A+ A-
كلمة د.محمد حبش في مؤتمر نحو شبكة للإصلاح والتغيير الديمقراطي في العالم العربي
2005-12-08

د.محمد حبش

خلال قرون طويلة من الكفاح الإنساني بلغ الإنسان شاطئ العدالة في الإطار النظري على الأقل وهو ما صار يسميه الديمقراطية، وبدا واضحاً أن الأمم التي تتبنى الخيار الديمقراطي تعيش في رغد من العيش وتقترب من المساواة والعدالة الاحتماعية، الأمر الذي جعل الشرط الديمقراطي أساسياً للانخراط في المجتمع الدولي، وأصبحت منجزاته يتبناها الإنسان في سائر المحافل الدولية.ولكن هذه الديمقراطية التي تباهي به المجتمعات المتحصرة تتعرض لعناء كبير في الشرق إذ لحقتها آفة الريبة في كل وافد من الغرب وهو ما يجتهد المحافظون في مقاومته من منطلقات مختلفة.
ويمكن إجمال الأسباب التي تحول دون قبول المنجز الديمقراطي من الوجهة النظرية في امرين اثنين:
الأول : قدوم الدعوة إلى الديمقراطية عبر مؤسسات ودول غربية الأمر الذي أشاع جواً من الريبة حول دوافع هذه الدعوات وغاياتها، ومن خلال ذلك فقد رأت بعض القيادات الوطنية فيه محاولة لتسلل الاستعمار من جديد على مركب الإصلاح، وقد تم تبرير مقاومة ذلك وفق منطق الخوف من التبعية الفكرية والاستلحاق.الثاني : الجدل الفلسفي في المنطق الديمقراطي حيث مضى عدد من رواد الصحوة الإسلامية إلى تقرير حتم التناقض الفلسفي بين القيم الإسلامية والقيم الديمقراطية على أساس أن الإسلام احتكام إلى الله فيما الديمقراطية احتكام إلى الشعب، وبذلك فإن المنطلق والغاية في سبيل تناقض ولا يمكن أن يتأسس على ذلك أدنى وفاق.وقد ظهرت هذه الفكرة بشكل واضح في كتابات سيد قطب الذي تحدث عن الوثنية البرلمانية الجديدة التي تحول دون الحكم بما أنزل الله، ولم يتردد في اعتبار العمل البرلماني عملاً وثنياً مناهضاً للحكم بالشريعة.
وفي مقابل ذلك فقد وجد هذا التيار صدوداً مكافئاً لدى فريق غير قليل من العلمانيين الذين راحوا يصرون على أن تكون العلمانية هي (دين الديمقراطية) وأنها لازم منطقي لقيامها بحيث لا جدوى للحديث عن ديمقراطية بدون علمانية، وفي هذا السياق تطرح العلمانية كنقيض مباشر للدين، (مع أنها ليست بالضرورة كذلك) ويكثر الحديث عن استحالة تعايش الدنيوي مع السماوي، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تتبيأ في ظل أي شكل من أشكال الغيب، مهما كان هذا الغيب لصيقاً بالفطرة، بل حتى لو اتفقت دلالاته اتفاقاً تاماً مع المثل الديمقراطية، وإن كان العلمانيون قد توصلوا إلى تحفظ تجميلي بقولهم: فصل الدين عن الدولة وليس فصل الدين عن السياسة.


وفي الواقع فإنه ليس لهذا التحفظ أي دلالة وفق المثل الديمقراطية إذ أن ألف باء الديمقراطية السياسية إنما هو حكم الشعب، إذ يقتضي ذلك حكماً حجب اعتبار المواطنة عن المتدينين، أو حجب حقهم في التدخل في أي من شؤون الحكم حتى يصرحوا بالبراءة من دينهم (في الجانب التشريعي على الأقل) وهو ما يذكرك بعقلية العصور الوسطى، ولا نبالغ في شيء إذا قلنا إن هذا الإصرار يمضي ضرورة إلى ثيوقراطيا الديمقراطية .
وهذا الموقف الصادم للعلمانيين يشكل أول مصادرة مناقضة للديمقراطية، لجهة إقرارها التعددية الفكرية ركناً لازماً من أركان قيامها، وهو يشكل في الواقع إساءة قاسية للديمقراطية حيث نضع في سبيلها القيود الصارمة التي تجعل ثلثي أهل هذا الكوكب على أقل تقدير غير مؤهلين للعيش في نعيمها والتمتع ببركاتها، وليس في هذا الرقم أدنى مبالغة وهو لا يحكي واقع جيل واحد على هذا الكوكب، بل هو في الواقع حال البشر منذ تدوين التاريخ قبل خمسة آلاف سنة على الأقل، وهو ما يمكن أن يمتد نظرياً مثل ذلك، وهكذا فإن الإصرار على احتكار المثل الديمقراطية على أولئك الذين يتنكرون للغيب هو تقزيم غير مبرر لهذا الإنجاز الإنساني الهائل وهو عودة بالتالي إلى نقطة الصفر في التعاطي مع سعي الإنسان لفهم أخيه الإنسان .
وبالتأكيد فإن تدجين الديمقراطية في هذا السبيل هو شكل آخر من أشكال احتكار الخلاص الذي انحرفت إليه كثير من أدبيات الأديان، وهو ما نعتقد أنه أكبر أشكال الانحراف عن الرسالات السماوية .
فهل الديمقراطية بالضرورة فكر انقلابي بمعنى أنه لا يتسع للآخر؟ وما هو جدوى المناداة بها إذن جامعاً مشتركاً بين بني الإنسان؟
وهكذا تدور المسألة من المقدمات مباشرة إلى خيار نسف المقالة الديمقراطية نفسها قبل البدء بأي خيار آخر، ويصبح التساؤل هنا مبرراً حول مدى صلاحية الديمقراطية نظاماً مأمولاً للعيش الإنساني المشترك؟.
ثمة حرج منهجي واضح في تجاوز هذه المسألة المحورية إلى المسائل التفصيلية، إذ هي تطرح تساؤلات غاية في الأهمية حول جدوى التمسك بالديمقراطية كثابت مشترك لأبناء آدم .
وبانتظار الإجابة على هذا التساؤل الكبير فإن بالإمكان أن نتحول إلى بعض المسائل التفصيلية، في معالجة إشكال تصادم البشري والإلهي في تخير الأصلح للناس، وفي دفع توهم قيام النص بمعاندة الإرادة الإنسانية الناشدة للصلاح والأصلح، وبداهة فإن المقصود هنا إنما هو الدين الإسلامي تحديداً، إذ هو المقصود عادة من الدعوة العلمانية الشهيرة فصل الدين عن الدولة .
أول ما يستننفر العلمانيين لدى أول حوار بين العقل النص هو الحضور ( المرعب ) للنص، على أساس أن النص بما هو ( سلطة ) يشكل نقيضاً طافحاً بالتحدي لكل خيار آخر يمنحكه السلوك التجريبي .
فإلى أي مدى يصدق هذا القول؟

إن المشكلة تتمثل في أننا نعمد إلى منهج انتقائي في قراءتنا للتاريخ الإسلامي بحيث نعمد إلى أشد الآراء تطرفاً وظلامية فنحمل الأمة بأسرها وزر ذلك، وكأن ليس في التاريخ الإسلامي غير هذا الخيار، وفي مسألة الديمقراطية فإن ما يستحضره العلمانيون من مخاوف على الحريات والديمقراطيات إنما يتبدى من شعار مثل لا حكم إلا لله، وهو كما نعلم بداهة شعار حاربه الوعي الإسلامي إبان الرشد وخاض الإمام علي حرباً ضروساً في مواجهة الخوارج دفاعاً عن حقوق الناس في الحريات والإرادة الشعبية، مع عدم الاعتراض على الشعار من جهة المبدأ، وهو ما قال عنه الإمام علي: كلمة حق أريد بها باطل .إن ما يعرفه العلمانيون هو أن التنوير الإسلامي عاش مصاحباً لحركة الفكر في الإسلام ومضت حركة ترجمة العلوم والمعارف الإنسانية وهي في قماطها اليوناني والسرياني على يد أبرز الخلفاء الأمويين والعباسيين، إلى حد زنة الكتاب المترجم بالذهب، على الرغم من أنه بداهة قد يكون سجلاً طافحاً بمعارضات حادة مع أساسيات العقائد الإسلامية، والأمر نفسه كان في مكتبات الأديرة والمعابد التي كانت طافحة بثقافات الشرق المسيحي السرياني والآرامي واللاتيني ولم تمتد إليها يد إساءة على الرغم من اشتمال كتب كثيرة منها على عقائد التثليث والأقانيم وقدم العالم، وذلك كله مخالف للشريعة، ومع ذلك لم يمسسه المسلمون بسوء . وبقاؤها إلى اليوم حاضرة شاهدة خير دليل على ذلك الانفتاح الذي عاشه المجتمع الإسلامي أيام الرشد وهو أولى بكل تأكيد في الاعتبار من الأساطير التي راجت عن إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية وهي الأساطير التي تورط في روايتها للأسف مؤرخ محترم كديورانت، ومضى ذلك إلى حد تقبل العقل الإسلامي وجود فلاسفة إسلاميين كبار كانوا لا يكتمون ميولهم المشائية، كالكندي والفارابي وابن سينا، بل إن هذا الأخير منح لقباً هاماً ذا مغزى حين سمي بالمعلم الثاني، وأصبح الحديث عن المعلم الأول واضحاً في الإشارة إلى أرسطو، على الرغم من التفاوت الهائل من الجانب الفكري بين كل من الاتجاهين الإسلامي واليوناني .
لقد ظلت العلوم الكونية لعدة قرون علوماً مسيحية أو صابئية، وسجل لهم في هذا السبيل إبداع كبير، وبسبيل من ذلك ترد أسماء كبيرة مثل حنين بن إسحاق، وحنين بن ماسويه، ويوحنا بن بختيشوع، وجبرائيل بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه، وإسرائيل بن زكريا الطيفوري، وغيرهم، ويرجع ذلك إلى معرفة هؤلاء باللغات السريانية واللاتينية واليونانية التي كانت تحتوي على معارف الطب القديم .
إن حالة الانفتاح و( الديمقراطية ) التي قدمت شواهدها هنا كانت دائماً تواجه مداً ظاهرياً يشتد آناً، ويهن آناً آخر، ولكن هل ندرك في الواقع أن هذا التيار التجديدي الانفتاحي هو الذي كتب له النصر أيام مجد الحضارة الإسلامية وأن الاتجاه الظاهري الماضي إلى إلغاء الآخر وتطبيق ظاهر النص بدون اعتبار المصالح هو تيار منهزم عبر تاريخ المجد الإسلامي؟
إن الحديث عن رعاية المصالح وهو ما يمكن تسميته بلغة العصر ( الإرادة العامة ) قديم في الفقه الإسلامي، وهو مؤصل بالصيغة ذاتها في فقه المالكية والحنابلة، ويعبر عنه في الفقه الحنفي بصيغة أكثر مقاصدية وإن تكن أقل تشاركية بالاستحسان، وهو عند أبي حنيفة تسعة أعشار العلم، بل مضى الحنفية إلى تأصيل العرف مصدراً من مصادر الشريعة وكذلك المالكية والحنابلة .
إن علينا الاعتراف هنا بأن ما نرمي إلى التباهي به من قدم المنهج الاجتهادي في الفقه الإسلامي لم يمض تاريخياً على الوجه المأمول ويبدو أن الخيار الذي مضى إليه هؤلاء الأئمة الكبار كان أكبر بكثير من همم أتباعهم وجرأتهم، فانحصر في تطبيقات فرعية، ثم روغمت هذه المصادر على الاعتراف بأنها مصادر تبعية لا تستقل بنفسها في تشريع الأحكام وأنها تحتاج إلى ولاية دائمة من سلطان النص حتى صار ت إشارته ودلالته واقتضاؤه وفحوى خطابه ولحن خطابه أولى بالاحتجاج من المصلحة المحققة التي لا ريب في ثبوتها، والحاجة المؤكدة إليها .
وقد مضى هذا الخيار الاستلحاقي في تقزيم هذه المصادر إلى حد تعطيلها من الناحية الفعلية وصارت في الواقع عاجزة عن الاستقلال في تحرير المسائل، وعلى سبيل المثال فإن كتب الفقه الإسلامي المدرسية لا تكاد تورد اليوم من الأمثلة حول الاستحسان غير مثالين مشهورين هما تضمين الصناع وأسآر الطيور الجوارح هما مسألتان قديمتان في فقه الحنفيه أشار إليهما أبو حنيفة وكأن ليس في سماء الواقع الإسلامي ما يتطلب الاستحسان غير هاتين المسألتين ! وفي مثال أكثر دلالة فقد نوقشت في السنوات الأخيرة رسالة دكتوراه قصد منها الباحث استقصاء المسائل التي شرعت عن طريق الاستحسان استقصاء كاملاً فإذا هي اثنتان وعشرون مسألة لا يوجد منها واحدة تمت إلى العصر بصلة !
أليس مدهشاً أن يعمد الأئمة الكبار الذين لا مطعن في دينهم وإمامتهم في القرن الثاني إلى تخير مصادر الشريعة الملهمة فيكون لديهم أكثر من عشرة مصادر مستقلة تسير مجاورة للمصادر النصية، تلتزم مصلحة الأمة وتحقق إرادة جماهيرها، وهي تنهض وحدها بالتشريع مستقلة وليست تبعية كما أصبحنا ندرس اليوم ، فيما نقعد نحن بعد اثني عشر قرناً ليس عن اكتشاف مصادر جديدة بل عن تفعيل المصادر القائمة بالفعل، ووضعها موضع الاستثمار التشريعي؟
في حمى الجدل الدائر اليوم حول مسائل الاقتصاد الإسلامي ونظام المصارف العامة فإني لم أسمع فقيهاً يقول (أستحسن) يغدو الاستحسان نظيراً مباشراً للابتداع المذموم والعبث في الشريعة، ولا تطرح مسألة المصلحة العامة مصدراً تشريعياً على الرغم من اليقين الجازم بأن هذه المسائل من باب المصالح المرسلة .
إن هذا الذي يثير الاستغراب والدهشة اليوم لم يكن كذلك إبان أيام المجد الفقهي الأول أو على الأقل فإن هذا الإنكارلم يكن صيغة إجماعية كما يتحدث عنه المتشددون اليوم .
الاستحسان الذي تخيره أبو حنيفة ليس فاكهة لفظية أراد بها التمايز على أخصامه، ولا هو خيار يدور في إطار الخلاف اللفظي، إنه منهج هائل في فهم النص يعتمد أساليب جد مغايرة للتيار المحافظ الأمر الذي دفع الإمام الشافعي إلى تصنيف كتابه الشهير إبطال الاستحسان فيه أعلن أن من استحسن فقد شرع، ومع أنه تم العثور على صيغة تلفيقية نزعم بها أن الشافعي لم يفهم أبا حنيفة ولو فهمه لما أنتقده، فإني أعتقد أن أبصر الناس بأبي حنيفة إنما هو الشافعي، وأعتقد أن هذا الدفاع الذي صرنا إليه حفاظاً على كرامة الرجلين لا يرضي أياً منهما، فلا أبو حنيفة يريد باستحسانه مصدراً تبعياً ضعيفاً اتكائياً، ولا الشافعي ضعيف النظر بمآلات خيار أبي حنيفة وهو الذي تتلمذ طويلاً على أخص أصحاب أبي حنيفة، ولا هو متهم عليه وفيه أثرت كلمته: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة .
الاستحسان في تعريف الكرخي: قطع المسألة عن نظائرها، أي أن المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما حكم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه لوجه أقوى من الأول يقتضي العدول عنه ، ومقتضى تعريف الكرخي أن الاستحسان إنما هو التوقف عن إعمال حكم النص في المسألة إذا تبدى للفقيه سبب مقنع لهذا التوجه .
وفي تعريف آخر نقله الآمدي: الاستحسان عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه وعرفه السرخسي بقوله: الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، وظاهر أنه أراد بالقياس هنا الحكم وفق دلالات النص الظاهرة .
وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام، وقيل هو الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر وهو أصل في الدين قال الله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال الشيرازي في اللمع: الاستحسان المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله هو الحكم بما يستحسنه من غير دليل وهو عند الأصوليين من الحنفية: العدول عن قياس جلي لقياس خفي لعلة اقتضت ذلك العدول.
إنني لا أتجه إلى الزعم بأن هذا الخيار من العمل بالاستحسان والمصلحة كان خيار الأمة بل إني لا أزعم أن المالكية والحنفية مضوا على جرأة أئمتهم، بل إن الأمر مرتبط بواقع الأمة الحضاري، فحين تسلط الاستبداد السياسي وتدافع الأمراء إلى حالات من الشرذمة والتطاحن الفئوي والعشائري، وحين عجزوا عن استحقاق المرحلة ودخلت الأمة في استحقاقات هي غير مؤهلة لها من الغزو الصليبي والمغولي، وداخت الأرصدة في جيوب المترفين بدلاً من أن تكون رصيداً للبحث العلمي أصبح الفقه الإسلامي ضرورة في أيدي رجال لا يملكون المبادرة الفاعلة، وكنتيجة لازمة لذلك كان القعود عن الاجتهاد، والبحث عن صيغ نجتر فيها أنفسنا .
إن ما قاله الطوفي الحنبلي في القرن الثامن من استقلال المصلحة بالتشريع والاحتكام إليها إذا تعارضت مع النص ليس في الواقع شيئاً جديداً في الفقه الإسلامي ولا هو أكبر مما قاله الإمام مالك من قبل، بل هو لا يعدو أن يكون توصيفاً دقيقاً لما فعله الخلفاء الراشدون في وعيهم لمقاصد الشريعة، ولكن تظهر فرادة الطوفي من وجهة نظري في أنها صيحة تنوبر في عصر ظلام، وفي دقة تعبيره عن ما كان الأولون يطبقونه حدساً وفطرة في سياق تفهم مقاصد الشريعة .
وكما أغضب خيار أبي حنيفة الشافعي، فقد أغضب خيار مالك ابن حزم الظاهري وكانت حركته في الواقع رداً مباشراً على مذهب مالك في الاستصلاح، في كتابه العنيف الإحكام أورد خيار المالكية في عبارة (ليس عليه العمل) تسعاً وثلاثين مرة، يجزم في أكثرها بكفر من يختار هذا الخيار! ثم قال في آخرها: فهذا ما تركوا فيه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من روايتهم في الموطأ خاصة ولو تتبعنا ذلك من رواية غيرهم لبلغ أضعاف ما ذكرنا وما خالفوا فيه أوامره عليه السلام من روايتهم ورواية غيرهم أضعاف ذلك، ولعل ذلك يتجاوز الألوف فقد بطل كما ترى ما ادعوه من اتباع عمل النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أنهم أترك خلق الله لعمل نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم لآخر عمله ولعمل الأئمة بعده .
وفي حين كان ابن حزم يرى هذا المنهج افتئاتاً على الشريعة كان جمهور العلماء آنئذ يرونه وعياً بمقاصدها، وكان تركهم لظاهر النص يفسر حكماً بتنفيذ مقاصده وغاياته،وأسوق هنا مثالاً آخر من كلام ابن حزم ذا دلالة، وهو موقفه من إعراض المالكية عن العمل بحديث صحيح يتصل بنضح الماء من بول الصبي، وهي كما ترى مسألة هامشية وأقل من شكلية ولكن ابن حزم يقول ما نصه:
ورووا أنه عليه السلام أتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله، فقالوا ليس عليه العمل وهذا لا يطهر الثوب ومن صلى بثوب هذا صفته صلى بنجس فعلموا نبيهم صلى الله عليه وسلم ما لم يكن في علمه وجعلوه مصليا بثوب نجس تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ورووا أنه عليه السلام صلى بالناس وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص على عنقه فقالوا ليس عليه العمل وهذا إسقاط للخشوع
قال علي هذا كلام من قاله منهم ناسباً لسقوط الخشوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر وارتد وحل دمه وماله ولحق باليهود والنصارى ومن نسب ذلك إلى المقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينسبه إلى المقتدي به فقد توقح ما شاء وسخف وهما خطتا خسف لا بد من إحداهما وهنا أتساءل أيسوغ بعدئذ أن نتصور أن خيار ابن حزم هذا في وجوب العمل بظاهر النص ورفض الآخر هو منهج الأمة، وهل نحن مطالبون بالاعتذار عنه؟ أم أن الخيار هذا الذي يحملنا العلمانيون وزره هو مرفوض من وجهة نظر جمهور الفقهاء الذين عانوا منه أشد المعاناة، واستخدمه الظاهريون ضدهم في المقام الأول، ومتى يدرك إخواننا العلمانيون أن الظاهرية محنة في العقل الإسلامي كما في سائر حركات النشاط الاجتماعي؟ ومن غبر المعقول أو المقبول أن نحمل الأمة كلها أوزار الاتجاه الظاهري، وأن الأمة الإسلامية كانت تتخير السبل لتطلق مقاصد النص وغاياته في أرحب فضاء من دون أن تعوق حركتها ظواهر النصوص التي قد تكون محكومة بألف معيار من ظروف الورود أو النزول.
وهذا المنهج الذي نشير إليه هو في الواقع عمل الأمة منذ فجر التشريع، وإن لم يتم تأصيله على هيئة قواعد ناظمة، ويمكن تلمسه في مواقف لا تحصى عدداً هي بالفعل كما قال ابن حزم تبلغ الألوف أو تزيد، وهو ما يؤكد حقيقة أن النص بذاته كمعطى أبستمولوجي لم يكن في الواقع أبداً عائقاً في وجه تخير الأمة للصلاح والأصلح، وذلك بشرط أن نتعامل مع هذه النصوص في إطار الزمان والمكان والظروف المصاحبة للتنزيل.
إن نصوصاً مثل:(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، أو (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) هي نصوص صحيحة من جهة الإسناد بكل تأكيد، فالأول قرآن كريم، والثاني حديث يرويه البخاري ومسلم، ولكن هل يقبل أحد من فقهاء هذه الأمة إطلاق هذين النصين في الزمان والمكان؟ وهل فعل النبي الكريم ذلك؟ وما تفسير بقاء الألوف من أبناء الأديان الذين عاشوا في كنف دولة النبي وأصحابه؟ بل في مدينته المنورة حتى إنه مات ودرعه مرهونة عند رجل من أهل الكتاب؟ وهكذا فإن أدنى مدارسة للنص حملتهم على التزام اقتضاء ضروري هنا بحيث يصبح النص: فاقتلوا المشركين ( الذين يقاتلونكم )، وأمرت أن أقاتل الناس ( الذين يقاتلونني )، وهو فهم زائد على النص بكل تأكيد، ولكنه ينطلق من روحه ومقاصده.
وحدهم الخوارج اختاروا عصمة النص بالمطلق، وحاربوا كل قيد تلقيه عليه مقاصد الشريعة، وحين اختارت الأمة تكامل العقل مع النص صرح الخوارج بعبارتهم المشهورة (لا حكم إلا لله).
إن عبارة لا حكم إلا لله، كلمة لا تفتقر إلى المصداقية، وليس بوسع مؤمن ـ من أي مذهب كان ـ أن يتنكر لها، ولا شك أنها تختصر جهاد الأنبياء وعطاءهم، فلم يكن سعي الأنبياء والرسل منذ فجر عهد النبوة إلا لتقرير هذه الحقيقة، ولكن الإمام علياً رضي الله عنه رفض هذا الشعار الساذج وقال فيه: (كلمة حق يراد بها باطل).
لقد أدرك الإمام علي رضي الله عنه أن مقاصد الخوارج تتجه إلى تعطيل العقل والتماس سائر التوجيه في الحياة من ظاهر النصوص، وهو أمر غير ممكن، شرحه بقوله: (أما إني أعلم أنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يريدون لا إمرة إلا لله، أما إنه لا بد للناس من أمير، من يجبي الخراج، من…
إن السمة التي ميزت فكر الخوارج هي ارتكازهم على مبدأين اثنين:

الأول: تحكيم ظواهر النصوص، ولو أدى ذلك إلى نتائج متناقضة، أو معاندة لمقاصد الشريعة نفسها.الثاني: رفض الآخر، إذ أسقطوا مقولة الاختلاف، وجزموا بتلازم الاختلاف في الرأي مع اختلاف الحق في ذاته، وقد أدى بهم ذلك إلى خيار تكفير الآخر، وهدر دمه، بل وعدم قبول توبته.

وهكذا فإن الخوارج هم الذين تبنوا الفكر الظاهري، وطبقوه عسكرياً، قبل أن ينحسر بعدئذ إلى فتاوى ورؤى يقدمها غلاة الفكر الظاهري .
وكما جرى إيقاف العمل بالنص إياه تخفيفاً جرى تركه تشديداً أيضاً على يد أبي بكر، فعندما اقتنع أبو بكر بأن منع الزكاة هو تمرد على النظام العام وينذر بتمزق كيان الدولة وهم بمقاتلة مانعي الزكاة جوبه من قبل بعض الصحابة بالنص الصريح، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وهم يقولونها فينبغي أن تعصم دماؤهم وأموالهم، ولكن أبا بكر قال مباشرة: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم عليها ! وهو موقف كما ترى واضح في مواجهة النص، غير أنه لم ينظر إليه كذلك وإنما اعتبر فهماً لمقاصد النص وغاياته .
في واقع جمع القرآن وتنقيطه وترتيبه وشكله كانت هناك مقاومة من بعض الصحابة تستند إلى نصوص قوية تحظر ذلك، ولم ترد أدنى إشارة لذلك من النبي الكريم، وفي النص القرآني: إن علينا جمعه وقرآنه، وبعد شهور طويلة انتصر الوعي بمقاصد النص على الوعي بظاهر النص .
والأمثلة في أيام الخليفة الراشدي عمر أكثر من أن تحصى من تعطيل حد القطع في السرقة، ووقف قسمة الأراضي على الفاتحين، وإلغاء المتعة المنصوص عليها في النص في النكاح والحج وكل ذلك إنما كان عن طريق وعيه بمقاصد النصوص التي نزلت لأجلها، بحيث يسوغ القول بأن عمر فهم النص ربما أكثر من قولنا إن عمر أبطل النص أو أوقفه أو عطله، والأمر نفسه يتكرر في العصور، ويمكن القول إنه كان يتناسب طرداً مع القرب من زمن الرسالة فالاجتهاد يتعاظم في الواقع كلما اقتربنا من زمن الرسالة ويتناقص كلما ابتعدنا عن زمن الرسالة بحيث يمكن القول إن أعظم المجتهدين إنما هم أولئك الذين كانوا أقرب إلى زمن الرسالة .
إن ما أرجو أن أكون مبيناً فيه إن إشكالية حضور سلطة النص الموهومة ليست شيئاً ضد نضال الإنسان الديمقراطي وكفاحه التحرري، وإن تيار الانفتاح داخل النص كان وسيبقى أكثر حضوراً، وإذا كنا بصدد البحث عن أسباب تعوق الأمة عن دورها الحضاري فيجب التماس ذلك في أسباب واقعية أخرى .
إن من الطبيعي أن يكون حول النص دوماً تيار ظاهري يعيش في أتون النص وحرفه دون وعي بمقاصده وغاياته ولكن يجب عدم المبالغة في ذلك، وعدم اعتباره صبغة لازمة للتفكير الإسلامي، وأرجو أن تكون الأدلة واضحة هنا في بيان أن حضور المصلحة العامة في بال الفقيه المسلم مؤكد وظاهر وإن قصرت عن ذلك العبارات ربما بدافع من الأدب والشعور بقدسية النص .
إلى عهد قريب كانت الفتاوى مترافدة في تحريم سائر أشكال التصوير وهو خيار مضى إليه التاريخ الإسلامي برمته، فنحن لا نملك أي تصوير يدوي ( رسم ) لأي إمام عبر التاريخ الإسلامي، على الرغم من المعنى التراثي والتوثيقي لمثل هذا اللون من الفن، ولكن لما تأكدت المصلحة في ذلك تتابعت الفتاوى التي تجيز ذلك حتى خفت الصوت الآخر، إني لا أزعم أنه غائب، ولكنه خافت مقتصر على التيارات المتشددة، تلك التي لا يبدو منطقياً أن تعمم من خلالها الأحكام، وهكذا تم تجاوز المشكلة من دون أن يتوجه القول إلى إلغاء النص بل ازدادت القناعة بأن المنصوص عليه في التصاوير المحرمة إنما هو تلك التي تصنع بهدف اتخاذها أوثاناً تصنع للعبادة .
والأمر نفسه في المخاض الذي نشهده اليوم في مسألة القياس على الربا المحرم في العلاقات الاقتصادية السائدة، وأنت تجد أنه يتبدد شيئاً فشيئاً الحديث عن العلل التي كانت تطرح من قبل معايير للقياس كالطعمية والثمنية والوزن والمكيالية، وكذلك التمسك بأن الربا إنما يجري في الأصناف الستة المذكورة دون سواها وهي الذهب والفضة والبر والتمر والملح والشعير، حيث يتخافت ذلك تدريجياً مفسحاً المجال للحديث بصورة أكثر وضوحاً عن الغايات والمقاصد في التشريع، بحيث يتأكد الحديث عن الاستغلال سبباً وعلة في التشريع والاستنباط، ويصبح إعادة تكوين نظرية كاملة عن الربا أمراً ملحاً، لرفض أشكال الاستغلال الرهيب الذي تفرضه العولمة اليوم عبر الشركات المتعددة الجنسيات، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وهو المعنى الذي نهضت تطالب به مئات المنظمات الإنسانية عبر مظاهرات صاخبة في سياتل آخر العام الماضي في رفض كلي للربا العالمي على أساس مقاصده ونتائجه المدمرة .
إننا نطالب التيار الإسلامي بالإيغال أكثر فأكثر في مقاصد النص وغاياته، ولا شك أن ما نأمله في هذا السبيل لم يبلغ حداً مرضياً بعد، ولكن لا يجوز التنكر لما تحقق من إصلاح في هذا المنهج، على مختلف الصعد .
إن مسألة المرأة على سبيل المثال التي يشار إليها دوماً على أنها ضحية التحيز النصي الذي يقعد بها عن بلوغ آمالها الديمقراطية، وهو الاتجاه الذي تفرزه مؤخراً الأحداث الثقافية والدستورية في الكويت، لا يجوز تصويره بالمطلق خياراً وحيداً في الفقه الإسلامي، بل ولا حتى خياراً قوياً، إننا للأسف نعمد إلى أشد الفتاوى ظلامية في الموروث الثقافي، ثم نتصور أننا نقدم من خلاله رأي الإسلام، وحين تصد المرأة عن حقها الطبيعي في الانتخاب بدعوى أنه جزء من الولاية العامة الممنوعة على المرأة، عملاً بنص: ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، فإنه يتم عن عمد تغييب آراء أخرى في الفقه الإسلامي ذات دلالة، فالقرطبي على سبيل المثال لا يتردد في تقرير حق المرأة أن تكون نبية! والرأي نفسه يتبناه فقيه آخر في غاية الأهمية هو الحافظ ابن حجر العسقلاني .
في حين أصدرت الطالبان قراراها بمنع مشاركة المرأة في سائر جوانب الحياة وسرحت سائر الموظفات من الخدمة بقرار واحد، فإن جارتها الجنوبية جمهورية باكستان الإسلامية بلد المائة جامعة إسلامية أقرت بمشايخها وجامعاتها الإسلامية تسلم المرأة منصب رئيس الوزراء في ثاني أكبر بلد إسلامي في العالم، هي أرض إقبال وجناح وأرض الآمال الإسلامية الطاهرة، وفي جارتها بنغلاديش الإسلامية تسلمت المرأة الحكومة والمعارضة في آن واحد من دون أن تضطر لإلغاء شيئ من دساتيرها والتبرء من الولاء للوحي والغيب، والأمر نفسه يتكرر الآن في أكبر بلد إسلامي في العالم وهو أندنوسيا حين تصبح رئيس الجمهورية امرأة، وفي ظروف يتولى فيها الاتجاه الإسلامي سدة الحكم، وفي طهران تشغل المرأة منصب معاون رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي دولة يعدها العلمانيون عادة من الصقور وليس من الحمائم .
وفي هذه الحالات جميعاً فإن أحداً لا يستطيع أن يزعم أن الأوراق التي أوصلت هؤلاء النسوة إلى سدة الحكم هي أوراق ملحدة، وأن أوراق الإيمان كانت في الصناديق الأخرى .
في السنوات العشرين الأخيرة وصلت المرأة إلى الرئاسة الأولى أو الثانية في سبع عشرة دولة كبيرة في العالم منها ست دول إسلامية، في حين لم يتقبل المجتمع الأمريكي رغم مرور أكثر من مائتي عام على قيام الكونفدرالية وجود امرأة واحدة في سدة الرئاسة الأولى أو الثانية.
فلماذا تتم مساءلتنا ومحاسبتنا عن النمط الطالباني وحده؟
ولماذا لا يتحدثون عن المرأة المسلمة التي صرنا نألفها أستاذة جامعية ومذيعة ونائبة ووزيرة وأديبة وشاعرة وطبيبة ومهندسة وهي نماذج صارت ملئ السمع والبصر في طول المجتمع الإسلامي وعرضه؟
إن نظرة واحدة على مدرجات كلية الطب أو الهندسة أو الصيدلة في سوريا، وملاحظة تنامي حالات اللباس المحتشم فيها تكفي لهزيمة الفكرة القائلة بأن الإسلام يحول بين المرأة ومشاركتها الفاعلة في الحياة العامة .
في سوريا مثلاً توفرت الظروف الكاملة لمشاركة المرأة في الحياة العامة دون أي تمييز، وقامت مؤسسات متعددة برعاية المرأة في سائر خصوصياتها الاجتماعية، والآن وبعد مضي نحو ستين عاماَ على الاستقلال فإن المرأة لا تشغل أكثر من منصب وزاري أو منصبين، ومنصباً واحداً في الجبهة الوطنية والقيادة القطرية وهما أعلى جهازين إداريين في البلاد، وتعدان مجتمعتين أكثر من أربعين عضواً، ولا يزال جهاز الجيش والأمن خالياً من النساء .
وليس ذلك بالطبع ناشئاً عن قيود موضوعة على المرأة تعوق مشاركتها، ولا هو كذلك من تدخل النص المقدس لتحييدها وإخراجها بقدر ما هو توجه صحيح للمرأة في السبيل الذي يتناسب مع فطرتها وميولها ونشاطها الإبداعي والموروث من الأعراف والعادات التي نشأ عليها المجتمع السوري .
إن الحديث عن دور سلطة النص في إعثار الديمقراطية يبدو غير واقعي بالمرة إلا إذا أصررنا على تحميل الاتجاه الإسلامي سائر أوزار الجمود والتقليد التي ترسف بها مجتمعات العالم الثالث على أساس أنها خيارات النص الموروث.