A+ A-
إيران: إستياء وفوضى
2003-10-15
مقدمة:ادى منح جائزة نوبل للسلام الى شرين عبادي، المحامية وداعية حقوق الإنسان الشجاعة، الى تركيز الاهتمام من جديد على الانقسامات العميقة والتوترات الشديدة داخل إيران.وسوف يكون لكيفية تطور هذه الانقسامات والتوترات وما ينجم عنها، ولكيفية تحديد إيران لدورها في العالم، تاثير حاسم على عدد من قضايا الامن الكبيرة، تمتد من العراق وأفغانستان الى الصراع العربي الاسرائيلي ولمستقبل انتشار الاسلحة النووية.
على مدى الاشهر الاخيرة، زاد من حدة التفكير حول توجه الجمهورية الاسلامية الخلاف الشديد بين المحافظين والإصلاحيين، ومخاطر استقالة الرئيس المتعب ورجال البرلمان الإصلاحيين والنشاط المتصاعد لحركة الاحتجاج الطلابية. ولا ينكر احد وجود الفوضى والاهتياج، وكذلك وجود الاستياء الشعبي من النظام الحاكم. ومن غير المتوقع ان تؤدي اجراءات المؤسسة المحافظة الى حل ما اصبح ازمة شرعية. ولكن في الوقت الراهن، نجد ان صناع السياسة الدوليين بحاجة للاعتراف بان احتمال حدوث شلل داخلي اكبر من احتمال حدوث تغير جذري.
ان الاستياء الشعبي امر واضح وينمو بشكل ملحوظ منذ نشر جماعة الازمة الدولية تقريرها الاول حول إيران. وقد التق توقف حركة الاصلاح مع القيود على الحريات الاجتماعية والسياسية بحيث ادى ذلك الى انخفاض مستويات المعيشة والى تثبيط همة الكثير من الناس واستيائهم من حكامهم. وعلى الإيرانيين الانتظار لكي يفيدوا من مزايا التحسينات على الاقتصاد ونمو الناتج الاجمالي الذي طرأ مؤخرا.
والواقع انه رغم امتلاك البلد لاحتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، يقدر الاقتصاديون الإيرانيون بان نحو 40% من السكان يعيشون دون مستوى الفقر.|
وينصب الغضب على المؤسسة المحافظة. فقد اصبح واضحا عند معظم الإيرانيين خلال مدة حكم الرئيس خاتمي التي مضى عليها ست سنوات بدون انجازات هامة، ان السلطة تكمن في نهاية الامر في ايدي القائد الاعلى آية الله خامنئي، ومجلس حراسة الثورة المؤلف من اثني عشر شخصا، ومختلف المنظمات الأمنية، وبان حجر العثرة هذا يستعصي في غالب الامر على الضغوط الداعية للاصلاح.
ويتجه الاستياء بشكل متزايد نحو الإصلاحيين انفسهم. ذلك ان الشعور بالامل الذي تلا اول انتخاب لخاتمي عام 1997، قد تلاشى، وان الشباب الإيراني الضجر قد مل الانتظار لتحقيق الالتزام بالاصلاح. وينظر الإيرانيون الى عدم فاعلية الإصلاحيين في وضع حد للمؤسسة الدينية، وعدم القدرة على معالجة الكوارث الاقتصادية للامة، وخلافاتهم الداخلية التي تعيق حركتهم. ويعتبر ضعف الاقبال على الانتخابات المحلية للبلديات –من 60% عام 1999 الى اقل من نصف هذا الرقم عام 2003- مؤشرا قويا،وادى ذلك الى اول لطمة انتخابية للاصلاحيين منذ انتخاب خاتمي رئيسا للدولة. صحيح ان الطلبة يواصلون الاحتجاجات لكنهم يظلون تحت السيطرة، ويبدي معظم السكان ترددا في تحدي الاجهزة الأمنية للدولة، لشعورهم بان النظام الحاكم لن يتردد في اللجوء الى العنف، وانه لا يوجد حاليا على الاقل بديل سياسي موثوق.
ومن المفارقة ان الثورة الإيرانية تلاقي الاذى من نجاحها والعون من قصورها. ذلك ان التضخم السكاني-70% من الإيرانيين تحت سن الثلاثين و50% تحت العشرين –وجد التشجيع من آية الله الخميني الذي دعا الاسر الى انجاب المزيد من الابناء لزيادة نشاط المجتمع الاسلامي، لكن هؤلاء "ابناء الثورة" الذين يكافحون لدخول الجامعات والحصول على وظائف يشكلون اشد تحد للنظام الحاكم. وفي نفس الوقت، يبدو ان فشل الثورة قد حول الكثير من الإيرانيين بعيدا على النشاط السياسي المتطرف. فقد اظهرت عشرات المقابلات التي اجرتها جماعة الازمة الدولية تصاعد السخرية من العمل السياسي والابتعاد عنه والذي عبر عنه الذين اجريت معهم المقابلات من خلال النفور والارتياب بالمدعين بالعمل السياسي وبجماعات المعارضة، واعرب البعض عن الامل في ان يقدم العالم الخارجي، وبخاصة الولايات المتحدة، بعض العون لتحسين احوالهم. ان ضعف الايمان بلعبة السياسة والنفور الواضح من العنف يجعل التغيير امرا قليل الاحتمال في مواجهة نظام حكم يبدو قادرا وراغبا في اللجوء الى كلا الامرين.
في الوقت الراهن، يبدو ان التحرير الوحيد الذي يمكن ان تتقبله الجمهورية الاسلامية هو الاقتصاد. ولان المؤسسة المحافظة تدرك بان الاستياء من الاقتصاد يشكل اعظم حظر على النظام، تبدو بانها تفكر في القيام باصلاح اقتصادي تدريجي وبانفتاح اقتصادي تدريجي. غير ان الاحتمالات بعيدة المدى لهذه الاستراتيجية مشكوك فيها. ذلك انه لا يوجد شفاء بسيط لمرض سوء الادارة المزمن في المجال الاقتصادي، كما يسلم بذلك الاقتصاديون في إيران. وبالاضافة لك، وكما يقول طه هاشمي مدير تحرير صحيفة "انتخاب" اليومية، مستشار الزعيم خامنئي، "في إيران لا يمكنك الفصل بين القضايا السياسية والثقافية والاقتصادية". ولذلك فان استقرار الجمهورية الاسلامية سوف يعتمد في نهاية الامر على الاصلاح الاقتصادي وحده وانما كذلك على اصلاح سياسي وثقافي واسع. وفي الوقت الحالين يبدو ذلك مشروعا بعيدا عن رغبة او قدرة النظام الحاكم.
ان الاعتقاد السائد عند البعض بان التناقضات بعيدة المدى بين الحكم الديني والحكم الديمقراطين بين سياسات النظام الحاكم ومطالب المواطنين، يمكن حلها من خلال ثورة سياسية، هذا الاعتقاد لا تؤيده البحوث المحلية والمناقشات مع السياسيين الإيرانيين والناشطين الإيرانيين في المجال السياسي والناس العاديين. وبينما يكاد يكون من المؤكد ان التغيير قادم في إيران، فانه من المرجح سياتي ببطء ومن عملية داخلية طويلة، ومن الممكن ان تشهد المرحلة الاولى ظهور براغماتيين محافظين متلهفين الى الحفاظ على اسس النظام مع الانفتاح في نفس الوقت على الغرب من اجل تحسين الوضع الاقتصادي.
وقد اعرب بعض الإصلاحيين عن التخوف من ان يؤدي اتفاق دولي مع المؤسسة المحافظة الى اطالة مدة حكمها. ان البيئة الدولية الحالية التي تتسم بالاستقطاب تجعل التغيير الداخلي المفاجئ والحاد اقل احتمالا، وتجعل الاسلوب الحكيم المتسم بحسن التمييز من جانب المجتمع الدولي هو الاشد الحاحا. ولذلك، في معالجة بعض اهم القضايا الأمنية الحالية –وبخاصة برنامج إيران النووي وكذلك مستقبل العراق وأفغانستان- لا يمكن للولايات المتحدة ولا للشركاء الاوروبيين انتظار وصول نظام حاكم اصلاحي اكثر عقلانية. وعلى المدى القصير فان الهدفين التوأمين للغرب- الامن الاقليمي والاصلاح الإيراني الداخلي- ربما يكونان محل خلاف، ولكن لا يوجد بديل جيد للدبلوماسية الجادة الهادفة الى معالجة القضايا الأمنية الملحة حاليا وذلك بمواجهة ومعالجة جادة لمخاوف إيران الأمنية والاقتصادية.
ولا يعني هذا بان على المجتمع الدولي التخلي عن جهوده الداعية للاصلاح السياسي وللمزيد من احترام حقوق الإنسان. ان فقدان الإيرانيين ايمانهم بالإصلاحيين يعني بان مخاوف الان هي اقل مما كانت عليه في اب 2002، المخاوف من ان يؤدي النقد الخارجي القوي الى تقويض مسيرة الاصلاح باجبار مؤيديها على رص صفوفهم مع المحافظين. ذلك ان الكثير من الإيرانيين يعلقون اهمية كبيرة على المساعي الخارجية القوية للضغط على إيران حول قضايا حقوق الإنسان والاصلاح السياسي، وعلى شيرين عبادي التي نالت جائزة نوبل للسلام القيام بهذا الجهد-داخل إيران وخارجها ولكن الإيرانيين يوضحون كذلك بان الاتصالات بين الشعوب والتبادل الاقتصادي تتعارض مع ممارسات واشنطن المقيدة والمفضية الى نتاج عكسية.
2-فترة استياء
أ_جذور السخط
يكمن في عمق استياء الشعب الإيراني فشل الجمهورية الإيرانية في تلبية حاجاته الاقتصادية الاساسية فحسب التقديرات الخاصة بالحكومة، هناك حاجة لنحو 900 الف فرصة عمل جديدة ل عام لمواجهة متطلبات قوة العمل الشابة ولمنع زيادة نسبة البطالة- المقدرة رسميا بنحو 16%، والتي تزيد على 20% حسب المصادر غير الرسمية، غير ان المسؤولين في الحكومة يعترفون بانهم سيضطرون لخلق اكثر من 500 الف فرصة عمل جديدة سنويا .
ويبدو ان الاستياء يتغلغل في مخلف الفئات العمرية والاجتماعية. ففي المقابلات التي اجرتها جماعة الازمة الدولية مع الإيرانيين كبار السن الذين كانون يعارضون الشاه وشاركوا في ثورة 1979، يقارنون بين ظروف معيشتهم السيئة وتلك التي كانوا يتمتعون بها في الماضي. وبينما جلبت الثورة منافع لفئات اجتماعية معينة، لكن الإيرانيين على وجه العموم يعانون من انخفاض في مستويات معيشتهم منذ الثورة. فقد اصبح متوسط الدخل يبلغ ربع ما كان عليه خلال السبعينات. قال عامل يبلغ الرابعة والخمسين من العمر: "لم نكن ندرك ذلك في حينها، لكن الناس كانون اكثر سعادة.
كان الشاه ياخذ منا، لكنه كان ايضا يعيد الى الناس. لكن هؤلاء اخذون فقط". والكثير من الإيرانيين الذين لا يزالون يعبرون عن اعجابهم بالخميني وبالثورة يرون بان علماء الدين في إيران بدوا بعد موته عام 1989، يهتمون بمكاسبهم الشخصية. وحتى بين الطبقة الدنيا نجد ان السخط يتعاظم، ففي تعليق كرره اخرون كثيرون، قال عامل في سن الحادية والاربعين ومن قدماء المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988): "كنت على خط الجبهة لمدة ثلاث سنوات. كنت في كل يوم اقدم حياتي لهذا البلد. عانيت من هجمات الاسلحة الكيماوية على يدي صدم (حسين) انظر الي، علي ان اعمل كالكلب من الصباح حتى المساء،وما زلت غير قادر على تحقيق اهدافي". ومن احدى النتائج هجرة الموهوبين، فاصبحت إيران تعان من اعلى نسبة لنزوح اصحاب القدرات العقلية الحالية. قالت مهندسة مكانيكية عمرها 30 عاما لجماعة الازمة الدولية ان السبب الذي دفعها للخروج الى كندا كان ماليا في الدرجة الاولى: "بالطبع، لا احد يحب الحكومة، والقيود الاجتماعية التي نواجهها-وبخاصة النساء-تثير الغضب، ولكننا تعلمنا حيث نختال على ذلك. لا يمكن لشاب ان يكسب معيشته هنا. احمل شهادة الماجستير في الهندسة، وبراتبي لا اصل الى مستوى يمكنني من الاعتماد على نفسي في معيشتي في طهران.
ان المضاعفات السياسية للاستياء الاقتصادي اصعب من ان تقاس او تقدر. فمن ناحية، تدل الدراسات على ان حالة الاقتصاد، اكثر من أي عامل اخر، هي السبب في انفجار القلاقل من وقت لاخر وعلى مدى العقد الماضي، ومن ناحية اخرى، ونظرا للظروف الاقتصادية القاسية في البلد، فان لدى القليل من الناس الوقت او الطاقة او الامن الاقتصادي اللازم للعمل سياسيا على اساس سخطهم من الاوضاع يقول مهني في سن الثانية والثلاثين: "لقد استنفذت الحياة طاقة