A+ A-
كلمة رئيس حزب التيار الوطني النائب عبد الهادي المجالي مؤتمر قراءات تحليلية في نتائج الانتخابات ومشروع الحكومة البرلمانية
2013-02-23
في البدء، أؤكد أن الضرورات الوطنية تقتضي تقييم تجربتنا الانتخابية النيابية الأخيرة، في سياق الاستيضاح ومحاولات الفهم، وبناء التصورات للواقع بشكله الحالي وللنموذج الأفضل الذي يفترض أننا نسعى إليه ضمن نطاق تعظيم التجربة الديمقراطية وتمتين بنيانها.
 
فهذا سبيل الأمم الديمقرطية الحية، والنهج الصحيح الهادف إلى استكشاف نقاط الضعف، ونقاط القوة في التجربة، أي تجربة، بما يفضي، بالمحصلة، إلى تصويب الخلل والاعوجاج.

والمؤسف أننا ومع تجربتنا النيابية الطويلة، وتحديدا، منذ عودتها في العام 1989 لم نجرِ إلى الآن تقييما موضوعيا علميا للتجربة، ولم نحاول دراستها في العمق، خصوصا وأن المستوى البياني إذا ما لجأنا لمثل هذا القياس يبين لنا أن الحالة البرلمانية في تراجع بشكل عام، مع هبوط وصعود محدود ضمن هذا التراجع.

والسبب الاساسي، بتقديري، أن تغيير قانون الانتخاب الذي جرت بموجبه الانتخابات في العام 1989 إلى قانون الصوت الواحد الذي جرت على أساسه الانتخابات التالية (1993) كان سببا رئيسا في تراجع مستوى الأداء النيابي، تشريعيا ورقابيا وسياسيا، إذ أدى إلى تراجع مستوى التمثيل الحزبي في المجالس النيابية، وغلب على هذه المجالس نواب أتوا بصفة مستقلة وفردية، والأغلبية الساحقة منهم منتج عشائري تم انتخابهم على اساس ثقلهم الاجتماعي أو نفوذهم المالي أو السياسي وليس على أساس انتماء فكري أو برامجي.

هذا الحال، بقي مسيطرا على صورة المجالس النيابية منذ 1993 ولغاية المجلس المنتخب في 2010، وكل مرة تجري فيها انتخابات تترسخ وتتجذر الصورة النمطية السلبية عن المجالس النيابية في ذهن العامة وفي ذهن النخب.

وفي العامين الأخيرين، شهد الوطن حراكا شعبيا، انخرط فيه بعد ذلك حراك حزبي، كان من أبرز نتائجه أن أدى إلى حل مجلس النواب السابق، وإدخال تعديلات مهمة على الدستور، وأتى بمحكمة دستورية، وهيئة مستقلة للانتخاب.

وهي كلها تشكل استجابات للكثير مما يطالب به الحراك، شعبيا وحزبيا، وحتى منها مطالب دعت إليها قوى حزبية وشعبية لم تنخرط في الحراك بصورته الحالية، ولكنها اختطت طريقا مختلفا عبر الحوار والتواصل مع صانع القرار بأشكال مختلفة.

وأحد الاستجابات للمطالب الشعبية، كان قانون الانتخاب الذي أدخل عليه تعديل أساسي وهو القائمة الوطنية، وهو تعديل جوهري نسبيا، وجملة تعديلات أخرى لكنها ليست في السياق الذي يحدث فرقا في طبيعة القانون خصوصا مع المحافظة على الصوت الواحد.

لماذا قلت عن القائمة الوطنية أنها تعديل أساسي من جهة، ثم قلت أنه جوهري نسبيا من جهة أخرى؟

تعديل أساسي لأنه أقر مبدأ القائمة في القانون وفي الحياة السياسية، وجعل فكرة القائمة حقيقة لا يمكن التراجع عنها.. وقلت انه تعديل جوهري نسبيا لأن القائمة الوطنية بشكلها الحالي لم تقدم ولم تؤخر في الحياة البرلمانية، وحكما لم تقدم ولم تؤخر في الحياة السياسية.

والسبب أن هذه القائمة كان يفترض أن تكون مقصورة على الأحزاب، وفي الحقيقة ان إحدى الحكومات صممت نص المادة القانونية على أساس الحزبية، ثم أتت حكومة أخرى نزعت عن القائمة صفة الحزبية وجعلتها قائمة وطنية تتيح لتسعة أشخاص التقوا لأي سبب أن يشكلوا قائمة ويخوضوا الانتخابات.. فضاعت بذلك فرصة الأحزاب وفقدنا قيمة القائمة وإمكانية أن تؤدي إلى تغيير في بنية المجالس النيابية.

وإذا أحصينا عدد من فازوا عن القائمة من الأحزاب بالمقارنة مع الذين فازوا من خلال القائمة وليسوا حزبيين، نجد أن النسبة تعادل تقريبا 1/5، فهل هذه هي فلسفة القائمة الوطنية؟!

طبعا، لن أتحدث في نسبة عدد مقاعد القائمة إلى عدد المقاعد الكلي لمجلس النواب، فهي نسبة متواضعة، لكني أسجل عدم فهمي للطريقة التي احتسبت بها الهيئة المستقلة للأصوات التي حصلت عليها القوائم، والكيفية الني حددت من خلالها نسبة وحصة كل قائمة من المقاعد.

والحال هذه، فنحن بصدد مجلس نواب جاء إليه 123 نائبا عن طريق الدوائر المحلية (الفردية) أفرزهم قانون يتيح للناخب فقط صوت واحد وبالتالي فإن هؤلاء الزملاء الذين أقدرهم وأجلهم جميعا جاؤوا بذات الطريقة والصيغة القانونية التي جرت عليها كل انتخابات مجالس الصوت الواحد.. أي أتى بهم ثقلهم الاجتماعي ونفوذهم الشخصي.. والقائمة الوطنية أتت أيضا بمنتج نيابي قريب إلى حد التطابق مع ما انتجته الدوائر الفردية.

والدليل أن المجلس لم تظهر فيه كتل حزبية حقيقية، ولا كتل برامجية حقيقية، فقد شكلت الكتل بالطريقة ذاتها التي كانت تشكل بها في المجالس النيابية السابقة.. وهو ما شكل معضلة في التعامل مع مفهوم الحكومة البرلمانية.

ونحن أي حزب التيار الوطني كان لنا منذ البداية موقف من قانون الانتخاب الحالي ومن صيغة القائمة فيه، وحتى من قضية الصوت الواحد في كل اللقاءات والحوارات مع مستويات القرار أكدنا أن القانون بشكله الراهن لن يؤدي إلى تغيير حقيقي في تركيبة مجلس النواب ومضمونه.

وحقيقة اننا أدركنا مأزق القائمة الوطنية مبكرا عندما لاحظنا كثرتها (61 قائمة) تشكلت وخاضت الانتخابات، وكنا على يقين من أن كثرة القوائم على هذا النحو ستؤدي إلى تفتيت مقاعد القائمة بصورة كبيرة، وهو ما حدث بالفعل.

ولا أخفيكم سرا أن مراجعتنا لتجربة القائمة بعدما انتهت الانتخابات ذهبت إلى أن مشاركتنا في الانتخابات في جانب القائمة كان فيه خطأ، ولو توصلنا لاستنتاجات قبل الانتخابات لربما تراجعنا عن خوض الانتخابات على أساس القائمة واكتفينا بالترشح على الدوائر الفردية فقط.

واسمحوا لي هنا أن أقتبس بالنص ما قاله جلالة الملك في خطبة العرش يوم افتتاح دورة المجلس، إذ قال جلالته: (لقد أجريت الانتخابات على أساس قانون انتخاب جديد لم يكن مثاليا، ولكنه حظي بالتوافق الوطني المتاح. وعليه، ندعو الى مراجعة هذا القانون بناء على تقييم تجربتكم، ومراجعة نظام الانتخاب، بحيث يحظى بالتوافق ويعزز عدالة التمثيل، ويمكن الأحزاب من التنافس بعدالة..).

ثم قال جلالته: (نريد الوصول إلى استقرار نيابي وحكومي، يتيح العمل في مناخ إيجابي لأربع سنوات كاملة، طالما ظلت الحكومة تحظى بثقة مجلس النواب، وطالما حافظ المجلس على ثقة الشعب). انتهى الاقتباس.

أنا فهمت من هذا النص أن جلالة الملك غير راض عن هذا القانون، ولا يعتبره مثاليا، وفهمت أن مصير مجالس النواب والحكومات مرتبط برغبة الناس ورضاهم، وفهمت أن الملك يريد حكومات برلمانية ومجالس تستمر أربع سنوات (مدة مجلس النواب الدستورية) ويريد حياة حزبية حقيقية متطورة تشكل أغلبيات نيابية.

بالمحصلة، نظريا وعمليا، عندما لا يكون قانون الانتخاب مثاليا، فمن المرجح ألا يكون المنتج مثاليا، وهنا أقصد بالمنتج غير المثالي غياب التمثيل الحزبي الواسع والمؤثر الذي سببه القانون بما فيه من علل واشكاليات.

مع يقيني أن في المجلس الحالي الكثير الكثير من الوجوه النيابية المتمكنة والمتمتعة بقدرات وكفاءة عالية ولديهم رغبة شديدة للعمل وإحداث التغيير، لكن المشكلة ستبقى في غياب الجو العام الذي يساعد على تشكيل كتل ملتزمة ببرامج وآليات عمل ضابطة للأداء والمواقف والأقوال والأفعال، وهذه لا تتحقق بغير وجود حزبي.

إذن، ما الحل أو الحلول التي يمكن أن تحدث فرقا في الحياة النيابية والسياسية؟

ببساطة شديدة، نحتاج إلى تعديل قانون الانتخاب، وبعض تعليمات الهيئة المستقلة للانتخاب.. وعلى النحو التالي:

أولا: قصر القائمة الوطنية على الأحزاب فقط، وإذا كان هناك مانع دستوري فيجب تذليله.
ثانيا: زيادة حصة القائمة لتصل إلى نسبة تتراوح ما بين 40% إلى 50% من مجمل عدد مقاعد المجلس.
ثالثا: يجب أن تكون هناك نسبة حسم (حد أدنى) لعدد الأصوات التي تحصل عليها كل قائمة كي تنافس على مقاعد القوائم، كما في أنظمة انتخابية تعتمدها العديد من دول العالم، أو لا يقبل ترشح أي قائمة حزبية لم تستطع جمع عدد معين من توقيعات الهيئة الناخبة.
رابعا: إضافة صوت للناخب ليصبح لديه صوتان في الدوائر المحلية (الفردية)، أو إعادة تقسيم الدوائر بحيث يكون لكل دائرة مقعد أو اثنين.
خامسا: لا بد من آليات قوية فعالة لمحاربة المال السياسي، وكذلك آلية واضحة تحدد سقفا لمصروفات الحملات الانتخابية بما يضمن العدالة بين المتنافسين.
سادسا: خلق البيئة التشريعية والسياسة المناسبة لتنمية الحياة الحزبية وجعلها خيارا مجديا للمواطنين.

هذه بعض المقترحات التي اعتقد أنها ضرورية لتحقيق أمرين مهمين:
الأول، من شأنها أن تسهم في الخروج من حالة الاستعصاء السياسي وتفتح آفاقا رحبة للحوار، والتوافق الوطني، وبما يضمن مشاركة كل المكونات الوطنية في الانتخابات النيابية المقبلة.. وننتهي بذلك من خيار المقاطعة كفعل سياسي احتجاجي.
وبتقديري، فإن قانون الانتخاب مفصل مهم، وتطويره سيحدث انفراجة سياسية وطنية.
ثانيا: تطوير قانون الانتخاب سيؤدي إلى كتل وائتلافات حزبية كبيرة تتداول الحكومة، ونصل بذلك إلى تطبيق فعلي لمفهوم الحكومات البرلمانية التي تشكلها أغلبية حزبية برامجية، وما يقتضيه ذلك من أقلية تشكل حكومة ظل.
ومن غير كل ذلك، وقضايا أخرى، أعتقد أن الأمور لن تتحسن كثيرا، وسنكون بمواجهة العديد من التعقيدات والتحديات.

اعتذر، إن أطلت، وأرجو أن أكون وفقت في عرض بعض ملامح الواقع وما يفترض أن يكون عليه هذا الواقع.
شكرا للمنظمين على كريم الدعوة، وكرم الضيافة.. واشكر لكم استماعكم وصبركم علينا.
 
ورقة عمل قدمت في مؤتمر " قراءات تحليلية في نتائج الانتخابات ومشروع الحكومة البرلمانية " الذي أقامه مركز القدس بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠١٣