A+ A-
التطرف الإسلامي في آسيا الوسطى: الاستجابة لحزب التحرير*
2003-06-30
مقدمة

يتميز حزب التحرير الإسلامي عن الحركات الإسلامية الاخرى الاكثر شهرة بمعارضته الواضحة للعنف. غير ان آراءه شديدة التطرف، اذ انه يفضل الاطاحة بالحكومات في كافة انحاء العالم الإسلامي واستبدالها بدولة اسلامية على شكل "خلافة" متجددة النشاط. وقد نما هذا الحزب بسرعة في آسيا الوسطى وقوبل باضطهاد يتسم بالظلم ويؤدي ربما الى المزيد من التطرف عند أعضائه ولنشر بذور تطرف اسلامي أشد في المنطقة كلها.

كان حزب التحرير قد ظهر في البداية في صفوف الفلسطينيين في الأردن في مطلع الخمسينات. وقد حقق اكتساب اتباع قليلي العدد ولكنهم شديدو الالتزام في عدد من بلدان الشرق الاوسط، وحظي بشعبية بين المسلمين في اوروبا الغربية واندونيسيا. وبدأ العمل في آسيا الوسطى في منتصف التسعينات، وطور اتباعا ملتزمين داخل أوزبكستان، والى حد اقل في قزغستان وطاجكستان وكازخسان. وتتنوع تقديرات اتباعه الى حد كبير، وربما يشكل العدد التقريبي مـن 15-20 الفا في كامل انحاء آسيا الوسطى. ويجب عدم المبالغة في نفوذه –يحظى بدعم شعبي قليل في منطقة يعتبر الميل للاسلام السياسي محدودا- لكنه اصبح حتى الان اكبر حركة اسلامية متطرفة في المنطقة.

وليس حزب التحرير منظمة دينية، بل هو حزب سياسي تقوم ايديولوجيته على الاسلام. وهو يهدف الى اعادة الخلافة الإسلامية من اجل توحيد جميع البلدان الإسلامية تحت حكم اسلامي وبناء دولة توازن الغرب. وهو يرفض الجهود الحالية لاقامة دول اسلامية، مؤكدا على ان السعودية وايران لا تلبيان المعايير اللازمة لذلك. وحسب مفهوم حزب التحرير فان الدولة الإسلامية هي التي تطبق فيها الشريعة الإسلامية في كافة مناحي الحياة، وليس فيها حلول وسط مع اشكال التشريع الاخرى.

ويدّعي حزب التحرير بانه يرفض العنف كشكل من اشكال النضال السياسي. ويرفض الحزب نظريا الارهاب معتبرا قتل الابرياء مخالفة للشريعة، ولكن هناك خلف هذا الخطاب تبريرا ايديولوجيا للعنف في ادبياته، ويعترف بالمشاركة في عدد من محاولات الانقلاب الفاشلة في الشرق الاوسط. وله كذلك بعض الصلات مع بعض الجماعات الاقل شكوكا بخطر العنف. ولكن، رغم ادعاءات الحكومات، ليس هناك دليل على تورطه في انشطة ارهابية في آسيا الوسطى او غيرها.

تتسم ردود فعل الحكومات بالتناقض وعدم الفاعلية في غالب الاحيان. والحزب محظور في الكثير من بلدان الشرق الاوسط من العمل العلني، وتعرض الكثير من اعضائه للسجن. وتتخذ حكومات آسيا الوسطى مواقف قاسية بشكل خاص، وفي مقدمتها ازبكستان التي تعتبر رائدة في اعتقال واصدار احكام سجن لمدد طويلة على الالاف من اعضائه. وفي بلدان اسلامية اخرى مثل اندونيسيا، يعمل حزب التحرير بشكل علني تقريبا، مثلما هو حاله في الكثير من بلدان اوروبا الغربية.

وربما اسهمت سياسات غير صائبة لحكومات في آسيا الوسطى في نمو حزب التحرير، وبخاصة في ازبكستان. فقد منحه اضطهاد الحكومة الازبكية نوعا من الصوفية لدى بعض السكان، وعمل الافتقار الى اشكال بديلة من المعارضة السياسية او التعبير عن الاستياء على اجتذاب الحزب لافراد من الجمهور المعارض للنظام الحاكم لاسباب سياسية. وزادت السياسة الاقتصادية الهزيلة من تقويض التأييد للحكومة، وحرضت على السخط عند التجار-المؤيدين الرئيسيين لحزب التحرير-. كما ان نظام الحدود الصارم في البلد زاد الدعم لجماعة تؤيد وتدعو الى دولة اسلامية عالمية بدون تمييز بين القوميات.

ان وجود حزب التحرير المتمثل في جماعة صغيرة ولكن هامة من الشباب في غالبية الامر، يقدم لنا تفسيرا سهلا لفشله في تحقيق التغيير في حياتهم الشخصية، او في المجتمع او نظام الدولة. وهو يقدم للشباب معنى ومعتقدا بنيويا في حقبة لولاه لكانت حقبة مربكة وذات تغير اجتماعي صعب. وهو يقدم كذلك مكاسب مادية ودعما اجتماعيا في دول تتسم بالفقر المدقع والانهيار الاجتماعي.

وقد عمل اضطهاد اعضائه، وفي الغالب اضطهاد الذين يتعاملون معهم، على لجوء الحزب للتطرف وانتشار تاثيره على مجتمعات اوسع. ونظرا للافكار المتطرفة للحركة والطبيعة التآمرية لنضالها السياسي، لم يعد غريبا ان تخشى الحكومات من تاثيرها على الاستقرار ولكننا كثيرا ما نجد ان الحكومات في المنطقة، وبخاصة في ازبكستان، تستخدم حزب التحرير كذريعة لفشلها في اجراء اصلاح سياسي واقتصادي وكذريعة لاستمرار قمع النشاط الديني خارج الهياكل الرسمية الضيقة. وفي غالب الامر نجد ان المجتمع الدولي يغض الطرف عن قمعه. والواقع ان الغرب، والولايات المتحدة بصفة خاصة، يواجه خطر الإساءة لسمعته في المنطقة بتعاونه الوثيق مع دكتاتوريات آسيا الوسطى.

ان للمجتمع الدولي دوراً قيادياً عليه القيام به. فعليه ان يقاوم الاغراء في مطالبة حكومات آسيا الوسطى، بحظر حزب التحرير، لان اضطراره للعمل السري سيجعله يلجأ الى المزيد من السرية والتآمر وربما للمزيد من التطرف. وبدلا من ذلك، فان من مصلحة الغرب الضغط على دول مثل ازبكستان للقيام بإجراءات عاجلة لتغيير البيئة التي يزدهر فيها حزب التحرير. ان النظم السياسية المغلقة، والافتقار لحرية التعبير، وقلة التقدم الاقتصادية، والاجهزة الامنية القمعية، تسهم كلها في نمو الجماعات المعارضة والمتطرفة. ومن المصالح الأمنية للمجتمع الدولي التاكد من ان المعارضة السياسية للأنظمة غير الشعبية لا تندمج داخل الجماعات الاكثر تشددا وذات الاجندات الاكثر عنفا والأكثر خطورة من حزب التحرير الحالي.

الفصل الاول/مقدمة

تعتبر طبيعة ودور حزب التحرير الإسلامي احدى اقل الظواهر فهما في الوضع السياسي والاجتماعي والديني في آسيا الوسطى. ويشهد ظهور الحزب على مدى السنوات الخمس الاخيرة تطورا سياسيا هاما، واستخدمته حكومات المنطقة على نطاق واسع لتعليل فشلها في تحقيق التحرر السياسي والاقتصادي، وتعتبره النخب المحلية تهديدا خطيرا.
منذ الثمانينات على الاقل، يناقش العلماء وصناع السياسة دور الاسلام في سياسات السوفيت وما بعد حقبة السوفيت. يرى البعض بان النظام السوفيتي، على الاقل قمع، ان لم يكن قد ابطل امكانية ان يصبح الاسلام قوة سياسية ودينية موثوقة. وتوقع اخرون ان تقوم ثورة اسلامية تقضي على السوفيت في آسيا الوسطى، او ان تسرع حركة اسلامية لملئ الفراغ في السلطة الذي يخلفه انهيار الحزب الشيوعي.
والواقع ان الحركات الإسلامية لم تلعب دورا في الانهيار السوفيتي وفي الاستقلال المتوقع في دول آسيا الصغرى عام 1991. وفي طاجكستان وحدها نشط حزب اسلامي في الحراك الاجتماعي المحدود الذي جرى في اواخر الفترة السوفيتية. فكان لحزب النهضة الإسلامية اتباع قلائل وكان مجرد واحد من جماعات معارضة عديدة. ورغم ان هذا الحزب تولى دور الريادة في "المعارضة المتحدة"، لكن الدعم الشعبي للاسلام السياسي يبدو انه محدود وانه قد انحسر بسرعة في اعقاب الحرب الاهلية.
وكان "لحركة ازبكستان الإسلامية" نجاح اقل في توليد الدعم لنموذجه من "الجهاد الإسلامي" ولاجندته السياسية العسكرية، رغم انه وضع الخوف من "الارهاب الإسلامي" و"التطرف الديني" على قمة الاجندات المحلية والدولية في المنطقة. ويوحي فشل حزب النهضة الإسلامية وحركة ازبكستان الإسلامية والناشطين الإسلاميين الاخرين في توليد اتباع بان للاسلام طاقة سياسية خطيرة صغيرة في المنطقة.
ولذلك جاء ظهور قوة حزب التحرير ونموها الواضح وبقاؤها امرا مفاجئا. وبينما لم يكن احد يسمع شيئا عن هذه الحركة في المنطقة قبل خمس سنوات، فانها تدعي الان بان لها الاف الملتزمين بها، وقد اصبحت فكرة مهيمنة في تبرير الحكومة لاعمالها الحازمة وسياساتها القمعية.
ولما كان حزب التحرير منظمة سرية فان من الصعب فهمه وتقييمه. وقد بذلت محاولات مناسبة قليلة للبحث حول ايديولوجيته وامكاناته السياسية. ذلك ان الافتقار الى معلومات موثوقة قد اعاق ردود فعل الحكومات على هذه المنطقة في آسيا الوسطى وغيرها. ومع ذلك، فان فهم حزب التحرير في آسيا ال�