A+ A-
كلمة الباحث ماجد عبد العزيز الخواجا في ورشة عمل تمكين المرأة في قانوني الانتخاب والاحزاب
2005-06-20

ماجد عبد العزيز الخواجا

باحث وناشط

ابتداءً: فإن إعلان جلالة الملك بأننا ماضون في طريق الإصلاح وإن حاول مهاجموه شخصنته.. أي أن الإصلاح كما جاء في رسالة رأس الدولة جلالة الملك هو فعل إرادة وليس إملاءً.. وهو فعل مستمر ممؤسس وليس وليد مناسبة أو ظرف ورغبة خارجية.. هذه الدعوة الملكية للإصلاح يجدر أن تأخذ موقعها الذي تستحق ضمن فعاليات هذا المؤتمر للسير على هدي منها... فالإصلاح لم يعد مطلباً شعاراتياً احتفالياً مظهرياً.. بل بات مطلباً أساسياً ومفصلاً هاماً من مفاصل المجتمع في ظل هذا التطور الهائل في جميع مناحي الحياة.. وفي ظل الأحداث المتلاحقة التي لا يمكن التكهن بعواقبها سواء على المجتمع أم على النظام.. ومن هنا تجيء أهمية المشاركة الفعلية بين مختلف القوى الشعبية والرسمية في إحداث إصلاح حقيقي على مختلف الصعد......المرأة في الأردن حصلت على حقوق عديدة في فترة قياسية بالمقارنة مع تراث متراكم عبر مئات السنين من الظلم والاضطهاد والتعسف ضد المرأة.. لكنها لا زالت محرومة في مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية خاصة السياسية منها.. ولا زالت مشاركتها في مواقع صنع القرار متدنية سواء في القطاع العام أو الخاص.. لا زالت المرأة نفسها من أكبر العوائق في طريق نيلها لحقوقها.. وجاءت منظمات العمل النسائي النخبوية لتكمل حلقة التعسف والجور ضد المرأة.. تنشغل الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية- الرسمية وغير الرسمية- في الأردن, منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي, وتحديدا مع بداية التحول الديمقراطي, وعودة الحياة السياسية الديمقراطية, بمحاولة البحث عن إجابات وحلول لعدد من المسائل والإشكاليات المجتمعية, ومن تلك الإشكاليات:" السؤال الديمقراطي, المجتمع المدني, تحديث التشريعات, الأحزاب السياسية, الانتخابات, المنظمات غير الحكومية, حقوق الإنسان, حقوق الأطفال, رعاية الشباب , وتمكين المرأة لنيل حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية, وحقها في ممارسة شؤونها الحياتية بالتكافؤ مع الرجل....وعندما نقول المرأة, فنحن نتحدث عن نصف المجتمع عدديا, والذي لا يترافق مع حجم ووزن يتناسب وهذا العدد في سائر الجوانب الحياتية....المرأة التي كرمها الله في التشريعات الدينية السماوية الثلاث, وجعلها متكافئة ومتساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات, لكنها في التشريعات الدنيوية وفي العرف الاجتماعي, فقد تم انتهاك وانتقاص هذه الحقوق بحجج واهية لا تستقيم أمام الحق والمنطق, وتم في أحايين كثيرة ليْ عنق الحقائق, والتعسف في تحميل النصوص المقدسة مالا تحتمله ولا تقصده, من أجل حرمان المرأة من حقوقها الطبيعية والمسلم بها....والمجتمع الأردني كحال المجتمعات المشابهة له, تعرضت المرأة فيه لجور وتعسف واضحين, سواء في نيل حقوقها, أو في ممارسة واجباتها, فهي إذا انخرطت في العمل, أو تابعت تعليمها, أو قامت بتأسيس مشروع خاص بها, أو ترشحت للانتخابات النيابية أو البلدية, أو احتلت موقعا وظيفيا متقدما, فهذه كلها شؤون ذكورية, ليس للمرأة حظ فيها, بل يتعدى الأمر ذلك عندما تقوم المرأة بالعمل لتعيل أسرتها, حيث تعلو الأصوات منكرة عليها هذا التصرف, بحجة أن المرأة خلقت للمنزل وتربية الأبناء والسهر على تلبية مطالب الزوج التي لا تنتهي..إن المرأة منتهكة حقوقها في طفولتها, بل ومنذ لحظة ميلادها, بتفضيل أنها لو كانت صبي, وفي طفولتها, بأنه لا يجوز لها أن تمارس هذه الطفولة لأنها أنثى, وفي صباها عندما يتم توكيل وتفويض شقيقها وأحيانا أبناء عمومتها أو أقاربها بمراقبتها ومحاسبتها, وفي شبابها عندما تحرم من متابعة دراستها, أو دراسة ما يستهويها, لأنها ستتزوج وتذهب إلى منزل غريب عن العائلة, وفي حياتها الزوجية عبر عشرات القيود العرفية والاجتماعية......إنها منتهكة الحقوق كطفلة, كابنة, كزوجة, كأم, كمطلقة, كأرملة, كعشيقة, كوارثة أو موروثة, كعاملة أو صاحبة عمل, كمعلمة أو متعلمة
أسباب عدم تمكين المرأة من ممارسة حقوقها وواجباتها في المجتمع الأردني مدار البحث..
• هناك إرث ثقيل من الموروث التقليدي الاجتماعي والذي يتم تمويهه بعباءة الدين تعسفا من حيث حرمان المرأة من ممارسة حياتها وشؤونها الخاصة بحرية ومساواة مع الرجل في ذلك.• هناك صورة نمطية للمرأة يتم زرعها في وجدانها منذ لحظة الولادة بأنها(بنت) وهذه الكلمة تتطلب منها الالتزام بسياقات محددة وممارسات تمييزية.
• هناك صورة نمطية لدور المرأة عبر وسائل الإعلام وتتمثل بكونها المغلوبة على أمرها والمستكينة لأوامر الرجل ورغباته.
• هناك صورة نمطية للمرأة في المناهج الدراسية ومن المرحلة الأساسية الأولى.. حيث ماما في البيت وبابا يعمل.. ماما تكنس وبابا يقرأ.. أختي تنظف وأنا ألعب..
• هناك ثغرات قانونية عديدة يتم من خلالها الجور على المرأة.. سواء في قانون العقوبات أو الأحوال الشخصية أو العمل وغيرها.
• هناك دور للثقافة السائدة والأدب والصحافة في قولبة المرأة بقالب سلعي مبتذل في كثير من الأحيان.
• هناك دور للقيادات النسائية في تشويه نبل قضية المرأة وذلك من خلال الانتهازية والوصولية والمظهرية الاحتفالية والشعاراتية التي ترافق عمل هذه القيادات.
• هناك دور أساسي وكبير للمرأة في حرمان المرأة من حقوقها.
إن المرأة تعاني من قضية(التنميط) في الإعلام والموروث الاجتماعي التقليدي.. فهي إما مستكينة قابعة في منزلها لا هم لها إلا إرضاء رغبات زوجها وتلبيتها.. وإما أنها سلعة يتم الترويج لها وبها على شاشات التلفزيون.. وهي في المناهج الدراسية تنمط وتقولب بصورة ماما تطبخ وبابا يصرخ.. هذا التنميط للمرأة واختزالها بصورة أن تكون في المطبخ أو على السرير.. هو موروث ينبغي محاربته.. وإن كان ذلك ليس من السهولة بمكان..هناك تمييز سلبي موجه ضد المرأة في جميع شؤون حياتها.. عندما تكون الجاني.. وعندما يكون مجنيا عليها.. تمييز سلبي حتى في المسميات التي تطلق عليها أو تجبر على حملها.. ابتداء من لقب فتاة إلى لقب حائض.. ما بين آنسة وسيدة.. بين عزباء ومتزوجة.. بين مطلقة وأرملة.. وعانس.. بين جميلة وغير جميلة.. خلوقة أو غير خلوقة.. هذه القوالب الأخلاقية والقيمية لا يكاد النصف الذكوري يتأثر بها بل ولا حتى يشعر بوجودها.. فلا قيمة ولا أية مترتبات على رجل مزواج.. أو أعزب.. مطلق.. أرمل.. خلوق أو جميل.. أو حتى زاني.. المهم أنه رجل.. والرجل بالمفهوم السائد لا يعيبه أي شيء.. أما الأنثى فكلها"عورة" إذا تحدثت.. أو صمتت..جاءت أو ذهبت.. قامت أو جلست.. باعت أو اشترت.. اجتمعت أو انفردت.. أعلنت أو أخفت.. عَِشقتْ أو عُشقِتْ... من هنا ووسط هذا (الركام) ولا أقول التراكم الاجتماعي الموروث الذي أنتج لنا أجيالا كثيرة من النساء المضطهدات بحيث بات نوعا من المألوف مشاهدته وعدم التوقف عنده.. بل تشير الدراسات إلى أن هذا الموروث قد تغلغل في وعي ووجدان المرأة لدرجة أن هناك أصوات قوية تصدر من بين النساء رافضة تحصيل حقوقها التي أقرتها الشرائع السماوية والأرضية.. وهي تستمرئ كرامتها بخضوعها للرجل..
هناك من يقول بأن مشكلة المرأة ليست مع الرجل وإنما مع المرأة نفسها... خاصة فيما يتعلق بالنقابات والانتخابات..قدمت المؤسسات والمنظمات والفعاليات النسائية"وثيقة المرأة الأردنية" برنامج المرحلة القادمة.. مقدمة إلى مجلس الأمة2003-2007 وفيما يتعلق بقانون الانتخابات فقد أكدت الوثيقة على ما يلي:
1. إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بصورة عادلة بحيث يتناسب عدد مقاعد كل دائرة مع عدد سكانها.
2. النص على وجوب أن لا يقل نسبة تمثيل أي من الجنسين عن30% وفقا لما التزمت به الأردن دوليا..
3. رفع القيود المفروضة على حق المواطن في ترشيح نفسه عن أي دائرة دون قيود تتعلق بالعرق والطائفة والمنبت والجنس.. اعتمادا على مبدأ المواطنة.. خاصة وأن التمييز على هذه الأسس يتناقض مع مبدأ المساواة وحقوق الإنسان.
4. تمكين الناخب من ممارسة حق الاقتراع في الدائرة التي يشاء شريطة ممارسة هذا الحق مرة واحدة.
5. إتاحة الفرصة للأردنيين في الخارج لممارسة حق الانتخاب.
6. إتاحة الفرصة لاستئناف القرارات الصادرة عن القضاء في الطعون الانتخابية.
7. الاعتراف بحق هيئات المجتمع المدني في الرقابة على العملية الانتخابية وتشجيع هذا الدور.
8. تأكيد الرقابة القضائية التامة على سير العملية الانتخابية بكافة مراحلها.
• هناك إقرار بأن للمرأة حقوقا متساوية ومتكافئة مع الرجل في جميع الشرائع الدينية.
• هناك إقرار لحقوق المرأة في المواثيق الدولية والتي صدقت عليها الحكومة الأردنية.
• هناك خلط وتداخل غير مقصود- وربما كان مقصودا- بين الشريعة والعرف أو التقاليد في مجال تمكين المرأة من ممارسة حقوقها.. حيث يتم حرمانها من ذلك بحجة أن الشرع ينص على ذلك.
• في مجال الدستور الأردني: فقد كفل للمرأة حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والوظيفية متساوية في ذلك مع الرجل.
• في مجال القوانين والتشريعات الأردنية: هناك بعض الثغرات التي تساعد على وجود سياسة تمييزية ضد المرأة خاصة في قانون الأحوال الشخصية.. والتقاعد المدني.. الضمان الاجتماعي.. وقانون العقوبات.
• لا زالت نسبة مشاركة المرأة متدنية مقارنة بحجم هذا القطاع في هياكل مجتمعية عديدة.. مثل الأحزاب السياسية.. الجمعيات التطوعية.. الروابط الثقافية.. النقابات العمالية والمهنية.. مؤسسات المجتمع المدني..
• هناك فجوة عميقة وواسعة ضد المرأة من حيث تولي المناصب القيادية العليا في مختلف أركان وهياكل الدولة والهيئات الأهلية المدنية.
• هناك ثقافة نسوية مكرسة منذ عقود تجعل من المرأة ذاتها أحد الأسباب الرئيسة في عدم تمكينها من المشاركة الفعلية في صنع القرار.
• هناك دور واضح للتعليم والتنشئة الأسرية ووسائل الإعلام في تنميط المرأة وقولبتها بقوالب جامدة تمييزية.
• هناك تفرد تكاد تتميز به الأردن في ما يدعى بجرائم القتل دفاعا عن الشرف.. والتي تعتبر وصمة ينبغي استئصالها تماما بحيث يسود القانون في هذا الصدد.
إننا بحاجة لعمل جاد ودؤوب وجهد متواصل وجريء وصادق من أجل إيجاد الروافع والآليات التي تساهم في تمكين المرأة وتعمل على إشاعة ثقافة مغايرة للثقافة السائدة من حيث تهميش واختزال المرأة في أدوار لا تتعدى المطبخ أو السرير...وينبغي الإشادة بتوجهات الدولة الأردنية من حيث العمل على تعديل الثغرات القانونية لصالح المرأة.. وقد أدركت الحكومة أهمية مشاركة النساء السياسية حيث طرحت في عام2003 مشروع التنمية السياسية استنادا لخطاب التكليف السامي وذلك بالتأكيد على أهمية مشاركة النساء في عملية التنمية الإنسانية عبر مجموعة آليات تضمن تفعيل دورهن في مختلف عمليات صنع القرار...
يمكن لنا الخروج بجملة من التوصيات وهي على النحو الآتي:

1. ضرورة الإسراع في تعديل القوانين ذات الصلة بتمكين المرأة في صنع القرار.. ويأتي في مقدمتها قانون الانتخابات.. وقانون الأحوال الشخصية.. العمل.. الضمان الاجتماعي.. التقاعد المدني.. العقوبات...
2. ضرورة رفع شعار" إعطاء المرأة نسبة30% في مختلف المواقع القيادية وصنع القرار" سواء في أجهزة الدولة الرسمية أو في البرلمان.. أو في الأحزاب السياسية.. أو في الهيئات المدنية.. النقابات المهنية..وغيرها"
3. إعادة النظر في دور المؤسسات الشعبية والنقابية والحزبية من أجل إزالة كافة المعوقات التي تحد من مشاركة المرأة في فعالياتها المختلفة.
4. إعادة النظر في كيفية اختيار النساء في المواقع المتقدمة بعيدا عن المحسوبية والشللية التي يرزح تحتها الرجال..
5. إعادة النظر في مناهج التعليم وحذف أية مواد تقوم على تنميط المرأة وقولبتها.
6. تفعيل دور الإعلام في نشر ثقافة المساواة والتكافؤ بين الرجل والمرأة في مختلف الميادين.
7. تدريب رجال الدين على الدعوة لتمكين المرأة من نيل حقوقها وذلك كحقوق شرعية ..
8. إعادة النظر في دور المنظمات الأهلية وغير الحكومية والهيئات النسائية لكي تمارس دورا حقيقيا لا احتفاليا نخبويا مظهريا كما هو شائع الآن.
9. إعادة النظر في دور الجمعيات الخيرية ومراقبة أدائها بما يكفل حسن قيامها بالواجبات الملقاة عليها خاصة في زيادة دور ومشاركة المرأة الفعلي في مواقع الهيئات القيادية.

*ورقة عمل قدمت في" مؤتمر تمكين المراة في قانوني الانتخاب والاحزاب"بتنظيم من مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ 20/حزيران 2005,الاردن -عمان.