A+ A-
في بيروت عن سوريا (رص التوافق في سوريا من المصالحات الوطنية الى مبادرة ديمستورا)
2015-03-06
"فرص التوافق في سوريا ... من المصالحات الوطنية إلى مبادرة ديمستورا"- بيروت
عُقِد في فندق جيفنور روتانا- بيروت/ لبنان، على مدى يومي 6- 7/ 3/2015، ورشة عمل تحت العنوان العريض أعلاه، وفي ظل حديث سياسي وإعلامي مُتواتر عن المبادرات الداعية والراعية للمصالحات الوطنية، التي كان آخرها مبادرة الوسيط الدولي إلى سوريا ديمستورا. إذا جاز تلخيص مداولات ورشة العمل، يمكن القول أننا أمام شبه مؤتمر سياسي فكري؛ وقائعي استشرافي، مُصغَّر للمـُعارَضة السورية، سعى لجمع شتات التنوع السياسي السوري، أو البعض منه الذي أمكن جمعه، إلى اللقاء للتعارف من جديد للتفكير بصوت عال.
توزعت ورشة العمل على جلسة افتتاحية تمهيدية، فضلاً عن خمس جلسات عمل، بواقع ثلاث في اليوم الأول؛ 6/3/2015، واثنتين في اليوم الثاني. كانت جلسة الافتتاح على مستويين؛ إحتفالية وتوجيهية عبارة عن شق تنظيمي توجيهي استشرافي، تمثَّل بكلمتين للجهتين المـُضيفتين للورشة، "مؤسسة كونراد اديناور" ألقاها الدكتور أوتمار أورتيغ، المـُمثِّل المـُقيم للمؤسسة- مكتب عمان، و"مركز القدس للدراسات السياسية"، ألقاها مديره العام؛ عُريب الرنتاوي، الذي انتقل بعد الشق الترحيبي من كلمته إلى الشق التنظيمي؛ التوجيهي؛ الاستشرافي، وضع فيها المشاركين بصورة أمور رآها واجبة، وتبيَّن لاحقاً أن دورها كان فعالاً في نجاح أعمال الورشة وضبط سير أعمالها على نحو يعكس مسؤولية عالية وأدب حوار سياسي واجب، على خلاف ما تشهده عادة ورش مُشابهة.
وضع مدير المركز الحضور في صورة جدول أعمال الورشة، وهدفها أصلاً، بما هو مُحاولة تعزيز الحوار بين الأطراف وَوَصل ما انقطع، في حدود ما هو ممكن، وعلى خلفية أن الحوار سيكون، إن عاجلاً أو آجلاً، طريق الحل. نبَّه المدير العام إلى ما واجهه عقد الورشة من صعوبات؛ من إشكالية العناوين المطلوب بحثها، إلى إشكالية المدعوين، إلى إشكالية المكان، الذي إن ناسب هذا الطرف فلا يُناسِب ذاك، لأسباب مفهومة جدا. وعليه، فأنه إذا كان من غياب عن ورشة العمل هذه، فقسري وربطاً بالسبب المشار له، وليس نتيجة إرادة منظمي الورشة.
حدَّد مدير مركز القدس في كلمته التوجيهية طبيعة الورشة، بأنها "استقصاء للواقع من أجل استشراف المستقبل"، على خلفية استحالة التخطيط والذهاب للمستقبل دون معرفة موطئ قدمنا راهناً. زاد: "هذه الورشة تستكمل ورشات سابقة مفيدة، بل وصل بعضها إلى محاولة توافق المـُجتمِعين على مُشترَكات، لكن رنين الهواتف والمكالمات الدولية والتوجيهات من خارج قاعة الورشة كان يقلب الأمور رأساً على عقب"، في تأكيد على الفعالية الحاسمة للدور الخارجي في الحَدَث السوري الداخلي، الذي ضاعت التخوم بين أين ينتهي الداخلي ليبدأ الخارجي فيه، والعكس بالعكس! لعل مدير مركز القدس سعى للنأي بالورشة عن الرأيين القاصرين، حيث ثمة من لا يرى بما يجري سوريا إلا بعده الداخلي، مُقابِل من يحصره بدور خارجي يفسر شيئا لكن ليس كل شيء.
عبَّر المدير العام أيضا عن قلق مشروع تجاه من يظنون أن الوقت يعمل لصالحهم، مُحذِّراً من عبثية "ربح الحرب" و"خسارة سوريا"، أي بعد أن يكون التخريب صار عميماً والمدى صار مديداً، مُؤسِّساً لجروح ليست سهلة الاندمال بقدر ما تصبح أصول وأعمق. من هنا، فأن لاستعجال الحل أهمية توازي تقريبا أهمية الحل نفسه.
على خلفية إدراك مخاطر تحوُّل ورشة العمل، على ما هو معهود في النقاش العربي، الذي سرعان ما ينزلق سجالاً، كان تشديد مدير مركز القدس على أننا لسنا في مُناظرة تلفزيونية غرضها دحض فكرة أو موقف الآخر، بل في ورشة عمل تنفع فيها ومعها الأفكار المـُحدَّدة فقط، التي تتجاوز الحدث إلى ما وراء الحدث؛ المسائل إلى معنى المسائل، مثل: الحل السياسي. الدولة المدنية الديموقراطية. مشكلة مسيحيي سوريا. أكراد سوريا. واقع حال المـُعارَضة، التي إذا لم تعرِف كيف تصنع وتحفظ وحدتها كمعارضة فكيف لها صنع وحفظ وحدة الوطن؛ سوريا.
كان صادِقاً المدير العام لمركز القدس وحاسماً في كلمته التوجيهية للورشة وهي تستدرج نقاشاً مُترفِّعاً ما أمكن من الحضور، لا يُكرِّر بل يُضيف، لا يُحرِّض بل يُوضِّح ويُقنِع، ويُساعِد على فهم ما يجري، على نحو أعمق وأدق، على أمل مغادرة واقع حال لا يمل من منحنا مُفاجآت لا تنتهي، وكأننا لا نعلم عن الواقع شيئاً، على ما صار من مفاجآت الربيع العربي إلى داعش، التي بدت كرعد في سماء صيفية صافية، أو هكذا شُبِّه للمراقبين!
*******
على جاري العادة في حالات مُشابِهة، ورغم توزيع ورشة العمل على جلسات ومَحَاور نقاش عادة، لكن أكثر من سبب يكون غالباً وراء امتداد نقاش نفس الموضوع من جلسة إلى أخرى، أو أن تتم في جلسة لاحقة استعادة نقاش كان في جلسة سابقة، سواء للتعليق أو التوضيح. غرض الملاحظة قول أن النقاش تداخل، لكنه تمحور حول عناوين الجلسات كالتالي: الجلسة الأولى، كما أسلفنا كانت تحت عنوان: "المصالحات الوطنية وخطة ديمستورا ... الفرص والعوائق". الجلسة الثانية، كانت مُتابعة للجلسة الأولى وتحت نفس عنوانها سالف الذِكر.
كان موضوع عنوان الجلسة الثالثة هو: "مواقف الأطراف الإقليمية والدولية ... عرض وتقييم". أما الرابعة، فتمحورت؛ افتراضاً، حول: "الأزمة السورية ... وسيناريوهات المستقبل". امتد نفس العنوان إلى الجلسة الخامسة. توزع العنوان الرئيسي للجلستين الرابعة والخامسة على محاور فرعية أبرزها: هل الحل العسكري ممكن؟ هل الحل السياسي مُتاح؟ ما معنى العوائق؛ الشروط والشروط المـُقابِلة؟ ... مواقف الأطراف السورية الأساسية. مواقف ومواقع الأقليات القومية والدينية، مِثل: المسألة الكردية. المسيحيون في سوريا بتلاوينهم. الأقليات الأخرى. كانت الخاتمة مع جولة نقاش مفتوحة: "من عروض ومداخلات وتعقيبات المـُشاركين ومُقترحاتهم".
*******
كانت الجلسة الأولى، تحت عنوان: "المصالحات الوطنية وخطة ديمستورا ... الفرص والعوائق"، وبداية الحديث والمـُتحدِّثين مع الأستاذ/ حسن عبد العظيم، بصفته مُمثِّلاً لهيئة التنسيق الوطنية" المـُعارِضة في الداخل. بعد شُكره وتثمينه مبادرة مركز القدس لعقد الورشة، والقيِّمين عليها، أكَّد عبد العظيم على جملة أمور مثل: المـُعارَضة واحدة في الداخل والخارج. هي تعبير عن حق الشعب السوري في الحرية والكرامة والعدالة. المـُعارَضة الوطنية في الداخل كانت تسعى لتأسيس مُعارَضة مُوحَّدة ترفض الإستبداد الداخلي والتدخل الخارجي وحمل السلاح...الخ.
تأسَّف الأستاذ عبد العظيم إلى الفشل بتحقيق ذلك نتيجة حضور وغلبة اجتهادات مُغايرة لما تقدَّم، أوصلت إلى ظاهرة "داعش". شدَّد أيضاً على أن ما يُسمى مبادرات روسية أو مصرية، هي بالأساس مبادرات وطنية. في السياق ختم مؤكِّداً على مبادرة جنيف 30/6/2012، لوقف العُنف والاستبداد، بلغة عبد العظيم.
كان لإعطاء الكلمة الأولى في الجلسة الأولى للأستاذ حسن عبد العظيم، معناه العملي والرمزي، ربطاً بحيثية الرجل، وما يُمثِّله في المـُعارَضة السِلمية من الداخل. لم يكن دون معنى أن الكلمة الثانية كانت للدكتور/ سمير العيطة، الذي عرَّف نفسه كـــــ"مواطِن سوري"، ما بدا لعجولين إعلاناً من الرجل لاستقلالية سياسية أو فكرية عن مُسمَّيات المـُعارَضة المختلِفة، لكن مجرى حديثه بيَّن أنه سعى للتفكير على نحو "دولتي" أي: المصالح العُليا؛ ما ينفع الدولة السورية كدولة؛ الجماعة السورية كجماعة، أي القواسم المـُشترَكة؛ السياسات؛ التي لا مجال دونها لأي حل، يكون عاجلاً؛ خلال ستة أشهر، أو تَدخُل سوريا طور عدم القابلية للحل؛ الاحتمال الأسوأ.
تقاطَع كلام الدكتور العيطة، الـــ"مواطن سوري"، مع حديث الأستاذ عريب الرنتاوي مدير مركز القدس، عن وهم نصر لهذا الطرف أو ذاك، في حين لا تعود ثمة سوريا، التي إن لم تبق وتنتصر، فليس من انتصار لأحد، وبهذا المعنى، فأن الدفع بالمصالحة، من قِبل الرنتاوي أو العيطة، لم يعُد فقط على خلفية مُناشدة مُختلَف الأطراف لوعي مسؤوليتهم العامة، بل أيضا في أنه لن تتحقق مصلحة لأحد إذا صارت سوريا نفسها في خطر وجودي. حملت تلك الدعوة معناً صريحاً بأن لتوقيت انجاز الحلول أهمية وجودية، ليس لتوفير الدم فقط، بل لحفظ إمكانية بقاء وطن ودولة ومجتمع اسمه سوريا. كان فادحاً سمير العيطة وهو يقلق: أرجو أن لا نكون أمام وضع: لا سوريا.
حين ذهب العيطة نحو مستوى التفاصيل العملية، أعاد التأكيد على تناقضات المـُعارَضة، وأن عليها توحيد نفسها، ربطاً بأنها ليست مُنقسِمة على مستوى مكوناتها الرئيسية فقط، بل على مستوى كل مُكوِّن أيضاً.
والحال هذه، صِرنا أمام ثلاثة نواظم، شكَّلتها الكلمات الثلاث للأساتذة؛ الرنتاوي، عبد العظيم، العيطة، لكل ما تلى من كلمات تميَّزت بإضافتها لوقائع عملية جديدة بالغة الدقة والدلالة، أو تأكيدها إيجابا على ما ذكر، أو مُساجلتها نقدا مع ما ورد خاصة على لسان الأستاذ عبد العظيم، وبدرجة أقل الدكتور العيطة.
غرض الملاحظة السابقة، تأكيد أننا في ما سيبقى من عرض، سنكتفي بذكر الإضافات والتفاصيل التطبيقية بالغة الأهمية، في ما بدى لمـُراقِب من بعيد أن ثمة من أدرك أهمية الورشة كمُناسبة للتعريف بما لديه، ومع الاحترام للمـُتحدِّثين لاحقاً، فأن ما سنورده سيقتصِر على الأفكار، دون ذِكر الأسماء، لأسباب موجبة ومتنوعة.
بدأ النقاش حاراً مع صوت أول رأى في ما شهدته ورشة العمل من حديث عن انقسام المـُعارَضة ودلالة ومترتبات ذلك، أعطى صدقية إلى حديث الدكتور بشار الجعفري ممثل النظام في لقاء موسكو! تساءل: لو قال النظام السوري غداً للمـُعارَضة: سمَّي ممثليكِ إلى مؤتمر المصالحة، لتذابحت المعارضة عمن يمثلها. كان لافتاً هذا الصوت وهو يُفاجئ الورشة: لماذا نرفض مبادرة موسكو ونقبل مبادرة مصر؟ كما النظام مُستبِد، فإن حسن عبد العظيم مُستبِد. تكفَّلت "النميمة" في أحوال كهذه بالتفسير: صاحب هذا الصوت مُنشق حديثاً عن قيادة حسن عبد العظيم، الذي لاذ بالإبتسام، ربما سعادة بأنه صار والنظام السوري على مرتبة واحدة، حتى ولو بالاستبداد!
المشهد السابق كان مُعبِّراً على نحو بالغ وهو يُعلِن حسن عبد العظيم مُستبِداً، في إشارة لافتة ومُعبِّرة عن حشر الشخصي أو الفئوي بالعام والوطني، كذلك تصغير القضايا الكبيرة أو تكبير الصغيرة، ثم خلط هذا بذاك، ما يُثير القلق الشديد من ذهنية تذهب نحو إضافة خلافات جديدة، في حين تزعم سعياً لحل الخلافات القائمة.
ما أن انتهى المشهد السابق، الذي كان مُسلياً ويغمز من قناة حسن عبد العظيم مُستبِداً، حد أنه لم ينف التُهمة، حتى فتحت طاقة تبخيس النظام وتشكيك بنيته "بعدما رفض التعامل مع المعارضة المـُسلحة حتى "وصل الجيش الحر" على أطراف المخيم"، الذي صارت على أطرافه وفي داخله "جيوش" أخرى، في ظل تصاعد الدعوات وانقسامها بين حل قوامه ترحيل المسلحين عن المخيم، وحل يزداد رجحاناً؛ ترحيل السكان عن المخيم!
في ثنايا هذا المشهد الرئيسي، كان ثمة مشهد فرعي يُذكِّر بحقيقة أن ليس جميع الموالين للنظام السوري على تشابه، وأنه يمكن للمعارضة أن تتحالف مع بعض الموالاة. كان طريفاً هذا الصوت وهو يُسجِّل خلافات أطراف الموالاة، كما خلافات المعارضات، لكنه سجَّل تشابه أن المعارضة، بمعارضاتها، والمولاة بتشكيلاتها المتعددة، تتشابه في ارتهانها للخارج هو مَن يُقرر أن تذهب أو لا تذهب المعارضات أو الموالاة للمصالحات!
سرعان ما واجه هذا المسار تشويشاً، لناحية أن ليس إرادات الخارج فقط من تفرض واقِعاً، بل ثمة ضغوط حاجات الواقِع، ومفاعيل تعب بدأ يصيب الجميع وينعكس على المواقف، حيث أن :"الهدنات مفيدة"، أي أن الشارع فرض كلمته، على ما تقول أمثلة مؤكدة من مصالحات في الغوطة، إلى هدنات في برزة "أراحت الوضع". كان صوت يتردد في خلفية المشهد: تعب الجميع. الكل يريد إنهاء الحرب. وقف الدم مصلحة للجميع.
كأن صوتاً يأتي من خارج هذا الزمان، ليزيد هذا الزمان مرارة وألماً. أتى ذلك مع صوت مُعارِض سوري، قادِم من شمال أوروبا، صنَّف نفسه، "لست مُنتمياً. لست مُؤطَّراً"، كأنه كان يُشبه سمير العيطة القادِم من غرب أوروبا؛ في تعريفه لنفسه: "مواطِن سوري"! ذلك "لست مُنتمياً. لست مؤطراً"، إلا إلى سوريا، فتح جرحاً ليقفل جرحاً، حين ذكَّر بعار راهن نحن عليه. ذكر القادم من بعيد في المكان والزمان "أننا بالأمس فقط؛ إمبارح؛ سنة 1925، كان ثمة عقد اجتماعي أول لسوريا، كتبه وزير الخارجية الشهبندر، وبناه سلطان باشا الأطرش: الدين لله والوطن للجميع"! لعل ذلك المعارض السوري القادِم من التاريخ؛ أو شمال أوروبا، أراد قول: كانت وحدتنا الوطنية مُصانة من يومها، بفعل الشهبندر وكرامة سلطان باشا الأطرش، أما فارس الخوري فكان محفوظ القدر والدور!
أيضا وأيضا، ذكر ذلك السوري القادم من بعيد المكان والزمان: "كانت الحريات مُصانة؛ والوحدات الوطنية منذ البدء 1925، بل منذ بدء البدء، منذ ما قبل الانتداب وحتى العثمانية، إلى أن صار العبث وتحريك التناقضات عمداً. تدرَّج قضم الحريات. عبد الناصر زاد الشحنة الاجتماعية وخفف الحريات السياسية. عصر الأسد الأب ألغى السياسي وأبقى الاجتماعي. أما مع الأسد الابن فألحق تغيب الاجتماعي بغياب السياسي!
أعلن ذلك الصوت المعارِض القادم من عالم الديموقراطية والعلمانية والدولة الحديثة عن أمرين مهمين: (أ) تأييده النظام في ما يقوله عن نفسه من عِلمانية وحريات ثقافية، ما يعني بالضرورة أنه ضد المعارضة الدينية. (ب) المعيار هو الموقف من موضوع الدولة، مُعلِناً أنه مع الدولة، على خلفية المفهوم الواضح الذي قدمه، والتمييز القاطع بين الدولة، بما هي قوانين ودستور وشفافية ومؤسسات وبين، السُلطة، على ما ظهر من السياق، مُتقاطِعاً بذلك مع إعلاء شأن مفهوم "الدولتية" الذي كان سعى لقوله الدكتور سمير العيطة وقبله الأستاذ عريب الرنتاوي!
كأن المشاهد تتتالى تباعا لتُكمِل الصورة، شاءت المـُصادفة أن الصوت التالي طرح أن المسألة تتجاوز "مفهوم الدولة"، إلى "مضمون الدولة"، التي لابد وأن تُعبِّر عن حقيقة "سوريا متنوعة على كل صعيد"، "المـُختلفة عن تونس ومصر"، في إحالة على تجانس عرقي أو مذهبي، صار من مُترادفات خطاب ما بعد "الربيع العربي".
زاد هذا الصوت مؤكدا على الأهمية الإستراتيجية لسوريا، الــمُستمدة من "الجغرافيا السياسية"، وبما أن سوريا هي آخر نقطة للروس على البحر الأبيض المتوسط، وجزء من محور إيران- حزب الله، ما يصعب المشكلة!
أتى ذلك في سياق تأكيد متكرر بالورشة على مركزية دورالعنصر الخارجي في الحدث السوري، على الضفتين، لكن اتجاه النقاش سرعان ما تحوَّل لصالح تأكيد أهمية العامل الذاتي والإرادات الداخلية، ربطاً بتجربة "كوباني"، حيث حقق الأكراد انجازاً ليس الآن وقت ما إذا كان يؤكِّد على مركزية دور الإرادات الداخلية أم الخارجية في إنتصار كوباني. أوضح ذلك القول أنه الصوت السوري الكردي في الورشة، ويتحدث انطلاقاً من تجربة "حُكم ذاتي" في منطقة الجزيرة السورية. لم يتأخر الوقت حتى تبيَّن أن ثمة غير صوت سوري كردي بالورشة.
كان للسوري الكردي "إدارته الذاتية" منحته اطمئناناً، وسمحت له بادعاء "تجربة" تُحتذى، وجهه النقيض؛ من "دير الزور"، الذي تحدَّث من على صفيح ساخن يجلس فوقه، ويده في نار مدينة مُهجَّرة بالكامِل، معزولة عن العالم، ومسكوت عن كل ذلك، كأن "هناك من لا يريد حلاً للقضية السورية". لم يُعلِن الرجل عن هوية طائفية، لكن الحضور فهم دون أن يقصد: "أنا مطلوب لداعش وابني عند النظام سجيناً منذ عشرة أشهر"!
تدخَّل رئيس الجلسة؛ مدير مركز القدس، مُبدياً قلقه من نبرة التشاؤم السائدة؛ الطاغية على حوارات المؤتمرين، حيث لفتهم إلى تباشير تفاهمات دولية على الملفين الأوكراني والنووي الإيراني، لكنه حذرهم قائلاً من أن سوريا ستدفع ثمن تفاهمات العالم، كما دفعت ثمن تناقضاته، ما يعني أن عليها تدبر أمر نفسها قبل فوات الأوان!
كان تدخُّل رئيس الجلسة، استراحة مُحاربين قصيرة؛ فبعد تمريرة مهجر دير الزور الحزين، العالِق بين نار "داعش" ورمضاء "النظام"، تلقف الطابة شخص من أطراف دمشق، أكثر شباباً وقلقا، لكن أقل حذراً، ليؤشِّر بالاتهام على نظام دولي "دون موقف حاسم"، حيت سأل: لماذا حرَّر النظام الدولي كوباني ولم يُحرِّر الرقة؟ هل الإرهاب إسلامي فقط؟ شدَّد على أن لا هوية للإرهاب، والاعتداء الكردي على العرب بالأمس يجب أن يُدان!
كأن كل ما سبق من مصائب لا يكفي، "تلطَّف" صوت حاضِر بإضافة ظاهرة وجود "اقتصاد حرب"؛ "تجار حرب"، "لهم مصلحة باستمرار الحرب"! زاد بلفت النظر إلى الآثار المستقبلية للإساءات المـُتبادَلة والأحقاد المـُتوارَثة المعطوفة على ما كَشَفته التجربة من حقيقة مُرة عن أن أحداً لا يعرف شيئاً إيجابياً كافياً وكثيراً عن الآخر!
لو لم تكن حقيقة شائعة، يعرفها جميع الحاضرين على مختلف تلاوينهم، لظنوا أن صاحبها من خارج السياق، وأنه يسعى لحرف النقاش لمصلحة النظام وهو يتحدَّث بمرارة ساخرة عن أكذوبة أن المناطق تحت سيطرة السُلطة هي وحدها المـُضطهدة. قال ذلك الصوت بنبرة قاطعة: "مناطق المـُعارَضة لا يديرها ملائكة"! لم يكن من ميكرفون ليسمع الجميع ما همس به أحد الخبثاء: من أين سيأتون بملائكة في هذا العالم الذي غادرته الملائكة!
***************
كانت استراحة أولى، لتُتابِع الجلسة الثانية تحت نفس عنوان الجلسة الأولى: "المصالحات الوطنية وخطة ديمستورا ... الفرص والعوائق". زادت الاستراحة النشاط، أو هي صُدفة ترتيب المـُتحدِّثين، بل لعلها المناورات المألوفة في هكذا نمط من الورش، حيث يتأخر بعض اللاعبين في دخول الملعب للتسخين واستطلاع الجو! ولعل هذا ما حصل مع صوت نسب نفسه إلى حمص حيث وقعت "مصالحات الجوع"، أي أنها مصالحات الضرورة.
مع الصوت من حمص بدأت مصطلحات "لن أضع يدي بيده"، أي الرئيس السوري بشار الأسد، ولا بيد "موسكو التي قصفتني". عبَّر عن رفضه لمـُعادَلة "تمزج بين داعش وحقوق السوريين"، و"إما بشار أو داعش"!
زاد سقف التوقعات هبوطاً، مع صوت جديد، تحدث عن "مصالحات الجوع" تحديداً بأنها "عبارة عن استسلام طرف ضعيف لطرف قوي" تحت ضغط الحاجة. أضاف جديداً ونوعياً هذا الصوت عن أننا "كنا نتحدَّث عن صراع دولي بأدوات سياسية، الآن صراع دولي بأدوات دولية"! هذا الصوت أولى أهمية خاصة لضرورة وقف الصراع؛ القتال ثم التسوية، في رد واضح على من يرى استمرار القتال خلال التسوية أو البحث عن تسوية!

تتالت الأصوات والمشاهِد، حيث لكل صوت مشهده وروايته. الكاتبة الطبيبة من اللاذقية ربطت بين انحطاط السياسة وانحطاط الثقافة، حيث "أثلجت" قبول الحاضرين بأن مسؤول اتحاد الكتاب في مدينتها ضابط أمن! لم تلق قصتها تشجيعاً فائضاً لأنها قديمة، بل ثمة أشد منها كأن يُصبِح دكتوراً وحتى يمنَح شهادات دكتوراه!

كان في الورشة صوت أراد مخرجاً مناسبا للجميع فدعا إلى "سلام الشجعان"، كأن من خاضوا حرباً كانوا من الجبناء، وليس من أجل قضية؛ مشكلة حقيقية، يجب أن يُقدَّم لها حل حقيقي كيلا تنفجر بعد زمن قد يقصر أو يطول. وكالعادة، يكتشف أن الحوار يدور في حلقة مُفرغة، وعبثاً يُقدم حلاً لمشكلة ليست محل اتفاق!

في هذا السياق، كان إفصاح غير صوت متباعد عن أن المشكلة؛ الفشل صار مزدوجا، ويشمل المـُعارضة السورية التي صارت مُعارضات. دليل هذا الصوت على فشل المعارضات عدم تقديمها خطاب مُطمئن للأقليات، وذلك على خلفية أن سورية متنوعة مُتعدِّدة الأعراف مُذكِّراً بوجود سريان وأشوريين، فضلاً عن أكراد وتركمان.

في هذا السياق كان صوت يسأل حول: هوية النظام، وهوية سوريا؛ هل هي دولة عربية؟ أم إسلامية؟ أم علمانية؟ مضى هذا الصوت نحو تقرير أن أزمة هوية النظام "كانت مكتومة في ظل حُكم العسكر"، ما بدى وكأن لا حُكم ينفع مع سوريا إلا حُكم العسكر، على جاري خطاب استشراقي يرى هذه البلاد خارج التاريخ أو أن سلطان باشا الأطرش لم يكن يوماً رمزاً لوحدة وكرامة سوريا، مثله مثل قامات لا حصر لعددها وتنوعها. كاد النقاش يعيد الأمر إلى خط البداية: أزمة النظام أم أزمة المجتمع، وزعم حتمية الحُكم العسكري كضرورة تاريخية!

المسلمين كأهل ذمة فقط، بل "أهل مِلة" أيضاً، وهو ما يُفسِّر وجود كل هذا القدر من الأقليات في البلاد العربية والإسلامية. كان استحضار لمذبحة الأرمن، لكن كان استذكار إلى أنها وقعت بعد حضور الأتاتوركية. دون دخول في مفاضلة، لكن الحقيقة هي أن ثمة جزء منها غائب دائماً!

قطع سياق حديث الأقليات والعودة إلى الماضي بحديث لصوت نسائي صاف يذهب للمستقبل، يُعلي دور المرأة الأم والشباب، ما جعل رئيس الجلسة يتساءل: "خربها الرجال فهل تُعمرها النساء"، اللاتي سرعان ما اختفى صوتهن تحت إيقاع ذكور أعادوا رفع وتيرة الحوار مع التنبيه لمعنى "تصريح البرزاني ورسم الحدود بالدم"!

في هذا السياق كان سؤال: لمصلحة من انتصار كوباني؟ أهو انتصار كردي أم وطني! كان سؤال أيضاً حول إغفال تضحيات عشائر "الشعيطات"! عبَّر عن ذلك صوت بالغ الوضوح: ثمة عدم انتباه للمصطلحات؟ مَن شرعن الكانتونات؟ تحدث صوت مُحذرا من أن "الشحن القوي الكردي أعاد إنتاج التعصب القومي العربي"!

تدخَّلت رئاسة الجلسة لتُلاحِظ، عطفاً على ما تقدَّم من بوح أعلى نغما، إلى ظاهرة قاتلة هي ثقافة الإنكار المـُتبادَل، أو العجز عن رؤية ما هو خارج ذواتنا، لا أحد يرى إلا بؤسه ومكاسبه. كان ثمة من زاد سمعنا عن مشاكل الأقليات لكننا لم نسمع عن هموم الأغلبية؟ هل من حل لمشاكل الأقليات مع أغلبيات مأزومة؟!

كأن أحداً لم يقل شيئاً أو يُنبه في الورشة إلى ضرورة احترام دقة المصطلحات، أو عقلانية الوقائع والأحكام التي تطلق، وما قد تستدرجه من ردود فعل معاكسة، تقدَّم أحد الحضور بإلقاء مداخلة مكتوبة نيابة عن مدعو آخر لم يتمكن من حضور الورشة، تضمَّنت نسبة تقول: "أن العرب المسلمين ليسوا إلا (30 %) من سكان سوريا". سألت أصوات مُتعدِّدة داخل الجلسة وخارجها عن مصدر النسبة فقيل أنها من "دراسات"!

ثمة من استذكر أن تلك النسبة سياسية ومُفبركة تسعى لقول أن لا أغلبية في سوريا ... بلد الأقليات، ما يُشكِّل مُبرراً لحُكم أقلية أو أخرى ما دام ليس من أغلبية، كما يقتضي التداعي المنطقي لذلك التفكير الأقلوي، الذي لا يرى مصلحة بالحديث عن أغلبية وطنية عابرة للأقليات أو حتى الأغلبيات المذهبية أو الدينية أو القومية.

بقدر ما ظهَّرت تلك الطروحات فسيفساء الوضع السوري، بغض النظر عن دقة أرقام ونسب مـُعطاة، أشَّرت على ملامح/ أنماط حلول للأزمة السورية تناسب تلك الفسيفساء مستوحاة من المثل اللبناني، ومـُحاصصته الطائفية، التي وجدت تكراراً في نظام المـُحاصصة العراقي، الذي بمقدار ما حل مشاكل، أنشأ ما يوازيها بل أكثر.
في هذا السياق، برز صوت يكاد يكون نشيجاً، لعله كان أكثر اقتراباً وتعبيراً عن لغة وروح الضحايا في سوريا، وهو يسخر بمرارة من حديث "الكل" بمنطق "نحن"، موحياً أنه صوت الأغلبية. جزم هذا الصوت قائلاً: الـــ"نحن" التي هي نحن تريد أن تخلص من الحرب! كان تخوف من أثر الزمن، وأن يتأخر أوان العملية التصالحية، فيموت المريض وتنجح العملية! كان ثمة من يُصر على دعم أي مبادرة لوقف النار ودورة العُنف ثم بعد ذلك يأتي كل شيء. إن لم يكن من مجال لمصالحات، فلتكن على الأقل هدنات، لعلها تُطلق ديناميات تصالحية جديدة.

على هذا الإيقاع كان تشديد أحد الأصوات، وكأنه يتكئ على خبرة تاريخية: لا حلول ناجزة سحرية تتم دفعة واحدة. الحلول مُتداخِلة المراحل والمستويات، لا بأس بمشاريع خارجية للحلول، لكن هذه تحتاج إلى بنى داخلية يجب أن تُواكِب ما يتم أو يأتي من الخارج. مثلاً؛ جعل الهدنات تُطلِق ديناميات مصالحات وحلول سياسية تستفيد مما تُظهره الأحداث العسكرية من بشاعة تُظهِر الحاجة أكثر إلى المصالحات وليس الانتصارات!

في هذا السياق، كان رهان غير صوت على ازدياد فرص الذهاب إلى تسوية، بعد اتضاح عجز أي طرف عن تحقيق نصر عسكري. بلغة رئيس الجلسة، الذي لخص الوضع قائلاً: آن أوان النزول عن الشجرة؛ وأوهام أن الأمر سيُحسم خلال أيام ... أو شهور. لا سقط النظام ولا انتهت المعارضة، كما قالت كلمة الحياة!
كان ذلك القول، والدعوة للنزول عن الشجرة، في مطلع نقاش اليوم الثاني من الورشة، بجلستيه الرابعة والخامسة، وكانتا تحت عنوان: "الأزمة السورية ... وسيناريوهات المستقبل"، التي انحصرت نظرياً، على ما أتى به الرنتاوي، بأربع؛ (أ) انهيار النظام. (ب) انهيار المعارضة. (ج) الحل السياسي التوافقي. (د) فوضى شاملة. على نحو أو آخر تقاطع هذا مع ما رأي الدكتور العيطة، وهو يرى أن الزمن ليس مفتوحاً، وأن السباق على أشده، ومزيد من خسارة الوقت مزيد من تقدم فرص السيناريو الأسوأ؛ أي فوضى شاملة على حساب المصالحة الشاملة.
إذاً؛ "المدى الزمني للحديث قصير، والوقت من دم". "على الجميع الإقلاع عن وهم أن عقارب الساعة قد تعود إلى الوراء". كان المثل العراقي حاضراً لناحية أن "الظروف التي أنتجت كردستان العراق مُتوفِّرة سورياً"! بالمـُقابِل، رأى حسن عبد العظيم أن عوامل الحل السلمي مُرجحة، لأن "الحل العسكري أمام طريق مسدود"!
كان حضور الورشة، بحاجة إلى شخصية التفاؤل التي أضافتها ترضية عبد العظيم، لم يتلق الجميع تلك الفرضية على نفس النحو، لأن "وصول الحل العسكري أمام طريق مسدود"، لا يعني بالضرورة الذهاب في طريق الخيار السلمي؛ التصالحي، بل ثمة سيناريو، احتمال الفوضى الشاملة، بلغة الأستاذ عُريب الرنتاوي مدير مركز القدس، الوضع الأسوأ بلغة الدكتور سمير العيطة، بما هو "مواطن سوري"، مسكون بالقلق على الوجود نفسه.
لم يكن سجالاً بين أفراد، لم يقع أصلاً في الورشة، بل كان هنالك جدل تفاؤل الإرادة، كأن الراحل سعد الله ونوس قد بُعث حيا ليقول: "نحن محكومون بالأمل"، مقابل تشاؤم العقل وحساباته الباردة، التي كان لها أن تقلق جديا وعن حق، على خلفية أن الحروب، خصوصاً الأهلية، لا توقع فقط ضحايا، من قتلى وجرحى ومُشوَّهين على الضفتين، أو عائلات ثكلى ونفوس مكلومة، بل تنتج أيضا ذاكرة دم وديناميات حقد وتعصب ورغبة بالانتقام تمتد للمستقبل، خاصة وأنها تجد دائماً من يُغذيها عن جهل أو مصلحة من تجار حرب وسياسة.
***************
أن يكون المرء أمام كل هذا الحشد من الآراء والوقائع والتحليلات يعني أن ورشة العمل حققت هدفها بشقيها؛ استقصاء الواقع واستشراف المستقبل. الواقع الذي تحدَّث عن أمور لم يكن يُسمع عنها سابقاً، بما لذلك من دلالة مُتناقضة؛ ايجابية، بمعنى أنها كانت محل استيعاب، أو سلبية، بمعنى أنها كانت مكبوتة وانفجرت مع أول فرصة! يطرح ما تقدم فرضية مُركَّبة ومتناقضة لفك لغز الإشكالية السابقة؛ وعما إذا كانت محلولة أم مكبوتة؟
يصح ما تقدَّم على استشراف المستقبل، الذي لن تكون ملامحه خارج سياق رسمت مًقدماته وقائع صارت واضحة، ما تجد تعبيراً له في عبارة طالما تكرَّرت على لسان مُتحدثي الورشة: لن تكون الأمور بيد الحدث السوري، كما كانت قبله. يخفي هذا التسليم الصحيح والبريء مُعضلة أخطر: نعم، لن يكون كما سبق، لكن أين سيذهب ما لحق؟ هل ما صار فرصة لحل نهائي، أم لمشكلة مديدة قادمة؟ هنا كانت قيمة الرأي القائل، بأن الزمن؛ الوقائع؛ الانتصارات؛ الهزائم، مجرد فراغ؛ مساحة مُتاحة يتم تشكيلها على مقاس الرؤى وأشكال التوظيف. وكم من خراب كان فرصة لعمار، وكم من عناصر ايجابية تم تبديدها، بل توظيفها عكس ما هي عليه!
تحقق هدف تأسيسي آخر، هو جمع ورشة العمل لشخصيات من مختلفي المشارب والأفكار والمصالح، أو هكذا بدوا، ليبوحوا بهمومهم علناً؛ ما قلب مـُعادَلة طالما سادت في هكذا أوضاع هي حديث الناس عن توافقاتهم، وليس اختلافاتهم أو خلافاتهم. في هذا السياق كان تشديد رئاسة الجلسة، وتحفيز بعض مَن في القاعة، على ضرورة تظهير المشاكل لتوفير حلول لها، في مُخالفة لمنطق سائد طالما عمل بموجب كبت المشاكل بإنكارها.
لعل أبرز ما أظهره البوح العلني كان أن الأقليات، لا تبحث عن نفسها لمكان؛ حق مشروع، في الجغرافيا أو راهن الإجتماع السياسي السوري فقط، بل نصيبها العادل من التاريخ أيضاً، بما هي جزء من صيرورة المنطقة وغناها في تنوعها. كان ثمة من تذكَّر ضرورة إنصاف صلاح الدين الأيوبي، أو دور السريان في تأسيس الديوانية؛ الدوْلَتية العربية، وجسر ترجمة وعبور مُتبادَل بين الحضارة العربية واليونانية قديماً، والرومانية في المتوسط!
دون خروج عن السياق، لكن ورشة عمل بيروت طرحت إشكالية مُنفصِلة- مُتَّصِلة، هي وضع الأقليات في المنطقة، بالمعنيين التاريخي والراهن؛ الإيجابي والسلبي؟ هل هم عبء على الأغلبية العربية أو الإسلامية أم عنصر غنى؟ هل موقف الإسلام من الآخر؛ غير المسلم على قاعدة تسامح الإسلام أم عدالة الإسلام والفرق كبير جداً.
لعل الأهم؛ طرح السؤال حول معنى فسيفساء المجتمعات العربية والإسلامية؟ هل يُحسب الوصف لها أم عليها؟ هنا تبدو ضرورة الحاجة إلى تفريد المـُسمَّيات، أي الحديث عن كل ظاهرة دون خلط بسواها، كما الحاجة إلى تحقيب الزمن، بمعنى؛ كيف حُفظت الفسيفساء محل الحديث، ومتى بدأت مشاكل مكوناتها؟ متى بدأ فرز الألوان، وتفكك قوس القزح؟ إذا كانت بلاد العرب والمسلمين على هذا القدر من الفسيفساء والتنوع والتعايش، قبل أن يعبث الغرب؛ والأيديولوجيات الغربية العنصرية والتفكيكية، باستقرارها، فماذا يبقى من خطاب أمين معلوف عن الإسلام؛ شمال الجنوب؛ غرب الشرق، الذي لعب دور إبادة الحضارات والجماعات السابقة عليه؟!
*********************
يطرح ما تقدَّم أهمية استمرار التفاعل، لتبادل المعارف والتواصل الإنساني، الذي يُظهِر الجانب الإيجابي؛ الجميل من الآخر، بعدما تكفَّلت الذاكرة التاريخية والراهنة وثقافة العزل والانعزال من تكريس صور نمطية سلبية عن الآخر غالبا. يبقى بالغ الأهمية تأكيد أن التعرُّف على الأقلية كسباً للأقلية، كما للأغلبية التي تغتني بالآخر.
يلفت المـُراقِب في ورشة العمل أن المداخلات؛ النقاش، كان غالبا يبدأ قلقاً، مُتوتراً بعض الشيء، مع قدر وافر من العمومية والقول حمَّال الأوجه، ثم لا يلبث أن يُصبِح أهدأ؛ أكثر تحديداً وتواضعاً، لا يسعى إلا لإظهار مظلومية؛ حق ذاتي، دون إلحاق أذى بآخر. أيضاً وأيضاً، لابد من كلام كبير؛ مبادئ؛ أمام الميكروفون، ربما لزوم المسايرة وإرضاء مزاج الجماعة، لكن الحديث يُصبح أكثر إنسانية وتواضعاً وبوحاً، وبحثاً عن خلاص النفس. كثيراً ما تكشَّفت اللغة الهجومية الصاعقة عن وضعية دفاعية هشة توسلت الهجوم خير أسلوب للدفاع!
أظهرت ورشة بيروت، التي ضمت عينة مُعبِّرة عن المعارضة السورية، وفرة المـُتحدِّثين عن الهموم السورية، لكن الوقائع كانت تتدفق بوتيرة وحجم لا يتناسب والقدرات المـُتوفِّرة والمـُتاحة لتحويل التدفقات إلى معان فكرية ورؤى نظرية قادرة على هندسة حلول خلاقة تُناسِب كل ذلك الحشد الهائل من المـُتناقضات المعروضة بتفاصيلها.
أقصد بالقول السابق؛ إستحالة تقديم حلول فردية، خاصة، لكل وضع أقلوي أو حتى أكثري مشكو منه، كأن يعطى "حُكم ذاتي" مثلا، لكل من يسعى لحل مُناسِب لمصالحه، فيتوزع الوطن السوري شتاتاً وحصصاً، مقابل أن يجري توسيع الوطن بالقانون والحرية والكرامة فيكون هناك مُتَّسع للجميع ومصلحة! نعم، هذا مُتاح، وذاك مُتاح أيضاً، الفارق؛ هو في كيفية هندسة نفس العناصر، من ضمن ازدواجية سلبية، أم ازدواجية إيجابية!
وعليه؛ أبرزت ورشة بيروت الحاجة إلى تطعيم حضورها، الذين يُمثلون عادة وأساساً فعاليات ميدانية؛ بمعنى قوى اجتماعية، بفئة موازية هي عبارة عن فعاليات مُتصلة بالقضية الوطنية السورية، لكن مُتصلة بعالَم الفِكر والثقافة وتوليد الأفكار، انطلاقاً من وقائع مـُحقَّقة تُروى في ورش العمل بلسان أبطالها أو شهود العيان عليها.
لقد أظهرت تجربة ورشة مركز القدس محل الحديث، كما تجارب سواها، بشأن الأزمة السورية، أو خلافها الحاجة إلى الوقائع الحية، كما إلى الهندسات الفكرية والاجتماعية، التي يجترحها عادة أصحاب ثلاث سمات؛ من أصحاب القضية أو الملتزمين بها أخلاقيا؛ على كفاءة معرفية مُناسِبة وعالية. أن يكونوا محميين من الضغط، أي لا يُقدِّمون رؤى تحت ضغط شارع أو وقت أو منافسة، بل ارتباطاً بأرقى المعايير المِهنية النافعة في الحالات المـُشابِهة.
على ما تكرَّر بلسان غير مُتحدِّث عن جَعل المصيبة فرصة، يمكن لعملية إعادة البناء أن تكون على أُسس قاصرة، مؤقتة، تُعيد إنتاج الماضي، وتستبدل نظاماً مأزوماً لناحية، من خلال نظام مأزوم لناحية أخرى، أو نظام مُحاصصة يبدو مُنصفاً للمشاركين في السُلطة، لكنهم يُحوِّلون البلد دولة غنائمية ستنفجر عاجلاً أم آجلاً.
مُقابِل إعادة إنتاج الماضي وجعل المستقبل على شاكلته، يمكن الذهاب نحو المستقبل عبر أقصى نقطة تقدُّم مُمكنة، حيث بالإمكان تصميم نموذج حُكم من فوق، يُعيد تخطيط وبناء البلد وِفق معايير عصرية قالت كلمة الحياة أنها الأفضل لناحية مُراكمتها إيجابياً، بخلاف نموذج يُراكِم سلباً، كما حدث للبنان الذي كان نظامه ينفجر كل عقد أو يزيد من الزمن، فأسس لنفسه، أو أُسِّس له في الطائف، نظام حُكم في حالة إنفجار دائم.
نختم بثلاث، أولهما، تأكيد حفظ التواصل والحوار على أي نحو، لأنه يُوفِّر تعرُّفاً أفضل وكُلفة أقل. مثل هذا النمط من ورش العمل أو مؤتمرات المصالحة قد لا يأتي بنتائج عملية مباشرة، لكنه يُوفِّر بيئة حاضنة أدفأ، ويطلق ديناميات ايجابية تنقل الحوار من الميدان والحوار بالرصاص إلى القاعات وبالكلمات ضِمن معايير واجبة.
نعم، الورش والمؤتمرات في نهاية الأمر هي حوار فعاليات لها قرار الحرب والسلم، لكن حضور الكفاءات القادرة على توليد الأفكار وتأسيس التقاطعات الموضوعية، يلعب دوراً حاسماً، لعله يكتمل فيما لو تمت استضافة خبرات تجارب أخرى شهدت عُنفاً قريباً مما تشهده سوريا، لقول حصيلة تلك التجارب والاستفادة منها سورياً.
أما الثانية فهي أن ما تُواجهه سوريا وقد تُواجهه من انفجارات واحتمالات حلول هو في نهاية الأمر قرار سياسي، سواء ما خص السبب الداخلي في الأزمة أو المـُحرِّك الخارجي، وعلى قاعدة أن وجود هذا لا يلغي ذاك. وبالمعنى المشار له، فأن صدور قرار سياسي مرهون كما هو معروف لوعي ومصالح سياسية يفترض أنها مُتوفِّرة لدى السوريين، الذين يزدادون قناعة بأن تكسير بلدهم هو مسؤولية الجميع، وأنه يكفي أحد الأطراف أن يأخذ مبادرة سياسية إنقاذية من طبيعة "دولتية"، كفيل بإطلاق دينامية لن يقوى أحد بسهولة على رفضها ومقاومتها، لا بل قد تكون "شماعة" يمكن أن تُشكِّل مخرجاً للجميع وحلاً له. "دولتية"، بمعنى بناء "دولة" لجميع مواطنيها.
أختم بالثالثة، وهي ما قالته تجربة ورشة العمل هذه حول الوضع السوري، حيث قُدِّر لكاتِب التقرير المـُشارَكة في نشاطات مُشابهة، ما يسمح بالاستنتاج والمـُقارَنة واستخراج الدروس المـُستفادة. تقول تجربة الورشة أن كل عمل يحظى بنصيبه الكافي من التخطيط الدقيق والتوجيه السليم، يأتي بمردود ايجابي هائل، مؤكَّد وموصوف.
ليس تقريظاً لكفاءة طاقم مركز القدس للدراسات، وهم يستحقون كل تقدير قطعاً، بل لتأكيد أنه ليس أمر كفاءة أفراد أو مؤسسة فقط، بل أمر نوعية الكفاءة، وعما إذا كانت تسكن شخصيات ايجابية أم سلبية، أي هل تقترِن الكفاءة بنزاهة فكرية وأخلاقية، تُمكِّن صاحبها من وضع الأمور في نصابها الصحيح ، ليس كما يُقرِّر المدير العام، بما هو شخص فقط؛ بل بما هو تعبير عن رؤية؛ مصلحة عليا؛ نظام عام، يكون كاملاً أو لا يكون.
على ما يبدو، أن الأزمة التي نعيشها قياماً وقعوداً من أبسط أمورنا لأعقدها هي أزمة "النظام العام"، أي هل يقوم البناء على مصالحة المبادئ والمصالح، أم لوي عنق هذه لمصلحة تلك؟! "النظام العام"، بما هو مصطلح عصر الحداثة الموازي للعبارة الأثيرة: "تعالوا إلى كلمة سواء"! عند إدارتنا لورشة عمل أو لبلد، عبثاً تستقيم أموره دون "نظام عام"؛ كلمة سواء؛ نزاهة فكرية وأخلاقية. حق الآخر عليك، يُمليه قانون العدالة وليس ترف التسامح.
لن تكون هذه الورشة الأخيرة، بل ستتبعها ورش وحفظ اتصال يستديم إذا حفظنا مكانة الكلمة السواء، في كل ما نقول ونفعل، وأن نطابق بين ما يُقال وما يُفعل، كي يتوقف الدم الذي يظلل معظم الجغرافيا العربية!!!