A+ A-
الحملات والدعاية الانتخابية *
2004-10-05

جميل النمري
صحفي وناشط سياسياية الانتخابية

هناك نموذجان اساسيان سارا خلال العقود الفائتة. في الحملات الانتخابية هما النموذج الاوروبي والنموذج الامريكي لكن النموذج الاول يقترب تدريجيا من النموذج الثاني ويقتفي اثره ويكسب تقنياته.

النموذج الاوروبي التقليدي يخاطب العقل والفكر. ويقارع في الحملة الانتخابية باسم المؤسسة السياسية الحزب-وبرنامجها وبديلها لما هو قائم، فيما النموذج الامريكي يركز على الشخص (المرشح للموقع الرئاسي او النيابي) وقدراته القيادية ونموذجه الجاذب –الانطباع- ويجد هذا التباين جذوره في طبيعة النظام السياسي لكلا الجانبين-الرئاسي في الولايات المتحدة والبرلماني في اوروبا-وكذلك الى فروق ثقافية عميقة في تاريخ المجتمعات الاوروبية الحديثة والمجتمع الامريكي.
وقد سار النموذجان بالتوازي حتى الثمانينات حيث بدأت علامات الامركة على الانتخابات الاوروبية.

في الواقع ان فرنسا في عهد ديغول لجأت الى تغييرات دستورية ادخلت النظام الرئاسي بصلاحيات اقل من الولايات المتحدة لكن رسوخ المؤسسة السياسية الحزبية ابقى للانتخابات نمطها الاوروبي.

يمكن الحديث عن نموذج ثالث للعالم الثالث يجد اساسه في طبيعة المجتمعات التقليدية حيث تحظى الزعامات المحلية التقليدية بالنفوذ والموروث او المكتسب، فلا يلعب الاتصال الاعلامي مع الجمهور العام دورا مهما بل الصلات الشخصية المباشرة مع جمهور معروف للنشطاء الانتخابيين.

اذا كانت الانتخابات الاوروبية الان تاخذ بمزيج من القديم الاوروبي والجديد الامريكي ومدراء الحملات الانتخابية الاوروبية لا يستطيعون تجاهل الفعالية الريادية للاساليب الامريكية فان النمط المحتمل في العالم الثالث قد يكون مزيجا من الانماط الثلاثة.

ماذا يعني هذا الاسلوب المتوقع؟ يعني اعطاء كل من هذه الاساليب حصة لكن ضمن المستوى والظروف الملائمة. مثلا النموذج الامريكي يركز على الصورة والانطباعات المشخصنة ويستخدم احدث التقنيات الممكنة لتحقيق التاثير السيكولوجي الملائم. لكن الاستخدام المفتعل لهذه الاساليب في ظروف محلية قد يجعل المردود عكسيا. وقد يكون استخدام مخزون المدرسة الاوروبية في تقديم البرنامج والخط السياسي جهدا عبثيا بلا طائل لجمهور معين في منطقة معينة، اما الاسلوب التقليدي المحلي فقد يحقق الاهداف مع فئة بعينها قطاع الاقارب او ابناء الحي او نمط اخر من الصلات التقليدية لكنه يهمل حصة لا تتعرف على نفسها عبر القناة التي يستخدمها المرشح وهي في العادة تمثل جزءا واسعا من الجمهور الذي يجب ان تصل له الاساليب الاخرى.

الخصوصية المحلية

لا يمكن القيام بحملة انتخابية الى نموذج نظري مفترض لا ياخذ بالاعتبار الخصوصية المحلية،وهي خصوصية تشمل طبيعة المجتمع وطبيعة النظام الانتخابي، ان كثيرا من متطلبات الحملة الانتخابية يكتشفها القائمون على العمل لانهم يعيشون في بيئة يعرفون متطلباتها، مثلا دور العلاقات الشخصية والعشائرية والانتماء الطائفي او الاثني والحساسيات السائدة...الخ، وبالطبع فان المرشح الذي يحمل برنامجا مع اساليب مخاطبة البيئة المحلية ومع النظام الانتخابي ولكنه سيتميز بادخال عناصر جديدة على الحملة تنتمي الى الاساليب الاحدث وهي مسالة فنية وسياسية في ان.

البرامج والشعارات.

قد يكون للحزب او المرشح برنامجا سياسيا في الاصل، لكن في الانتخابات يجب تحويله الى مادة مختزلة قابلة للتقديم في صفحة واحدة او مطوية للتوزيع.

البرنامج المصمم لغايات الحملة الانتخابية يجب:

-ان يكون مقسما الى فقرات قصيرة تكثف الافكار الاساسية.

-ان تكون الفقرات على نفس السوية فلا تحمل واحدة فكرة كبيرة واساسية والثانية موضوعا تفصيليا وفرعيا .

-ان تكون اللغة بسيطة ومفهومة.

تحويل برنامج الحزب او المرشح الى برنامج انتخابي يقلل الفروق بين المرشحين والاحزاب لان الجميع يبحث ارضاء الجمهور لكن المرشح والحزب يجب ان يحرصا على التميز. كما ان البرنامج يجب ان يعكس طبيعة الانحياز الذي يمثله الحزب لان طمس ذلك من اجل ارضاء جميع الفئات يفقد الحزب او المرشح لونه ومصداقيته وقد يجعله خاسرا عند كل الفئات.

الشعارات

البرامج والشعارات هي المحطة الاولى في الحملات الانتخابية، والشعارات تلخص البرنامج لكن الشعارات على جانب خاص من الاهمية انها تعطي لكل الحملة نكهتها وتميزها.

الشعارات مسالة سياسية وثقافية وفنية تتطلب مهارة خاصة وحسن رفيع، وليس هناك استراتيجية واحدة للشعارات ولكن ثمة شروط عامة مثل وحدة الموضوع، تكثيف المعنى دون تعقيد، الرشاقة.

-يمكن اعطاء وزن متساو للشعارات او ترتيبها حسب الاهمية وربط مضمونها باماكن توزيعها.

-بعض الحملات تعتمد على شعار مفتاح يميز الحملة ويتكرس ارتباطه في ذهن المواطن بالحزب او المرشح واذا كان الشعار موفقا فهذا الاسلوب له مردود جيد.

ان وزيرا سابقا اثار ضجة واستقال او استبعد بسبب تصريحاته المثيرة حول فساد الدوائر والغذاء والشراب المستورد منذ اعوام، عاد الى الجمهور في الانتخابات البرلمانية 2004 بشعار وحيد لم يرفع غيره على أي يافطة او ملصق معد "لقول الحقيقة مهما غلا الثمن" مذكرا بما حصل معه قبل سنوات . وقد نجح المرشح باصوات عالية ومرشح اخر في دائرة تحوي خليطا من الجمهور من اصول مختلفة رفع شعار "الوطن للجميع" كشعار رئيس يميز الحملة لكن الى جانبه سلسلة شعارات تميز الانحياز الديمقراطي والاجتماعي للمرشح، لكن في حالات اخرى غاب التميز والرشاقة، ان بعض المرشحين قدموا شعارات سقيمة تقليدية لم تعط اية شخصية خاصة للمرشح اكان في الشكل او المضمون.

يتلاقى عالم الدعاية الانتخابية السياسية مع الترويج والتسويق التجاري اكثر فاكثر في العديد من التقنيات وبينما كانت المدرسة الاوروبية التقليدية ترى في ذلك عيبا تنأى عنه كان العكس يحصل في المدرسة الامريكية شديدة البراجماتية التي يفترض ان جني النتائج هو المعيار للمشروعية.

استخدام شعار معين (لوجو) وخط معين، ولون معين، ونمط في المخاطبة هي كلها مكونات اساسية اصبحت جزءا اصيلا من الحملة وهو ما سنتطرق له في ادوات الاتصال والتواصل.

ادوات الحملة الانتخابية وتقنياتها:

البيئة التي يعمل بها تحدد درجة الاعتماد على شكل او اخر، فكلما كانت البيئة تقليدية او ريفية، والدائرة اكثر ضيقا وتجانسا كلما كان الاتصال المباشر هو الصيغة الرئيسية، وبالعكس مع اتساع الدائرة وتمدنها.

المواد الدعائية التقليدية هي الملصق والمطوية او البروشور والقصاصات واليافطات، ان جميع المواد المطبوعة والمعروضة عبر مختلف الوسائل يجب ان تعكس الانتماء لنفس الحملة والمرشح من خلال الرمز المستخدم واللون والخط ووسائل فنية اخرى وهذا يتقرر سلفا وبالتشاور والحوار الجماعي مع المختصين الفنيين مثلا لماذا يجب تفضيل لون على اخر، ودلالة استخدام اخراج معين وهكذا، يجب الوصول الى توافق سياسي-فني على اخراج الحملة الانتخابية.

اليافطات في الاردن مثلا هي اداة رئيسية لمخاطبة الشارع بينما الملصق هو الاساس في اوروبا، وهذه الوسيلة الاخيرة اكثر اناقة وجمالا وتعطي فرصا فنية اكثر. لكن حجم الاعتماد على شكل او اخر تحدده ظروف محلية.

تدخل الان وسائل جديدة مثل الانترنت والبريد الالكتروني والبريد الخلوي وينطبق على هذه الوسائل ايضا مبدأ وحدة ال "ستايل" او الشكل، لكن المضمون يراعي التوجه لفئات تستخدم هذه الوسائل مثل قطاع الشباب والمتعلمين.

في الواقع ان المواد المقروءة والمطبوعة تتراجع امام الوسيلة الكاسحة الجديدة وهي التلفزيون.
في السابق كانت المشاركة في التلفزيون في اوروبا تتمثل بظهور مرشحين وقادة احزاب يتلون برنامجا او كلاما مكتوبا وهذه الصيغة تبدو اليوم كئيبة وسقيمة عند مقارنتها بالاشرطة التلفزيونية المبهرة في الولايات المتحدة في تقديم الحملة والمرشح. فالشريط يعتمد تقنيات حديثة وتكون الصور والشعارات والعبارات التي تظهر مدروسة بعناية. والايقاع السريع ينطبق على هذه الدعاية مثل كل مجالات الحياة الاخرى.

يجب مراعاة ان اداة الايصال تحدد مجال التركيز على الصوت او الصورة او الكلمة، ففي التلفزيون مثلا كلام اقل وصور اكثر، اما في الاذاعة فالوسيلة هي الكلام والموسيقى، وعلى الطرق السريعة يجب الاكتفاء بعبارة لا تزيد عن 3 كلمات مكتوبة بحروف ضخمة وهكذا. استخدام ادوات الاتصال يعتمد ايضا على الامكانات المادية ويجب موازنة الوسائل المختلفة، مثلا بين الاعلان في صحيفة او توزيع ملصق. ان الكثير من مدراء الحملات الانتخابية يهدرون المال عبر وسائل خاطئة ولا يستحق الصرف الزائد، يجب الموازنة بين الموارد والمردود بحرص وكفاءة، والاقدر على اتخاذ القرار هم من لديهم قضية حقيقية في الانتخابات وليس المستخدمون التجاريون وهذا يقودنا الى اكثر العناصر حسما في الحملة الانتخابية وهو العنصر البشري.

الافراد الذين يقودون ويشاركون في الحملة الانتخابية

العنصر البشري في الحملة الانتخابية:

البشر هم العنصر الاهم في الانتخابات، وسوف تتفاوت حالة النشطاء والقادة للحملة الانتخابية، ونحن نفترض ان الشيء المثالي هو وجود قادة ونشطاء ينتمون الى مشروع ورؤية وقضية. في هذه الحالة يكون للعمل نكهة اخرى، فالانتماء لقضية المرشح او الحزب يحرك عملا كبيرا تطوعيا بكلفة اقل وانتاجية اعلى.

في عالم التسويق يقال انك قبل اقناع الزبون يجب ان تكون انت نفسك مقتنعا بالسلعة، ولذلك من شروط المشاركة الفاعلة ان يتعرف الناشط على نفسه بوصفه جزءا من مشروع ومن طموح ومن هدف مشترك.

احيانا قد لا يكون وراء المشاركة في الانتخابات قضية سوى الطموح للسلطة مع توفر المال، وقد يكون كافيا كحافز للنشطاء الحصول على المال ودعم نافذ محتمل يحقق لهم مصالح او حماية ...الخ، والمال يقدر على امور كثيرة بما في ذلك استئجار خبراء يصيغون شعارات جاذبة ويعصنعون حملة انتخابية فعالة. وهذا قد ينجح او لا.

في الاردن نجح بعضهم على هذا الاساس لكن اخرين فشلوا فشلا ذريعا.

نحن نفترض ان الاساس الصحيح هو توفر قناعة حقيقية بالمرشح او الحزب ودافع يتمثل بالايمان بالاهداف والقضية المطروحة. وان هؤلاء النشطاء يمكن ان يتشاركوا في النقاش حول عناصر الحملة الانتخابية وبالنصيحة الصادقة وبنقل الملاحظات الدقيقة حول ما يجري ويقال في الشارع.

"جماعية القرار وفردية المسؤولية عن التنفيذ" مبدأ اساسي في ادارة الحملة الانتخابية. فالقرار في قضية معينة يجب بلورته في اطار معين او بالتشاور مع النشطاء لكن متى تقرر الامر فان التنفيذ يجب ان لا يضيع في الجماعة، اذ يجب ان يكون معروفا بدقة "من يقوم بماذا" ان الحماسة يجب ان تترجم بالتزام محدد للعمل وفق تكليفات محددة.

يجب اولا ضمان توفر الكادر المتوقع للمشاركة بقناعة ثم توزيع الموارد المالية وفق مبدأ الحد الادنى من الكلفة مقابل الحد الاقصى من الانتاجية، وفي هذا الصدد فان اسلوب التعامل والمتابعة والحوافز المعنوية تلعب دورا . اما بالنسبة للكادر الاول فان جماعية القرار والمشاركة والتشاور في وضع الخطط والمقترحات يلعب دورا مهما في تماسك المجموعة وقوة ادائها وانعكاسه على بقية النشطاء.

يجب التوثق من الانسجام والتوحد في جيش العاملين في الحملة. وهو ما قد يتطلب ورشات عمل لطرح قضايا الانتخابات لرفع سوية الوعي بالموقف السياسي والبرنامج والشعارات ، وتعزيز وحدة المجموعة وتوحيد الخطاب ومفرداته،وكذلك ورشات عمل حول استخدام الموارد والمواد المتاحة وبافضل الاساليب.

العنصر الاخير في وسائل الاتصال هو الاحتكاك المباشر سواء اكان عبر الزيارات الميدانية او اللقاءات الموسعة او المهرجانات.

الاتصال المباشر في مجتمعاتنا قد يكون العنصر الاهم في الحملة الانتخابية لكن هناك اثر سيكولوجي هام لتدعيمه بالوسائل الاخرى.

ان الاتصال الفردي او اللقاءات الجماعية هي ميدان الاقناع الاهم ثم تاتي المهرجانات لاحداث الاثر النفسي الضروري فالمهرجان هو استعراض قوة المرشح او الحزب. وهو احد اكثر الاشكال اثارة، وهو يمتحن قدرة ادارة الحملة وكادرها اكثر من أي نشاط اخر وهو مقياس مهم للشعبية وللقدرات. حجم الحضور، حسن التنظيم، الاستخدام الجيد للوسائل الاعلامية، الصوت، الموسيقى، شاشات العرض، الملصقات، توزيع المقاعد ، الاشارات والرموز...وغيره الكثير من العناصر التي تتضافر لانجاح المهرجان اضافة الى حجم الحضور هذه تعكس قدرات وكفاءة الطاقم وهي تقول كل شيء عن تجارب وخلفية افراد الطاقم.

ان الحملة الانتخابية وبكل عناصرها هي جزء من القضية لكن القضية الاساس بالطبع تتمثل في ...من هو المرشح ..ومن هو الحزب...فالحملة لا تصنع منهما شيئا اخر ولا يجب ان يكون هذا هو هدفها.


* ورقة عمل قدمت ورشة تدريب "تمكين المراة العراقية في الانتخابات " التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية في فندق المريديان بتاريخ 5-7 /تشرين الاول 2004,الاردن- عمان .