A+ A-
ورقة عمل: الأردن، الجبهة الداخلية في مواجهة تحديات الداخل والخارج
2015-08-29
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
 
رئاسةَ المؤتمرِ المحترمة
الحضورَ الكرام
 
السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه
 
السؤالُ الأول، البديهيُّ والأساسيّ، الذي يجِبُ أن تسألَهُ الدولةُ الأردنية، وهيَ تجابِهُ تحدياتٍ وتشابكاتٍ إقليميةً معقدةً وخطِرَة، هلِ الجبهةُ الداخليَّةُ جاهزةٌ للاشتباكِ معَ هذِهِ التحدياتِ وتداعياتِها أم لا..؟
 
وفي سياقِ إجابةِ هذا السؤال، المصيريِّ والجوهري، لابدَّ مِن الإجابةِ على تساؤلاتٍ محددةٍ تبرُزُ في ثنايا السؤالِ الأول: هلِ الجبهةُ الداخليةُ متناغمةٌ معَ مستوياتِ القرارِ السياسي؟ وهلْ مستوياتُ القرارِ السياسيِّ تشاركُ الجبهةَ الداخليةَ التفكيرَ بالمخاطرِ أمْ بمعزِلٍ عنها؟
 
وهلِ الجبهةُ الداخليةُ والمستوياتُ السياسيةُ مدركةٌ لطبيعةِ الأخطارِ ومفاعيلِها وأنماطِها، وسُبلِ مجابهَتِها..؟، وهلِ الإمكاناتُ الوطنيةُ المتاحةُ والتشبيكاتُ السياسيةُ والأمنيةُ والعسكريةُ معَ الخارجِ بمقدورِها أنْ تُنتِجَ استجاباتٍ حاسمةً تمنَعُ المخاطر، أو في أقلِّهِ تَحُدُّ منها؟!
 
تلكَ سؤالاتٌ مركزية، إجابَتُها بموضوعيةٍ ومنطِق، مسألةٌ حيويةٌ في جانبِ تمكينِ الدولة، بكلِّ مكوِّناتِها، منِ استكشافِ الواقعِ الداخليِّ وقُدرتِهِ على التعاملِ معَ التحدياتِ المُتنوِّعّةِ والمعقدَّة، ويُحددُ موقِعَنا، وأينَ نقفُ بالضبط، مِنْ دوائِرِ الخطرِ الملتهبة، وعلاقَتَنا بها، وما إذا كنّا نسيرُ في الاتجاهِ الصحيح، أم نحتاجُ إلى استدارةٍ بمقدارٍ ما حتى نضمنَ وجودَنا ونأمنَ الشرور، ونختبِرَ ثِقتَنا بالشركاء، ونمنحَ أنفسَنا قدْراً من الفُرصِ لمراوغةِ الأخطارِ بِأَملِ الإفلاتِ منها.
 
وكَيْ نفهمَ واقِعَنا، والكيفيةَ التي نُحضِّرَ فيها أنفسَنا للمجابهة، لابدَّ أنْ نَعرُجَ بتكثيفٍ وبسرعةٍ على واقعِ المنطقةِ والإقليمِ وتفاعلاتِهِما، والبيئةِ الدولية، والطريقةِ التي تُدارُ بها المصالح، فهذهِ أساسياتٌ من الضروريِّ فهمُها واستيعابُها جيدا، لأنها تُساعِدُنا في تصميمِ مقاربَتِنا للاشتباكِ مَعَها، ومعَ البيئةِ الداخليَّة، وكيفيةِ تنسيقِِ أفعالِنا وضبطِ إيقاعِها لضمانِ أعلى درجاتِ التفهُّمِ والتفاهُمِ وصولا إلى التناغُمِ الضروريِّ بين المكوناتِ الوطنيةِ ومعَ الشركاء، أيضا، لتداركِ أسوأِ الاحتمالات.
 
في البَدْء، علينا أنْ نعترِف، بمقدارٍ ما، أنَّ قدْراً كبيراً مِنَ الغُموضِ يُحيطُ بمساراتِ الإقليمِ ومآلاتِها، وأنْ نعترِفَ أنَّ التداخُلَ بين العسكرِيِّ والسياسِيِّ في التعاملِ معَ الأزْماتِ زادَ مِنْ مقدارِ هذا الغموض، وأنَّ تنوُّعَ الأزْماتِ واختلافِ مستوى تعقيداتِها، وترابُطِها، أو حتى تنافُرِها، مسألةٌ تكشِفُ عن حجمٍ وأشكالٍ واسعةٍ مِنَ التعقيدات، ومِنْ شأنِها أنْ تدفعَنا إلى التفكيرِ بمسارين:
 
الأول: أنَّ هذهِ الأزْمات، قد تُحَلُّ دَفعةً واحدة، وفي إطارِ صفْقةٍ كبرى، بينَ الدولِ الفاعلةِ والمُمسِكَةِ بِزِمامِها، كونَ القوى الفاعلة- مستثنياَ هنا القوى الهامشيةَ أو الذيلية- ليستْ كثيرة، وبمقدورِها أنْ تٌطَوِّرَ مقاربةَ حلٍّ مشتركٍ للأزْماتِ والصراعاتِ متى توافقَتْ مصالِحُها.
 
والمسارُ الآخر: أنَّ هذهِ الأزْمات- على ما فيها مِنْ ترابطٍ محتمل، نظراً لأنَّ الفاعلينَ فيها هُم ذاتُهُم- غيرَ قابلةٍ للحلِّ دَفعةٍ واحدة، وإنًّما على دَفْعاتٍ ومراحِل.
 
وعلينا أنْ نُدرِكَ ونستوعبَ أمراً مُهَمّا هوَ أنَّهُ برغمِ اللقاءاتِ السِّرِّيَّةِ والعلنيَّةِ بين الفاعلينَ الإقليميينَ والدوليين، والحديثِ الجاري بينَهُم عن حلولٍ وتسوياتٍ للأزْماتِ الراهنة، إلاّ أنَّ هذِهِ التسويات لا تعني الولوجَ إلى الاستقرارِ والعودةِ إلى الهدوء..
 
لأنَّ المقصودَ بالتسوياتِ والحلولِ السياسيةِ هوَ تسويةً الصراعاتِ بينَ فرقاءٍ يُمكِنُ إدماجُهُم، بطريقةٍ ما، في نَسَقِ حلٍّ سياسي، بحيثُ يُعادُ ترتيبُ الاصطفافاتِ وتنظيمِ العلاقاتِ وتوحيدِ الجبْهاتِ لمواصلَةِ الصراعِ معَ التنظيمَيْنِ المتطرِّفَين؛ الدولةِ الإسلاميةِ (أي "داعش") و"جبهةِ النصرة" العاملةِ تحتَ لواءِ تنظيمِ القاعدة.
بمعنى أنَّ التحدياتِ وأخطارِها، حتى بعدَ الحلولِ السياسية، إنْ حدثَتْ وتمَّت، لن تتوقف، وستستَمِر، وربما لنْ يَقِّلَّ خطرُها، لكنْ في أقلِّهِ تصبحُ الجَبْهاتُ واضحةً لا التباسَ فيها والفرقاءُ محدَّدِين.
 
فالتسوياتُ السياسيةُ في العراقِ وسوريا واليمن، وحتى في مِصرَ وليبيا، في النتيجةِ النهائيةِ والأساسية، قد تعيدُ تنسيقَ العلاقةِ بينَ الأطرافِ المتصارعةِ على السلطةِ لتُشكِّلَ معاً جبهةً واحدةً ضِدَّ التنظيماتِ المتطرفة.. وتشكيلُ الجبهةِ المُفترضَة، بطبيعةِ الحال، لا يعني أنَّ الحسمَ سيكونُ سريعا ومختَصرا في زمانَه، بل قد يطول، فالتنظيماتُ المتطرفةُ التي تُمسِكُ الآنَ بالأرض، في حالِ انتزاعِ هذِهِ الأرضَ مِنها، ستتحَوَّلُ إلى نَمَطِها التقليديِّ في المواجهة، مُفخخاتٍ وانتحاريين.. وهكذا.
 
مَسألَةٌ أُخرى مُهِمَّة.. أنَّ التسوياتِ تَتِمُّ في سياقِ تلبيةِ مصالحِ الأطرافِ ذاتِ الصلة، والقوى المهيمِنَة، ولِفَهمِ هذِه المسألَةِ نحتاجُ، مِنْ بينِ ما نحتاج، إلى فهمِ خلفيات، وتالياً تَبِعات، تسويةِ المَلَفِّ النوويِّ الإيراني، فحسمُ هذا الملف، بِظَنّي، يُؤَسِّسُ لِمرحلةٍ جديدةٍ في تفاعُلِ الصراعاتِ والأزْماتِ وأنماطِ الاشتباكِ معَها وماهِيَّةِ أطرافِه.
 
فإيرانُ التي التزَمَتْ مِحوَرَها معَ روسيا وسوريا والعراقَ والقوى "ما تحت الدولَتِيَّة"، كحزبِ اللهِ والجماعةِ الحوثية، تديرُ مصالِحَها الآنَ بنَسَقٍ سِرِّيٍّ وعلنيٍّ معَ أميركا، ولِأميركا نطاقُ مصالحَ قد يتجاوزُ نطاقَ مصالحِ الدُّولِ العربية، وخصوصاً تلكَ القلقةِ مِنْ سعيِ إيرانَ لمدِّ نفوذِها وهيمَنَتِها، كالسعودية..
 
وأميركا تُنَسِّقُ بصيغةٍ ما معَ إيران، حتى لو كانَ التفكيرُ الاستراتيجِيُّ الأميركِيُّ هدفُهُ توريطُ إيران، وربَّما تركيا في الصراعاتِ لاستنزافِهِما ومِنْ ثُمَّ العمل، إنْ أمكَن، على تفكيكِهِما مِنَ الداخل، أو في أقلِّهِ تحجيمَهُما، كقوتَينِ محيطَتينِ بإسرائيلَ التي يُرادُ لها أنْ تكونَ كُبرى وعُظمى في الإقليم.
 
ورٌبَّما هذا ما جعلَ المِحورَ المقابلَ للمحورِ الذي تُنَسِّقُهُ إيرانُ وروسيا، أي المحورُ العربِيُّ السُّنِّي، محوراً مختلا، غيرَ مُتَماسِكٍ ويفتقِدُ لِخُطَّةٍ مُنَسَّقّةٍ ومٌحكَمة، فما زالتِ السعودية، إلى الآن، تُقارِبُ علاقاتِها واستراتيجِياتِها، وتسعى إلى بناءِ تكتُّلٍ قادرٍ على مجابهةِ المشروعِ الإيراني.
وهيَ بعدَ أنْ راهنت، في البَدء، على باكستانَ وتركيا، وجدَتْ نفسَها، ودَفعةً واحدة، تُواجِهُ احتمالَ الفشلِ في بناءِ مُقاربةٍ مُشتركَةٍ وعميقةٍ معَ البلدين، لاختلافٍ جزئِيٍّ في المصالِح، مرتبطٍ عضوياً بمتغيراتٍ فرضَها حلُّ الملفِّ النوويِّ الإيراني.
 
هذا التكثيفُ الشديد، كانَ ضروريا لفهمِ بعضِ المُعطياتِ والحيثياتِ التي تُعتبَرُ ضروريةً عندَ مُقاربةِ الواقعِ الأردنيِّ الداخلي، وعلاقَتِهِ بمحيطِهِ الملتهِب، وطبيعةِ جبهتِهِ الداخليةِ وما يجبُ أنْ تكونَ عليه.. لأنَّ فهمَ طبيعةِ الصراعِ وأدواتِه، خصوصا المستترةِ مِنها، مسألةٌ أساسيةٌ في تصميمِ المقاربةِ الوطنيةِ التي تستطيعُ تجنبَ تَبِعاتِ الحلولِ والتسوياتِ السياسيةِ غيرِ المُنسَّقَة، والصعابِ ذاتِ التهديداتِ الوجوديَّة.
 
على المستوى الداخلي، أظنُّ أنَّ جبهَتَنا تُواجِهُ سِلسلةَ تحدياتٍ وتعقيدات، أبرَزُها:
 
1-الأوضاعُ الاقتصاديةُ الصعبة، وانعكاساتُها غيرِ المريحةِ على حياةِ الناسِ ومعيشتِهِم، والغريبُ أنَّ الدولَ التي تريدُ مِنَ الأُردنِّ أنْ يلعبَ دوراً كبيراً في صراعاتِ وأزْماتِ المنطقةِ لا تلتفِتُ إلى أزْماتِهِ الاقتصاديةِ وضَعفِ قُدرتِهِ على تلبيةِ مطالبِ مواطنِيه، فكيفَ بتلبيةِ مطلبِ تحسينِ أدواتِ انخراطِهِ في هذهِ الأزْمات..
 
2-الأوضاعُ الاجتماعيةُ مختلة، فأيُّ جبهةٍ داخليةٍ كيْ تكونَ متينةً وصلبةً لابدَّ أنْ تكونَ متماسكةً ومتماهيةً معَ مستوياتِ القرارِ السياسي، ومِنَ الخطأ افتراضُ أنَّ اللاجئينَ السوريين، تحديدا، ليسوا مؤثراً مهمّاً في بُنيةِ الجبهةِ الداخلية، فالجبهةُ الداخلية، بفهمي، تشملُ كلَّ مُكوِّنٍ اجتماعيِّ على الأرضِ الأردنية، لأنَّ مخاطرَ اللجوء، الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والأمنية، تُنهِكُ الدولة، وتستنزفُها ماليا، وتُنهِكُ قدراتِها البشرية، فتصبحُ الجبهةُ الداخليةُ عبئا لا عونا، وتالياً، خطراً يدعمُ الخطرَ الخارجيَّ بتوفيرِهِ بيئةً ملائمةً للنشاط.
 
3-غيابُ الفعاليةِ المفترضةِ والمطلوبةِ مِن مؤسساتِ المجتمعِ المدني، نقابيا وحزبيا، وحتى المدارسِ والجامعات، فهي قوى أساسيةٌ في البناءِ الاجتماعي، ومطالبةٌ بدورٍ أكبرَ في تطويرِ وعيٍ مجتمعيٍّ يُدركُ التحدياتِ والمخاطرَ وكيفيةَ مواجهتها..
 
لكن، علينا الانتباهُ إلى أنَّهُ مِن غيرِ المنطقيِّ تحمُّلَ "المجتمعِ المدنيِّ" كلَّ المسؤولية، فجزءٌ مهِمٌّ مِنَ المسؤوليةِ تتحمَّلُهُ الحكوماتُ التي لم تبنِ صلاتٍ إيجابية، ولم تهتمَّ بعاملِ الثقة، ولم تسْعَ إلى تكوينِ شراكاتٍ حقيقيةٍ معَ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ، فالحكوماتُ لم تُقدِّمْ لهذِهِ المؤسساتِ ما يُشعِرُها أنها جزءٌ أساسيٌّ في استراتيجيةِ المجابهة، بل أحيانا تُستهدَفُ وكأنها جزءٌ من المنظومةِ المطلوبِ مجابهتُها.
 
4-السلطةُ التشريعيةُ ذاتُها، لم تلعبْ دوراً في تقويةِ البناءِ الاجتماعيِّ والسياسي، والسببُ أنَّ القاعدةَ الاجتماعيةَ لا تنظرُ بإيجابيةٍ لدورِ هذِهِ السلطة، بِشِقَّيها، الأعيانُ والنواب، وتَشعُرُ هذهِ القاعدةُ أنَّ مجلِسَ النواب، تحديدا، ليسَ مؤهلاً ليقومَ بدورٍ وطنيٍّ كبير، والأهمُّ أنَّ غيابَ الثقةِ بهذهِ السلطةِ يُفقِدُها القدرةَ على التأثيرِ في الناسِ وتنظيمِ صفوفِهِم كقوةٍ رئيسيةٍ في مجابهةِ التحديات.
 
5-الطريقةُ الخطأ، نسبيا، في إدارةِ ملفِّ اللجوء، وعدَمِ تنظيمِ سياقاتٍ محددةٍ لهذا الملف، فاقَمَ مِن مأزقِ الجبهةِ الداخلية، بوصفِ اللجوءِ رغمَ انهُ مسألةٌ انسانيةٌ إلاّ انها باتت عبئا، والدولة، معَ الأسف، لم تُدِرهـا، بصورةٍ صحيحة، مع الفاعلين الدَّوليين، فباتَ العبءُ مضاعفا، ماليا وأمنيا.
 
خارجيا: وبدونِ تفصيل، أقولُ بحاجتِنا إلى أنْ نوازنَ علاقاتِنا الخارجية، بالاستنادِ إلى مقاربةٍ وطنية، تُعرِّفُ مصالِحَنا وتحددُ الكيفيةَ التي بها نحفَظُها ونُعظِّمُها، وأن نصوغ علاقاتِنا تلك آخذينَ بالاعتبارِ مصداقيةَ والتزامَ الأطرافِ الخارجيةِ بمصالحِنا.
 
ومرةً أخرى أقولُ أنَّ مِنَ المُهمِّ فهمُ طبيعةِ الصراعاتِ وتفكيكِها إلى مُركَّباتِها الأولية، وفهمُ أهدافِ القوى المُنخرطَةِ فيها، وتحديدِ موقِعِنا منها ومصالِحِنا فيها، وطاقاتِنا الكامنة، والطريقةِ التي يُمكنُ أنْ نشتبكَ فيها معَ هذهِ الصراعاتِ وأطرافِها، والكيفيةِ التي نُحقِّقُ من خِلالِها أكبرَ قدرٍ منَ المكاسِب، وفي أقلِّهِ تجنُّبُ أكبرِ قدرٍ منَ الخسائر.
 
والسؤالُ الآن، هل نحنُ بمواجهةِ جبهةٍ داخليةٍ تعاني..؟
 
الجواب: نعم، نحنُ بإزاءِ جبهةٍ داخليةٍ تعاني، وتكادُ تكونُ منفصلةً عن مستوياتِ القرارِ المختلفة، الحكوماتُ لا تُطلِعُها على طبيعةِ المخاطر، ولا تشرحُ لها بصورةٍ كافية، دورَها في المجابهة.. والحكوماتُ لا تراعي واقعَ الجبهةِ الداخليةِ الاقتصاديِّ والشعورِ المتنامي في أنَّ الدولةَ تخلَّتْ عن دورِها في رعايتِها، بل تُحمِّلُها، أيْ تُحمِّلُ نواةَ الجبهةِ الداخلية، المزيدَ مِنَ الأعباءِ الاقتصاديةِ وجعلتْ منها ضحيةً لآلياتِ السوق، والأخطرُ أنَّ الحكوماتِ تنظرُ إلى سطحِ هذهِ الجبهةِ ولا تنظرُ بعمقٍ إلى ما يعتَمِلُ داخلَ بُنيتِها جراءَ اليأسِ والاحباطِ وفقدانِ الثقةِ وعدمِ اليقين.
 
والمشكلةُ انّهُ إذا نظرنا إلى أثرِ التطوراتِ الإقليميةِ على عمليةِ الإصلاحِ السياسيِّ والتحولِ الديمقراطي، نلحَظُ أنَّ المسألةَ لا ترتبطُ بالإبطاءِ والتسريعِ أو التأجيل، وإنما بجوهرِ العمليةِ ذاتِها، فأياً كانتِ السرعة، فإنَّ الجوهرَ يعاني اختلالاتٍ عديدة، كما في قانونِ اللامركّزِية، وربما- وهذا ما أخشاه- لاحقاً في قانونِ الانتخاب.
 
تقولُ الدولةُ أنَّ مسارَ عمليةِ الإصلاحِ ماضٍ، وربما هذا صحيحٌ مِنْ حيثُ الشكل، ولو نسبيا، لكنْ بالتقييمِ المنطقيِّ والموضوعي، فإنَّ الاختلالاتِ في العمليةِ بِرُمَّتِها باديةٌ للعيان، وفقط أُحيلُكُم إلى التقريرِ الأخيرِ للمركزِ الوطنيِّ لحقوقِ الإنسان، فعلى الرغمِ من مقدارِ اللغةِ الدبلوماسيةِ التي غَلَّفتِ التقريرَ وأحاطتْ أفكارَه، إلاّ أنَّهُ يلحَظُ إشكالياتٍ كبيرةً في قضايا الحرياتِ العامةِ وحريةِ التعبيرِ والرأي، واشكالياتٍ في القضايا الاجتماعيةِ والاقتصادية، وبفحصِها كلِّها نَصِلُ إلى يقينٍ أنَّ الأمرَ لا يرتبِطُ بسرعةِ عمليةِ الإصلاحِ وإنَّما بجوهَرِها ومضامينِها وصورتِها المثالية.
 
مع ذلك، فالأصلُ ألاّ نستسلمَ للواقعِ ونتعايشَ معَه، ونرضى بانهيارِ منظومةِ الإعلامِ ومنظومةِ التشريعاتِ ذاتِ المساسِ المباشرِ بعمليةِ الإصلاحِ والتحوُّلِ الديمقراطِي.. وتخطِئُ الحكوماتُ إنْ ظنَّتْ أنَّ الطريقةَ التي تُديرُ بها عمليةَ الإصلاحِ تُمَكِّنُها من تجاوزِ المخاطرِ وتُمَكِّنُها من التعاملِ معَها والتغلُّبِ عليها.
 
إنَّ الإصلاحَ الداخلي، وتمكينَ الأحزابِ والنقابات، وتمكينَ الناسِ مِن ممارسةِ الديمقراطيةِ عَبْرَ أدواتِها الصحيحة، مسألةٌ مُلِحَّة، وأساسيةٌ في بناءِ جبهةٍ داخليةٍ قويةٍ ومتينة، يُمْكِنُ للدولةِ أنْ تستنِدَ إليها في مجابهةِ الأخطارِ القادمةِ مِنَ الخارج، لأنَّ أخطارَ الداخلِ يُمكِنُ التعاملُ معَها في حالِ كان الإصلاحُ يسيرُ مسارا صحيحا في جوهرِه، ويشتركُ الناسُ في تصميمِه، ويشعرونَ أنَّهُم جزءٌ منه، مِن غيرِ فرضِهِ عليهِم.
 
ويقيني أنَّ أساسَ ذلك، والبدايةَ الحقيقيةَ له، أنْ نرى قانونَ انتخابٍ عصريٍّ وديمقراطي، يُقيمُ وزنا للناخِبِ وصوتِه، ويُقيمُ وزنا للحزبية، ويفتحُ البابَ لتشكيلِ الحكوماتِ البرلمانية، كما في الديمقراطياتِ المهمةِ والعريقةِ في العالم.
 
ومَنْ يعتقدُ أنَّ الوقتَ فات، فهو يُخطِئ، فرغمَ تأخُّرِنا في إنضاجِ تجربةٍ ديمقراطيةٍ عميقة، فالوقتُ لايزالُ متاحا، شرطَ توفُّرِ الإرادةِ والتصميمِ والعزيمةِ على إنجازِ عمليةٍ إصلاحيةٍ شاملة، ويُمكِنُ أنْ نُطلِقَ حوارا وطنيا جادا جِدا نُبلوِرُ عبرَهُ قواعدَ مشتركةً للعمليةِ السياسيةِ بكُلِّ تفاصيلِها، ونتوافقَ خلالَه على منظومةٍ واضحةٍ وشفافةٍ تُحدِّدُ الحقوقَ والواجبات، وتُتيحُ منهجيةً سليمةً وسِلميةً لتداولِ السلطة، وتنظِّمُ عمليةَ المحاسبةِ والمساءلة، وترسُمُ أدوارَ كلِّ المؤسساتِ الأهليةِ والرسمية، وتُعلي من قيمةِ القاعدةِ الاجتماعيةِ ودورِها، باعتبارِها الأساسَ واللَّبِنَةَ الأهمَّ في بناءِ الدولةِ ومؤسساتِها وتحصينِ الجبهةِ الداخليةِ ومنعِ انفلاتِها أو اختِلالِ بُناها.
 
سيداتي وسادتي..
 
أنتَهي إلى التالي: الجبهةُ الداخليةُ تحتاجُ إلى سلوكياتٍ حكوميةٍ صحيحة، وأنماطٍ مختلفةٍ وذاتِ جدوى مِن التفاعُل، تقومُ على الثقةِ وإعلاءِ قيمةِ الناس، والاعتدادِ برأيِهِم والإيمانِ بدَورِهِم..
 
وأنْ تُؤمِنَ الحكومات، إيماناً مطلقا، أنَّ إدارتَها للملفاتِ الخارجيةِ الصعبَةِ والحسّاسة، وانخراطّها في ساحاتِ الصراع، الإقليميةِ والدولية، لا يُمكِنُ أنْ تكونَ إدارةً ناجحةً وانخراطَها مأموناً إذا لمْ تَكُنْ الجبهةُ الداخليةُ حصينةً ومحصنة، بِلا ثغْراتٍ يُمكِنُ أنْ ينفذَ منها الخصمُ والعدوّ، لا قدَّرَ الله، لأنَّ الخصومَ والأعداءَ على درجةٍ كبيرةٍ من التَّنوُّعِ والذكاء، وأدواتُهُم عديدةٌ وطريقةُ إدارتِهِم للصراعاتِ مختلفة.. وأيُّ ثغرةٍ في البُنيةِ الداخليةِ تعني، بالنتيجة، إعطابَ آلياتِ الاشتباكِ معَ الملفاتِ والصراعات.
 
والحلُّ: يكونُ بإصلاحٍ شامل، سياسيٍّ واقتصادي، وإعلاءِ قيمةِ ذلكَ بحيثُ لا تُهيمِنُ عليهِ الأبعادُ الأمنية، على أهميَّتِها وقيمَتِها، فالجبهةُ الداخليةُ لا تُبنى بالشعاراتِ والنظرياتِ والخطابات، بل بالأفعالِ والسياساتِ والتغييراتِ على الأرض، وبشراكةِ الجميع، بِلا إقصاءٍ أو تهميش.
 
حَفِظَ اللهُ الأردنَّ وطناً وشعباً وقيادة..
 
والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه
 
  • معالي النائب المهندس عبد الهادي المجالي، رئيس حزب التيار الوطني الأردني/ الأردن
ورقة عمل قدمت في مؤتمر "الأردن في بيئة إقليمية متغيرة – سيناريوهات المرحلة المقبلة"