A+ A-
ركائز المصلحة الوطنيّة العليا
2012-05-07

خلال ورشة عمل نظمها مركز "مسارات" في عمّان
الدعوة إلى التوافق على "ركائز للمصلحة الوطنية العليا" تشكل مرجعية لإستراتيجيّة فلسطينيّة شاملة
أكّدت مجموعة من الفعاليّات الفلسطينيّة السياسيّة والقانونيّة والأكاديميّة والبحثية من داخل فلسطين وفي عدد من بلدان الشتات على الحاجة الملحة للاتفاق على ركائز تجسد المصلحة الوطنية العليا، بحيث يتم احتكام الكل الفلسطيني إلى تعريف جمعي لهذه المصلحة وركائزها، التي تحدد الأهداف والحقوق الأساسيّة، كمرجعية وإطار عام لإستراتيجيّة وطنيّة يتم التوافق عليها من قبل مكونات النظام السياسي ومؤسسات الشعب الفلسطينيّ، في سياق عملية شاملة لاستعادة الوحدة وإنهاء الانقسام وإعادة بناء التمثيل الوطني للشعب الفلسطينيّ في كل مكان في إطار منظمة التحرير، وباعتماد مبدأ الانتخاب للمجلس الوطني الفلسطيني.
جاء ذلك خلال ورشة عمل نظمها في العاصمة الأردنية عمان، يوم السبت، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة – مسارات، حول "ركائز المصلحة الوطنيّة العليا" والميثاق الوطنيّ كمرجعيّة وإطار عام، واستضافها مركز القدس للدراسات السياسية في مقره، وقدم خلالها الخبير في القانون الدولي الدكتور أنيس فوزي القاسم، مداخلة بعنوان "بين الدستور والحاجة إلى ميثاق في مرحلة التحرر الوطني".
وشارك في الورشة عشرات الفعاليّات السياسيّة والأكاديميّة الفلسطينيّة من الضفة الغربية وأراضي 1948 والأردن والإمارات العربية والولايات المتحدة وفرنسا، واستهلها مدير عام مركز القدس عريب الرنتاوي بكلمة ترحيبية بالمشاركين، فيما قدم مدير عام مركز مسارات هاني المصري مداخلة حول أهمية هذه الورشة التي تأتي في سياق جهود مركز مسارات لطرح قضية التوافق على "ركائز المصلحة الوطنية" للنقاش العام باعتبارها المرجعية لإستراتيجية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني التحرري الجمعي للشعب الفلسطيني أينما تواجد، في سياق إعادة بناء التمثيل الوطني في إطار منظمة التحرير.
وقال المصري إن هذه الورشة تعتبر خطوة مهمة في إطار السعي لتطوير وتعميق البنود والأفكار الواردة في وثيقة "ركائز المصلحة الوطنية العليا"، التي توصلت إليها مجموعة تفكير ضمت سياسيين وأكاديميين واقتصاديين وكتابا وباحثين انخرطوا على مدى ثلاثة أشهر في جلسات نقاش منتظمة قبل الإعلان عن الوثيقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008.
واستعرض القاسم في حديثه المبررات التي دعت إلى بلورة الميثاق القومي، ومن ثم الميثاق الوطني الفلسطيني، والتعديلات التي أدخلت عليه، والمكانة التي تبوأتها منظمة التحرير على المستويين العربي والدولي كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
وقال إن المنظمة احتلت أكثر المواقع تقدمًا بالمقارنة مع حركات التحرر الأخرى في العالم، بحيث يقترب وضع المنظمة في المسرح الدولي إلى وضع دولة من دون أن تنجز وضع الدولة ذات السيادة، كما حصلت على جميع الحقوق باستثناء التصويت، منوها إلى أنه تم تحقيق هذه المكانة لمنظمة التحرير في الوقت الذي كانت المنظمة تتمسك فيه بميثاقها الصادر عام 1964، والذي تم تعديله عام 1968، وبالرغم من أن هذا الميثاق كان ينص بوضوح على أن أهداف منظمة التحرير هي التحرير الكامل لفلسطين التاريخية وعودة اللاجئين إلى الديار التي هجروا منها، وممارسة حق تقرير المصير، فضلا عن تأكيده على أن إعلان بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 هي وثائق باطلة.
وأضاف: ظلّت منظمة التحرير ممثلة للشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها، واعتبرها الفلسطينيون ممثلة لمشروعية نضالهم وتعبيرًا عن هويتهم الوطنية، إلا أنه اعتبارًا من العام 1974، بدأ العدّ التنازلي لهبوط منظمة التحرير، عندما تم تبني برنامج إقامة "سلطة وطنية" على أي أرض تنسحب عنها إسرائيل، منوها إلى أن هذا المسار تواصل في العام 1988، بإعلان المجلس الوطني في دورته بالجزائر ضمن ما يسمى "إعلان استقلال" دولة فلسطين طبقا لقرار التقسيم 181.
ثم جاءت اتفاقيات أوسلو لعام 1993، "لتتحول منظمة التحرير من منظمة ثورية إلى مقاول من الباطن لسلطة الاحتلال، ذلك أن اتفاقيات أوسلو ألقت على منظمة التحرير بكل الواجبات والالتزامات من دون أن تمنحها أيا من الحقوق. وقد بلغت اتفاقيات أوسلو حتى الآن ثماني اتفاقيات، لم يرد في أي منها كلمات مثل: استقلال، حق تقرير المصير، انسحاب من أراضٍ محتلة، أو أي تعبير يشير الى أن المنظمة تمثل شعبا يقع تحت الاحتلال".
وتابع أن سلسلة التراجعات التي أصابت منظمة التحرير الفلسطينية "بدأت حين تخلّت المنظمة عن ثوابتها الوطنية كما عبّر عنها ميثاقها، وقد تمّ استدراجها إلى تقديم المزيد التنازلات، فيما سحبت إسرائيل حتى صلاحيات السلطة الفلسطينية التي وردت في اتفاقيات أوسلو، لدرجة أن الرئيس محمود عباس قال مؤخرًا إن السلطة أصبحت دون سلطة".
وحذر القاسم من الدعوات إلى وضع دستور لدولة غير قائمة، مؤكدا الحاجة إلى ميثاق وطني يعيد الاعتبار للميثاق القومي الذي انطلقت على أساسه منظمة التحرير، بحيث يجمع عليه الفلسطينيون في ظل مرحلة التحرر الوطني، ويعيد الاعتبار لمكانة المنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني
كما دعا إلى التركيز على إجراء انتخابات لمجلس وطني جديد، تشمل كافة تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، بما في ذلك دراسة آليات التصويت الإلكتروني في الأماكن التي يصعب إجراء انتخابات فيها، معتبرا أن مثل هذا المجلس الوطني هو المخول بتبني ميثاق وطني يعيد توحيد الفلسطينيين في كل مكان على قاعدة التمسك بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في وطنه، ويؤكد على استحالة التعايش مع الحركة الصهيونية.
وأكد المشاركون في الورشة على ضرورة وضع أسس راسخة لإعادة بناء الحركة الوطنية ومؤسسات الشعب الفلسطيني التمثيلية انطلاقا من وحدة هذا الشعب، بما يمكن من من إنهاء حالة الانقسام ومعالجة تبعاته وآثاره، والحفاظ على الكيانية السياسية الموحدة للشعب في مواجهة المخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية. وشددوا على ضرورة إجراء مراجعة عميقة وشاملة للمسيرة الوطنية لاستخلاص الدروس والعبر، واختيار الطريق الكفيلة بتحقيق الأهداف الوطنية.
واعتبروا أن طريق الخروج من المأزق التاريخي الذي تشهده القضية الفلسطينية حاليا، يبدأ بالاتفاق على "ركائز المصلحة الوطنية العليا"، من خلال وضع ميثاق وطني يحدد الحقوق التاريخية والأهداف الوطنية الجمعية وقواعد اللعبة التي يحتكم إليها جميع الفلسطينيين ومؤسساتهم الوطنية، كما يؤكد على وحدة الشعب داخل وخارج وحقوقه بالعيش في وطنه وتقرير مصيره وعودة اللاجئين إلى الديار التي هجروا منها، ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري، بحيث تشكل هذه الركائز إطارا عاما لإستراتيجية وطنية شاملة يجري التوافق من خلالها على الخيارات الإستراتيجية البديلة في ظل انسداد أفق المفاوضات وعدم القدرة على تحويل السلطة إلى دولة مستقلة، بل وتحولها إلى عبء على مسيرة التحرر الوطني الفلسطيني.
كما أكدوا على وجوب التفريق بين الميثاق الوطني الذي يجسد ركائز المصلحة الوطنية العليا وبين البرنامج السياسي ووسائل وأدوات الكفاح لتحقيقه في كل مرحلة وفق الظروف والمتغيرات وموازين القوى دون إجحاف بالحقوق والأهداف الوطنية الجمعية.
وأكد المشاركون على ضرورة أن يأخذ الميثاق الوطني بعين الاعتبار المتغيرات الهائلة التي طرأت منذ تبني الميثاق الوطني بصيغته التي أقرت عام 1968، فلسطينيا وعربيا ودوليا، وفي سياق تطبيق المشروع الصهيوني نفسه على الأرض الفلسطينية، دون التسليم بالنتائج التي ترتبت – ولا تزال – على الاختلال الفادح في ميزان القوى لصالح هذه المشروع الذي أثبتت تجربة الصراع عدم قبوله لأية تسوية على الأرض الفلسطينية، وتبني إسترتيجية شاملة تسعى لتغيير ميزان القوى لصالح قضية الشعب الفلسطيني.
كما توقف المشاركون أمام واقع السلطة الراهن ومحاولات تحويلها إلى وكيل أمني وإداري واقتصادي يطيل عمر الاحتلال، وآفاق المشروع الوطني والخيارات الإستراتيجية في ظل فشل عملية المفاوضات واحتمالات انسداد الآفاق أمام ما بات يعرف باسم "حل الدولتين"، وإشكاليات تطوير إستراتيجية مقاومة فعالة توظف طاقات جميع الفلسطينيين في معركة التحرر الوطني.
كما قدموا اقتراحات لتوسيع النقاش الوطني العام حول "ركائز المصلحة الوطنية العليا" وفكرة تبني ميثاق شعبي كمرحلة أولى، أو الميثاق الوطني والجهة المخولة بإقراره، وهل هي المجلس الوطني المنتخب في سياق إعادة بناء وتطوير منظمة التحرير ومكانتها التمثيلية للفلسطينيين في كل مكان، أم من خلال تشكيل جمعية تأسيسية بالانتخاب أو بالتوافق الوطني تخول بوضع الميثاق الوطني قبل انتخاب المجلس الوطني حتى يكرس الميثاق ركائز المصلحة العليا كمرجعية لا تخضع للأغلبية والأقلية في لحظة ما.