A+ A-
حقوق المرأة الأردنية... بين مطرقة المحافظين وسندان الإسلاميين 
2006-03-09
شهدت السنوات العشر الفائتة محاولات عدة لتعديل القوانين ذات الصلة بحقوق المرأة في الأردن، ومنها قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات والجنسية، وبصورة تمكن المرأة من استعادة مكانتها ودورها الاجتماعي والاقتصادي، وتصونها من التعديات والعنف وما يسمى بـ "جرائم الشرف".

وقد انخرطت في الحملات قوى سياسية ومؤسسات مجتمع مدني عدة، وحظيت بدعم من "الأسرة الملكية" والحكومات الأردنية المتعاقبة، لكنها برغم ذلك لم تحقق سوى تقدما طفيفا بسبب المقاومة القوية التي جوبهت بها من قبل القوى التقليدية والدينية، التي تهيمن على مجلس النواب الأردني، وتفرض أنماطها الثقافية والسلوكية على قطاعات واسعة من المجتمع الأردني، كما أن هذه الحملات اصطدمت أيضا بعوائق سياسية تعود جزئيا إلى التكوين الديموغرافي الأردني.
لقد أمكن للجهود المتواصلة التي بذلتها المنظمات النسائية الأردنية مدعومة بمواقف مساندة من قبل مثقفين وناشطين في مجالات حقوق الإنسان والقيادة السياسية الأردنية، إنجاز بعض التعديلات على "أنماط الزواج والطلاق" في الأردن، ارتفع بموجبها "السن القانون لزواج الفتيات" إلى 18 سنة، وحصلت المرأة على حقها بما يسمى بـ "الخلع" إذ بات بمقدورها الآن أن تبدأ إجراءات الطلاق وفقا لشروط محددة أهمها أن تعيد إليها كل ما دفعه إليها أو إلى أسرتها من أموال (المهر) وأن تعفيه من أية التزامات مترتبة على الطلاق.
لكن هذا التعديل الذي جوبه بانتقادات واسعة من قبل "المحافظين"، لم يحفظ للمرأة حقوقها المترتبة على سنوات "الزوجية"، إذ أغفل المشرّع "القيمة المضافة" المترتبة على إسهام المرأة في بناء الأسرة وتوفير احتياجاتها، سوأ كانت امرأة عاملة أم ربة منزل، بل أن هذه الصيغة تعد في نظر المدافعين عن حقوق المرأة ومشاركتها، ما زالت تنطوي على "تسليع" للمرأة.
وخلال السنوات الماضية أخفقت عدة محاولات لتعديل المادة 340 من قانون العقوبات التي توفر "عذر مخففا" وأحيانا "عذرا محللا" لمرتكبي جرائم الاعتداء على حياة نساء بدواعي الحفاظ على "شرف الأسرة" ، أو ما يعرف بجرائم الشرف، حيث يواجه القاتل في هذه الحالات وهو عادة من أقارب الدرجة الأولى للضحية، أحكاما مخففة لا تتعدى السجن لعدة أشهر، الأمر الذي أبقى معدلات "جرائم الشرف" المرتكبة في الأردن ضمن مستوياتها السابقة حيث تفقد ما بين 15 – 25 امرأة سنويا حياتهن لهذه الأسباب.
وبرغم حملات التوعية المدنية والدينية التي تنهى عن اقتراف مثل هذه الجرائم وتحذر من عواقبها، إلا أن المجتمع الأردني الخاضع لتأثير القوى التقليدية والدينية ما زال يتعاطف مع القتلة في جرائم الشرف، وينظر إليهم بطريقة إيجابية أو على أقل تقدير بطريقة تجد لهم العذر والمبرر.
ومما لا شك فيه أن انتشار مظاهر "الأسلمة" في المجتمع الأردني خلال العقدين أو العقود الثلاثة الماضية، أسهم ويسهم في تشكيل جبهة سياسية – اجتماعية مناهضة لتوجهات المجتمع المدني الأردني والمنظمات النسائية النشطة فيه، فقد تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن خلال العشرين سنة الماضية، وأصبحت تسيطر على عدد واسع من مؤسسات المجتمع المدني النشطة كالنقابات المهنية ومجالس الطلبة في الجامعات، كما أن هذه الجماعة أصبحت تستند إلى بنية تحتية واسعة وقوية من المؤسسات التعليمية والخدمية والثقافية والاجتماعية التي تساعدها على الوصول إلى الفئات الشعبية وتحديدا في المناطق الأكثر فقرا، الأمر الذي يمكنها من نشر ثقافتها وقيمها وأنماطها على نطاق شعبي واسع.
كما شهدت السنوات العشرين الماضية تنامي نفوذ "الحركة السلفية" التي تتبنى خطابا متشددا في المناحي الاجتماعية والمدنية والثقافية، في الأوساط الشعبية الأردنية، وتركز نفوذ هذه الحركة بتياراتها المختلفة في أوساط الأردنيين الأصليين، في حين تركز نفوذ الإخوان المسلمين في المخيمات الفلسطينية وفي أوساط الأردنيين من أصول فلسطينية.
وفي محاولة منها لاحتواء أثر النفوذ المتصاعد للتيارات الدينية، تبنت الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ العام 1993، "قانون الصوت الواحد للناخب الواحد"، وعمدت إلى توزيع مقاعد البرلمان على المحافظات والدوائر الانتخابية بصورة تهدف إلى تحقيق غرضين متلازمين: الأول الحيلولة دون وصول التيار الإسلامي إلى مواقع الأغلبية في البرلمان، والثاني ضمان "الهوية الأردنية" للبرلمان والإبقاء على تمثيل الأردنيين من أصول فلسطينية ضمن حدود معينة.
لكن نتائج هذه السياسة، في الحقل الاجتماعي والثقافي والمدني، جاءت مغايرة تماما لما تريده الحكومات والنظام، فتولد عن قانون الصوت الواحد ثلاث برلمانات تسيطر عليها قوى محافظة وتقليدية موالية للحكومات سياسيا، لكنها في الوقت ذاته حليف للإخوان المسلمين والتيار الديني في الميادين الثقافية والاجتماعية والإنسانية، الأمر الذي جعل مهمة تطوير التشريعات الأردنية وفتحها على قيم المساواة وتمكين المرأة مهمة صعبة.
وواجهت آخر محاولة قادتها الملكة رانيا العبد الله، لتطوير قانون الجنسية الأردنية بصورة تعطي النساء الأردنيات المتزوجات من غير الأردنيين، الحق في منح الجنسية الأردنية لأبنائهن، واجهت هذه المحاولة مقاومة ضارية من قبل أوساط أردنية محافظة بالنظر لمخاوف هذه الفئات من انعكاس مثل هذا التعديل على التوازن الديموغرافي الحساس في البلاد، حيث قدرت بعض المصادر أن يترتب على التعديل المقترح منح الجنسية الأردنية لأكثر من خمسين ألف فلسطيني دفعة واحدة.
وقد انتهت هذه المحاولة بمنح صلاحيات منح الجنسية لأبناء الأردنية المتزوجة من غير أردني لمجلس الوزراء، الذي تعود له الصلاحية التقديرية للنظر في كل حالة بمفردها.
وتظهر هذه الواقعة أيضا، الارتباط الوثيق بين المحاولات الرامية لتمكين المرأة الأردنية من حقوقها التي كفلتها لها المواثيق الدولية من جهة والتعقيدات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها البلاد، سواء تلك المتعلقة بنمو التيارات المحافظة الدينية والاجتماعية أو تلك المتصلة بالتكوين الديموغرافي للسكان في الأردن.