A+ A-
ورقة عمل: دور الاتّحاد في الحرب على الإرهاب
2015-10-17
مثّلت الحركة النقابية في تونس ولا تزال تمثّل في نظرنا إستثناءً. وقد طبع هذا الأستثناء تاريخ الحركة النقابية منذ الأنطلاق، وتجسّم في مواقف و نضالات المؤسّسين الذين اهتدوا مبكّراً إلى العلاقة الجدلية بين النضاليين الوطني والاجتماعي، بل وأصروا على بناء حركة نقابية وطنية مستقلة منحوا فيها الأولوية للوطني على الاجتماعي.
 
لقد ولدت الحركة النقابية حاملة لهموم الوطن في بلد مُستعمر، وفي خضمّ المعركة التحريرية ضدّ الاستعمار الفرنسي الغاشم خاضتها على أمتداد ربع قرن من النضال على الواجهتين الاجتماعية والوطنية.
 
وقد سار الأتحاد العام التونسي للشغل منذ التأسيس على نفس الطريق سواء في معركة التحرّر الوطني أو في بناء دولة الاستقلال أو في سياق وضع المشروع الديمقراطي خلال فترتي حكم بورقيبة بن علي ثمّ بعد إسقاط رأس الدكتاتورية في 14 جانفي 2011.
 
ولا جدال أنّ الدور الذي يلعبه الأتحاد العام التونسي للشغل في بناء المشروع الديمقراطي ليس سوى مواصلة لما بدأه روّاد الحركة النقابية. فقد ظلت الرؤية القائدة هي القائمة على تلازم النضاليين الوطني والاجتماعي.
 
ولهذا كان اهتمام النقابيين بالسياسة سواء كانت اقتصادية أو دبلوماسية أو أمنية أو جهوية، لاقتناعهم بأنّ أيّا من هذه السياسات مرتبطة بما هو اجتماعي وهي غير قادرة على تحقيق النجاح إذا لم تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و إحياء المسألة الاجتماعية.
 
ولمّا كان هذا هو تاريخ الأتحاد وطابع الحركة النقابية فإنّ دوره اليوم في مقاومة الإرهاب كبير وهام. وقد تجلّى ذلك في الوعي المبكّر لدى النقابيين بخطورة هذه الظاهرة منذ بداياتها الأولى.
 
فقد نبّه الأتحاد إلى تنامي ظاهرة العنف وتحوّلها إلى ظاهرة منظّمة تقودها جهات مشبوهة أنتظمت في ما سمّته زوراً "روابط حماية الثورة" أو تستّرت وراء جمعيّات خيرية أو مجموعات دينية خاصة في ظل تشكّل عدد من الأحزاب ذات الخلفية الدينية، والتي ظل جزء منها ممزقاً بين الطابع السياسي والمدني والطابع الديني والدعوي..وكان الأتحاد من أوّل المتضرّرين منها ولا أدلّ على ذلك من الاعتداء الذي طال مقرّه المركزي يوم 4 ديسمبر/كانون الأول 2012 بغاية السيطرة عليه، وإنجاز أنقلاب على القيادة النقابية وفتح مرحلة مظلمة في العمل النقابي وفي البلاد.
 
وقد أخذ الأتحاد على محمل الجدّ تحذيرات بعض الأمنيين والخبراء والمتابعين للشأن الأمني من التحرّكات الغريبة، لمجموعات أتخذت من التهريب الحدودي مدخلاً لتهريب الأسلحة إلى تونس وتخزينها وأستفادت من الوضع المتفجّر في ليبيا لتقيم علاقات وتتّخذ مواقع تصبّ جميعها في التحضير لمرحلة خطيرة تتهدّد تونس يسطير فيها الإرهابيون وتسودها الفوضى والاقتتال والدمار. ونبّه الى ضرورة التعامل مع هذه المعلومات بجدّية ومسؤولية وأتخاذ الخطوات اللازمة لوقف هذه التحرّكات في مهدها، لكن التبريرات ومحاولات التعتيم بل وحتّى التواطؤ في بعض المستويات الهامّة من المسؤولية الأمنية والسياسية سهّل عن قصد أو عن حسن نيّة للإرهابيين تحرّكاتهم فضلّوا يرتعون ويستغلّون كلّ الإمكانيات المتاحة للتحضير لمشروعهم الدّموي.
 
فلم تخلو بيانات الأتحاد العام التونسي للشغل ومواقفه وتحركاته من التنبيه من مخاطر الإرهاب، وكشف الصلة بين الإرهاب والتهريب ومن الدعوة إلى وضع استراتيجية وطنية وخطة شاملة لمحاربته قبل أن يعرف الأنتشار والتوسّع، ودعا إلى إقتلاعه من جذوره وفق نظرة شاملة تستهدف محاربة الإرهاب لا على المستوى الأمني فحسب وإنّما أيضاً على المستويات الاجتماعية والثقافية والتربوية والدينية..مع التأكيد على الطابع الإقليمي والدولي لهذه الحرب، بحكم اكتواء العديد من دول الجوار ومن بلدان العالم بنار الإرهاب، بوصفه ظاهرة دولية غذّتها ظروف إقليمية تجسّمت خاصّة في العدوان الإمبريالي على العراق ثمّ على سوريا وليبيا... والقائمة طويلة
 
وفي ظرف دقيق مرّت به البلاد تنامت فيه أعمال العنف التي أستهدفت أغلب مكوّنات المجتمع، وقسّمته على أسس عقائدية غريبة عن التربة التونسية، بادر الأتحاد، بعقد مؤتمر وطني لمناهضة العنف والإرهاب يومي 18 و 19 جانفي 2013 وذلك أيّاماً قليلة قبل اغتيال الشهيد شكري بلعيد، الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين المُوحّد واحد من أهم مؤسسي الجبهة الشعبية وأشهراً قليلة بعد العنف السياسي الذي سقط ضحيته لطفي نقض. وبغضّ النظر عن نتائج هذا المؤتمر والصعوبات والعراقيل التي نصبتها له عديد الأطراف، فقد كان مناسبة هامة دقّت ناقوس الخطر وأنذرت البلاد من غول الإرهاب المحدق وأستنفرت العديد من القوى المؤمنة بالديمقراطية والعاملة على إنجاح المرحلة الأنتقالية لتبنّي تصوّر مناهض للعنف وسلوك مقاوم للإرهاب،ورغم ذلك فقد واصل دعاة العنف، بمن فيهم بعض السّاسة، حملتهم عبر منابر عديد المساجد وعبر بعض وسائل الإعلام ومن خلال الدعاة المستجلبين من الخارج للتحريض على العنف وبث الفرقة والفتنة في المجتمع التونسي.
 
كما لعب الأتحاد دوراً محدّداً في تطوّر الأحداث إثر أغتيال الشهيد شكري بلعيد بعقد الشوط الثاني من الحوار الوطني، الذي أنضمّت اليه بعض الأطراف بمن فيه الحاكمة (حركة النهضة تحديداً) بعد أن قاطعت شوطه الأوّل. كما بادر الأتحاد بعد أغتيال الحاج محمّد البراهمي أمين عام التيار الشعبي واحد أعضاء قيادة الجبهة الشعبية بوضع خارطة طريق تجسّم المبادئ والمواقف التي سطّرها الحوار الوطني تشمل المسارات الحكومية والدستورية والإنتخابية، وتخرج البلاد من المأزق الذي تردّت فيه نتيجة بلوغ الصراعات الحزبية ذروتها وبعد تعدّد العمليات اللإرهابية وانتقالها من عمليات منفردة ومعزولة وإغتيالات فردية الى عمليات نوعية واسعة وموجعة في ظل فشل الحكومة في الأستجابة للطلبات الشعبية. وقد مكّن الحوار الوطني وتنفيذ خارطة الطريق من تجنّب حرب أهلية وحمّام دم، أنهى مرحلة انتقالية بطريقة سلمية وحضارية أنتصرت فيها الديمقراطية على الفوضى. وهو مسار ديمقراطي عزل الإرهابيين وأدّى على مرحلة متقدّمة من الفرز السياسي والفكري بين من يُشهِرون السّلاح في وجه المجمتع والدولة ويكفّرون الجميع ويعلنون تبعا لذلك "الجهاد" عليهما وبين من يؤمنون بحقّ الأختلاف وبالتنوّع وبحرية الفكر والمعتقد وبالأنتقال السلمي والتداول على السلطة ونبذ العنف، فرز فرّق بين قيم الجمهورية وإعلاء مبادئ حقوق الإنسان وبين دعوات التكفير والظلامية ومنطق القتل والذبح.
 
واليوم وبعد التحوّل الاستراتيجي في عمل الإرهابيين على إثر عملية متحف باردو ونزل مدينة سوسة السياحية، فكرنا في الأتحاد العام التونسي للشغل غي إطلاق مبادرة وطنية لعقد مؤتمر وطني لمحاربة الإرهاب تحت شعار "تونس تحارب الإرهاب" يهدف إلى تجميع القوى وأستنفار الطّاقات من أجل وضع استراتيجية حرب على الإرهاب وتحديد خطّة هجومية أستباقية على أوكاره وبؤره ومصادر تمويله وأرتباطاته وصولاً إلى إقتلاعه من جذوره.
 
وسيلعب النقابيون في إطار ائتلاف للجمعيات والمنظمات دوراً هامّا في هذه الحرب، من خلال الوعي بخطورة ظاهرة الإرهاب عبر نشر هذا الوعي في محيطهم وإدراك أبعاد هذه الظّاهرة التي تستهدف وجود الشعب وهويته ونمط عيشه. والنقابيون أكثر من أيّ وقت مضى مجنّدون للمساهمة من مواقعهم المختلفة في جهد محاربة الإرهاب على جميع الأصعدة، وقد عبّروا بقوّة ووضوح عبر كلّ الوسائل عن مناهضتهم للإرهاب. كما أنّهم حريصون على حماية أبنائهم من تأثيرات هذه التيارات التكفيرية الهدّامة ومصمّمون على عزل الإرهابيين، ومنع تأثيرهم في المجتمع وقد عبّروا دوماً عن استعدادهم للمساهمة الواسعة في الدعم المادّي والمعنوي للمجهود الوطني الذي يجب أن تتضح أهدافه وسبله وآلياته لتجميع القوى والوقوف في وجه الإرهاب واجتثاثه من جذوره. ولا نخفي اننا كنّا من المتمسكين بإصدار قانون الاٍرهاب رغم التحفظات العديدة حوله والتخوف من أن يتم توظيفه ضد الحقوق والحريات ولكننا ناضد إعلان حالة الطوارئ الذي تم التراجع فيه اخيراً.
 
ويدرك النقابيون أنّ المعركة ضدّ الإرهاب طويلة وشاقّة، ولذلك هم متهيؤون لخوضها كلً في حقل عمله وبما يملك من جهد وعلم وتصوّرات يقدّمها للوطن. مُؤكّدين على أنّ هذا الأستعداد يجب أن يكون عامّاً وشاملاً لكل الفئات كلً حسب قدرته وإمكانياته. وإن كانت هذه الحرب طويلة وشاقّة فلا يمكن أن تكون على حساب الأنطلاق الحقيقي للمشروع التنموي العادل وللبناء الوطني المنصف لعموم الشعب، وألاّ تُخاض هذه الحرب أيضاً على حساب ما ضمنه الدستور من حرّيات ومن حقوق اقتصادية واجتماعية. إذ لا تعارض بين الحرب على الإرهاب وبين احترام الحريات الشخصية والعامة وضمان الحقوق وهي معادلة صعبة ولكنها ممكنة في إطار احترام الدستور وبناء دولة القانون.
 
كما لا يمكن تحقيق الوحدة في مقاومة الإرهاب بمعزل عن تحديد رؤى مستقبلية تطمح إلى الرفاه والعدالة الاجتماعية بوصفهما إحدى مقوّمات المجتمع المتوازن وإحدى الشروط الجذرية للقضاء على الإرهاب.
 
  • سامي الطّاهري/ الأمين العام المساعد في الإتحاد العام التونسي المستقل
ورقة عمل قُدّمت في ورشة العمل الإقليمية "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف وبناء توافقات وطنية ... (1-4) الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي كأداة لمحاربة التطرف والإرهاب" بتاريخ 17-10-2015