A+ A-
النقابات وتنظيم المهنة
2003-05-24

لا يزال تنظيم المهنة يناقش في مختلف المناسبات وذلك بهدف الارتقاء بالمستوى العام لأي مهنة، ومن ثم الارتقاء بالمستوى الحضاري، والمسؤولية في كل ذلك مشتركة جزء منها على الجمعيات أو الشعب المتخصصة او النقابات إضافة إلى دور الأفراد في إضافة بلورة الأفكار المستقبلية لأن عمليات الاجتهاد والمتابعة هامة لتطوير أية مهنة ضمن الظروف المستجدة عربياً وإقليمياً وعالمياً.ولا يمكن أن يبقى موضوع تنظيم المهنة هيكلاً جامداً بدون عمليات تجديد وتطوير، لأن تلك من سمات العالم الجديد المتطور القادر على مواكبة المستجدات، وإذا بقينا ضمن بوتقة تنظيم المهنة التي وضعت قبل عشرين عاماً سنجد أنفسنا خارج إطار الزمن.
ومهنياً نسأل أنفسنا أين نحن من منظمة التجارة العالمية ومن العولمة ومن إعادة إعمار العراق ومن التطوير التقني والتكنولوجي؟ وأين نحن من تشجيع الاستثمار في مجال بناء مؤسسات مهنية قوية؟
هل دور نقاباتنا المهنية هذه الأيام كما كانت قبل عشرين عاماً أو أكثر؟ ألسنا بحاجة إلى وقفة تأمل ومراجعة؟ أم أن الحديث عن النقابات ودورها المهني أصبح تهمة وأصبحنا نعيش ضمن الإرهاب الفكري في مؤسسات المجتمع المدني.
من الذي أعطى النقابات هذه القوة المهنية، أليست قوانين الدولة، وفي المقابل جرى تعديل العديد من القوانين لفائدة المجتمع؟ فلماذا تعديل قوانين النقابات أصبح من المحرمات؟
هنالك مجموعة من النقاط ستحاول هذه الورقة إبرازها من أجل تطوير المهنة سواء في مجالات الهندسة أو المقاولات أو الطب او الصيدلة .. إلخ، مع محاولة أخذ القطاع الهندسي مثلاً رئيسياً بسبب قربي من هذا القطاع سواء من خلال العمل العام أو العمل النقابي.
أولاً:
إلزامية الانتساب للنقابات ضرورية من أجل الحفاظ على المهنة وحمايتها من الدخلاء، فكيف يمكن أن ننظم عملاً بدون وجود إطار تشريعي لهذا العمل؟ ثم إن الالزامية قد جعلت من الجسم النقابي والمهني كتلة متماسكة ضمن مجتمعنا المدني.
ولنفرض إن الإلزامية قد ألغيت فمن هي الجهة التي تضمن جودة العمل وسلامته في هذه الأيام لو أن مهندساً أو طبيباً مارس عملاً غير جيد من الناحية المهنية لدينا نقابته لتقوم بحسابه ومقاضاته، ولنأخذ مثلاً آخر: العديد من المهن الغير تعليمية الموجودة في الأردن، من هي الجهة التي تصنف هذا المهني على أنه ممتاز أو جيد، وإذا لم يعمل هذا الشخص جيداً من الخاسر؟؟ أوليس المواطن.
كذلك فإن النقابات تتاكد من شهادات أي من منتسبها وعن تخصصهم، وتوفر الحد الأدنى لجودة المهني.
ثانياً:
إن عصرنا هذا إنما يمثل عصر التكتلات الاقتصادية القوية، واستطاع الأردن الدخول في منظمة التجارة العالمية وهنالك اتفاقيات كثيرة كالشراكة الأوروبية واتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، ولكن أين نحن مهنياً مما يحدث؟؟ لقد استطاعت قطاعات كثيرة في المملكة من التقدم بتطوير تشريعاتها وفتح أسواق جديدة لها في الخارج، وتطوير أعمالها في الداخل، ولننظر إلى قطاع الاتصالات والنقل والكهرباء والتأمين إضافة إلى البنوك وغيرها، ألم تطور تشريعاتها بما يخدم تطور الأردن.
هنالك تحدي هام في هذا المجال أنه حتى يومنا هذا لا يمكن الفصل بين مفهوم المهنة ومفهوم الشركة التجارية، ولنأخذ مثلين قطاع الهندسة والصيدلة، فلا يمكن لمستثمر أن يقوم بفتح مكتب هندسي أو مستودع أدوية إلا إذا كان نصف الحصص التجارية لشخص من نفس المهنة، ما المانع أن ننظم المهنة ونسمح بالاستثمار في المجالات المهنية حتى نصل إلى مستوى جيد في المنافسة عربياً وعالمياً، ثم إن العديد ممن وضعوا التشريعات النقابية سابقاً هم من يعارضون أية تعديلات وذلك حماية لمصالحهم.
ولتوضيح ذلك أكثر فعلى سبيل المثال في عام (1999) عدد العطاءات الحكومية التي استفادت منها المكاتب الهندسية بلغ (41) عطاء والمكاتب المستفيدة (32) مكتب فقط من أصل (1100) مكتب، وبالتالي فإن تعديل أي تشريع مهني سيضر هذه الفئة.
لدينا مهنيين جيدين بدون رأسمال ولدينا رؤوس أموال، ما المانع من الاستفادة من الطرفين؟؟
ثالثاً:

من التحديات التي تواجه المهنة هذه الأيام كثرة التشريعات والأنظمة التي تتحكم بأي قطاع مهني، وليس هنالك جهة رقابية واحدة، وهذا ما يؤدي إلى تبعثر الجهود وفقدان المسؤولية، فمثلاً قطاع الانشاءات هنالك الجهات التالية كلها مسؤولة عنه: وزارة الأشغال، وزراة البلديات، أمانة عمان، بلديات المملكة، نقابة المهندسين، نقابة المقاولين، دائرة العطاءات الحكومية، وزارة الصناعة والتجارة، دائرة المواصفات والمقاييس... إلخ.وخلال الشهرين الماضيين وقعت ثلاث حوادث لانهيار بعض العمارات، من هي الجهة المسؤولة عن ذلك، جميع الجهات نفت مسؤولياتها وتحمل المواطن دائماً الخسارة.
رابعاً:
هنالك نوع من الانفصال والعزلة ما بين جامعاتنا ونقاباتنا، فنجد أن قوانين وأنظمة غالبية النقابات تمنع الأكاديمي المدرس في الجامعة من مزاولة المهنة عملياً، فلا يسمح للمهندس أو الطبيب بأن يكون له مكتب أو عيادة، والسؤال لماذا لا يستفيد السوق المحلي من الكفاءات الموجودة في الجامعات الأردنية وفي المقابل هنالك استفادة كبيرة لنوعية الطالب الذي يتلقى علمه من شخص ممارس لعلمه بأسلوب عملي ونظري.
ولننظر إلى تجارب الدول الأخرى مثل مصر، فرنسا، النمسا، الولايات المتحدة وغيرها، غالبية الكفاءات المهنية أساتذة جامعات.
خامساً:
إن الحاجة ضرورية إلى إيجاد تصنيفات مهنية تعتمد على الكفاءة والممارسة، ولا يكفي أن تكون التصنيفات على أساس سنوات الخبرة فقط، وهذه التصنيفات لابد أن تعتمد على أسس واضحة مثل امتحان الممارسة حيث لا يكفي حصول أي شخص على شهادة لممارسة عمل ما، ولننظر كذلك إلى تجربة المعهد الملكي للمعماريين في بريطانيا (RIBA) وفي أمريكا (AIA) ، التي تمثل صلة الوصل بين المنظمات المهنية والممارسين، لاطلاعهم على كل جديد في العالم، وتضبط المهنة بدون تأثير انتخابي وجماهيري، وتنظم امتحانات للمزاولة.
سادساً: لقد تمثلت العلاقة بين نقاباتنا وحكوماتنا المتعاقبة على نوع من التجاذب او التنافر في بعض الأحيان، وهذا ما أدى إلى إبعاد النقابات عن العديد من اللجان والهيئات الحكومية والوطنية التي تعنى بأمور التنمية، وأصبحت النقابات تعمل بمعزل عن الخطط التنموية ولم يتم الاستفادة من الخبرات والكفاءات الموجودة في هذه التجمعات المهنية الهامة.
لذلك فإنه من الضروري وجود تمثيل جيد ومناسب للنقابيين في لجان ومجالس المؤسسات والجهات ذات العلاقة بهذه المهن بصورة أكبر، وأن تأخذ النقابات دورها الرئيسي في تطبيق الخطط التنموية ضمن رؤية الأردن الحديث بعيداً عن الشعارات الانتخابية.
سابعاً:
إن قوانين وأنظمة الرقابة المهنية الموجود حالياً أكثر من نصفها غير مفعّل لأسباب سياسية وانتخابية، مثالاً على ذلك قمنا في نقابة المهندسين بتعليق العضوية لأكثر من (15) ألف مهندس بسبب عدم دفع الرسوم، وهذا البند موجود في قانون النقابة وغير مفعّل، وهنالك العشرات من مواد القانون والنظام غير مفعّل لأسباب انتخابية وجماهيرية.
كذلك فهنالك شهادة المطابقة والالتزام بكودات البناء كلها موجودة ضمن القوانين والأنظمة، ولكن لا يوجد أحد مسؤول او متابع لذلك.
ثامناً: من الضروري والهام في هذه المرحلة إعادة رسم دور النقابات المهني وما ينبثق عنها من جمعيات علمية ومهنية، وإن لا يكون القرار متخذ على أسس انتخابية، ورافضة لمبادئ اقتصادية أساسية اتخذ قرارها في جميع قطاعات ومجالات التنمية، ثم إننا دولة تعتمد الاقتصاد الحر، فلماذا تصر نقاباتنا على الالتزام بالنظام الاشتراكي خاصة بالنسبة لتوزيع الحصص المهنية.
تاسعاً: إيجاد آلية جديدة للانتخاب تضمن التمثيل النسبي لكافة فئات وتخصصات أي جسم نقابي، حتى نسمع جميع التوجهات ويكون لها صوتها، (لجنة النقابات المنبثقة عن الأردن اولاً أكدت ذلك)، وهل يعقل أن يحصل مجلس نقابة ما على أقل من (10%) من الأصوات بالطريقة التقليدية الموجودة حالياً ويقوم الجسم النقابي.
عاشراً:
الحاجة تبرز في هذه المرحلة إلى إعادة هيكلة العديد من القطاعات المهنية المتمثلة بالنقابات أو الجهات والمؤسسات الحكومية المرتبطة بها، مثل قطاع الانشاءات، ليتمكن من مواكبة التطورات العالمية ومنافسة المؤسسات والشركات الدولية ولتبادل الخبرات وفتح الأسواق العالمية ضمن مؤسسات قوية مهنياً ومالياً، وتأسيس وتشجيع رأس المال وشركات الأموال على المشاركة في إنشاء مؤسسات وتآلفات كبرى.
وفي هذا المجال لابد من وجود "هيئة قطاع تنظيم الانشاءات" تراقب وتنظيم العمل المهني المؤسسي وترفع كفاءة القائمين عليه، وتضع التشريعات وتوحدها تحت مظلة واحدة كما هو العمل حالياً في هيئة تنظيم قطاع الاتصالات أو النقل أو الكهرباء أو التأمين وغيرها.
وفي النهاية هذه مجموعة من النقاط أجد أنها ضرورية لمناقشتها في هذه المرحلة من أجل تطوير الأداء المهني لكافة القطاعات، ولتصبح الخطة النقابية لأي تنظيم نقابي ومهني جزء من الخطة التنموية للأردن وليسيرا معاً لخدمة الوطن.
والاختلاف بالآراء ضمن المرحلة معينة قد يكون مجدي لمناقشة وجهات النظر المختلفة، ولكن في مرحلة ما لابد من اتخاذ القرار الصائب لخدمة الأردن أولاً.
ورقة عمل قدمت لندوة"النقابات ومؤسسات المجتمع المدني في الاردن"التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 24-25/ايار2003 ,الاردن -عمان.