A+ A-
كلمة مركز القدس للدراسات السياسية في مؤتمر "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف ... فرص التوافق الوطني وتحدياته"
2015-02-14
دولة الأخ الدكتور عبد الله النسور، رئيس الوزراء الأكرم،
أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة وقادة الأحزاب السياسية،
الأخوة الأعزاء ممثلي القوات المسلحة – الجيش العربي والأجهزة الأمنية،
السادة الأجلاء ممثلي المحكمة الدستورية والقضاة والهيئة المستقلة للانتخاب،
السيدات والسادة ممثلي المجتمع المدني والأكاديمي والمنظمات النسائية،
أسعد الله صباحكم جميعاً، وأسمحوا لي أن أرحب بكم أجمل ترحيب، في مستهل أعمال مؤتمر "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف ... فرص التوافق الوطني وتحدياته"، وأن أعبر باسمكم جميعاً عن الشكر والتقدير لدولة رئيس الوزراء الذي تفضل مشكوراً برعاية هذا المؤتمر، والمشاركة في فعالياته ... كما يسعدني أن أتوجه باسمي شخصياً وبالنيابة عن زميلاتي وزملائي في مركز القدس للدراسات السياسية، بجزيل الشكر والتقدير لكم جميعاً، مشاركين ومتحدثين ومديري الجلسات، على تفضلكم بقبول دعوتنا، والمشاركة في أنشطة هذا المؤتمر، الذي نتمنى له النجاح في الوصول إلى أهدافه وغاياته.
دولة الرئيس ... أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،
إن فكرة تنظيم هذا المؤتمر، قد انبثقت من قراءة دقيقة للتحديات التي تواجه بلادنا والإقليم من حولنا، مع اشتداد هبوب رياح التطرف والغلو، وتفاقم التهديد الإرهابي الذي يعصف بدول ومجتمعات شقيقة من حولنا، وفكرة تنظيم المؤتمر وإن كانت سابقة للجريمة النكراء التي أودت بحياة الشهيد النقيب الطيار معاذ الكساسبة، إلا أنها باتت تكتسب أهمية إضافية بعدها، فالأردن اليوم، منخرط في حرب شاملة، متعددة المسارات والمستويات، مع التطرف والغلو والإرهاب، وواجبنا جميعاً، أن ننهض كل من موقعه، وبقدر استطاعته، بمهامنا ومسؤولياتنا بثبات، لضمان الانتصار في هذه الحرب المديدة والمريرة.
إن أول مشكلة واجهتنا ونحن في خضم الإعداد لهذا المؤتمر، هي تحديد المصطلح، فهل نحن متفقون على معنى واحد للتطرف؟ ... وهل نقصد الشيء ذاته، عندما نتحدث عن تطرف ومتطرفين؟، وهل من بيننا، حتى أكثرنا غلواً، من يعتقد أنه متطرف، أو أنه يتبنى فكراً متطرفاً؟ ... أصدقكم القول، إننا أمام إشكالية مفاهيمية – معرفية، تحتاج لكثير من الجهد والتفكير والتبشير.
فإذا كان التطرف، لغة، يعني إمساك الشيء من طرفه، أو إتيان الشيء من طرفه، فإن التطرف اصطلاحاً يصبح أكثر تعقيداً ... هنا ينتقل الحديث إلى المساحة المشتركة والمتداخلة بين علوم السياسة والاجتماع والنفس والأديان ... هنا نتحدث عن ظاهرة اجتماعية نفسية سياسية بامتياز ... هنا نتحدث عن "خروج عن النسق العام" و"منظومة القيم والمبادئ والأفكار الشائعة والرائجة والمتوافق عليها بين الناس" ... هنا نتحدث عن نقيض الوسطية والاعتدال، لا بل عن إفراط أو تفريط.
في عصرنا الحديث، لم يعد "النسق العام" المقصود، محكوماً بمنظومة القيم والمبادئ المحلية القائمة أو المتوارثة، بل صار محكومة بمنظومة القيم والمبادئ والمعايير الإنسانية، التي توافقت على عليها البشرية جمعاء، وصاغتها على شكل مواثيق واتفاقيات ومعاهدات دولية، اللهم إلّا إذا كان هناك، من بيننا، من يريد لنا أن ننكفئ في كهف الخصوصية والاستثنائية.
والتطرف عادة، ما يأتي متبوعاً بما يوضحه، كأن يقال تطرفاً وغلوا، والغلو هنا هو التجاوز الأبعد لحدي الإفراط أو التفريط ... وأحياناً يُتبع التطرف أو تترتب عليه انحرافات سلوكية، عندها ينتقل المتطرف من فضاء الفكرة والاعتقاد إلى فضاء الممارسة اللاقانونية واللا أخلاقية بحق مخالفيه في الرأي أو المعتقد أو اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب، سواء اتخذت هذه الممارسة شكل التحقير أو المضايقة أو الاعتداء بشتى صوره.
ويقال أيضاَ، التطرف والإرهاب، ويردا كمتلازمتين، وهنا غالباً ما يذهب الحديث صوب التطرف الديني، مع أن الحاجة تقتضي التمييز بدقة بين الأمرين، فليس كل متطرف إرهابياً، مع أن كل إرهابي هو متطرف بالتعريف ... والتطرف في حالة الإرهاب، هو انتقال من دائرة الاعتقاد إلى دائرة السلوك الإجرامي ... مثل هذا التمييز ضروري عند رسم السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بمحاربة التطرف واجتثاث الإرهاب ... فالتطرف طالما ظل في دائرة الفكر والمعتقد، يعالج بوسائل فكرية وثقافية وتربوية، والفكر لا يُدحض إلا بالفكر، والمعركة مع التطرف هي ذاتها المعركة على عقول وقلوب الكافة من الناس... من هنا جاء اهتمامنا بتخصيص محور خاص من محاور هذا المؤتمر، لاستعراض دور الثقافة والفنون والإعلام وفضاءات التواصل الاجتماعي، سواء في نشر التطرف والغلو، أو العمل على إشاعتهما.
أما حين ينتقل التطرف من ميدان الاعتقاد إلى ميدان السلوك المنحرف، فلا بديل عن المعالجات الأمنية، لفرض سيادة القانون وحفظ حقوق المواطنين والمكونات المختلفة، وتكريس هيبة الدولة وسلطانها ... واحسب أن جلالة الملك، كان شديد الوضوح في حديثه عن أنماط المعالجات المختلفة لظاهرة التطرف والإرهاب ... فثمة حلول أمنية وأخرى عسكرية، لحفظ أمن الأوطان والمواطنين وسلامتهم، وثمة معالجات فكرية وإيديولوجية، تبدأ بالبيت والمدرسة ولا تنتهي بالجامعات والمعاهد وفضاءات الإعلام والثقافة والفنون والمنظومة التشريعية والمؤسسية للدولة بمختلف مؤسساتها.
من هذا المنطق، ارتأينا أن تتوزع أشغال مؤتمرنا هذا على سبعة محاور، تبدأ بالإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي كأداة لمحاربة التطرف، إذ بخلاف من يعتقد أن الحرب على الإرهاب تتطلب طي هذا الملف أو وضعه على الأرفف العالية، أثبتت عشرات الدراسات المعاصرة، أن ثمة علاقة بين نمو ظاهرة التطرف من جهة وانحباس عملية الإصلاح السياسي وتراجع منظومة حقوق الإنسان وحرية الرأي والمشاركة والتعبير من جهة ثانية... فالمواطنة الفاعلة واحترام قواعد التعددية والديمقراطية، هي الطريق الأقصر لمجابهة التطرف.
كما أثبتت الدراسات ذات الصلة، أن انعدام العدالة في توزيع الدخل والثروة، وتفشي مظاهر الفساد والإفساد، واتساع جيوب الفقر والبطالة، وتفاقم الإحساس بالتهميش الاقتصادي والاجتماعي، هي وصفات جاهزة لشيوع التطرف وتنامي خطر الإرهاب ... لهذا ارتأينا أن نخصص محوراً للحديث عن هذه العناوين العامة، سيما وان الحكومة بصدد وضع اللمسات الأخيرة على استراتيجية الأردن 2025.
دولة الرئيس ... أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة
إن أي استراتيجية لمحاربة التطرف والغلو والإرهاب، يجب أن تخاطب الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا ... بدءاً بالمدرسة التي ما زالت مناهجها قاصرة عن استيعاب الثقافة المدنية الديمقراطية، ثقافة التعددية واحترام الآخر، بل إن أجيالاً تتخرج وهي لا تعرف من هو "الآخر" الذي يتعين أن نحترمه ونتساكن معه تحت مظلة العيش المشترك، و"الآخر" هنا، ليس فقط الشريك في الوطن، بل الشريك في الإنسانية، وأحسب أننا بحاجة لثورة في المناهج وأساليب التربية والتعليم ... أحسب أن المراجعة المطلوبة لا يجب أن تقتصر على تنقيح المناهج مما علق فيها فحسب، بل وتضمينها لما تفتقر إليه من مقررات مدنية وثقافية وفلسفية، ومن تعريف بالمنجز الإنساني.
واستراتيجية محاربة الإرهاب، يجب أن تولي اهتماماً استثنائياً، لتجديد الخطاب الديني، وإحداث أوسع عملية إصلاح لمؤسسات الوعظ والإرشاد، وإخضاع ألوف الأئمة لمزيد من التأهيل والتدريب، فلا يجوز بحال ترك آلاف المسجد ومئات ألوف المؤمنين نهباً للجهل وفقهاء الظلام وثقافة التحريض والكراهية، دع عنك ما يجري الترويج له من خرافات وأساطير لا تليق بإنسان عصر الاكتشافات العلمية الكبرى.
ولأن الحديث عن التطرف هذه الأيام، بات يتركز تحديداً على التطرف الديني، فقد ارتأينا أن نخصص جلسة خاصة، لاستعراض مواقف وأدوار مدارس فكرية – دينية – سياسية رئيسة، لاستنطاق خطابها، والتعرف على مواطن القوة والضعف فيه، وتبيان الأثر الذي تحدثه في أوساطنا المجتمعية، علنا بذلك نصل إلى خريطة طريق توافقية، تقودنا إلى ما نصبو إليه.
دولة الرئيس ... أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،
يقولون إن ليس للتطرف، واستتباعاً الإرهاب، وطن أو دين، وإن ما من مجتمع يخلو من التطرف والمتطرفين، وهذا صحيح... لكن الصحيح أيضاً، أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، باتت حواضن كبرى للتطرف ومنتجاً رئيساً لظاهرة الإرهاب التي تضرب المنطقة والعالم ... فلا يصح لنا أن ننام على حرير هذه المقولة، فما هو مطلوب منا من جهد واجتهاد، هو بكل المقاييس، أكثر من المطلوب من كثيرين غيرنا.
ويقولون إن التطرف والغلو والإرهاب، ظواهر غريبة على مجتمعاتنا وقيمنا وتقاليدنا، وهذا صحيح ... لكن الصحيح كذلك، أن محاربة هذه الظواهر، تملي علينا أكثر من غيرنا، إجراء أعمق المراجعات لهذا الموروث، ونزع القداسة عمّا هو غير مقدس منه، والانفتاح على الموروث الإنساني الأوسع، الثري بتعدد أديانه وثقافاته وحضاراته، وبمعاييره الإنسانية التي توافقت عليها البشرية جمعاء، فقد آن أوان الخروج من الشرنقة التي يُراد إطفاؤنا فيها.
يقولون إن محاربة التطرف والغلو، هي مسؤولية الحكومات بأجهزتها وإداراتها المختلفة، وهذا صحيح ... لكن الصحيح كذلك أنها مسؤولينا جميعاً، نواباً وأعياناً وأحزاباً ومثقفين وفنانين وناشطين وحركات شبابية ونسائية ... فالتطرف خطر يتهددنا جميعاً، والتصدي له، مسؤولية كل واحد منا.
دولة الرئيس،
السيدات والسادة،
أرحب بكم ثانية، وأتمنى لمؤتمرنا التوفيق والسداد، واسمحوا لي أن اختم بتوجيه الشكر لزملائي وزميلاتي في المركز، الذين لم يدخروا جهداً، لجعل لقائنا هذا اليوم ممكنا.
كما يسعدني ويشرفني، ومن باب رد الفضل لأصحابه، أن أتوجه بخالص التحية والتقدير لقواتنا المسلحة – الجيش العربي، وأجهزتنا الأمنية اليقظة للدور الاستثنائي الذي تقوم به، في حفظ الحدود والسهر على جبهتنا الداخلية، المجد لهم والخلود لشهدائنا الأبرار، حفظ الله الأردن ملكاً وشعباً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.