A+ A-
دروس من الديمقراطية التركية
2011-04-28

بحث سياسيون وحزبيون ومفكرون عرب واتراك في التجربة الديمقراطية التركية والعلاقات العربية التركية خاصة في اعقاب الثورات الشعبية العربية الاخيرة، في كل من مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا، وذلك خلال المؤتمر الاقليمي الذي بدا اعماله في انقرة، ينظمه مركز القدس للدراسات السياسية بالتعاون مع مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا)، تحت عنوان "دروس من تجربة الديمقراطية التركية".
شهد المؤتمر نقاشات حادة وتساؤولات عربية حول الموقف التركي مما يجري في المنطقة العربية وتحديدا حول موقف انقرة من الثورة في ليبيا .. وركزت التساؤولات العربية بشدة حول علاقة انقرة الحالية بدمشق خاصة مع تصاعد القمع للإحتجاجات الشعبية في سوريا.
وكان من بين الاسئلة التي طرحت في هذا الإطار فيما اذا دخلت تركيا مرحلة تقييم لعلاقاتها مع دمشق لمرحلة ما بعد نظام حكم بشار الاسد ام لا ؟ وكيف ستتعامل تركيا مع التطورات التي تشهدها سوريا حاليا.
وحرص المشاركون الأتراك في اعمال الورشة على التاكيد ان انقرة لا تتدخل ابدا في الشؤون الداخلية لدول الإقليم، كما انها لا ترغب بتصدير الثورات على النمط الإيراني وان تركيا ترغب في ان ترى المنطقة العربية مستقرة تتحقق فيها الديمقراطية بشكل سلمي.
وكان مدير مركز القدس للدراسات السياسية الزميل عريب الرنتاوي افتتح اعمال الورشة بكلمة قال فيها ان الإهتمام بالتجربة التركية، نابع في الأساس من الاهتمام العام بمستقبل الإصلاح السياسي ومآلات التحوّل الديمقراطي في دولنا ومجتمعاتنا العربية التي عانت لأزيد من أربعة عقود من استشراء وتفشي حالة الركود، والفشل الديمقراطي، وتعثر عمليات الإصلاح، ما أدى إلى أوخم العواقب على صعيد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لعل أبرزها انتقال معظم الدول العربية إلى أنماط من "حكم العائلي والسلالي"، ذات الطبيعة الاستبدادية والشمولية في غالب الأحيان، وذلك قبل أن تبزغ شمس الحرية والتغيير من تونس في مختتم العام الفائت، فتضيء ميدان التحرير في القاهرة، وتشع بأنوارها على مختلف المدن والقرى والبلدات العربية.
واوضح الرنتاوي انه كان لقيام تركيا بدورها المتعاظم، كقوة صاعدة ومستقبلية، وكلاعب إقليمي لا غنى عن دوره في كثير من أزمات المنطقة، فضلا عن دورها كعنصر أساسي في حفظ أمن الإقليم واستقراره وسيادة دوله وحقوق شعوبه وكرامتها، كان لكل ذلك أثره في دفعنا للسعي لالتقاط ما أسميناه بـ"اللحظة التركية" في تاريخ الشرق الأوسط.
و تابع بالقول ان "اللحظة التركية" التي عنيناها وأردنا اغتنامها والإفادة منها، عنت في الأساس، الوقوف بعناية وتبصّر أمام تجربة حزب العدالة والتنمية، وحصاد قيادته لتركيا في العقد الأخير، وهي تجربة أثارت وتثير فضولاً معرفياً وسياسياً متزايدين، لدى أوساط واسعة من الرأي العام العربي، من مختلف اتجاهاته، ومن بينها وفي القلب منها ربما، ما بات يعرف بحركات الإسلام السياسي في بلادنا.
وتحدث الدكتور طه أوسهان، مدير عام "مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، عن برنامج المؤتمر وأهمية انعقاده، في هذا الظرف بالذات حيث تشهد المنطقة سلسلة من التغيرات الجوهرية.
وتطرق في كلمته إلى بعض جوانب السياسة الخارجية التركية، مفندا النظرة النمطية التي تتحدث عن تغيير جوهري مرتبط بحزب في السياسة الخارجية التركية، مشيراً إلى أن تركيا تعود إلى منطقتها، وأن السياسات المستقلة التي اتخذتها في زمن الحرب على العراق والعدوانين الإسرائيليين على لبنان وقطاع غزة، مؤكدا أن تركيا لو لم تتخذ مواقفا رافضا لهذه الحروب والإعتداءات، لما كان انعقاد هذا المؤتمر أمراً ممكناً، ولما كانت تركيا قد اكتسبت كل هذه الثقة والاحترام في العالم العربي والإسلامي.
وعرض أوسهان بإسهاب، مراحل تطور التجربة التركية، لافتا إلى أن تركيا ليس لديها دورساً جاهزة "للنسخ واللصق"، وهي لم تفعل ذلك عندما شرعت في بناء نموذجها، وهي لن تقترح على أحد أخذ نموذجها جاهزا.
وشدد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية للشؤون الخارجية البروفيسور عمر تشيليك، على أهمية المؤتمر الذي قال انه يعقد في لحظة تاريخية متميزة....وقال أن الأحداث في المنطقة تسير بشكل متسارع تصعب الإحاطة به من مختلف جوانبه...
وتابع بالقول أن "إقفال باب الاجتهاد في العالم الإسلامي قد فتح باب الاجتهاد في ميدان التحرير في القاهرة...ورحب بمواقف العلماء المسلمين الذي أخذوا يتصدون للانظمة الاستبدادية، بعد ان تحول كثيرون منهم إلى أداة من أدوات السلطات الديكتاتورية في المنطقة، بحجة إطاعة ولي الأمر وحفظ الأمن والاستقرار باعتباره أولوية، من دون ان يدرك هؤلاء أن بناء نظم ديمقراطية، هو السبيل لحفظ الأمن والاستقرار. ووصف حزب العدالة والتنمية بالحزب المحافظ وبأنه صاحب مشروع سياسي ديمقراطي، معتبرا أن اكتفاء بعض الأحزاب والحركات الإسلامية برفع شعار "الإسلام هو الحل"، لا يوفر حلا أو يقدم مخرجا....
وبيّن المتحدث الفارق الجوهري بين "تيار المحافظة" في تركيا ونظيره الأوروبي، حيث يتوجه الأول للطبقات الفقيرة والوسطى، فيما يتجه الثاني إلى الفئات العليا من الطبقة الرأسمالية. وحمل على بعض النظريات الغربية الاستشراقية، التي تنظر للشرق والمنطقة عموما، بصورة نمطية، وتحمل على الإيديولوجيات وتبشر بنهايتها، وهو الأمر الذي لا يمكن ان يكون صحيحا اللهم إلا إذا كان المقصود أن لا نفكر بأوضاعنا.
وتناول سلسلة الذرائع والحجج التي ساقتها الأنظمة السلطوية في تفسير وتبرير استمرار حالة الاستبداد والفساد...ومن هذه الذارئع رفض التدخل الأجنبي ونظرية المؤامرة وعدم صلاحية الديمقراطية للعالم العربي والإسلامي، والخشية على الاستقرار والأمن وكل ما من شأنه إن يعطي شرعية للنظم الديكتاتورية.
واستعرض تشيليك الذي يوصف في تركيا بأنه أحد كبار منظري حزب العدالة والتنمية، وأحد أبرز رموزها الشابة...المراحل التي مرت بها التجربة الديمقراطية التركية، ومعاناة الشعب والنخب التركية من الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية والصدام الذي شنته مرارا ضد محاولات المجتمع التركي بناء نموذجه الديمقراطي الخاص.
وعقدت الجلسة الثانية برئاسة الباحث في مؤسسة (سيتا) الدكتور نوح يلمظ، وكانت مخصصة للبحث في تجارب الثورات العربية الاخيرة . حيث عرض البروفيسور الحبيب بوعجيلة، المؤسس والقيادي في حزب الإصلاح والتنمية التونسي والاستاذ في جامعة تونس لتجربة ورقة عمل بعنوان ( الثورة التونسية : قراءة في الواقع والافاق ) قال فيها ان هناك وعي في تونس ان استكمال ثورة 14 يناير لاستحقاقاتها الشاملة سيكون مسارا تراكميا يحكمه الصراع الديمقراطي وتحول موازين القوى بين مختلف الفاعلين في هذه المرحلة الإنتقالية.
واكد على ضرورة الانطلاق في التفاوض العام لصياغة العقد الوطني كضرورة سياسية واخلاقية تثبت المشتركات وتحدد قواعد الصراع الديمقراطي ومقومات الوحدة الوطنية وتضبط مجمل التحديث التي تواجه البلاد وسبل مواجهتها بعيدا عن عقلية التنافي والاقصاء والرارتداد الى الهويات المتقوقعة والمهددة لقيم العيش المشترك مهما كانت هذه الهويات سياسية او عقائدية او جهوية .
الدكتور عمرو هاشم ربيع، رئيس وحدة الدراسات المصرية والمسؤول عن برنامج دراسات التحول الديمقراطي في مؤسسة الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عرض في ورقة العمل التي قدمها الظروف التي احاطت بالثورة الشعبية في مصر والعوامل والاسباب التي ادت لنجح الثورة.. كما عرض لتطورات الاوضاع المستقبلية في مصر في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية.
وفي ورقته تحدث الوزير السابق ورئيس كتلة التجمع للإصلاح في البرلمان اليمني الدكتور عبد الرحمن بافضل، عن التجربة اليمنية وبشر بالاتفاق بين اللقاء المشترك والسلطة على رحيل علي عبد الله صالح، وفقا للمبادرة الخليجية.
الدكتور عمر كوش، تحدث عن التجربة السورية المتاثرة بالروح التونسية والمصرية، وأ عرب عن اسفه لسقوط الضحايا وانتقد تباطوء النظام في الاستجابة لمطالب الإصلاح، وحمل على مواقف بعض القوى في السلطة التي تفضل خيار الحل العسكري مؤكدا ان المشكلة في بلاده سياسية بامتياز، ودعا لمؤتمر حوار وطني ينتهي إلى برنامج عمل مشترك، وعدم استثناء أو استبعاد أي طرف عن "مائدة الحوار الوطني" وشدد على أهمية تلبية مطالب الشعب في الحرية والكرامة ولقمة العيش.
وعرض كوش لسيناريوهات المرحلة المقبلة، موضحا انها تتراوح بين السيناريو الأمنيي وهذا سيفضي إلى التصعيد، والثاني الاستجابة لمطالب الإصلاح وعقد "مائدة الحوار الوطني" وتجنيب سوريا مآلات صعبة في القتل والدمار والخراب، مؤكدا ان مصلحة الشعب السوري هي الاهم.
المتحدث الخامس في هذه الجلسة كان النائب البروفيسور مراد مرجانن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي الذي تحدث عن "نظرة تركيا إلى العالم العربي المتحوّل" حيث اشار الى المصاعب التي تعين على حزب العدالة والتنمية حلها، وركز على نقاط ثلاث هي: الاطار التاريخي لنظام الحكم في العالم وموقع تركيا في هذا النظام ومستقبل .المنطقة في ضوء التغيرات التي حدثت مؤخرا
اما الجلسة الثالثة فقد كانت بعنوان (عشر سنوات على حكم حزب العدالة والتنمية) .وتراسها البورفيسور حاتم إتي، الذي عرض للعوامل التي قادت لنجاح تجربة حزب العدالة والتنمية وحصوله على ثقة المواطنين ونجاحه في سلسلة الانتخابات المتعاقبة.
كما تحدثت البروفيسورة أديب سوزن، عن علاقات حزب العدالة والتنمية مع الأحزاب والتيارات الأخرى، وموقعه على الخريطة السياسية والحزبية التركية المعاصرة. وواصل المؤتمر أعماله يوم الأربعاء، وعقبه سلسلة من اللقاءات للوفد العربي مع القيادة السياسية والحكومية والبرلمانية والحزبية التركية.
وشارك في اعمال المؤتمر أكثر من 30 نائبا وأكاديميا وقياديا حزبيا من 17 دولة عربية هي الاردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق والبحرين والكويت وعُمان والإمارات المتحدة والسعودية واليمن ومصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وعدد مماثل من النواب والأكاديميين والنشطاء الحزبيين الأتراك.
عقد المؤتمر بالتنسيق مع شركاء مركز القدس في "شبكة الإصلاح والتغيير الديمقراطي في العالم العربي" و"الائتلاف الدولي للإسلام المدني الديمقراطي"، واعتبر المؤتمر الرابع في سلسلة مشروع نحو اسلام مدني ديمقراطي الذي اطلقه مركز القدس عام 2005 . وهدف المؤتمر إلى التعرف على بعض أوجه التجربة التركية ودراسة فرصة الاستفادة منها في العالم العربي، خصوصاً في مرحلة التحول نحو الديمقراطية التي تشهدها معظم الدول والمجتمعات العربية في الآونة الأخيرة.