A+ A-
النقابات العمالية الأردنية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية
2003-05-24

بداية، أود أن أتقدم بالشكر الجزيل الى "مركز القدس للدراسات السياسية" الذي أتاح هذه الفرصة لتقديم اجتهاد ذي طابع تحليلي وتشخيصي لحال النقابات العمالية الأردنية، للوقوف على دورها في التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الأردن

وقبل الدخول إلى جوهر الموضوع، أود التنويه إلى أن الغرض الأساس لورقة العمل التي أعرضها أمامكم، يقتصر فقط على وصف تحليلي وتشخيصي، ويهدف الى المساهمة في تطوير وتحسين أحوالها، ولم يُقصد بأي حال من الأحوال، الانتقاص من أدوار العديد من القادة النقابيين الحاليين والسابقين، وهي لا تستهدف أيضاً المس بأي جهة أو حزب سياسي.
لقد سقت هذا التقديم لمعرفتي المسبقة بأن فتح ملف النقابات العمالية أشبه بفتح عشٍ للدبابير، تختلط فيه الشؤون الخاصة بالشؤون العامة، هذا اضافة الى تشابك المسؤوليات التي أوصلت الحركة النقابية العمالية الأردنية الى الحال الذي هي عليه الآن.
نبذة تاريخية: لقد كانت البدايات نحو تشكيل نقابات عمالية موازية لتشكيل مؤسسات الدولة الأردنية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حيث بدأت العديد من التحركات من قبل النشطاء النقابيين والسياسيين لتشكيل جمعيات ونقابات عمالية، الا أن هذه المحاولات بائت بالفشل، ولم تتمكن الحركة العمالية الأردنية من تنظيم جهودها الا في بداية الخمسينيات من ذات القرن بعد اعلان وحدة الضفتين، حيث كان يتواجد في الضفة الغربية العديد من التنظيمات النقابية التي تشكل بعضها في العشرينيات، و كانت تعمل بشكل سري واتسمت علاقاتها مع الحكومة انذاك بين مد وجزر(1)، الى أن أُقر الدستور الأردني الجديد في العام 1952، والذي أتاح المجال لوضع تشريعات تنظم حقوق العمال وتنظيماتهم النقابية(2). تبع ذلك صدور قانون النقابات رقم (35) لسنة 1953، والذي أتاح للعمال حق التنظيم النقابي، الأمر الذي فتح المجال لتشكيل العديد من النقابات العمالية التي بلغ عددها عشر (10) نقابات تمثل العديد من المهن والصناعات، وفي الأول من ايار من العام 1954، تشكل الاتحاد العام لنقابات العمال في الأردن(3).
اكتنفت مسيرة الحركة النقابية العمالية العديد من المشكلات المرتبطة بالتطور السياسي للدولة الأردنية وسقف الحريات الديمقراطية السائد، والظروف السياسية الاقليمية، الأمر الذي أثر على نشاطاتها ودورها في تحسين ظروف العمل وتطوير التشريعات العمالية التي تنظم حقوقهم وواجباتهم.
صدر أول قانون للعمل في الأردن في العام 1961، وهذا القانون شكل مرحلة جديدة في تاريخ الحركة النقابية الأردنية، حيث تم فيه تحديد ساعات العمل والعطل الأسبوعية، والاجازات السنوية والمرضية وغيرها من الأمور التي تمس شؤون العمل والعاملين.
(لن أخوض في تفاصيل تطور الحركة النقابية العمالية الأردنية والعوامل المؤثرة فيها عبر العقود الماضية، على اعتبار أن تاريخ هذه الحركة ليس موضوع هذه الورقة).
الاتحاد العام لنقابات العمال: يتكون الاتحاد من (17) سبعة عشر نقابة عمالية تمثل جميع النقابات العاملة في الأردن، وتقوم كل نقابة باختيار ستة (6) من أعضاء هيئتها الادارية لعضوية المجلس المركزي لنقابات العمال الذي يتكون من مائة واثنين (102)، يقومون بدورهم بانتخاب المكتب التنفيذي للاتحاد المكون من سبعة عشر (17) عضواً، يمثلون جميع النقابات، والذي بدوره ينتخب رئيساً للاتحاد ونائباً له وباقي المناصب الادارية الأخرى.
تهدف النقابات العمالية كما هو واضح في النظام الداخلي الموحد (4) لها، الى حماية حقوق أعضاءها والدفاع عن مصالحهم وتحسين شروط وظروف العمل وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورفع الكفاءة الانتاجية ونشر الوعي الثقافي لهم ".
واقع الحركة النقابية العمالية:
على غير ما تم الاعتياد عليه في الأبحاث وأوراق العمل، فانني سأبدأ بعرض النتيجة التي توصلت إليها بعد اعداد هذه الورقة، ومن ثم أقدم عرضاً لعدد من المؤشرات التي اعتقد انها تبرهن وتثبت صحتها." تشير مختلف المؤشرات الى أن الحركة النقابية الأردنية تعيش في عالم خاص بها، بعيدة كل البعد عن ما يفترض بها تمثيلهم (العمال) بالمفهوم القانوني، هذا من جهة ومن جهة أخرى معزولة عن التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الأردن. حيث أنها لم تستفيد من مرحلة التحولات الديمقراطية التي أثرت بشكل متفاوت على مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي فان دورها في تنمية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بات ضعيفاً جداً".
وللبرهنة على صحة هذا الاستنتاج أسوق ما يلي:
1. لم يشهد مستوى عضوية الحركة النقابية بنقاباتها السبعة عشر (17) أن انخفض كما هو عليه الآن منذ ثلاثة عقود، حتى في أصعب ظروف منع الحريات الديمقراطية في الاردن، إذ لا يتجاوز عدد المنتسبين لجميع هذه النقابات الخمسين الفاً(50000) من أصل أكثر من سبعماية وخمسين ألفاً (750000)، ممن يحق لهم الانتساب لهذه النقابات ( تم استثناء العاملين في القطاع العام الذين يحظر عليهم قانون العمل الانتساب للنقابات)، مع ضرورة الاشارة الى أن هذا الرقم سينخفض الى عدة الآف، اذا ما تم استثناء نقابات المؤسسات مثل النقابات العامة للعاملين في الفوسفات والبوتاس والكهرباء وغيرها من النقابات التي يتم تسجيل الأعضاء واقتطاع رسوم العضوية فيها من خلال إدارات هذه المؤسسات، وتشير دراسات عديدة أن الغالبية الساحقة من العمال لا يثقون ولا يوجد لديهم قناعة بأن النقابات تعمل للدفاع عنهم وحماية حقوقهم.(5)
2. ضعف التشريعات العمالية التي تشمل مختلف القوانين التي تنظم عمل ما ينطبق عليهم وصف (عامل) بالمفهوم القانوني، وعلى وجهة الخصوص قانون العمل، حيث أن القارئ المدقق للعديد من نصوص هذا القانون يلاحظ أن حقوق العاملين هي الحلقة الأضعف، ومما يجدر ذكره هنا، أنه وبعد مضي ما يقارب خمسة وثلاثين (35) عاماً على اصدار قانون العمل الأردني في العام 1961، صدر قانون العمل الجديد رقم (8) لعام 1996، تبعها عدد من التعديلات الايجابية ذات العلاقة بالتدريب المهني والصحة والسلامة المهنية وبعض المواد المتعلقة بالمرأة، أما القضايا الجوهرية والمفصلية التي كانت تطالب بها الحركة النقابية الأردنية لعشرات السنوات فلم تتمكن الحركة النقابية من فرضها على الهيئات التشريعية بسبب ضعفها وعدم امتلاكها لوسائل الضغط أو عدم الرغبة بذلك من أجل تحقيق مطالبها. و على العكس من ذلك، تم المس بالعديد من الحقوق الأساسية للعمال مثل اعطاء الحق لصاحب العمل بفصل العامل دون ابداء الأسباب في المادة (23) من القانون، وكذلك اعطاء أي صاحب عمل الحق باعادة تنظيم المؤسسة وبالتالي الاستغناء عن العاملين دون ضوابط تذكر في المادة (31) (6) من نفس القانون، الأمر الذي اعتبرته ادارة الاتحاد العام في حينه أسوأ من القانون القديم، ولا يلبي طموحات وآمال الحركة العمالية الأردنية كونه مس الأمن والاستقرار الوظيفي للعمال.(7)ولعل التعديل الذي جرى قبل أشهر على قانون العمل رقم (8) لعام 1996 يؤكد صحة ما اشرت اليه من ضعف الاتحاد في تحقيق مطالبة والذي تضمن ضرورة اعطاء الاولية للعاملين في دفع المستحقات المادية عند تصفية الشركات والذي طالبت بتحقيقه النقابات العمالية لسنوات طويلة ولم تستطع تحقيقه، حيث تمكنت نقابة الصحفيين خلال أسابيع قليلة من تحقيقه على خلفية تصفية الشركة التي كانت تصدر صحيفة الاسواق.
3. هناك تواضع واضح في عدد الاتقاقيات الجماعية التي أبرمتها النقابات العمالية مع أصحاب العمل، حيث بلغ عدد الاتفاقيات الجماعية في العام 1992 اثنين وعشرون (22) اتفاقية جماعية استفاد منها اثنا عشر الف(12000) عامل، من أصل ما يقارب سبعماية ألف (700000) عامل حجم القوى العامل آنذاك، وارتفع الرقم الى ثلاثين (30) اتفاقية جماعية في العام 1996 استفاد منها خمسة عشر الف(15000) عامل من اصل تسعماية وأربعة وتسعين (994000) عامل حجم القوى العاملة في ذلك الوقت، وعاد وانخفض الى ثمانية عشر (18) اتفاقية في العام (1999)، استفاد منها ما يقارب سبعة عشر الف (17000) عامل من اصل مليون ومئتي الف (1200000) عامل حجم القوة العاملة آنذاك. ولم تتغير هذه الأرقام في الأعوام التي تلت(8). 4. طبيعة العلاقة مع الحكومات المتعاقبة، ولعل أوضح وصف للعلاقة التي تربط الاتحاد العام لنقابات العمال مع الحكومات المتعاقبة، هو التبعية الكاملة لهذه الحكومات وتأييد مواقفها دون التمييز بين هذه الحكومات بوصفها سلطات تنفيذية وبين مؤسسة الدولة الأردنية التي يعمل الجميع ضمن اطارها، واقتصرت هذه العلاقة على التأييد الكامل لاجراءات وقرارات هذه الحكومات بما فيها القرارات التي تمس مصالح العمال الذين يمثلهم الاتحاد العام للنقابات، وتنعكس سلباً على مستويات معيشتهم، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك اصدار الاتحاد لبيان يؤيد اجراءات احدى الحكومات بفرض ضرائب جديدة، وإعلانه أيضاً قبل سنوات عن نيته عقد مؤتمر موازٍ لأحد المؤتمرات التي كانت تنوي عقده احزاب المعارضة والنقابات المهنية تحت عنوان مقاومة التطبيع بقصد مناكفة هذه المؤسسات، والتراجع عن ذلك بعد توقف فكرة المؤتمر الأول، هذا اضافة الى عدم اعتراض ادارة الاتحاد على اقرار الحكومة حد أدنى للأجور بلغ (80) ديناراً ومن ثم (85) ديناراً، مع أن خط الفقر المطلق الذي تقر به الحكومة يبلغ مائة وخمسة وثلاثين (135) ديناراً، والذي يعمق هذا النوع من العلاقة ،الاعتمادية شبه الكاملة في تمويل ميزانية الاتحاد على المخصصات التي تدفعها الحكومة والضمان الاجتماعي، الأمر الذي يكرس حالة التبعية لهذه الجهات، والتي ساهمت في ابعاد الاتحاد عن تحقيق اهدافه التي أنشيء لأجلها.5. انخفاض سقف الحريات النقابية، الذي انعكس على التشريعات العمالية المتعلقة بتأسيس النقابات ذاتها والأنظمة التي تحكم طبيعة عمل هذه النقابات واتحادها العام، حيث مارست ادارة الاتحاد بالتنسيق مع وزارة العمل ممثلة للحكومة بتقييد هذه الحريات من خلال تعديل الأنظمة التي تحكم عمل النقابات العمالية، وأوضح مثال على ذلك سلب حق الهيئات العامة للنقابات من سن الأنظمة الداخلية لنقاباتها، واعطاء ادارة الاتحاد حق قبول أو رفض نتائج اية انتخابات. اضافة الى عدم قيام الاتحاد بأي دور تجاه دفع الحكومات للتصديق على اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم والتي تحمل الرقم (87) لعام 1948، التي تعتبر من أهم الاتفاقيات الدولية التي تنظم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل. ومن الجدير بالذكر أن قانون العمل الأردني ساري المفعول لا يتماشي مع مضمون هذه الاتفاقية من حيث شمول جميع المهن بما في ذلك قطاعات الدولة وبعض المهن الأخرى، واجراءات الحصول على التراخيص لتشكيل النقابات. 6. تغاضي ادارة الاتحاد عن سلب حق العمال في الاضراب، السلاح الوحيد بيد العمال لتحسين ظروف عملهم من خلال وضع العقبات القانونية التي جاء بها القانون رقم (8) لعام 1996، متبنين بذلك وجهة نظر العديد من الأوساط التي تشير الى أن تبسيط حق الاضراب ورفع مستوى الحقوق العمالية من شأنه أن يقلل من الميزة التنافسية التي تعمل الحكومات المتعاقبة على تعميقها بهدف جلب الاستثمارات الأجنبية، اضافة الى اعتبار أن الاضرابات العمالية تهدد أمن واستقرار الأردن.7. عدم تقديم خدمات اجتماعية ذات معنى للعمال، حيث لا يوجد سوى العيادات العمالية والتي تزيد كلفة العلاج فيها عن كلفة العلاج الذي تقدمه المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة وبعض العيادات الخاصة.8. عجز الاتحاد عن تقديم دراسات حول واقع الحركة العمالية وسوق العمل والمساهمة في وضع الحلول المناسبة لمشكلة البطالة التي تعاني منها الحركة العمالية منذ سنوات طويلة، اضافة الى عجزه عن اصدار دوريات ونشرات بشكل منتظم توضح دوره واهدافه من أجل الاقتراب والتواصل مع القطاعات التي يفترض أنه يمثلها.9. عدم اقحام ادارة الاتحاد نفسها بمناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتي تمس بشكل كبير الحياة اليومية للعاملين، بدعوى ان الاتحاد لا يقحم نفسه في السياسة.(9)
وفي الختام آمل أن يكون هذا العرض الذي تناول ما آلت اليه أحوال النقابات العمالية الأردنية واتحادها العام، بداية لفتح ملف هذه النقابات للنقاش والتحليل، بهدف المساهمة في خلق أرضية لتحسين وتطوير أدائها للمستوى الذي نتمناه بهدف تحقيق التوازن في علاقات العمل بين العاملين وأصحاب العمل والحكومة، وذلك لأن وجود نقابات عمالية قوية يشكل ضرورة قصوى لتحسين أحوال القوى العاملة خاصة اذا ما علمنا ان مظلة هذه النقابات تشمل جميع العاملين في الأردن دون استثناء.
المراجع: 1. هاني حوراني، الحركة العمالية الأردنية، (1948-1988)، نيقوسيا، قبرص، 1989.2. مادة (23)، الدستور الأردني.3. الاتحاد العام لنقابات العمال في الأردن، ورقة عمل قدمت الى المؤتمر الثاني للمغتربين الذي عقد في العام 1986 بعنوان" الحركة النقابية في الأردن ودورها في تخطيط وتنمية القوة العاملة".4. النظام الداخلي الموحد لنقابات العمال. 5. Yarmouk Univeristy, Labour Rights and Labour needs in Jordan, Jordan Time, 23.3.1996.6. لقد تم تعديل نص المادة (31) من قانون العمل رقم (8) لعام 1996، حيث تضمنت ضرورة أن يبلغ صاحب العمل الوزير خطياً بذلك. 7. تصريحات نائب الأمين لنقابات العمال في العام 1996، رئيس الاتحاد في الوقت الراهن، صحيفة الدستور، بتاريخ 16/6/1996.8. حيدر رشيد، النقابات العمالية ونزاعات العمل والعلاقات الصناعية، ورقة عمل منشور في كتاب النقابات المهنية وتحديات التحول الديمقراطي في الأردن، عمان، دار سندباد للنشر، 2000. 9. تصريح رئيس الاتحاد العام للنقابات لصحيفة الدستور الأردنية، بتاريخ 19/1/2003.
ورقة عمل قدمت لندوة "النقابات ومؤسسات المجتمع المدني في الاردن" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 24-25/ايار2003 ,الاردن -عمان.