A+ A-
ما بعد تقرير ميليس الأول
2005-10-30
مازالت التفاعلات الناجمة عن عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري التي جرت في 14 فبراير/ شباط الماضي، والتحقيقات الجارية بشأنها، تستولي على القدر الاوفر من اهتمام المتابعين للشأن السوري واللبناني، بما فيه من تساؤلات حول الجهة التي وقفت خلفها، حيث لم يتهم تقرير ميليس الذي صدر في الحادي والعشرين من اكتوبر / تشرين اول 2005 بصورة مباشرة اشخاصا معينين في السلطة اللبنانية والسورية، ولكنه اشار باصابع الاتهام، وسرب بعض الأسماء، وطواها تاركا الباب لقرينة البراءة، مما يفتح الباب واسعا امام عقد الصفقات بين واشنطن ودمشق.
وفي جميع الاحوال فقد نجمت تغيرات دراماتيكية عقب الاغتيال، وما زالت تفاعلاتها تنبئ بتغيرات نوعية هامة، ليس على المستويين السوري واللبناني بصورة خاصة فحسب، وانما على المنطقة.
وبغض النظر عن الجهة التي تقف وراء عملية الاغتيال، فإن ما يجتمع عليه كافة المراقبين، هو أن النظام السوري وقع في "المصيدة الدولية"، حيث تمكنت واشنطن من الولوج اليه من البوابة اللبنانية، وتحديدا من بوابة التحقيق الدولي، في وقت هي الاحوج الى ما ينقذها من ورطتها في العراق، ولن تسمح للنظام بالانفلات من الفخ الذي قد يكون نصب له، ووقع فيه في النهاية، ليقف في زاوية الخيارات المصيرية التي يصعب الخروج منها بدون تحولات دراماتيكية قد يكون من نتائجها سقوط النظام برمته.
وتتفاوت التقديرات حول ما سيكون عليه الموقف السوري المحاصر في المحافل الرسمية العربية والدولية، والمدفوع للتنازل امريكيا.
وبينما يرجح البعض أن يخضع النظام السوري للقبول بصفقة لقاء اعادة تأهيله على نهج السيناريو الليبي انطلاقا من الطبيعة الامنية له، فإن آخرين يستبعدون ذلك لامتلاكه من الاوراق ما لم تكن تمتلكه طرابلس الغرب، ويرون أن النظام عزم منذ فترة طويلة على التمسك بقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية تحت كل الظروف، ويعتقدون أن تسليم أوراقه، هو استقالة طوعية للنظام لصالح مشروع الشرق الاوسط الكبير، الذي قال عنه شمعون بيريز مرة " ان منطقة الشرق الأوسط صحراء واسرائيل حديقتها".
اتهام سورية بالتورط في اغتيال الحريري لا يلغي السقوط في فخ المؤامرة
بعد مرور اكثر من نصف عام على الاغتيال، لا يزال نطاق التفسير ينحصر في فرضيتين، الأولى وقوع سورية في فخ مؤامرة عنوانها دم الحريري لاحداث التغيير المطلوب في سورية ولبنان. وثانيها ضلوع النظام السوري في الاغتيال للخلاص ممن يوصف بأنه وراء القرار الدولي 1559 القاضي بخروج القوات السورية من لبنان وسحب سلاح حزب الله والتنظيمات الفلسطينية.
1- نظرية المؤامرة.
يحفل تاريخ السياسة الأمريكية الخارجية بالكثير من الشواهد على نهجها للخطط الإستباقية لتحقيق سياستها، وليس سرا أن لامريكا مشروعها المعلن في المنطقة الممتدة من باكستان وحتى موريتانيا، وقد حققت خطوات هامة في هذا المشروع المسمى الشرق الاوسط الكبير بغض النظر عن التعثر في العراق.
ويستشهد المقتنعون بنظرية المؤامرة، أن المحافظين الجدد في واشنطن عازمون على اعادة رسم حدود المنطقة، ويقولون إن خرائط الأعوام القليلة ستظهر دولا وكانتونات عرقية ومذهبية في العراق وسورية ولبنان.
ومما يدعم فرضية المؤامرة، شيوع مصطلح الفوضى البناءة لادارة الشرق الأوسط الكبير، و الاهتمام غير المسبوق تاريخيا بهذا الاغتيال، في وقت يتمسك فيه ساسة سورية، وانصارها من لبنانيون وعرب ببراءتها من دم الحريري، وبرهانهم في النتائج التي عادت بالضرر رئيسيا على سورية.
ويسهل الاعتقاد بنظرية المؤامرة لدى الاخذ بعين الاعتبار السرعة المذهلة لتحقيق النتائج لصالح مشروع التغيير الامريكي في المنطقة، بدءا من انسحاب القوات السورية ومخابراتها العسكرية من لبنان، وهو ما كان مطلبا اسرائيليا، اضافة الى سهولة نجاح المعارضة اللبنانية في تولي مقاليد الحكم في لبنان، وانجرار العديد من الموالين السابقين لسورية الى الخندق المناوئ لها.
والمعروف ان أمريكا وفرنسا استصدرتا قرار 1559 من مجلس الأمن بضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان أولاً، وهو ما نفذته سورية. ولكن ما يدفع للاعتقاد بأن ثمة استهداف لسورية، هو استتباع ذلك باستصدار قرار آخر 1595، يقضي بإرسال بعثة دولية للتحقيق في عملية اغتيال الحريري بوصفها جريمة " ارهابية"، وهو ما يوحي بأن ثمة استهداف ضمني مسبق لتسييس النتائج التي تتوصل إليها تلك اللجنة باتجاه إدانة سوريا المحصورة عربيا ودوليا والمتعبة داخليا.
ويؤخذ بعين الاعتبار نوايا اسرائيل للفصل مع الفلسطينيين، بعد وفاة الرئيس عرفات الغامضة، والمخاوف من عرقلة السوريين لمشروع الفصل، اضافة الى تعثر المشروع الامريكي في العراق، والذي زاد المخاوف من توقف مشروع الشرق الاوسط الكبير، الامر الذي قد يكون دفع الامريكيين للبحث عن عنوان نجاح آخر في لبنان يغطي هذا التعثر، حيث يقول أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي " ان رهان الإدارة البوشية على العراق كي يكون منطلقاً لإقامة الديموقراطيات في المنطقة قد فشل، واستعيض عن هذا التصور بتصور آخر يقضي باعتماد لبنان المحور الذي ستنطلق منه تيارات الحرية والديموقراطية في أرجاء المنطقة".
ولعل ذلك ما دفع الامريكيين لابداء حماس منقطع النظير لتظاهرات الرابع عشر من آذار/ مارس في قلب بيروت، حيث إصرت واشنطن على أن ينتشر " ربيع بيروت" ليصبح ربيع العرب والمنطقة.
ومما يدعم هذه الفرضية هو الحديث الامريكي المتكرر عن ضرورة التعاون السوري مع الامريكيين في العراق، وتصاعده مع بدء التحقيقات، ولعل عدم اعطاء سورية الاستجابات المطلوبة، هو ما دفع الكاتب الإسرائيلي شمعون شيفر، للقول أنه من المهم الإشارة إلى أنه في سلسلة الرسائل التي نقلت خلال آب/اغسطس إلى الأسد من خلال لارسن، طلب منه الأميركيون اتخاذ خطوات ضد قادة حركات المقاومة العراقية الذين يعملون من الأراضي السورية، وقد وعد الأسد ولكنه لم يفعل شيئا. وهكذا، فانه في نظر قادة إدارة بوش الأسد، وبحسب مسؤول كبير في واشنطن يعتبر "ميتا".
ويدخل في الاعتبار ما تشير اليه التقارير من أن الفريق الذي نفذ الاغتيال ليس فريقا صغيرا أو من جنسية واحدة أو من " مدرسة واحدة". ولا تقتصر على مصدر إقليمي أو لبناني أو دولي واحد. بل وهناك تفاصيل استخباراتية توحي أن واشنطن واسرائيل على تتبع لعملية الاغتيال، وهو ما يقود الى استنتاجات مفادها أن أكثر من جهة دولية وربما إقليمية، كانت على علم مسبق بنية قتل الحريري، إلا أنها لم تكتف بعدم الحؤول دون التنفيذ، بل ربما " شجعت" على المضي بهكذا عمل ارتد على سورية، وبدا المستفيد الأول منه إسرائيل.
وتوجد بعض المؤشرات التي تدفع للاعتقاد بأن رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميلس سعى منذ البداية لتسييس الملف، وتسييس مناخ التحقيق، فاغلب ما جاء في التقرير كان يتسرب هنا وهناك بالرغم من الحديث عن نزاهة المحقق وسرية التحقيق. وقد حقق ما يشاع حول التحقيق نتائج هامة قبل ان تظهر نتائجه بالنسبة لنظرية المؤامرة، فقد تسممت العلاقات بين لبنان وسوريا دولة وشعبا.
وفي الواقع فقد فتح التحقيق الباب لان يعود مستقبل لبنان السياسي، بسلطته المركزية بمكوناتها جميعاً، الى دائرة النقاش مجدداً، كما فتح الطريق للخارج أن يخترق الداخل، ويتعامل مع اللبنانيين كطوائف ومذاهب وشيع وفرق، من حق كل منها أن تمارس ديموقراطياً حقها في تحديد النظام الذي يلائم طموحاتها.
ولم يعد الحديث عن كونفدرالية الطوائف مؤامرة خارجية، بل وجد بعض دعاتها الجرأة لكي يطرحوها علناً، مستفيدين من مناخ ديموقراطية إعلان الأهداف المضمرة الذي تسببت في خلقه جريمة الاغتيال، فغاب صوت لبنان الموحد الواحد لصالح المبادرات الأجنبية الرامية إلى استثماره في ما يفيد مصالحها.
كما أن ما يدعي للتساؤل، هو " الخطأ " الذي ارتكبه بإصدار البيان الشهير برفع السرية المصرفية عن حسابات نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الحالي الياس المر، ثم عن " تصحيح الخطأ" ببيان ثان صدر صبيحة اليوم التالي للوزير المر. وهو ما دفع للاعتقاد ان ثمة دفع لتسييس التحقيق مع النظر إلى موقع الوزير المر في الحكومة، ومن واقع كونه صهراً لرئيس الجمهورية، ومن غموض مواقفه السياسية في الفترة السابقة على محاولة اغتياله، ثم من وضوح مبادرته إلى استثمار تبرئته اللاحقة لبيان اللجنة حول حساباته في توجيه اتهام مباشر إلى مسؤول أمني سوري بتهديده علنا وبحضور شهود.
وبينما كان المراقبون ينتظرون المفاجأة والزلزال من تقرير ميلس، فقد تفاجأوا أن جل ما جاء به التقرير كان متداولا الى حد كبير.
2- وقوف النظام السوري خلف الاغتيال.
يعتمد متهمو النظام السوري في الضلوع بالاغتيال على قراءة الطبيعة الأمنية للنظام، حيث يتهمونه باللجوء لهذا الاسلوب للتخلص من الخصوم عند الشعور بخطورتهم، أو استنفاذ سبل التفاهم معهم، وتاليا فإن القراءة الأمنية المنفردة عادة ما تكون قاصرة وتؤدي الى مزالق خطيرة ، اذا لم تدعم بقراءة سياسية حكيمة.
ومن المعروف ان الحريري لم يكن على وفاق مع السياسة السورية في لبنان خلال السنوات الاخيرة كامتداد للقراءة السعودية، والى حد ما الفرنسية للبنان، وغني عن الذكر أن الرئيس لحود المقرب من سورية، لم يكن على وفاق مع الحريري خلال رئاسة هذا الأخير للحكومة.
ولا زالت رؤى القوى التي تتهم سورية تعتمد على اعتبار أنها هي المستفيدة من غياب الحريري عن الساحة السياسية، على خلفية ما يثار حول اتهامه بأنه وراء صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 القاضي بانسحاب سوريا من لبنان، ونزع سلاح المليشيات المتواجدة على أرضه، وبخاصة حزب الله اللبناني، هذا فضلاً عما تردد عن أن غياب الحريري عن الساحة السياسية، من شأنه دعم فرص تغليب الموالين لسوريا في الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخراً على المعارضة اللبنانية، التي درجت على المطالبة بإنهاء وجود سوريا العسكري والسياسي والاستخباري في لبنان، وانتهت اخيرا بانتصار المناوئين لسورية.
- استبعاد ضلوع الرئيسين السوري واللبناني
وللان وبينما لم يحسم الجدل حول الجهة التي وقفت وراء الاغتيال، الا أن بعض المراقبين يستبعدون أن تقع القيادة السورية ممثلة بالرئيس في مطب كاغتيال الحريري في هذا التوقيت، خصوصا اذا ما كان القرار صدر وفق قراءة جماعية للقيادة التي باتت تحت المجهر الامريكي منذ سقوط النظام العراقي، وهي التي لطالما اتصفت بالدهاء والحذر وتحسب خطاها بروية، على عكس تهور القيادة العراقية عهد صدام.
واذا ما اكدت التحقيقات أن لمسؤولين امنيين علاقة، ففي الاعتقاد أن مؤسسة الرئاسة في البلدين على جهل بما جرى وباتت امام المحك التاريخي لسلطاتها، فالمتتبع لحديث الرئيس الأسد ولحود وتصرفهما، يوحي بثقتهما المطلقة في البراءة، وعلى الاقل عن نفسيهما، وهو ما يدفع الى القول على ضوء تقرير ميليس إن رئيسي البلدين هما آخر من يعرف، وقد استغل موقفهما من الحريري، وايضا ضعفهما للتنفيذ، فقامت بعض الجهات الامنية السورية واللبنانية بتدبير العملية لحسابات بعيدة عن رأسي القرار في البلدين، كما توجد مؤشرات لا يمكن استثناؤها، وتتعلق بعدم استبعاد أن يكون القائمون على العملية، نفذوا الاغتيال لحسابات يتداخل فيها الفساد بالسياسة.
- ميليس يتهم ماهر الأسد بالوقوف خلف القرار

اشارت احدى نسخ ميليس الى اسم ماهر الاسد، شقيق الرئيس السوري ضمن المشتبه بهم، واذا صحت الاتهامات فعلى الأرجح دون دراية الرئيس، وهنا فإنه ليس من المستبعد أن يكون ذلك تكرارا لسيناريو صراع العائلة الحاكمة التقليدي منذ العهد الأموي، ولها سابقة في نفس الأسرة وهي تمرد رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل. ويتردد عن شخصية ماهر، أنه عسكري قاس، وهو اشبه بعمه رفعت ، واثناء حكم الراحل حافظ الاسد اشيع أنه اطلق الرصاص على صهره آصف شوكت -رئيس الاستخبارات العسكرية الحالي- زوج بشرى الابنة البكر للراحل الأسد، عندما تعرض آصف منتقدا رفعت الأسد خلال جلسة حضرها آخرون في الاسرة، فاصابه في بطنه وكاد يموت لولا أن ارسل الى فرنسا على متن طائرة للعلاج فيها.
وبينما يسود التكتم على ما يجري في أوساط الحكم في دمشق، ويصعب الجزم بفرضية أن ماهر يقف خلف هذه العملية، فإنه من المستغرب أن ينساق آصف شوكت في هذا السياق ليس على خلفية ما جرى بينهما سابقا فحسب، وانما لوصفه الذراع الأيمن للرئيس، ويصعب الجزم هنا بعدم معرفة الرئيس بنوايا ذراعه وصهره.
ويذكر أن آصف قام بزيارة الى باريس برفقة اسرته واطفاله قبيل تحقيقات ميليس مع المسؤولين السوريين، مما يوحي باشارات حملها، والتقى خلال الزيارة بمسؤولين في المخابرات الفرنسية، ولا يعرف عما اذا التقى هو أو بشرى التي لا يستهان بدورها في الحكم والاسرة كاخت كبرى ومقربة الى قلب والدها، وموصوفة باتزانها، بالمسؤولين السوريين أو (الأعمام) خدام أو الشهابي في باريس، أو حتى رفعت لبحث المشكلة مع العم رفعت في هذا الوقت الحرج، ولكن كما يبدو أن تلك الزيارة على الأقل افضت الى تقويض صدقية الشاهد السوري الرئيسي حيث اعلن عن قيام السلطات الفرنسية باعتقاله بعد الزيارة بنحو شهر لاتهامه بالاختلاس والاحتيال.
ويستوقف بعض المحللين قول ميليس إن شطبه للاسماء المشار اليها والتي شملت شقيق الرئيس، وصهره آصف شوكت، وكذلك اللواء بهجت سليمان، إنما يأتي لان الاتهامات غير حاسمة، ويرون أن واشنطن وباريس تريدان بذلك اعطاء الرئيس السوري مجالاً لمراجعة خياراته.
وتبدو الخيارات امام الاسد قاصمة اذا ما ثبت تورط اخيه، أو/و صهره الذي كان عماده الاساسي منذ تصاهرهما، أو /و اللواء بهجت سليمان الذي عمل كسكرتير له قبل تولي الرئاسة.
وعلى اية حال فالرئيس امام خيارات تاريخية:
الأول: أن يختار بين صفقة التمسك بهذه الحلقة، والاستسلام للمطالب الامريكية، ومن خلال هذا الخيار تتم التضحية ببعض المسؤولين ذوي الرتب المتدنية، مع عدم استبعاد احتمال تسليمهم، ويشار الى انه سبق للسفير السوري في المانيا أن قال "إن رستم غزالة في متناولنا عند الضرورة"، وهو الذي اشيع انه تحت الاقامة الجبرية وفي التقديرات أن فرصة قبول دمشق بهذا الخيار شحيحة. الثاني: معاقبة المتهمين ايا كانوا، مع عدم ابداء تنازل خارجي، وهو ما يقوي من سمعة الرئيس الداخلية ويخرجه اكثر صلابة في الداخل، تتيح له القيام بحركة تصحيحية وفق رؤيته الخاصة.وبينما يجري التكتم فإنه ليس من المستبعد أن يكون الرئيس ماضيا لمعاقبة كافة الرموز المشتبه بهم بضمنهم شقيقه، وهو ما ستكشفه الايام القادمة.
واللافت أن الرئيس في الرسائل التي وجهها الى امريكا وفرنسا وبريطانيا ابدى استعداده لمحاكمة المتورطين اذا ثبت ذلك.
ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن الرئيس بوصفه اصلاحيا بات اكثر قوة من اي وقت مضى للشروع بمشروعه، ويستدلون بعدم قيام المناوئين له بانقلاب ضده، وهو ما يؤكد احكام قبضته على الجيش، ولعل حكمة والده لعبت دورا في ذلك من خلال تولي العم مصطفى طلاس هذه المؤسسة، ومن ثم ابنه مناف صديق الرئيس الحالي، وهناك من المؤشرات التي تؤكد على ولاء الجيش للرئيس، حيث لم يرد ذكر اي دور لهم في تقرير ميليس، ونفذ الاوامر بالانسحاب من لبنان.
ويعتقد مراقبون بريطانيون أن تأييد هؤلاء الضباط يتيح للرئيس أن يواجه أخاه ماهر اذا ما تأكد ضلوعه، وهو الذي يقود وحدة عسكرية قوية هي اللواء الرابع الذي يسيطر على كل مداخل دمشق.
وبينما لا تتضح الصورة حول رجالات النظام الأقوياء خلال الفترة الحالية، فإنه من المستبعد أن يحصل تكرار لما حصل بين الأسد وشقيقه من مواجهات عام 1984أدت الى خروج رفعت الى المنفى.
الثالث: التمترس والممانعة، وعدم الاعتراف باية مسؤولية، مع عدم التفريط بثوابت سورية التقليدية، وتدعيم جبهته الداخلية، والتهيؤ لما ستفضي اليه التطورات.وتتفاوت التقديرات عما سيتبناه الرئيس، ولكن المؤشرات لا زالت تنفي امكانية تسليم النظام بالصفقة على شاكلة صفقة لوكربي. وبينما يعي النظام أن الخيار الثالث هو الأصعب فإن من المعتقد أن يميل الى تبني الخيار الثاني.
واشنطن تطلب تغييرا في سلوك النظام

ان نظرة سريعة الى التطورات في المنطقة منذ تولي بوش ادارة البيت الابيض تدفع للاعتقاد بأنه ماض في هذا المشروع، بدءا من احتلال افغانستان والعراق وموت عرفات الغامض، الى الدخول في قانون تحرير سورية علي غرار سلفه العراقي الصادر في تشرين اول/ أكتوبر 1998.وفي الاعتقاد أن سورية لم ينفعها تعاونها مع واشنطن سواء في حرب الخليج الثانية أو الحرب على الارهاب بعد 11 سبتمبر، فبعد سقوط بغداد حدد كولن باول في زيارته الى دمشق في ايار/ مايو 2003 اوراق دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطنية، والعراقية التي كانت في مهدها.
ونظرا لعدم تلبية سورية هذه الشروط تواصل الضغط الامريكي على سورية فاستصدر الكونغرس نهاية 2003 قانون محاسبة سورية وتحرير لبنان، وتلاه قرار 1559 صيف 2004، كمقدمة لعزل سورية دوليا، حيث لا تخلو التصريحات الامريكية من جمل " تكثيف الضغوط الدولية "، ووصف سورية بأنها "معزولة جدا على الصعيد الدولي ".
واللافت أن الامريكيين يركزون على ضبط الحدود السورية العراقية، والواضح ان مبتغاهم هو ابعد، فالمطلوب هو عون شامل في هذا المجال، وهو ما لا تستطيعه سورية آنيا.
وفي هذا السياق يقول مسؤول أميركي إن الرئيس السوري بما لديه من أجهزة استخباراتية قوية هو الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الولايات المتحدة من ورطة مفترضة في العراق، وفي المقابل فإن واشنطن وليس طهران هي الجهة الوحيدة التي تستطيع أن تدعم الأسد لتنفيذ إصلاحات داخلية لا تؤدي إلى انهيار نظام حكمه أو انفلات الأوراق من يديه.
ولخص المسؤول مطالب واشنطن في أربعة محاور...
المحور الأول: هو المتعلق بالعراق حيث أن استراتيجيتنا تحتم علينا سحق أعمال التمرد البعثية وأنصار الزرقاوي وبن لادن ونرحب بدعم سوري حقيقي في هذا المجال.المحور الثاني: يتعلق بالمنظمات الفلسطينية الراديكالية التي يمكن أن تطرد خارج سورية، إلى "قطر مثلاً" أو أي دولة تقبلهم ليعيشوا كمواطنين وليس كمنظمات إرهابية.المحور الثالث: تعلق بلبنان وقد طبقت دمشق جزءاً كبيراً ومهماً من المطالب في هذا المحور.المحور الرابع: فيتعلق بالإصلاحات الداخلية نحو الديموقراطية.عدم جدية اسقاط النظام
اللافت أن النواحي القانونية التي حملها تقرير ميليس اغلبها مشاريع ظنية، ولا تشكل ادانة، وهي القت الكرة صوب الملعب السوري لتلقي الاستعداد الكامل للتعاون مع لجنة التحقيق، ويعد التعاون السوري في هذا المجال تحولا جذريا في مسيرة النظام إن اقدم عليه.
الى ذلك وعقب صدور تقرير ميليس قال عدد من المسؤولين الاميركيين ان إدارة بوش تسعى الى اتخاذ إجراءات تهدف الى زعزعة النظام السوري وليس اسقاطه حاليا، الأمر الذي يفتح المجال لصفقات، فبالرغم من الاشارات التي تطلقها واشنطن بشان تغيير النظام بين الفينة والفينة، الا ان التردد واضح في الوقت الذي تبدي حكومات عربية، قلقها من احتمال ان يقود ذلك الى زعزعة استقرار المنطقة.
ويستبعد مراقبون أن تلجأ واشنطن حاليا للخيار العسكري، حيث يحذر خبراء فرنسيون من فرصة اندلاع حرب أهلية في سورية فيما إذا قررت الولايات المتحدة وفرنسا تغيير نظام الحكم في دمشق محذرين من تفاقم الوضع في الشرق الأوسط بعد التدهور اليومي للأوضاع في العراق.
وبينما تحدثت مصادر اسرائيلية عن محادثات امريكية اسرائيلية حول احتمال استبدال محتمل للرئيس بشار الاسد بشكل يحفظ استقرار سورية، اكدت ذات المصادر ان المسؤولين الاميركيين استخلصوا من اتصالاتهم ان اسرائيل تفضل بقاء بشار الاسد رئيسا "ضعيفا" بدلا من تغيير النظام.
ويعتقد مراقبون ان الحديث عن استمرار الاسد في السلطة له علاقة وثيقة بما سربته مصادر اعلامية مختلفة من انه لا توجد ادلة عن معرفة الرئيس السوري بالعملية، مشيرة الى ان معظم القرارات الهامة تتخذها مجموعة صغيرة تحيط بالرئيس ومن ضمنها شقيقه ماهر الذي يرأس الحرس الجمهوري وصهره آصف شوكت.
وما يدعم أن واشنطن في اطار فتح صفقة مع النظام، هو اسقاط تقرير ميليس لاسماء المقربين من الرئيس، وهذا في حين ان مصادر اعلامية امريكية اظهرت الاسماء المشطوبة الأمر الذي يبقي على عقد الصفقة مع النظام واردا.
والى أن يتوافر انصياع النظام في دمشق أو يتوافر البديل، يقدر كتاب بريطانيين أن الامريكيين، بعد تجربتهم في العراق،" ليسوا في مزاج يسمح بالعمل على تغيير النظام السوري بأنفسهم، كما أنهم لا يتوقعون ظهور غورباتشوف سوري من داخل النظام"، وبدلا من ذلك يرجحون أن تنتهج الادارة الأمريكية طريقا وسطا، تدرس خلاله بدائل النظام.
الاهتمام الفرنسي منصب على عزل سورية عن لبنان
لا يتطابق الموقف الامريكي مع الفرنسي حول الموقف من سورية، فمصلحة فرنسا الأساسية هي، كما يبدو، حماية لبنان من أي تدخل أو تشويش سوري. وهي متخوفة من شعار «تغيير النظام»، الذي تلوح به امريكا في اطار تغيير سياسة سورية الاقليمية، ولذلك ترتأي فرنسا ارجاء العقوبات ومنح الأسد فرصة اظهار حسن النيات، وما يمكن ان يقوم به من اجراءات اصلاحية.
اتصالات امريكية سورية خلفية
اثناء التحقيقات لم تستثن الادارة الأمريكية سبل كشف استعدادات النظام السوري عن طريق ما يدعى بـ «ديبلوماسية الأقنية الخلفية»، ففي اوائل تشرين الأول/ اكتوبر كشف مصدر أميركي مقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن النقاب، عن تحرك يقوده تيار من معتدلي الحزب الجمهوري الحاكم وعسكريون متقاعدون للاستعانة بسورية في انقاذ المشروع الأميركي في العراق، حيث حصل وفقا للمصدر وفد غير رسمي في دمشق على عرض سوري بتعاون فعال لتحقيق الاستقرار في العراق، يتضمن استعداد دمشق لفتح السفارة إثباتا لحسن النية.
وتكشف مصادر عربية في واشنطن، النقاب عن خلافات بين هذا الوفد ومسؤولة تنفيذية في ادارة بوش، متخصصة في الشأن السوري، حيث كررت هذه مطالب الإدارة بخطوات عملية تقوم بها سورية على الأرض قبل بدء أي حوار مباشر. وأشار أحد المشاركين في الحوار إلى أن الإدارة أبدت رضاها للعرض السوري بإرسال سفير إلى بغداد، وأثارت في الوقت ذاته أهمية إرسال سفير سوري إلى بيروت وفتح سفارة سورية في لبنان، إضافة إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسورية والاعتراف بالاستقلال الكامل للبنان، والمساعدة على اقناع الرئيس اللبناني الياس لحود بالاستقالة، وعدم التدخل في اختيار الشعب اللبناني لرئيس جديد. كما دعت الحكومة السورية إلى فرض تأشيرات دخول على الشباب العرب القادمين إلى سورية، وتشديد الرقابة عليهم للتأكد من عدم توجههم الى العراق. ورفض المصدر الإفصاح عن تفاصيل العرض السوري فيما يتعلق بالقضايا الأخرى، لكنه قال إنه تضمن معالجات لأوضاع الفصائل الفلسطينية في سورية وأوضاع لبنان، علاوة على الاستعداد الكامل لإطلاق الحريات داخل البلاد والقبول بالتعددية وإعادة بناء الدولة بشكل ديمقراطي.
ومع ذلك فقد قلص مسؤول في الخارجية الأميركية من هذه الحوارات، ونفى علمه بذلك ولفت إلى أن السفارة الأميركية في دمشق مفتوحة والدبلوماسيين الأميركيين يؤدون عملهم، وبإمكان السلطات السورية أن تبلغهم بأي تغيير حقيقي في سياساتها، مؤكدا أن أي مسؤول أميركي لم يتحدث عن تغيير النظام في سورية مطلقا، وان كل ما تأمله واشنطن هو "تغيير في السلوك السوري تجاه قضايا محددة يعرفها السوريون جيدا".
ويكشف مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية الاميركي السابق لشؤون الشرق الادنى والسفير السابق لدى إسرائيل، النقاب عن أن الرئيس السوري فكر بالخروج من الازمة وأرسل مبعوثين الى واشنطن محّملين باقتراح -صفقة، حسب النموذج القذافي، يتضمن تسليم مسؤولين سوريين من ذوي الرتب الصغيرة، وإنهاء النشاطات السورية العدائية، لكنه يقول إن الاقتراح وصل متأخراً جدا.
دمشق تتبنى لعبة كسب الوقت
يستبعد كثير من المراقبين أن تقدم دمشق التنازلات المطلوبة منها، حفاظا على السلطة، والبقاء فيها، بالرغم من تشديد الرئيس الاسد اكثر من مرة على ان المتورط في اغتيال الحريري هو خائن، وان الفيصل في هذا الموضوع هو القضاء، وابداءها الاستعداد للتعاون مع اللجنة مجددا بعد صدور التقرير. وهي ان اضطرت لمحاكمة المسؤولين فستحاكمهم على اراضيها، وقد تماطل في تسليم بعضهم.
الى ذلك اطلقت دمشق اشارات باهتة تؤكد استعداداتها للتعاون مع الامريكيين والحكومة العراقية في العراق، الا أن هذه الاشارات لم ترق الى المطلوب امريكيا، فواشنطن وبغداد تتهمان دمشق بايواء المحركين للانفلات الأمني في العراق على اراضيها من بعثيين وضباط عراقيين.
ويستبعد أغلب المحللين تعاونا سوريا مفتوحا لعجزها عن ذلك، حيث تدرك سورية أنها بتعاونها وعدمه، سوف تدخل طور العقوبات طواعية مما يفكك النظام، وبالتالي فيرجح أن تتبنى لعبة الوقت وعض الأصابع، انطلاقا من أن ثمة مأزقاً ملموسا وتناقضاً في القرار الأمريكي.
ويرى البعض ان سورية ستستمر بالموقف المقاوم، وستنغلق على نفسها، وستحرك ما تستطيعه من اوراق تحت الطاولة، انطلاقا من قراءتها أن ليس بوسع امريكا تنفيذ تهديداتها حاليا، خاصة أنه لا يوجد من جديد في الجعبة الامريكية الاسرائيلية بخصوص تحريك موضوعة الاراضي السورية المحتلة، بل حتى ان شارون قال مؤخرا عما سيكون عليه الموقف الاسرائيلي في المفاوضات حول الجولان في حال تغيير الرئيس السوري، "ان موقفي من هذه القضية قد حسم وان الهضبة ستبقى تحت السيطرة الاسرائيلية الى ابد الابدين"، على حد تعبيره.
وفي قراءة بعض المحللين أن تصاعد دور المقاومة العراقية، مع التوقعات بتصاعد هذه المقاومة لتشمل المناطق الشيعية، يدفع دمشق للتريث في قراءة التهديدات الامريكية، فالامريكيين ليسوا في وارد توسيع المواجهة، خصوصا اذا ما انفتح الجوار السوري على العراقي في مقاومة شاملة تطيح بالتواجد الامريكي في المنطقة.
كما يعتقد محللون ان اسقاط الامريكيين للنظام في سورية بصورة مباشرة ربما يؤدي الي زلزلة المنطقة بأسرها. حيث تنفتح المنطقة من ايران وحتى مصر على الفوضى التي لن يكون من السهل وضع حد لها، وفي العراق المثال.
وفي واقع الامر يكفل تجريد النظام السوري من اوراق المقاومة، الترحيب به في حظيرة الأنظمة التي تدور في الفلك الأمريكي، حيث يعهد عن الامريكيين تبنيهم لشعار المصالح الأمريكية اولا.
ولكن خيار تخلي سورية عن هذه الاوراق، وقبولها بتبني شعار سورية اولا، لا ينهي دورها العربي فحسب، بل يعني انتحارها حيث يدفعها تاليا للتفكك من خلال الاقرار بأنها نسيج من الاقليات العرقية والمذهبية، كما هو الحال في العراق الجديد.
ويقول خبراء امريكيون وبريطانيون واسرائيليون ان امام سورية ثلاثة سيناريوهات اساسية :
الأول :
تفكك البلاد .الثاني : حدوث انقلاب عسكري نتيجة للعزلة الدولية يأتي بضابط من داخل المجموعة الحاكمة.الثالث : فقدان الشرعية الداخلية وتصاعد الاضطرابات الطائفية والعرقية، وانهيار الوحدة الوطنية الداخلية.ويستبعد خبراء اوروبيون قيام الرئيس الاسد باجراء اصلاحات سياسية شاملة تغير النظام من قمته وتضحي بمجموعة من كبار مساعديه وابعادهم عن الحكم واطلاق سراح المعتقلين السياسيين واجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متعددة، ويدعون أنه يفتقد الى القيادة التي تحتاجها هكذا اصلاحات وهو غير مؤهل لملء المنصب الذي ورثه عن أبيه.
وعلى الارجح أن سورية تراهن في جملة ما تراهن عليه، على التجاذبات في واشنطن حول الوضع في العراق، خاصة بين المحافظين الجدد والقدماء، وهذا في وقت حث فيه السيناتور جوزيف بايدن الإدارة الأميركية لتطوير «استراتيجية إقليمية تقوم إما بإجبار جيران العراق على العمل بطريقة مسؤولة تجاهه أو إغرائهم على ذلك. وفي بعض الحالات سيتطلب أن تشترك الإدارة الأميركية في العمل مع أنظمة تفضل عدم التعاون معها».
ويرى ساسة امريكيون أن من الضرورة لاتمام المهمه في العراق ان يتغير الاسلوب مع سورية، بمعنى أن تقليل التهديد وزيادة الحديث عن تعاون قد يعطي نتائج أفضل، كما انهم يعتقدون ان من الصعوبة لملمة العرب الى جانبهم ضد سورية، خاصة بعد تجربة ما جرى للسنة في العراق، اضافة الى القناعة بان لا احد حتى في المعارضة السورية المتطرفة تقبل الطريقة العراقية في التغيير.
ويخلص محللون سوريون الى أن المحافظين القدامي (العاقلون) عقدوا صفقة مع بوش الابن تقتضي بتخفيض درجة دور المحافظين الجدد والابتعاد ـ بالتالي ـ عن نظريات كــ الفوضي الخلاقة ، والتوقف عن المغامرات غير المحسوبة، ويدللون بعدد من المؤشرات على تقليص دور المحافظين الجدد خلال الأشهر القليلة الماضية .
وبينما يميل الاخذ بأن سورية في وارد المضي قدما في المواجهة تتحدث اجهزة الاعلام الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية عما تصفه بدخول النظام السوري في طور النهاية، وتتوقع انه اذا تمكن من البقاء فلن يستطيع ان يستمر لشهور او سنوات.
وتذهب مصادر بريطانية في التحليل إلى أن بعض الشخصيات في النظام تخشى من أن هجوما بصاروخ واحد قد يقوض النظام بإثبات عجزه عن حماية السيادة السورية، ثم تتساءل من جهة ثانية "هل سيتم استغلال هذا الضعف السوري؟" مضيفة أن الأميركيين يريدون بالتأكيد تغيرا في سلوك النظام السوري " ولن يذرفوا عليه دمعة واحدة إذا سقط.".
ولا يقلل البعض من قدرة النظام على المواجهة خاصة اذا ما انعدمت الخيارات سوى من المقاومة والدفاع عن النفس، خاصة مع انعدام البدائل الجاهزة.
سيناريو تركيع النظام في سورية :-1- عزل وشائعات ومطالبة بالتعاون المفتوح
تعاني سورية من حالة ما قبل العزلة الدولية، وهي مثقلة بالضغوط المباشرة التي تاتيها من ناحية العراق ولبنان. ويذكر أن الاتحاد الأوروبي كان جمّد خططا لتوقيع اتفاقية مشتركة مع سورية، حتى تكتمل تحقيقات ميليس في قضية اغتيال الحريري.
ويرى كثيرون أن الحيثيات التي جرى فيها الاعلان عن ملف التحقيق وهو في مرحلته الابتدائية للملأ في انحاء العالم، تعد لفتا دوليا لضرورة انصياع سورية وتقديم كامل التعاون لمواصلة التحقيقات، حيث تتجه التطورات خلال الفترة التي تنتهي بـ 16 كانون الأول / ديسمبر القادم الى مطالبة سورية بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق.
ولا يخفى أن ماكينة العزل الاعلامية ابتدأت منذ شهور، واطلقت مؤشرات العزل الدولية التي دفعت الرئيس السوري لالغاء زيارته المقررة الى نيويورك لحضور قمة الزعماء بمناسبة الذكرى الستين لقيام الأمم المتحدة التي كان من المقرر لها ان تبدأ اعمالها في 14 ايلول/ سبتمبر، وانطلقت البالونات أن سبب الاحجام هو خشيته من انقلاب يقوم به الحرس القديم عليه لاستعداده بالتعاون مع محققي الأمم المتحدة.
ويدخل في سياق التشهير وخلق البلبلة حول مواقف رجالات النظام، ما تقوم به بعض وسائل الاعلام العربية، وفي اول رد له حول اتهامات له بالضلوع في مؤامرة للاطاحة بالرئيس الاسد مع نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، نفى رئيس الأركان السوري الأسبق حكمت الشهابي ذلك، ووجه رسالة إلى أحمد الجار الله رئيس تحرير «السياسة الكويتية» اتهمه فيها بنشر الأكاذيب والافتراءات، مشيراً إلى أنه سيلاحق الصحيفة قضائياً. وفي السياق نفسه، نقلت مصادر صحفية عن «زميل» لخدام قوله ان نائب الرئيس السابق «سيعود خلال الايام المقبلة» الى دمشق، بعدما انتهى من كتابة مذكراته، الأمر الذي ينفي «نيته الانضمام الى المعارضة السورية». وقالت مصادر ديبلوماسية عربية: «ربما يلتقي مسؤولين آخرين، لكن خدام لا يحرق جسور العودة».
ويعتقد بعض الخبراء الغربيين ان الايام المقبلة ستشهد المزيد من العزلة للنظام السوري الامر الذي قد يؤدي الي تحلل الدولة كمقدمة لانهيارها، وضربوا مثلا بالاضطرابات التي شهدتها سورية مؤخرا في المناطق التي يتواجد فيها اكراد وجنوب سورية.
وتتحدث تقارير مؤخرا عن استعداد الإدارة الأميركية مدعومة من قرار إلزامي من جانب الكونغرس بضرورة استصدار قرارات لمحاصرة النظام السوري تمهيدا لإطاحته وإيجاد البديل السوري لحكم البلاد.
وكانت إسرائيل على لسان مسؤولين كبار ومن بينهم وزير الدفاع شاول موفاز، قالت ان الولايات المتحدة عازمة على اتخاذ أقصى العقوبات ضد النظام السوري ابتداء من الحصار الاقتصادي وحشد دولي لتأييد هذا القرار، إلى حد إطاحته من الحكم. وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي في وقت سابق على صدور قرار ميليس أن الأمم المتحدة تتجهز لاتخاذ قرارات ضد سورية.
وفي خلاصة هذه المرحلة يجمع المراقبون على أن مجلس الأمن سيصدر قرارا يطالب سورية بالتعاون مع ابقاء الخيار مفتوحا بشأن العقوبات حال عدم استجابتها.
القاهرة تحاول اخراج دمشق من المأزق عبر بوابة الرياض
لا يخفى أن التحرك السوري للخروج من المأزق، هو اضعف من أن يحقق النتائج المرجوة فمن الناحية الموضوعية فكل القرائن تشير الى ضرورة تعاون سورية دوليا مع لجنة التحقيق، ومن الناحية الذاتية فإن هذا التعاون سيسجل كسابقة تهز اركان النظام بعمق لأنها لن تتوقف عند هذا الحد وانما ستفتح المجال امام محاكمة النظام على ما هو اكبر من قضية اغتيال الحريري.
ويبدو للمراقبين أن سورية استطاعت ان تحقق اختراقا في الطعن بشهادة ما تصفه بالمجند الفار محمد الصديق، ولكن هذا الاختراق غير كفيل باغلاق الملف، فهناك من المعطيات والاسئلة التي يتوجب على سورية اعطاء اجابات عليها.
ولعل ابرز التحركات السورية للخروج من القفص، كانت تلك الزيارة الخاطفة للرئيس السوري ولقاءه بنظيره المصري قبل صدور التقرير، فيما اعتبر أنه في اطار البحث عن وسطاء لهم وزنهم لدى واشنطن كمصر أوالسعودية.
وفي الخلاصة فإن التحركات السورية جوبهت بضرورة التعاون بحسن نية مع لجنة التحقيق، مع تحركات مصرية باهتة على خط باريس للوساطة، حيث اصرت باريس على ضرورة التعاون السوري حتى النهاية مع التحقيق.
وأما بصدد تبريد الاجواء بين دمشق والرياض، فقد اطلقت اشارات خافتة، ابدتها السعودية، من خلال ارسال الرياض لسفيرها احمد علي القحطاني بالتزامن مع الاتصالات المصرية - الفرنسية، والمصرية السعودية، حيث قدم اوارق اعتماده الى الرئيس الاسد ووزير الخارجية فاروق الشرع، بعد ايام على زيارة سرية لمسؤول امني سعودي لدمشق.
وبينما يستبعد المراقب أن تخرج اغلب الدول العربية عما يفرضه مجلس الأمن في قراره المرتقب الذي يطالب دمشق بضرورة التعاون دون مرونه، فقد تحركت مصر بين دمشق والرياض حيث ارسلت وزير مخابراتها الى الرياض، ثم قام الرئيس المصري بزيارة لدمشق ارسلت على اثرها هذه الأخيرة مساعد وزير خارجيتها الى الرياض وقطر والكويت، ويبدو ان لذلك علاقة بمحاولة الرياض والقاهرة تطويق الأزمة واظهار سورية بمظهر المتعاون عشية صدور قرار مجلس الأمن، ويبدو أن هذه المساعي هي ما دفع سورية الى المسارعة لتشكيل "لجنة تحقيق خاصة" مهمتها المباشرة باجراءات التحقيق مع من ورد اسمهم في تقرير ميليس والتعاون مع السلطات القضائية اللبنانية.
وبشكل مواز يبدو أن ثمة تحرك سعودي باتجاه تبريد العلاقة بين دمشق وبيروت، ولا يستبعد ان يقوم رئيس الوزراء اللبناني بزيارة الى دمشق في القريب العاجل، لتبديد الجو المتلبد بين العاصمتين.
2- هز قصبة النظام باجراء تحقيقات مع الحاشية الضيقة للرئيس

أودى تدويل القضية الى هز شوكة وصورة النظام، محليا وعربيا ودوليا، ويبدو للمراقبين ان المرحلة القادمة ستشهد تكثيفا للتحقيقات مع سوريين، ويعتقد أن المفاجاة في التقرير ستكون في المطالبة بالتحقيق مع الاسماء المشطوبة فيه، ومن ابرزهم ماهر الاسد شقيق الرئيس السوري واللواء بهجت سليمان واسم مسؤول لبناني شيّع بعضهم من دون تأكيد ان يكون رئيس مجلس النواب نبيه بري.وراحت واشنطن للمطالبة بالتحقيق مع اي شخص يطاله التحقيق بمن فيهم الرئيس السوري نفسه.
وتعد قضية أحمد أبو عدس الذي ظهر في شريط " الجزيرة " وادعى مسؤوليته ومسؤولية ما يدعى بتنظيم النصرة والجهاد عن عملية الاغتيال مدخلا رئيسيا في التحقيق خلال المرحلة القادمة.

ولا يعرف حاليا عما سيسفر عنه التعاون مستقبلا في قضية ابو عدس، حيث سربت معلومات من مصادر حقوقية سورية أن صديقه السوري زياد رمضان صديق المطلوب للجنة التحقيق موجود في السجون السورية منذ فترة.
وعلى اية حال ففي حال تمنع النظام عن ابداء تعاونه المفتوح، فقد يصار الى المطالبة بتسليم المشتبه بهم لمحكمة دولية، وعندها ستتوسع الدائرة لتشمل اتهامات لاركان النظام المقربين من الأسد.

وبينما تؤكد دمشق على برائتها "مائة بالمائة"، فإنها تبدي معارضة لفكرة تشكيل محكمة دولية، واشارت مصادر سورية الى أنها " تفضل محكمة سورية - لبنانية أو محكمة عربية في حال كانت هناك أية ضرورة لذلك".
الى ذلك دشنت وسائل الاعلام حملة تشهير غير مسبوقة برجالات الحكم في سورية، ولم يستبعد البعض أن ترتفع لائحة الاسماء التي يشملها التحقيق في قضية الحريري، لتضم آخرين اهتموا بملف العراق في مرحلة تالية.
ومن المرجح أن يقر مجلس الامن تجميد ارصدة المسؤولين السوريين المتهمين خلال المرحلة القادمة، بعد ان جمدت في 30 حزيران/ يونيو ارصدة وزير الداخلية السوري الراحل غازي كنعان، ورئيس جهاز الامن و الاستطلاع السوري السابق في لبنان رستم غزالة بتهمة "بالمساعدة في الارهاب"، واتهمتهما بالمشاركة في العديد من الانشطة والصفقات الفاسدة خلال مسؤوليتهما في لبنان.
وتتفاوت التقديرات حول تأثير سياسة تجميد ارصدة الافراد، فهذه السياسة نجحت مع بعض الدول مثل ليبيا ولكنها لم تنجح مع ايران التي ما زالت ارصدة كثيرة لها مجمدة. ويعتقد البعض ان تجميد ارصدة المسؤولين لا يؤثر على الاقتصاد السوري، ولكنه يزيد من خنق النظام، وتقوية صفوف المعارضين والناقمين عليه.
3- البحث عن بديل للرئيس السوري بشار الأسد

تحدثت مصادر سياسية اسرائيلية وامريكية وبريطانية متطابقة عن بحث واشنطن وتل ابيب عن شخصية سورية تكون مؤهلة لادارة دفة الحكم في دمشق بعد عزل الاسد من منصبه.
وقالت مصادر اعلامية بريطانية ان ستيفين هادلي مستشار الأمن القومي للرئيس الاميركي جورج بوش نسق مشاورات مع حلفاء الولايات المتحدة بشأن النظام البديل، واضافت "انهم (الادارة) يكلفون أناساً داخل الادارة وخارجها البحث عن بديل يوفر هبوطاً آمناً، ويحتمل ان يقبلوا بشخصية عسكرية ولكن سيكون من الصعب جداً العثور على شخص يتقدم ويعمل مع الاميركيين".
وينقل اعلاميون اسرائيليون عن مسؤول سياسي مطلع في تل ابيب قوله ان الامريكيين اهتموا كثيرا في التقديرات الاسرائيلية، وسألوا خلال المحادثات بين الطرفين عن الشخصية السورية الملائمة لوراثة الاسد، شريطة ان يتمكن الرجل من الحفاظ على.