A+ A-
الانتخابات العراقية..اي خارطة سياسية جديدة
2010-04-18
قدم ثلاثة خبراء عرضاً تحليلياً مفصلاً لنتائج الانتخابات العراقية التي جرت في السابع من الشهر الماضي، لجهة اتجاهات التصويت في تلك الانتخابات ومصير الديمقراطية التوافقية في العراق بعد الانتخابات والدولار الإقليمي والدولي في العملية الإنتخابية الأخيرة والتبدلات التي ستطرأ على أوزان هذه القوى في المعادلة العراقية المحلية.
 
وفي المائدة المستديرة التي نظمها مركزا القدس للدراسات السياسية مساء الأربعاء بعنوان (الانتخابات العراقية اية خريطة سياسية جديدة؟)، تحدث كل من الباحث الزائر في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الادنى الدكتور يحي الكبيسي و الدكتور حيدر سعيد مدير مركز الابحاث العراقية والأستاذ محمد الحسيني مدير مركز هوية، وادارها معالي الأستاذ عاطف البطوش بحضور عشرات الشخصيات من الدبلوماسيين والخبراء والحزبيين الأردنيين والعراقيين، حيث أكد الخبراء ان انتخابات عام 2010 لم تحدث تغيرا جذرياً في اتجاهات تصويت العراقيين في الانتخابات حيث كان العاملان المذهبي والأثني المحددان الرئيسيان في اختيارات الناخبين العراقيين، إضافة الى تقلص عدد الكيانات السياسية التي شاركت في تلك الانتخابات مقارنة مع الانتخابات التي جرت عام 2005.
 
كذلك اشار الخبراء الى ان تلك الانتخابات احدثت نوعا من الإندماج الوطني وولدت شعور لدى العراقيين بأن النظام السياسي القائم حالياً في العراق هو ملك العراقيين على الرغم من تحفظ ورفض العديد من المكونات السياسية العراقية على هذا النظام. وعتبروا ان العراق يعيش نجاحاً نسبيا في بناء نظامه التوافقي على الرغم من ظهور مصطلحات جديدة لدى الساسة مثل (الشراكة الوطنية).
 
وشدد الخبراء على أن التدخل الدولي والإقليمي في الانتخابات العراقية كان حاضراً وبقوة وفي فترة مبكرة من التحضير لهذه الانتخابات ولا سيما التدخل الإيراني والأمريكي والتركي وان هذا التدخل يعود لعدة اسباب أبرزها تصفية حسابات سياسية على الارض العراقية وخوف دول المنطقة من التجربة العراقية والمصالح العرقية والطائفية خاصة لإيران وتركيا في العراق ومحاولة إستقطاب العراق الى محاور المنطقة إضافة الى العوامل الإقتصادية.
 
اتجاهات التصويت في الانتخابات العراقية
تحدث الدكتور يحي الكبيسي عن بعض المؤشرات التي ميزت انتخابات عام 2010 فأشار الى تقلص عدد الكيانات السياسية التي شاركت في الانتخابات الأخيرة مقارنة مع الانتخابات الماضية وقال ان عدد الكيانات السياسية التي شاركت في انتخابات عام 2010 بلغ 86 كياناً سياسياً مقارنة مع 228 في إنتخابات عام 2005، موضحأ ان تقلص عدد الكيانات السياسية ساهم في تشتيت الأصوات بشكل أقل مما حدث في انتخابات عام 2005 وفي الانتخابات المحلية التي جرت عام 2009.
 
واشار الكبيسي الى عدم وجود كيانات سياسية وطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وقال ان جميع الكيانات التي شاركت في الانتخابات كانت ذات تركيب اثني وطائفي على الرغم من محاولات ادخال بعض الاسماء هذه الكيانات لنفي الصفة الاثنية والطائفية عنها.
 
واوضح الكبيسي ان الحديث الذي سبق الانتخابات عن تفكك الكيانات السياسية الكبرى مثل التحالف الكردستاني كان غير دقيقاً، يمعنى ان القوائم الكردية لم يحصل بها تغيير حقيقي على الرغم من وجود قائمة التغيير (جوران) بقيادة نشيروان مصطفى، خصوصاً ان قائمة (جوران) هي عبارة عن حركة منشقة عن حزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس جلال طالباني. مشيراً الى أن هناك اجماع كردي على بعض القضايا بغض النظر عن الخلافات الداخلية في اقليم كردستان. غير أن الكبيسي اشار الى ان العامل المحلي لعب دورا في تقرير تائج الانتخابات في اقليم كردستان خاصة فيما يتعلق بالبعد اللغوي والثقافي بين بديلان وسوران، فمناطق السليمانية وكركوك والى حد ما ديالى صوتت للإتحاد الكردستاني والتغيير في حين كان التصويت الرئيسي للحزب الديمقراطي الكردستاني في اربيل ودهوك ونينوى.
 
وفيما يتعلق بمحددات التصويت في الانتخابات، أكد الكبيسي أنها ذات المحددات التي ميزت انتخابات عام 2005 والتي تتمثل في العامل الإثني والعامل المذهبي إضافة الى دخول للعامل المحلي بوصفه المتغير الرئيسي المؤثر في العاملين الاوليين ، مشيراً الى غياب تاثير العامل العشائري في الانتخابات، موضحاً انه في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2009 سقط العامل العشائري بشكل كبير، وبالتالي فإنه وخلال الانتخابات الاخيرة لم يعول على هذا العامل مشيرا الى ان الشخصيات العشائرية التي فازت في الانتخابات، حصلت على ذلك كونها شخصيات سياسية
 
وشدد الكبيسي على أن العامل الديني كان حاسماً في سلوك الناخب لاسيما في المناطق الشيعية وظهر هذا الامر بوضوح في نتائج الانتخابات بتلك المناطق بينما اتجه الناخبون السنة الى القوائم العلمانية.
 
كما اكد الكبيسي ان النتائج أظهرت ايضاً أن سوء الإدارة والفساد لم يؤثرا على سلوك الناخب العراقي والدليل على ذلك ان نفس الكيانات التي افرزتها انتخابات عام 2005 هي ذاتها التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. ويوضح الكبيسي أن الأرقام التي حصلت عليها الكيانات السياسية المختلفة تؤكد مدى تاثير العامل المذهبي والعامل الإثني في تلك الانتخابات، كما تشير وبوضوح الى أن سلوك الناخب العراقي لم يتغير.
 
وشرح الكبيسي بالقول، أن القائمتين الشيعيتين (الإئتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون) حصلتا على 155 مقعداً من دون المقاعد التعويضية وهذا يعني أقل من النصف زائد واحد بثمانية مقاعد أي (163 مقعدا)، مشيراً الى أن الائتلاف الشيعي كان حصل في انتخابات عام 2005 على 130 مقعداً وهو رقم اقل من النصف زائد واحد بثمانية مقاعد ايضاً اي (138 مقعدا).وكما هو واضح فإن معدل المقاعد هو نفسه تقريباً.
 
وبالنسبة للقائمة العراقية التي كسبت أصوات العرب السنة والعلمانيين، قال الكبيسي انها حصلت على 91 مقعداً واذا أضفنا اليها مقاعد جبهة التوافق (6 مقاعد) وائتلاف وحدة العراق (4 مقاعد) فإن النسبة ستكون اقل من 32% بقليل وهي نفسها النسبة التي حصلت عليها القائمة العراقية (25 مقعدا) وجبهة التوافق العراقية (44 مقعداً) والحوار الوطني (11 مقعد ) وكتلة التحرير والمصالحة (3 مقاعد) في إنتخابات عام 2005 بمجموع مقاعد بلغ 83 مقعداً وبنسبة 32% من مجموع المقاعد ايضاً.
 
اما بالنسبة للتحالف الكردستاني فضلاً عن القوائم الكردية الاخرى فإنه حصل على عدد مقاعد اقل بمقعد واحد مما حصل عليه في انتخابات عام 2005 وذلك ناتج عن تغيير قانون الانتخابات، موضحاً انه في الانتخابات الماضية تم الإعتماد على سجل الناخبين المسجلين للإنتخاب كما كان هناك اندفاع كبير في اقليم كردستان للمشاركة في الانتخابات، ولكن في الانتخابات الأخيرة تم اعتماد سجلات وزارة التجارة بحسب ما نص عليه قانون الانتخابات.
 
انتخابات 2010 ومصير الديمقراطية التوافقية في العراق
ورأى الدكتور حيدر سعيد أنه وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات اظهرت عدم وجود تغيير في سلوك الناخب العراقي القائم على اساس اثني وطائفي، الا انه يمكن القول ان هناك تقدم احدثته هذه الانتخابات على صعيد العملية السياسية في العراق، موضحأ انه كان هناك تصور في العراق مفاده أن التعبير عن الهوية الطائفية يتم من خلال الأحزاب الدينية، ولكن في الانتخابات الاخيرة كسر هذا التصور وأصبح يعبر عنه بوسيط علماني، معرباً عن اعتقاده أن جزءاً كبير من الأصوات التي حصلت عليها قائمة العراقية بزعامة اياد علاوي جاءت تعبيرا عن الاحتجاج على الفساد وسوء الإدارة التي وصمت حكومة نوري المالكي.
 
كما يرى سعيد ان الانتخابات أحدثت نوعا من الإندماج الوطني، وقال أنه وعلى الرغم من معارضة العديد من المكونات العراقية للنظام السياسي القائم في العراق، الا أن المشاركة في الانتخابات ولدت شعوراً لدى العراقيين أن هذا النظام ملكهم، بخلاف الوضع الذي أعقب انتخابات 2005 التي تميزت بمقاطعة مكون رئيس من مكونات المجتمع العراقي وما ترتب على ذلك من تساؤلات حول مشروعية النظام. ويعتقد سعيد أن نتائج الانتخابات الأخيرة ربما تحدث تحولا في التصور الدولي حيال العراق مشيراً في هذا الصدد الى الجدل الحاصل في الساحة الأمريكية حالياً حيال العراق لجهة ان هناك عملية سياسية مستمرة في العراق وان هذه العملية بحاجة الى دعم وضمانات دولية.
 
وتحدث سعيد عن الجدل الذي يشهده العراق حالياً حول طبيعة النظام السياسي الذي يجب ان يكون بعد الانتخابات، فقال أن جميع الساسة في العراق يتحدثون الان بمصطلح (حكومة الشراكة الوطنية)، مشيرا الى غياب تصور واضح أو آليات محددة لهذا المفهوم. وقال سعيد لم يعد هناك حديث بين الساسة عن الصيغة التوافقية، مشيراً الى ان النخبة الشيعية لم تنسجم مع النظام التوافقي كما تعتقد هذه النخبة أن الخلل الحاصل في العراق سببه الصيغة التوافقية.
 
ويرى سعيد ان العراق وبعد الانتخابات الاخيرة سيعود مرة اخرى لصيغة النظام التوافقي مع محاول لتعديل هذه الصيغة بحيث يتم تجاوز اخطاء المرحلة الماضية، مشدداً على أنه ليس أمام العراق سوى الأخذ بالصيغة التوافقية بالنظر لطبيعة تكوينه الإثني والمذهبي.
 
وفي نظرة مستقبلية قريبة على ما سيحدث في العراق بعد الانتخابات دعا سعيد لإحياء فكرة مجلس الإتحاد وهو الغرفة الثانية للبرلمان العراقي. وقال انه سيتم توزيع الرئاسات الثلاثة بين الطوائف والإثنيات كما كان حاصلاً من قبل كما سيتم الغاء مجلس الرئاسة.
 
وشدد سعيد على أهمية مراقبة أداء مجلس النواب الجديد وقال ان هناك افكار نمت داخل منظمات المجتمع المدني في العراق حول أهمية مراقبة أداء المجلس بإعتبار اأن الانتخابات وحدها لا تؤمن الديمقراطية.
 
واستعرض سعيد طبيعة النظام السياسي القائم حالياً في العراق وقال أن الأمريكيين لعبوا الدور الاكبر في صياغة النظام السياسي العراقي الحالي، بحث تم تحويل العراق من دولة أمة الى دولة تعبر عن مجتمع تعددي معتبراً ان الدستور العراقي يعبر عن تعدد وتنوع مكونات العراق.
 
اوراق إقليمية ودولية في صندوق الإقتراع العراقي
وتحدث الأستاذ محمد الحسيني عن التاثيرات الإقليمية والدولية في الشأن العراقي وقال أنه لا يمكن حصر هذه التأثيرات في الانتخابات أو في تشكيل الحكومة، فهذه التأثيرات موجودة منذ الحرب العراقية الإيرانية مرورا بحرب الخليج الثانية بعد احتلال الكويت ومن ثم فترة الحصار وسقوط نظام صدام حسين وبداية الإحتلال الأمريكي في عام 2003 وبدء تشكل ملامح دولة عراقية جديدة وحتى وقتنا الحالي.
 
وقال الحسيني ان محاولات التدخل في الشان الانتخابي العراقي بدأت منذ مرحلة مبكرة، فكما يعرف الجميع فإن إقرار القانون الذي جرت بموجبه الانتخابات الأخيرة قد مر بمراحل صعبة نتيجة المواقف المتباينة بين القوى السياسية العراقية حول تفاصيل القانون، وأكد الحسيني أنه وخلال الجلسة التي عقدها مجلس النواب للتصويت على القانون بصيغته النهائية تواجد في مقر مجلس النواب سفراء ايران وتركيا والولايات المتحدة، إضافة الى ممثلي الكيانات والقوى السياسية العراقية، وأعرب الحسيني عن إعتقاده بأن تواجد سفراء هذه الدول في المجلس خلال التصويت على القانون هو مؤشر واضح على مدى الدور الذي تلعبه او تحاول ان تلعبه هذه الدول في العملية الإنتخابية العراقية
 
ورأى الحسيني أن قرارات هيئة المساءلة والعدالة كانت شكلا اخرا من أشكال التدخل الخارجي في العملية الإنتخابية العراقية.. وقال انه وبعيداً عن شرعية وقانونية قرارات الهيئة باستبعاد عددٍ من المرشحين من خوض الانتخابات، فان القررات نفسها وما نتج عنها من ردود اقعال وتفاعلات تجعلنا نقف طويلاً امام الدور الذي لعبته القوى الإقليمية وادولية في هذا الصدد حيث تبادلت كافة الأطراف الإتهامات بوجود تدخلات أجنبية وراء اتخاذ القرارات أو محاولة الغائها حيث دار جدل كبير حول التاثير الإيراني على قرارات الهيئة نتيجة وجود ارتباطات بين رئيسها احمد الجلبي ومديرها علي اللامي مع طهران على الرغم من النفي المتكرر للأطراف الثلاثة.
 
ووفق الحسيني فإن قرارات الهيئة فتحت الباب على مصراعيه امام التدخلات الدولية والإقليمية حيث أمّت الوفود الاجنبية العاصمة بغداد في محاولة للتأثير على قرارات استبعاد عدد من المرشحين. معتبراً ان زيارة نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن ووفد جامعة الدول العربية تأتي في هذا الإطار.
 
واعتبر الحسيني أن التفجيرات الإرهابية التي سبقت العملية الإنتخايية كانت احد اشكال التدخل في العملية الانتخابية والتي كان هدفها افشال العملية الإنتخابية.
 
وأضاف انه وبعد الانتخابات استمر التدخل وخاصة من إيران فجميع الكتل التي شاركت في الانتخابات ذهبت الى طهران معتبراً ان الإستفتاء الذي أجراه التيار الصدري حول المرشح لمنصب رئيس الوزراء هو أحد أبرز الأمثلة على مدى التدخل الإيراني في الانتخابات على الرغم من تمايز مواقف التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر عن إيران. فيما وصف الحسيني الدور التركي في العملية الإنتخابية العراقية بانه أقل حدة من الدور الإيراني.
 
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة قال انه ومنذ مجيى الرئيس اوباما للبيت الابيض لايمكن القول ان الولايات المتحدة لا تزال هي اللاعب الاكبر في العراق، فالتركيز الأمريكي منصب الان على افغانستان سياسيا وعسكرياً، محذراً من أن الإنسحاب الأمريكي السياسي والعسكري من العراق يعني اخلاء الساحة لإيران سياسيا وعسكرياً في العراق.