الهواجس، خصوصا في ضوء اتساع شقة الخلاف بين الحكومات المتعاقبة من جهة والمعارضات الإسلامية والعلمانية من جهة ثانية، وهو الخلاف الذي لم يقتصر على التكتيكات والتفاصيل، بل شمل أيضا المحطات الاستراتيجية التي مر بها الأردن خلال العشرية الأخيرة، وتحديدا ما يتصل منها بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، والملف العراقي الشائك المفتوح على شتى الاحتمالات والسيناريوهات.

وبمقدرو المراقب للمشهد الإعلامي الأردني، أن يلحظ أن دخول الأردن عملية السلام في المنطقة من بوابة مدريد – أوسلو – وادي عربة، كان محطة هامة ألقت بظلالها على مستوى حرية الرأي والتعبير عموما، ومن بينها حرية الصحافة والإعلام، وقد ازدادت هذه الظلال كآبة مع كل انتكاسة كانت تصيب العملية السلمية، وتحديدا منذ العام 1996 وما أعقبه من صعود غير مسبوق لنفوذ اليمين الصهيوني في الدولة العبرية، حيث تبلور تياران على الساحة الوطنية، الأول : ويمثله الخط الرسمي المستمسك بعملية السلام، وضرورة أنقاذها وإنفاذ استحقاقاتها، والثاني، ويمثله الخط المعارض لهذه العملية بقيادة شبه مهيمنة للتيار الإسلامي العريض في البلاد.

وتفرع عن الانقسام الرئيس في المواقف حيال هذه العمليات، سلسلة لم تنته من الانقسامات حول الملفات المتفرعة عنه، بدءا من قضية التطبيع والعلاقات الأردنية الإسرائيلية، وانتهاء بقضية قادة حماس التي شغلت الرأي العام الأردني ونخبه ردحا من الوقت.

وتزامنت هذه الانقسامات، مع بداية التحول الاستراتيجي في السياسة الأردنية حيال العراق في بداية المنقلب الثاني من التسعينييات، زمن المنشق حسين كامل وصحبه...وترافقت مع ظهور بداية اصطفافات إقليمية جديدة، حيث تعمقت الخشية لدى مؤسسة صنع القرار في الأردن من الاحتمالات التي قد تنجم عن تنامي معارضة الداخل، وتزايد ضغوط الخارج على الأردن، إن لجهة ثنيه عن دوره في عملية سلام الشرق الأوسط، أو لجهة احتواء توجهاته الجديدة حيال العراق.

ولم يترتب على الانهيارات اللاحقة التي أصابت عملية السلام وصولا لإعادة احتلال الضفة الغربية وأجزاء واسعة من قطاع غزة وما رافقها من اجتياحات واغتيالات واندلاع الانتفاضة...لم يترتب على التطورات الدراماتيكية التي طرأت على الملف العراقي وصولا لاحتلال بغداد واندلاع المقاومة، لم يترتب على هذا وذاك، سوى تعميق الفجوة في المواقف بين الخطابين الحكومي والمعارض، واتساع دائرة الشكوك المتبادلة وتفاقم المخاوف المفضي حكما إلى تقليص هوامش الحرية بمختلف أشكالها.

وزادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وما تبعها وأعقبها من حرب كونية على الإرهاب، بدءا بأفغانستان، زادت هذه الأحداث وتداعياتها الأمور تعقيدا وإرباكا، وبدا لبعض الوقت، أن الانقسام الكوني بين "الغرب بزعامة الولايات المتحدة" من جهة، وتيار الإسلام السياسي العالمي العريض من جهة ثانية، قد مد على استقامته، وأخذ يضرب العلاقة التاريخية الوطيدة بين الإسلام السياسي الأردني والنظام السياسي في الأردن ممثلا بحكوماته المتعاقبة.

لقد سقطت هذه التطورات الدراماتيكية المتسارعة على الأردن، وهو في بدايات مشواره على دروب التحول الديمقراطي، فلم تكن العلاقة بين الحكومات والأحزاب قد تجاوزت عقد الماضي ومحاذيره، ولم تكن الديمقراطية الأردنية قد امتلكت أقداما تسير عليها وقواعد ارتكاز صلبة في العقل والثقافة والسلوك والتشريعات، ولم يكن للديمقراطية الأردنية من حواضن صلبة من الديمقراطيين والليبراليين تهبط بها من علياء الإجراء الفوقي إلى جذور المجتمع وتربته.

وزاد الأمر تعقيدا، أن التحول الديمقراطي في الأردن، قد أعقب – ولم يترتب – على تداعيات أزمة العام 1989 الاقتصادية الكبرى، ومع بداية مشوار التصحيح الاقتصادي المؤلم، حيث وجدت قطاعات واسعة من الأردنيين نفسها غارقة في مستنقع البطالة والفقر، بل والجوع أحيانا، ما أطلق موجات متعاقبة من الغضب والاحتجاج، ووفر تربة صالحة لنمو التيارات الأشد غلوا وتطرفا، وما أثقل كاهل الدولة بالمخاوف والتوجسات والمحاذير.

وإذ تميزت المعالجات الرسمية للتحديات السياسية التي جابهت البلاد، ببعض النزق والعصبية، وبالميل للحد من حرية الرأي والتعبير والتطاول على حرية الصحافة والإعلام كما تجلى ذلك في التعديلات المتكررة للقوانين ذات الصلة ومن بينها قانون العقوبات وقانون المطبوعات والنشر وفي الإجراءات بحق الصحف والصحفيين، فقد أسهمت سلسلة من العوامل الأخرى في مفاقمة هذا الوضع، ومن بينها:

أولا: هيمنة النزعة الشعاراتية – التحريضية على الخطاب السياسي المعارض، وتجاوزه في مطالباته الحدود التي يقوى الأردن على احتمالها، وتغليبه للقضايا القومية والإسلامية على على القضايا الوطنية في حركته وحراكه.

ثانيا: انعدام التوازن في معادلة المعارضة الداخلية، وغياب قوى وتيارات ديمقراطية – ليبرالية – متنورة توفر "المعادل الموضوعي" للتيار الإسلامي المهيمن، وتتقدم بخطاب معارض قابل للنفاذ والإنفاذ.

ثالثا: زيادة الضغوط الخارجية على الأردن في مراحل متعاقبة للتأثير على سياساته وتوجهاته الإقليمية والدولية.

ولم تقدم الأحزاب السياسية الأردنية على اختلافها وتعددها نموذجا جاذبا ومؤثرا في ممارسة الحرية والديمقراطية والتعددية، بل أنها لم تول حرية الصحافة والإعلام مكانة متقدمة على جدول أعمالها، فقد انصرفت معظم هذه الأحزاب للتعامل مع التطورات الإقليمية والدولية، وقدمت صحافتها الحزبية او المدعومة من الأحزاب، نموذجا على "الأحادية"، المغيّبة للرأي الآخر، وكانت أشبه ما تكون المنشورات التي لا وظيفة لها سوى البرهنة على صوابية نهج الحزب، وإبراز الدور المؤثر لقياداته.

وواجهت صحافة الأحزاب ما واجهت من إشكاليات "حجب الإعلان" إلى عدم اعتراف نقابة الصحفيين بمهنية العاملين فيها وعضويتهم، ما أدى إلى تراجع دورها، وتحول القائمين عليها إلى كتاب بالقطعة في بعض الصحف اليومية والأسبوعية.

ولعبت بعض الأحزاب العقائدية دورا في ممارسة الابتزاز السياسي والفكري على المثقفين والكتاب والصحفيين والإعلاميين، بل أن هذا الدور تعدى هذه الفئة ليشمل بعض القطاعات المهنية ومجتمع رجال الأعمال، حيث هيمنت لبعض الوقت نزعات "التكفير والتخوين" بحق تيارات وشخصيات سياسية واجتماعية مؤيدة لعملية السلام على سبيل المثال، وتحول "الإفتاء الشرعي" إلى أداة لمحاصرة الخصوم وحسم تردد المترددين وتدعيم مواقف الداعمين لسياسة هذا الفريق أو ذاك.

ومثلما لعبت بعض الحكومات المتعاقبة، سيما قبل استئناف المسار الديمقراطي، وأحيانا بعده، دورا إقصائيا، وأحيانا تشهيريا ببعض خصومها، فقد مارست الأحزاب السياسية الدور ذاته ضد "مجادليها"، فانتقل بعضها من موقع الضحية لهذه الممارسات العرفية، إلى موقع من يمارسها، ولكن بغطاء سياسي – فكري، وأحيانا شرعي يحفظ لأصحابه بعضا من التوزان المفقود.

وامتد هذا الدور ليشمل مؤسسات مدنية تهيمن عليها الأحزاب السياسية، فانتقل الافتراق في السياسة إلى قطع أرزاق وسد سبل العيش، عبر التلويح بورقة القوائم السوداء والمنع من مزاولة المهن على منتسبيها ممن يغردون خارج السرب.

ومثلما رسمت بعض الحكومات خطوطا حمراء لا يجوز الاقتراب منها أو تخطيها، وفرضت "تابوهات" على بعض العناوين المحظور إثارتها، فقد لجأت بعض الأحزاب إلى استعارة هذا المنهج، وزعمت بأن بعض المواقف والسياسات والممارسات، هي رجس من عمل الشيطان، لا تخضع لمنطق "الرأي والرأي الآخر" ولا يستوي عندها حديث أو حوار، ولا يجوز معها إعمال منطق التعددية وفلسفتها.

والحقيقة أن الأحزاب السياسية الأردنية تعاني في معظمها من إشكاليات نشأتها ومصادر تكوينها وتفكيرها...فهي إما أحزاب انبثقت من إيديولوجيات شمولية، وأما أحزاب محافظة تشكلت في حقبة الانفراج الديمقراطي، على خلفيات عائلية وعشائرية، هي أقرب إلى كونها حلقات تدور حول شخص الزعيم المؤسس والشخصية المحورية.

أما برلمانات الصوت الواحد الثلاث الأخيرة، فقد تشكلت بموجب قانون انتخابي "تفتيتي"، أعاد بعث البنى والروابط والعلاقات التقليدية في المجتمع الأردني على حساب "الرابطة السياسية الاجتماعية الوطنية"...أعاد بعث المؤسسات الأولية القائمة على روابط الدم، بدل تفعيل دور المؤسسات المدنية الحديثة...فكانت النتيجة أن هيمنت القوى المحافظة، الدينية والاجتماعية على البرلمان، وأمكن لائتلافها في محطات عديدة إجهاض عدد من المحاولات الرامية للتوسع في ميادين الحرية الإعلامية وحقوق المرأة...بدءا من مشروع المدينة الإعلامية المجهض وانتهاء برد مشروع قانون المجلس الأعلى للإعلام، مرورا بقوانين الاجتماعات العامة والأحوال الشخصية وغيرها.

وأظهرت تجارب الصحفيين والإعلاميين مع بعض البرلمانات والبرلمانيين، نماذج مؤسفة عن ضيق الصدر في التعامل مع النقد الموجه للمؤسسة التشريعية، بل أن البعض من البرلمانيين لم يتورع عن إلغاء الفوارق بين التعرض للبرلمان كسلطة دستورية ومؤسسة تشريعية ممثلة للشعب من جهة، وتناول هذا النائب أو هذه الكتلة النيابية، أو هذا الموقف للمؤسسة أو التشريع الصادر عنها، بالنقد والتحليل والتفنيد.

كما أظهرت التجارب، سلسلة من التجاوزات التي قام بها نواب تحت القبة، لا يمكن إدراجها إلا في سياق "استغلال الموقع" وممارسة الترهيب والتنديد وقتل الشخصية وتصفية الحسابات الشخصية وإلغاء الآخر، وهي ممارسات، عدا عن كونها تتعارض من أنظمة المجلس، لا تسهم أبدا في توسيع مساحات الحرية وتعميق مناخات الانفراج الداخلي.

ولا يمكننا، ونحن نرصد حالة المناخ السياسي إلا أن نتوقف عند الدور الذي لعبه التيار المحافظ التقليدي المبثوث في مؤسسات الدولة والمجتمع في الحد من حرية الصحافة والإعلام، فقد أمكن لهذا التيار بشرائحه وأجنحته المختلفة، إحباط العديد من مشاريع القوانين التي كانت ستحدث فرقا هاما، سواء في التعامل مع قضايا الحريات والاجتماعات العامة والصحافة والنشر والمجلس الأعلى للإعلام أو مع قضايا المرأة وحقوقها وتمكينها.

ووفر هذا التيار بشرائحه وأجنحته المختلفة، رصيدا سياسيا احتياطيا للحكومات المتعاقبة، مثلما وفر وفي الوقت نفسه، رصيدا اجتماعيا احتياطا للتيار الإسلامي، فقد كان حليفا سياسيا للحكومات المتعاقبة وحليفا ثقافيا واجتماعيا للمعارضة الإسلامية في كثير من المحطات.

لقد نما هذا التيار وتغذى على الدور السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي للدولة وقطاعها العام، وتعزز نفوذه في غياب البرلمان والأحزاب السياسية طوال عقود، وهو يجد مصالحه متناقضة مع التوجهات الرئيسية للعهد الجديد، ابتداء بالسياسات الاقتصادية القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير دور الأخير وتحفيز إسهامه، وانتهاء بالسياسات التحديثية التي حملت شعار التنمية السياسية بما هي شراكة ومشاركة، شراكة بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني، ومشاركة فاعلة ومؤثرة من قبل قطاعات واسعة من المواطنين، تحد في نهاية المطاف، من احتكار رموز هذا التيار وسدنته، للأدوار والمواقع والمسؤوليات.

وما بكائيات هذا التيار على "الدولة التي يجري بيعها" وخصخصتها اقتصاديا وسياسيا، سوى تعبير عن الضيق بمساحات النفوذ المتآكلة المتبقية له...وهو إذ يدرك بأنه يجذف ضد التيار العام الجارف، وأنه يلعب في المربع الأخير، فإن مقاومته للتغيير والإصلاح، للتحديث والعصرنة تزداد ضراوة وسفورا.

حرية الإعلام في البيئة الاجتماعية والثقافية الأردنية :

قلنا أن العوامل التي تطلق أو تكبح حرية الصحافة والإعلام، متعددة، وأن مصادر التهديد والدعم لهذه الحرية كامنة في صلب البيئة السياسية والتشريعية والاجتماعية والثقافية لأي مجتمع، فكيف تتأثر حرية الصحافة والإعلام بالبيئة الثقافية والاجتماعية في الأردن؟.

إن الإجابة على هذا السؤال / التساؤل، تحتاج لمختصين في العلوم الاجتماعية، بيد أن المراقب للمشهد الإعلامي الأردني، لن يجد صعوبة في تتبع أثر البنية الاجتماعية والموروث الثقافي على المستوى الذي بلغته حرية الصحافة والإعلام في بلادنا.

ففي مجتمع تغلب عليه البنية البطريركية – الذكورية - العشائرية، يصعب توقع الكثير من المساندة لمطالب الشفافية والمساءلة والمحاسبة، ويهبط سقف التوقعات بحشد التأييد لقضايا المرأة وحرية الصحافة والإعلام، بل وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.

في مجتمع كهذا، يندمج فيه الشخص بعائلته الممتدة أو عشيرته، يتحول دور الصحافة النقدي – الرقابي على أداء المسؤول، إلى دور مستفز لبنى عائلية وعشائرية برمتها...وتلقى بأعباء إضافية على الصحفي أو الإعلامي وهو يستقصي مواطن الخلل أو الفساد وسوء استخدام السلطة والنفوذ من قبل هذا المسؤول أو ذاك، حكوميا كان أم "أهليا".

في مجتمع كهذا، تجد السلطات الرقابية فيه، من الصحافة والإعلام، مرورا بالبرلمان وانتهاء بمؤسسات المجتمع المدني، صعوبات جمة في إرساء قواعد الشفافية والمساءلة، فالحديث عن التعيينات مثلا، يفتح أبواب الجحيم إن أمكن للصحفي أو الصحيفة كشف مضمونها الجهوي أو العشائري، وتناول قانون الانتخابات بمقاعده ودوائره، يثير أزمات قد تتعدى الصحفي والصحفية إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى التحريض على الفتنة.

ويتولد عن هيمنة القوى والبنى التقليدية، شيوع ثقافة محافظة، تتعامل بمنطق الريبة والشك حيال كل جديد ناشئ، ولعل أبسط مثال على أثر هذه الثقافة في مجال الإعلام، إحباط مشروع المدينة الإعلامية الحرة قبل سنوات، لأسباب قيل أنها اجتماعية، أخلاقية ودينية.

وألقت هذه البنى بظلالها على دور الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ومبناها وتكوينها، فكثير منها ينتمي من الوجهة القانونية وبالتعريف إلى المجتمع المدني، بينما هي في صميم عملها وتكوينها والعقلية التي تديرها وتتحكم بمساراتها، تنتمي إلى بنى ما قبل الحداثة، الأمر الذي حد من تأثيرها الفعلي على مجريات الأحداث المحلية، ولم يمكنها من الإسهام جديا في تطوير مسارات التحول الديمقراطي ورفع سقف الحرية وصون التعددية الأردنية.

ولقد برزت في السنوات الأخيرة، التأثيرات التي تضطلع بها قوى وشخصيات محتسبة على التيار الديني، حيث بدأت المحاكم تشهد قضايا مطبوعات ونشر على خلفية شكاوى تقدم بها هؤلاء ضد كتاب وأدباء بدعوى المس بالمعتقدات والرموز والشخصيات الدينية، كما سجلت المحاكم قضايا ضد صحفيين وكتاب بالتهمة ذاتها، ما خلق مناخات من الحذر والتحسب، تحد من دون شك من حرية الصحافة والإعلام والرأي والتعبير.

وتنامى في الآونة الأخيرة كما أشرنا، دور الإفتاء في العمل السياسي، فأصبحت المواقف والسياسات تدعم بالفتاوى الشرعية التي تبدأ من تحريم العمل مع مؤسسات الاحتلال في العراق كمجلس الحكم الانتقالي دون أن تشفع له عضوية الإخوان المسلمين فيه، وتمر بعدم جواز تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة على خلفية مواقفها المنحازة للدولة العبرية، ولا تنتهي بتحريم زيارة البحر الميت والسياحة على شواطئه والاستفادة من أملاحه، لأن الرجس والدنس والقوم الفاسدين، يقبعون تحت مياهه الثقيلة.

وإذا كانت العوامل التي أتينا على ذكرها، قد حدت بهذا القدر أو ذاك، من حرية الصحافة والإعلام في الأردن، فإن عوامل أخرى، تنتمي في مجملها للمهنة والمهنيين، تسهم بهذا القسط أو ذاك، في الحد من حرية الصحافة والإعلام، ضعف المهنية في كثير من صحفنا ووسائل إعلامنا والعاملين فيها، ومنها تحكم بعض الأفراد في تقرير وجهات صحفهم واتجاهاتها وفقا لأغراض وأهواء سياسية واجتماعية وشخصية، ومنها هيمنة الإعلان على التحرير حتى لدى بعض الصحف الكبرى، إلى غير ذلك.

ونأمل أن يتيح الحوار حول أثر البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية على حرية الصحافة والإعلام في الأردن، الفرصة للخروج بعدد من الأفكار والتوصيات المحددة التي تمكن من رفع سقف الحرية والارتقاء بمستوى وسوية المهنة والمهنيين.

* ورقة عمل قدمت في ورشة عمل" نعمل معا من أجل مناخ أفضل لحرية الاعلام"التي نظمها مركز حماية وحرية الصحفيين في عمان بتاريخ 28/نيسان2004 وتم تضمينها في تقرير حالة الحريات الإعلامية في الأردن لعام 2003.
* مدير مركز القدس للدراسات السياسية