A+ A-
ورقة عمل: الأردن ومأزق عملية السلام على المسار الفلسطيني – الإسرائيلي
2015-08-29
صادف العام 2014، مرور عشرين عاماً على اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل، إلا أن هذه الذكرى مرت كمناسبة عادية في المشهد الإسرائيلي، ما عدا بعض الندوات العلمية والبرامج التلفزيونية الشحيحة حول الموضوع. والمفارقة أن هذه الذكرى مرّت في ظل أجواء من التوتر بين البلدين على خلفية الأحداث في القدس والمسجد الأقصى المبارك، وتوقف المفاوضات واندلاع الحرب على غزة. وقد رأت الأردن في الانتهاكات الإسرائيلية للحرم القدسي الشريف إخلالا باتفاق السلام الذي أعطى مكانة للأردن كراعي الأماكن المقدسة في القدس، فقد أرجعت الأردن سفيرها من إسرائيل، وبات واضحاً أن نتنياهو يرى في الأردن المكان الذي يستطيع من خلاله تهدئة الأوضاع في القدس الشريف. وعلى غرار الدور المصري في التهدئة في قطاع غزة، فإن إسرائيل ترى في الأردن الدولة التي من خلالها تستطيع أن تصل إلى تسويات في القدس في مستوى تهدئة الأوضاع في المدينة والالتفاف على السلطة الفلسطينية التي أتهمها نتنياهو بشكل مثابر ومباشر بأنها وراء الأحداث في القدس الصيف الماضي. ولذلك وافق نتنياهو على المشاركة في الاجتماع الثلاثي الذي دعا له الملك عبد الله الثاني في تشرين الثاني في عمان بمشاركة وزير الخارجية الأميركي جون كيري للتوصل إلى تهدئة للأوضاع في القدس، وحظي الاجتماع بدعم الرئيس المصري السيسي وحتى بدعم السلطة الفلسطينية، حيث التقى محمود عباس بكيري قبل الاجتماع.
 
لا شك أن احتجاجات الشارع المقدسي ساهمت في تراجع حدة الخطاب الرسمي الإسرائيلي بالنسبة للحرم القدسي الشريف وتعهد نتنياهو في الحفاظ على الوضع القائم، إلا أن حرص إسرائيل على العلاقة مع الأردن كان أحد الاعتبارات في موافقة نتنياهو على التهدئة، فغير الأهمية التقليدية للأردن في السياسات الإسرائيلية والإستراتيجية، فإن أهمية الأردن ومركزيتها ازدادت في العام المنصرم بسبب الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وترى إسرائيل أن الأردن يجب أن تكون قوية ومستقرة داخليا لمواجهة هذا الخطر، وخاصة الخطر القادم من العراق، ففي خطاب ألقاه نتنياهو في مركز دراسات الأمن القومي قال "إن إسرائيل تدعم الجهود الدولية التي تبذل لدعم الأردن في صد الخطر القادم من العراق".[1] كما أن الأردن تعتبر من العام 2014 عضوا غير دائم في مجلس الأمن، وهي قادرة أن تزعج إسرائيل على الساحة الدولية.[2]
 
بالنسبة لتقاطع المصالح بين الأردن وإسرائيل فيما يتعلق بعدم الاستقرار في المنطقة، فإن الدولتين تعتقدان أن مصالحهما مشتركة في تجاوز هذه الفترة، ويقترح الخبير في الشؤون الأردنية، عوديد عيران، أن على إسرائيل مساعدة الأردن في تجاوز هذه الفترة الحرجة، لأن مصالح البلدين مشتركة، ويقترح أن تقوم إسرائيل بالعمل على دفع الدول لتقديم المساعدات المالية للأردن، ومنها إسرائيل، من خلال زيادة كمية الماء المخصصة للأردن وبأسعار أقل من الحالية، تشجيع الاستثمار الإسرائيلي في الأردن، واستمرار التعاون والدعم الأمني بين البلدين، وإبداء الحساسية تجاه الأردن بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والأماكن المقدسة.[3]
 
سوف تتعمق العلاقات الأردنية الإسرائيلية خلال الفترة القادمة، ليس فقط لتقاطع المصالح على المستوى السياسي والأمني، بل أيضاً بسبب صفقة الغاز التي تم توقيعها بين إسرائيل والأردن في 2014. وتشكل هذه الاتفاقية تعميقاً للعلاقات بين الدولتين، فبالإضافة إلى اتفاقية المياه التي توفر بموجبها إسرائيل كميات محددة للأردن بموجب اتفاق السلام، فإن الغاز سيشكل المورد الطبيعي الثاني الذي تستورده الأردن من إسرائيل. وعلى الرغم من الاحتجاج الداخلي في الأردن حول إمكانية استيراد الغاز من إسرائيل، إلا أن الأردن كما يبدو لا تملك خيارات أخرى أفضل، بعد توقف استيرادها للغاز من مصر. ففي أيلول 2014 تم توقيع اتفاق تفاهمات بين البلدين، وخاصة بين شركة الكهرباء الأردنية وشركة "نوبل انيرجي" التي تشغل مخزون الغاز البحري المسمى "لفياتان". وبموجب الاتفاق سوف تستورد الأردن غالبية احتياجها للغاز من إسرائيل، وتمتد الاتفاقية إلى فترة 15 عاما، وتقدر بـ15 مليار دولار، فضلاً عن الاتفاقيات مع شركات أردنية أخرى تنوي استيراد الغاز من إسرائيل.[4]
 
علاوة على صفقة الغاز بين البلدين، فإن إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية سيبدأ بتنفيذ مشروع "ناقل البحرين"، لتحلية المياه ونقل مياه من بحيرة طبريا إلى الأردن، وهو بتكلفة أردنية خالصة بقيمة 900 مليون دولار سيدفعها الأردن عبر الاقتراض من البنك الدولي. ويعتبر الأردن هذا المشروع والتعاون مع إسرائيل خيارا إستراتيجيا لا بديل عنه بسبب نقص المياه في الأردن، حيث سيتم تحلية 100 مليون متر مكعب من المياه سنوياً من شمال مدينة العقبة، 30 مليوناً ستخصص للأردن، 50 مليون ستباع لإسرائيل بسعر التكلفة و20 مليوناً للسلطة الفلسطينية. كما سيحصل الأردن على كميات من مياه بحيرة طبريا لتغطية المناطق الشمالية وبسعر 27 قرشا للمتر المكعب.[5]
 
[1]. براك ربيد، "نتنياهو على خلفية الأزمة في العراق: إسرائيل تدعم دولة كردية مستقلة"، (هآرتس، 27/6/2015)، ص:1.
[2]. عوديد عيران، "إسرائيل- الأردن: عشرون عاما على اتفاق السلام"، مجلة مباط عال، العدد 621، 2014. ص: 2.
[3]. عوديد عيران، "استقرار المملكة الأردنية"، عدكان إستراتيجي، المجلد 17/ العدد 2، 2014، ص: 34-35.
[4]. هدي كوهن وعميرام بركات، "صفقة كبيرة: غاز من إسرائيل للأردن بأكثر من 15 مليار دولار" (غلوبوس- مجلة اقتصادية، 3/9/2014). أنظر الرابط: http://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1000968817، (آخر مشاهدة، 28/1/2015).
[5]. زيد الدبيسية، "التطبيع في الأردن: من الغاز إلى المياه"، (العربي الجديد، 29/1/2015)، ص: 10-11.

  • الدكتور مهند مصطفى، محاضر في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا في برنامج سياسات شرق اوسطية

مهند مصطفى، محاضر في كلية الدراسات الاكاديمية، وكان باحث زائر في جامعة كامبردج انجلترا، ومحاضر في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا في برنامج سياسات شرق اوسطية. وباحث في مركز "مدار"- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية. حاصل على إجازة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة حيفا في العام 2012، عالجت رسالة الدكتوراه موضوع: "المعارضة الإسلامية والتحول الديمقراطي في النظام التسلطي العربي: بحث مقارن بين مصر وتونس". نشرت له العشرات من الأبحاث والكتب في اللغات العربية، الانجليزية والعبرية في مواضيع المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، السياسة الفلسطينية والإسرائيلية، الحركات الإسلامية والتحول الديمقراطي في العالم العربي. كتابه "الجامعات والاكاديميا الإسرائيلية: السياسة، المعرفة والاقتصاد"، صدر له مؤخرا عن مركز "مدار".