الرئيسيــة - مركز القدس للدراسات السياسية
                   
A+ A-
ورقة عمل: الديمقراطية التوافقية... المفهوم والنشأة وإشكاليات التطبيق
2015-06-15

مفهوم "الديمقراطية التوافقية":

الديمقراطية التوافقية (Consensus democracy) هي نمط من أنماط الديمقراطية، يتميز بعدم الاكتفاء بالأغلبية كمعيار وحيد للحكم، وإضافة معيار آخر هو التوافق الذي يتضمن إشراك الأقليات المنتخبة في الحكم؛ ومن ثم فإن الديمقراطية التوافقية تمثل رؤية مستحدثة نابعة من جوهر الديمقراطية التمثيلية.

وإلي المفكر الهولندي "آرنت ليبهارت" تعود فكرة الديمقراطية التوافقية، كأحد أبرز نماذج الديمقراطية الحديثة في إطار ما تقدمه من معالجة لبعضالمشكلات والأزمات التي تعاني منها المجتمعات التعددية، في سبيل استنهاض كافة مكونات المجتمع، ومن هنا سُميت كذلك بالديمقراطية "التكاملية".

وقد أشار "ليبهارت" في كتابه "الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد" إلى أن الديمقراطية التوافقية تعبر عنإستراتيجية في إدارة النزاعات، من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب،بدلاً من التنافس واتخاذ القرارات بالأغلبية.

نشأة المفهوم:

بعد الحرب العالمية الثانية، وشيوع ويلاتها علي الأرض الأوروبية، احتضنت القارة الأوروبية الفكرة، وطورتها في نماذج متعددة (بلجيكا، هولندا، سويسرا، النمسا)، وهي مجتمعات تأكدت حاجتها إلي معالجة ما بها من تنوع كبير تعددت مظاهرة جراء تعدد القوميات واللغات، فوجدت في الديمقراطية التوافقية سبيلاً إلي التمسك بالقيم الديمقراطية في مواجهة ملامح مجتمعية تُنذر بصراعات داخلية شديدة.

يتبين من ذلك كم كانت الديمقراطية التوافقية وليدة مجتمعات ذات صلة وثيقة وعريقة بالديمقراطية، فكراً ونهجاً عملياً استبقت به العالم إلي آفاق أرحب من الحقوق الإنسانية، فكانت "التكاملية المجتمعية" أبرز خطواتها صوب دولة متماسكة، إذ أتاحت لمختلف الفئات الاجتماعية الإسهام في العملية السياسية.

مرتكزات الديمقراطية التوافقية:

وفي مقابل المبادئ الديمقراطية التمثيلية التقليدية، المنافسة وحكم الأغلبية، مالت الديمقراطية التوافقية إلي قيم التعاون والوفاق بين مختلف النخب، ولهذا يشير "ليبهارت" إلي أربعة مرتكزات أساسية للديمقراطية التوافقية علي النحو التالي:

  •     حكومة إئتلافية واسعة، تشمل الأحزاب الصغيرة إلي جانب حزب الأغلبية.
  •     التمثيل النسبي لمختلف الأحزاب المشاركة في الإئتلاف في الحقائب الوزارية، وأيضاً في المواقع القيادية في الدولة.
  •     حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات علي حد سواء، بغرض منع احتكار السلطة من جانب الأكثرية.
  •     الإدارة الذاتية للشئون الخاصة بكل جماعة.


المفهوم في الفكر السياسي الغربي والفكر السياسي الإسلامي:

وقد جاء في أسباب نشوء الديمقراطية التوافقية في الفكر السياسي الغربي، أن الليبرالية استنادا إلى قبولها المطلق لمفهوم الأغلبية، لم تميز ابتداء بيننوعين من أنواع الأغلبية:

أولا: الأغلبية المتغيرة: وهى الأغلبية السياسية التي تحدث في مجتمع متجانس اجتماعيا ودينيا… وفى ظلها يمكن أن تحصل الأقلية (المتغيرة) علىأغلبية، فتتحول من المعارضة إلى الحكم.

ثانياً: الأغلبية الثابتة: وهى الأغلبية العرقية أو الدينية…التي تقابلهاأقليه ثابتة أي عرقيه أو دينيه… ولا توجد إمكانية لتحولها إلى اغلبيه،وبالتالي لا يوجد ضمان لعدم قهرها بواسطة الأغلبية، يذكر المفكر الفرنسي "باسكال سلان" في كتابه "الليبرالية": (إن الاستبداد الديمقراطي يمثل خطرا قائما باستمرار،ذلك انه من المحتمل جدا ان تتعرض أقلية ما لهضم حقوقها من طرف أغلبية ما، وهو ما حدث فعلا في كثير من المجتمعات التي تبنت الديمقراطية الليبرالية كبريطانيا ( قهر الأغلبية الإنجليزية للأقلية الايرلندية)، وأسبانيا ( قهرالأغلبية الأسبانية لأقليه إلباسك)، والهند (قهر الأغلبية الهندوسيةللأقلية المسلمة، مما أدى إلى انفصالها عن الهند، وتأسيسها لدوله باكستان)،كذلك لا ضمانة لعدم قهر الأغلبية الثابتة بواسطة أقليه ثابتة كما في الكيان الصهيوني (قهر الأقلية اليهودية للأغلبية الفلسطينية)، وفى جنوب أفريقيا سابقا (قهر الأقلية الأوربية للأغلبية الأفريقية). ولم يتمكن مفكريالليبرالية من حل هذه المشكلة إلا بإقرارهم ضرورة تقرير حقوق الأقلية على المستوى الدستوري ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الأغلبية، فكانت"الديمقراطية التوافقية" نهجاً يعالج قضايا المجتمعات التعددية.

وفي إطار ما قدمه الفكر السياسي الإسلامي من جوهر يتفق والديمقراطية التوافقية، نجد أن مفهوم "أهل الذمة" بديل إسلامي مقبول في دلالته الأصلية، فالذمة لغة: العهد والكفالة والضمانة والأمان، أما اصطلاحاً فيشير مفهوم "أهل الذمة" إلي حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الإسلامية، مع احتفاظه بحريته الدينية، في إطار التزامه بواجباته الوطنية.

إشكاليات الديمقراطية التوافقية:

بشكل عام، يُعد التجانس الثقافي أحد المتطلبات الرئيسية لتحقيق نظام ديمقراطي مستقر، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بشكل مُطلق؛ ومن ثم تعاني الديمقراطيات المعاصرة جراء حالة "شبه التوازن" في الثقافات والمكونات للشعب الموحد، فترتفع حدة الرهان علي كيفية إدارة المكونات المجتمعية وصياغة حركتها باتجاه مصالحها الوطنية العليا.

وعلي خاصية الأغلبية نهضت ديمقراطية الأكثرية والأقلية السياسية، مستندة إلي مبادئ جون لوك ومونتسكيو، الداعية إلي الرضي بحكم الأكثرية الفائزة بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات، وعلي هذا سارت الديمقراطيات المبكرة في انجلترا وفرنسا وأميركا. وقد أنتج هذا النوع من الديمقراطية مشكلات تتعلق بإمكانية تحول الأكثرية والأقلية السياسية إلي أكثرية وأقلية قومية أو طائفية في الدول ذات القوميات واللغات المتعددة خاصة.

وهنا ظهرت الحاجة إلي أفكار جديدة من شأنها تماسك تلك المجتمعات، وهنا تم اعتماد اتجاهين:

  • الأول: الاتجاه إلي "النظام الفيدرالي" بغرض توزيع السلطات كما في التجربة الأمريكية والألمانية.
  • الثاني: اعتماد "الديمقراطية التوافقية" كما في دول سويسرا والنمسا وبلجيكا وهولندا.

وتستند نظرية الديمقراطية التوافقية إلي أن شدة الانقسامات المجتمعية يحمل تهديداً حقيقياً لاستمرارية الدولة؛ ومن ثم يبقي التوافق أملاً مشروعاً يضمن خلق وتحييد أرضية مشتركة، في ظلها يتحقق الاستقرار السياسي، ويعد النظام البرلماني المدخل الشرعي لنشوء ديمقراطيات توافقية، لما يمثله من بلوغ قدر أكبر من القيم الديمقراطية، بينما النظام الرئاسي أو الملكي أقل ملائمة للحكم التوافقي.

ويعد الفيتو المتبادل بين مكونات المجتمع من أهم إشكاليات الديمقراطية التوافقية، حيث يمكن أن يمثل الفيتو عائقاً أمام تسيير حركة الدولة، فيما يمكن وصفه بديكتاتورية الأقلية (لاحظ هنا التجربة اللبنانية). بيد أن للفيتو المتبادل وجوهاً أكثر إشراقاً؛ فهو ضمانة حقيقية لمصالح الأقلية؛ ومن ثم يبقي الأمر منوطاً بعمق القيم الديمقراطية، كثقافة مجتمعية حاكمة من شأنها الوعي بحتمية تغليب المصلحة الوطنية، ويري البعض أن الديمقراطية التوافقية أنتجت حلاً ذاتياً لإحدى إشكالياتها؛ إذ يمثل الائتلاف (أحد مرتكزات الديمقراطية التوافقية)، إذا ما كان واسعاً، ما يتيح تنازلات متبادلة بين مكونات المجتمع تحول دون التناول السطحي لحق الفيتو المتبادل، ولهذا كان شيوع ثقافة الديمقراطية من دواعي نجاح تطبيق الديمقراطية التوافقية.

كذلك تتعرض الديمقراطية التوافقية لانتقادات تتعلق بكون النظام التوافقي يتناقض وحكم الأغلبية، بيد أنه يظل طريقاً آمناً لنيل كل مكون استحقاقاته من مؤسسات الدولة ومواردها، مانعاً بذلك أزمات التهميش السياسي. كذلك تزيد الديمقراطية التوافقية من استقلال قطاعات الدولة، وهو أمر وإن كانت له سلبياته إلا أنه إزاء ما يضمنه من حقوق الأقليات فهو ضمانة حقيقية لبقاء الدولة مانعاً من انفصال مكوناتها. غير أن الانفصال في حد ذاته يبقي أمراً مطروحاً علي مجتمعات الديمقراطية التوافقية، فتقسيم له سلبياته، أفضل من استمرار لا يحقق الاستقرار السياسي اللازم لرفاهية الشعوب.

وتشير بعض الدراسات إلي أن تطبيق نظرية الديمقراطية التوافقية يؤكد أن وجود ثلاث مكونات يوفر قاعدة مواتية للنجاح، في حين التكامل أصعب في وجود مكونات عديدة، بينما في وجود مكونين اثنين تتأرجح التجربة بين هيمنة المكون الأقوى، أو التوازن الهش، لغياب عنصر ثالث يعمل علي تقريب وجهات النظر.

وعلي الرغم من أن الديمقراطية التوافقية تميل علي المدى القصير إلي تعزيز وتعميق التباينات داخل المجتمعات التعددية، إلا أن تراكم الحكم التوافقي يدفع صوب حل بعض الخلافات الكبرى بين مكونات المجتمع، ثم يعمل تالياً علي نزع الطابع السياسي عن التباينات الفئوية، وصولاً في مرحلة تالية إلي خلق ثقة متبادلة علي مستوى النخبة والجماهير، الأمر الذي يجسد بالفعل جوهر القيم الديمقراطية في صيغتها التوافقية.

وتتعمق مشكلات الديمقراطية التوافقية في دول العالم الثالث، ليس فقط لكونها غالباً منقسمة، طائفياً ودينياً، بل لأنها أصلاً حديثة النشوء، ولم تختبر إشكاليات "النظم" بصفة عامة، فضلاً عن مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، مع تأخرها التكنولوجي، وضعف القدرة علي الاستثمار الكُفء لمواردها البشرية والطبيعية، كل ذلك يدفع بكثير من المعوقات أمام الديمقراطية التوافقية، ويحيل أمرها في كثير من التجارب إلي القدرة علي تراكم الحكم التوافقي، ووعي النخب السياسية، وقدرة التحديات علي توحيد المصالح والأهداف أمام كافة مكونات المجتمع.

وفي إطار السعي إلي تحقيق الديمقراطية التوافقية علي الأرض العربية، يؤكد الدرس التاريخي المقارن إلي أن الديمقراطية التوافقية ليست حكراً علي المجتمعات ذات القوميات واللغات المتعددة؛ إذ قدمت كندا وإيطاليا وايرلندا الشمالية نماذج معتبرة للديمقراطية التوافقية، ففي تلك المجتمعات لا تعد الفوارق المجتمعية مؤثرة بشكل مباشر في ممارسة السلطة، وإن كانت تتفق جميعها علي عمق الثقافة الديمقراطية، وبإيجاز نكتفي بالإشارة السريعة إلي النموذج الكندي.

الديمقراطية التوافقية وفق النموذج الكندي:

تعد كندا دولة فيدرالية يحكمها نظام ديمقراطي تمثيلي وملكية دستورية، وهي الدولة الثانية عالمياً من حيث المساحة، وواحدة من أكثر دول العالم تقدماً (الثامنة عالمياً في مؤشر التنمية البشرية)، وتمتلك اقتصاداً متنوعاً وموارد طبيعية ضخمة، ما جعل منها عضو فاعل في مجموعة كبيرة من التكتلات الكبرى أهمها: مجموعة الدول الصناعية السبع، ومجموعة الثماني، ومجموعة العشرين، وحلف شمال الأطلسي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة التجارة العالمية.

وعلي عكس مجمل الأنظمة العربية الحاكمة، تؤكد الأدبيات السياسية ما تتمتع به كندا من بتقاليد ديمقراطية قوية يدعمها نظام برلماني في إطار من الملكية الدستورية، وكان الفضل للنظام الملكي في كندا في تأسيس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ ومن ثم فإن المشاركة المباشرة للمؤسسة الملكية في الحكم محدودة، حيث الصلاحيات التنفيذية لدى مجلس الوزراء، ويعين الحاكم العام (الممثل للتاج الملكي) عادة رئيس حزب الأغلبية في البرلمان رئيساً للوزراء، بينما يصبح رئيس الحزب الثاني في البرلمان زعيم المعارضة، كنظام برلماني يؤكد خضوع الحكومة لمراقبة البرلمان.

وعلي عكس إيطاليا، إحدى نماذج الديمقراطية التوافقية، التي طالما تلوت ألماً علي يد الحكومات الإئتلافية خلال العشرين عاماً الماضية، فإن كندا لا تعرف مذاق الحكومات الإئتلافية، كأحد مرتكزات الديمقراطية التوافقية حسب "ليبهارت"، فهناك جملة من المؤسسات التي يمكن اعتبارها ائتلافية وتنحصر عضويتها علي ممثلي الولايات في المجالس الفيدرالية؛ ومن ثم فإن التكاملية متحققة عبر تقسيم الهيكل الفيدرالي المسئوليات الحكومية بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات العشر، مع ملاحظة أن المجالس التشريعية الإقليمية من غرفة واحدة وتعمل بنظام برماني مماثل لمجلس العموم البريطاني، أما أقاليم كندا الثلاثة فتمتلك هيئات تشريعية لا سيادة لها، وتقل مسئولياتها الدستورية عن المقاطعات.

وفيما يشكل بنية فريدة من نوعها بين الاتحادات في العالم، يبدو نجاح الديمقراطية التوافقية كون كندا عبارة عن اتحاد يتألف من عشر مقاطعات وثلاثة أقاليم، وتمتلك المقاطعات حكماً ذاتياً أكبر من الأقاليم، فيما يعبر بصدق عن "الإدارة الذاتية للشئون الخاصة بكل جماعة"، كأحد مرتكزات الديمقراطية التوافقية عند "ليبهارت"، حيث تعتبر المقاطعات مسئولة عن معظم برامج كندا الاجتماعية (مثل الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم)، وتجمع المقاطعات إيرادات أكثر من الحكومة الاتحادية، وللحكومة الاتحادية سلطة وضع سياسات وطنية في مجالات المقاطعات مثل قانون الصحة الكندي، بيد أن للمقاطعات حق الخروج من تلك الالتزامات، فيما يشير إلي مرتكز آخر للديمقراطية التوافقية: (حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات علي حد سواء، بغرض منع احتكار السلطة من جانب الأكثرية)، ولكن رسوخ الديمقراطية ثقافة مجتمعية حاكمة لا تتبني الانفصال منهجاً للمعارضة، يدفع بالمقاطعات إلي عدم الخروج من تلك الالتزامات إلا نادراً ووفق ما تتطلبه الخصوصية المحلية. من جانب آخر تدفع الحكومة الاتحادية مدفوعات موازنة لضمان بمعايير موحدة ومناسبة من الخدمات والضرائب بين المقاطعات الغنية والفقيرة، وهنا تجدر الإشارة إلي كون "التهميش" آفة تبدو حكراً علي المجتمعات غير الديمقراطية، ولطالما عانت منها الشعوب العربية فاندفعت جرائها إلي حروب أهلية، وصراعات أهلية مسلحة علي امتداد واسع من الخريطة العربية، في آسيا وأفريقيا، بلغت حد انفصال الجنوب السوداني عن شماله.

"كيبك": تعد مقاطعة كيبك إشكالية كندا في إطار تطبيق الديمقراطية التوافقية؛ ومن ثم لها وضع خاص من الناحية السياسية، في ظل اقتصاد متقدم مفتوح، تتركب من الفرانكفونيين الذين يشكلون الأغلبية، وأقلية مركبة من الأنغلوفونيين والسكان الأصليين، ما جعل اللغة الفرنسية اللغة الرسمية في المقاطعة.

مزيج من الهيمنة الفرنسية والإنجليزية عرفته كيبك، حيث امتدت مدة كونها مستعمرة فرنسية منذ اكتشافها عام 1534م حتى عام 1763م تحت مُسمي "فرنسا الجديدة"، ثم تلتها فترة كانت فيها مستعمرة إنجليزية امتدت من عام 1763م إلي عام 1867م. وفي العام نفسه انضمت إلي الاتحاد الكندي فأطلق عليها اسم مقاطعة كيبك.

واستطاعت كندا عبر الديمقراطية التوافقية الحفاظ علي تماسكها في مواجهة محاولات جرت في التاريخ الحديث لانفصال كيبك عن كندا من خلال استفتاءات انتهت بعد الموافقة علي الانفصال عام 1980م، ومرة أخرى عام 1995م.

سياسياً، مارست الكنيسة الكاثوليكية، في كيبك، حتى عام 1960م دور هام ومحوري في تسيير المؤسسات بمختلف فروعها، حدث بعدها ما يُعرف بالثورة الهادئة، ليصبح للبرلمان صلاحية تامة في تسيير شئون المقاطعة السياسية والاقتصادية، وعلي نحو أكبر الاجتماعية أيضاً، حيث تم إبعاد الكنيسة تدريجياً من كل مظاهر السلطة، إذ تعرف كيبك الآن فصلاً تاماً بين الكنيسة ومؤسسات الدولة.

من هنا، يشهد المناخ السياسي، جدلاً واسعاً في كيبك حول الاستقلال عن كندا، وحوله تتمحور الأحزاب السياسية، ما ينتج عنه أيديولوجيتين، الأولي من الانفصاليين المنادون بالاستقلال، والثانية من الفيدراليين الموالين لكندا وينادون بالتمثيل الحالي لكيبك كمقاطعة تابعة لكندا، ولكل أيديولوجية تفريعات حزبية متعددة.

ولتعدد القوميات أثر واضح في المجال السياسي بمقاطعة كيبك، وتجتهد الأحزابالثلاثة السياسية الرئيسية للحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي والاعتراف للشعب الكيبكي كأمة؛ حتى أن نقاشاً واسعاً يشغل كيبك منذ عام 1960 حول دور الفرنكفونية في كندا، علما بأن سكان معظم المقاطعات الكندية ناطقون بالإنجليزية. وقد بذلت الكثير من الجهود لتحقيق مزيد من السيادة لمقاطعة كيبك، وهناك أفكار مختلفة تتراوح بين وجود صلاحيات تشريعية كاملة ضمن كندا، أو الانفصال.

وفي إطار النظام الفيدرالي الكندي، تتمتع مقاطعة كيبك بصلاحيات كاملة في المجالات الداخلية مثل التعليم والصحة والبلديات والشرطة، بينما تتقاسم الصلاحيات معالحكومة الفيدرالية في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية والضرائب. فيالمقابل، تنفرد الحكومة الفدرالية بمجالات الدفاع والسياسة الخارجية. إضافةإلى ذلك، تتمتع حكومة كيبك بحق اختيار مهاجرين للإقامة في أراضيها، وهؤلاءيحصلون على التأشيرة من السفارات الكندية بموجب تزكية من مفوضية كيبك.

الخاتمة

استعرضت الورقة البحثية مفهوم "الديمقراطية التوافقية"، فضلاً عن المرتكزات الأساسية للمفهوم، مع بيان الإشكاليات المتعلقة بتطبيق المفهوم في المجتمعات التعددية، وتصاعدها في دول العالم الثالث، وأوضحت كذلك أسباب نشوء "الديمقراطية التوافقية في الفكر السياسي الغربي، وجوهرها في الفكر السياسي الإسلامي ماثلاً في مفهوم "أهل الذمة". وقد جاء إيجاز للنموذج الكندي، لبيان صلاحية الديمقراطية التوافقية علي تحقيق الاستقرار السياسي اللازم لرفاهية الشعوب.

النتائج

من خلال رصد مرتكزات الديمقراطية التوافقية، فضلاً عن التجربة الكندية، يتبين أن تطبيق الديمقراطية التوافقية يتطلب قدراً كبيراً من التراكم الديمقراطي غير المتوفر في المجتمعات العربية، فلم تنجح تجربة عربية في هذا الشأن علي نحو يدفع بها إلي موقع يُحتذي به، ويمكن البناء عليه.

وبرؤية موضوعية لفرص تطبيق الديمقراطية التوافقية في الوطن العربي، يمكن الإشارة إلي ما يلي:

لا يمكن تحديد صيغة موحدة لتطبيق الديمقراطية التوافقية في شتى البلدان العربية التي تعاني عدم التجانس المجتمعي؛ إذ تختلف البيئة السياسية، ومدى تطورها من بلد إلي آخر؛ ومن ثم تبدو "التفاصيل" بعيدة عن التوافق، ويلزمنا الاتفاق أولاً حول حتمية العملية الديمقراطية في قالبها الليبرالي الأساسي، لتبقي الديمقراطية التوافقية أملاً مشروعاً ينتظر تقدماً ملموساً تعبر عنه تراكمات ديمقراطية من شأنها ترسيخ الديمقراطية ثقافة مجتمعية.

يؤكد ما سبق ما يمكن أن تسفر عنه ملاحظة فرص تحقيق مرتكزات الديمقراطية التوافقية في الوطن العربي، وهنا نشير إلي:

1ـ المرتكز الأول: (حكومة إئتلافية واسعة، تشمل الأحزاب الصغيرة إلي جانب حزب الأغلبية)، لا تعرف النظم العربية تجربة ناجحة في هذا الشأن، ولعل في حكومة الوفاق الفلسطينية ما يكفي دون طرح المزيد من التجارب الفاشلة.

2ـ المرتكز الثاني: (التمثيل النسبي لمختلف الأحزاب المشاركة في الإئتلاف في الحقائب الوزارية، وأيضاً في المواقع القيادية في الدولة) وهنا أيضاً تبدو بعض التجارب في موضع أفضل، وإن عجزت عن تحقيق الأهداف الأصيلة للديمقراطية التوافقية، وهنا نجد النموذج العراقي حاضراً بقوة.

3ـ المرتكز الثالث:(حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات علي حد سواء، بغرض منع احتكار السلطة من جانب الأكثرية)، ولعلنا نعيش جميعاً نتابع باهتمام العثرات المتكررة أمام انتخاب رئيس جديد للبنان.

4ـ المرتكز الرابع: (الإدارة الذاتية للشئون الخاصة بكل جماعة)، وقد وجد هذا المرتكز قبولاً من بعض الأنظمة العربية، بيد أنها كانت بغرض التخفف من مسئوليات وطنية تجاه بعض المناطق، دون أداء يفيد وجود قناعة حقيقية بالذهاب إلي مناطق أبعد علي طريق الديمقراطية التوافقية، وفي السودان الشقيق نموذجاً لا يمكن تجاهله للتهميش تحت عباءة الإدارة الذاتية، فضلاً عن تجربة الشعب الفلسطيني الشقيق وقد أخبرتنا كيف تخلص الكيان الصهيوني من مسئوليته كدولة احتلال عن المأساة الإنسانية التي يعيشها أصحاب الأرض.

التجربة المصرية

في الواقع لا يمكن اختزال التجربة المصرية في صراع بين الإسلاميين والعلمانيين؛ ذلك أن الثورة المصرية لم تنهض علي أكتاف فريق من هؤلاء، وإنما الساحة المصرية تشهد تحولاً ديمقراطياً يمر في مرحلته الراهنة بمرحلة انتقالية تتسم بحالة من عدم اليقين، نتيجة وجود بقايا نظام مبارك، وهو ما نطلق عليه "الدولة العميقة"، في مواجهة التيار الثوري، وربما اختفي الصراع بين الفريقين تحت وطأة التعبير العنيف من جانب جماعة الإخوان، الأمر الذي يجعل من الديمقراطية التوافقية أملاً صعب المنال علي الأرض المصرية، وذلك للأسباب التالية:

1ـ سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها قادة جماعة الإخوان، بلجوئهم إلي العنف في مواجهة الشعب، وليس في مواجهة تيار أو فصيل سياسي، لاحظ هنا التفجيرات في المناطق المدنية.

2ـ أجزاء غير قليلة من التيار الإسلامي يمكنها الانخراط في العملية الديمقراطية، ولكن بعيداً عن الصيغة التوافقية، حسب ما جاء في مرتكزات "ليبهارت"، فلا تعرف ثقافة الحكم في الدولة المصرية سبيلاً إلي الإدارة الذاتية، ونحن دولة مركزية منذ آلاف السنين، ولا مجال لحق الفيتو في الدستور الجديد الذي حظي بموافق شعبية كاسحة، ولما كانت الحكومات الإئتلافية قد اختفت من الحياة السياسية المصرية منذ عقود بعيدة قبل ثورة 1952؛ فإن التمثيل النسبي كذلك غريب علي الثقافة السياسية المصرية، ولعلنا نلحظ مدى سطحية تناول حكومة الإخوان عندما حاولوا تشكيل حكومة تضم بعضاً من خارج الجماعة.

3ـ بشكل عام، لم تدرك التجربة المصرية طريقاً آمنا صوب مفهوم "الديمقراطية التوافقية" بعيداً عن مظاهر لم تنتج أثراً يذكر سوى صعوبة الوصول إلي الديمقراطية التوافقية؛ ولعلنا نكتفي بمتابعة ما تشهده الساحة المصرية من محاولات بائسة للتوافق بين الأحزاب علي قوائم انتخابية تخوض بها الانتخابات البرلمانية، فما بالنا لو أن المساعي اتجهت إلي حكومة إئتلافية واسعة، أو تمثيل نسبي للحقائب الوزارية، أو إقرار لحق الفيتو المتبادل من خلال تعديل دستوري، ولا مجال للحديث عن الإدارة الذاتية في دولة قوتها في مركزيتها علي مدى التاريخ.

التوصيات

باعتبار الغرض من المؤتمر: إنجاز إعلان مبادئ حول "التوافقات الوطنية طريقنا لانتقال سلس وآمن للديمقراطية"؛ فإن المسئولية القومية تؤكد حتمية الإشارة إلي حاجة الوطن العربي إلي هندسة توافقية، تعلو علي ما تملكه الأنظمة العربية من قناعات ديمقراطية، من شأنها إزالة الكثير من الشكوك المحيطة بمستقبل الوطن العربي، في ظل ما يواجهه من تحديات ومخاطر، تعجز رؤى النخب السياسية عن إدراكها إن هي اختزلتها فيما هو قادم من "الآخر" الخارجي، دون النظر بعين الاعتبار إلي "الآخر" في الداخل؛ ذلك أن إدراكاً صحيحاً لقواعد ومبادئ الديمقراطية التمثيلية ينبغي أن يسبق طرحاً مقبولاً للديمقراطية التوافقية؛ ومن ثم فإن الأمر منوط بتراكم أكبر علي صعيد ممارسة الديمقراطية التمثيلية في شقها الأساسي كثقافة مجتمعية حاكمة، يمكن من خلال نضوجها علي أسس سليمة، معالجة تحديات المجتمعات العربية عن طريق الديمقراطية التوافقية، والتي هي نوع متطور من الديمقراطية التمثيلية عمد إلي معالجة قضايا المجتمعات التعددية. ولنا هنا أن نؤكد أن فشل محاولات تطبيق الديمقراطية التوافقية في الوطن العربي لم يصادف تطبيقاً أميناً لجوهر الديمقراطية التمثيلية التقليدية، مع كثير من التشوهات التي أفسدت تلك المحاولات، ولعل في العراق، ما بعد صدام حسين، نموذجاً كافياً.

  • ورقة عمل الاستاذ عيصام شيحا، قدمت في مؤتمر "نحو ديمقراطية توافقية في العالم العربي".