A+ A-
"الأردن في بيئة إقليمية متغيرة ... سيناريوهات المرحلة المقبلة "2"
2017-11-04

 فكرة وأهداف الندوة:

يعيش الأردن في بيئة إقليمية مضطربة ومتغيرة باستمرار، ويجد نفسه في بؤرة دائرة من الأزمات والتهديدات، بعضها فوري ومباشر، وبعضها الأخر ستتكشف مفاعيله على المديين المتوسط والبعيد ... وإذا كان هذا هو حال الأردن تاريخياً من ناحية "الجيوبوليتكس"، فإن تطورات السنوات السبع الفائتة، التي صاحبت اندلاع ثورات وانتفاضات ما بات يعرف بـ "الربيع العربي"، وما أعقبها من تطورات متلاحقة، جعلت المشهد أكثر تعقيداً.

منذ انعقاد المؤتمر الأول بالعنوان ذاته في مختتم شهر آب/أغسطس 2015، جرت تطورات كثيرة في دول "قوس الأزمات" المحيطة بالأردن، والتي سيكرس المؤتمر الحالي لدراستها وتحليلها، والتوقف بشكل خاص عند انعكاساتها وتداعياتها على مصالح الأردن وأمنه واستقراره، فكيف جاء حصاد العامين الفائتين، وما هو أثر هذه التطورات على مصالح الأردن وأمنه واستقراره؟
تهديد الإرهاب: الحرب على الإرهاب، بوصفه التهديد المباشر الأكثر خطورة، حققت نجاحات كبيرة في كل من العراق وسوريا خلال العامين الفائتين، وتنظيم ما بات يعرف بـ "الدولة الإسلامية" يشارف على نهايته في كلا البلدين، بعد النجاحات في تحطيم "خرافة الدولة والخلافة" في معظم إن لم نقل جميع المدن والبلدات العراقية الرئيسة... وفي سوريا، تتم محاصرة التنظيم في جيوب ضيقة في البادية والصحراء الشرقية، بعد أن تم طرده من المدن الكبرى وأريافها، لكن كسب جولات ومعارك مع التنظيمات الإرهابية، لا يعني أن الحرب ضد الإرهاب قد وضعت أوزارها، فما زالت هناك مواقع وجيوب لـ"داعش" و"النصرة" يتعين تطهيرها، والأهم، ما زالت الأسباب التي أفضت إلى تفاقم تهديد الإرهاب، كامنة في بنية الأنظمة والعمليات السياسية غير المتوازنة، الجارية في هاتين الدولتين، وفي المنظومة الاجتماعية والثقافية والاعتقادية المتغلغلة في الأوساط الاجتماعية العريضة، وفي حالة الانقسام والاصطراع المذهبي والطائفي وفي التدخلات الإقليمية والدولية الضارة، التي غذت انتشار "داعش" و"النصرة" على حد سواء.

الانعكاسات على الأردن: الأردن ما زال يواجه تحديات رئيسة ثلاثة على هذا الصعيد، الأول ويكمن في وجود جيوب إرهابية على مقربة من حدوده الشمالية مع سوريا، لـ"داعش" و"النصرة" على حد سواء، وفي المثلث الحدودي مع العراق وسوريا ... أما الثاني فيكمن في احتمال عودة مئات المقاتلين الأردنيين الذي التحقوا في صفوف الجماعات الإرهابية في كلا البلدين، وما يستتبعه ذلك من تحديات وتهديدات، وما يستوجبه من برامج واستعدادات للتعامل مع ظاهرة "العائدين من سوريا والعراق"، أما التحدي الثالث، فيتعلق باستراتيجية محاربة التطرف في الداخل، وقدرة الدولة والمجتمع على تجفيف البيئة السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية – الثقافية – الاعتقادية – التربوية، التي جعلت من الأردن بلداً مصدراً لـ "الجهاديين"، من التحق منهم بجبهات القتال ومن تظافرت جملة من العوامل في منعه من ذلك.

الأزمة السورية: بين المؤتمرين، جرت مياه كثيرة في انهار سوريا، حصل التدخل العسكري الروسي في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2015 بوصفه “Game Changer”، وأفضى إلى سلسلة من التطورات الميدانية لصالح النظام السوري وحلفائه، واستتبع سلسلة من الاستدارات في مواقف الأطراف الإقليمية والدولية، تارة بسبب الخشية من تفاقم التهديد الإرهابي الذي خرج عن نطاق سوريا والإقليم ليضرب عواصم غربية ومدناً عالمية عديدة، وتارة أخرى بفعل الحذر من تزايد احتمالات الصدام المباشر بين القوى الإقليمية والدولية على الساحة السورية.

الأزمة السورية باتت تتحرك على مسارين متوازيين: أستانا وجنيف، فيما الكلمة الفصل تظل للتفاهمات الأمريكية – الروسية، وإذا كانت مناطق خفض التصعيد هي أولى ثمار هذه التفاهمات، والحل الشامل ينتظر استتباب الوضع في عدد من المناطق التي تتمتع كل منها بديناميكيات خاصة بها، ويختلف اللاعبون الأساسيون من منطقة إلى أخرى، وتحظى كل منطقة باهتمام يتفاوت بتفاوت واختلاف هؤلاء اللاعبين.

التداعيات على الأردن: الأردن لاعب رئيس في منطقة خفض التصعيد جنوب غرب سوريا، مستفيداً من علاقاته التاريخية مع واشنطن، ومن التطور الحثيث في علاقاته مع موسكو... المنطقة تحتضن جيوباً لـ"داعش" ومناطق نفوذ لجبهة النصرة، فيما الجيش السوري بات يرابط على مسافة طويلة نسبياً من الحدود الأردنية السورية، أما محور الجنوب الشرقي فما زال مفتوحاً على تهديد اللجوء "الركبان وحدات" والإرهاب الذي ما زال يحظى بحرية حركة في المثلث الحدودي مع سوريا والعراق ... المعابر مع سوريا ما زالت مغلقة، والتأثير الأردني في رسم مآلات الحل النهائي متواضع للغاية برغم قربه من مساري استانا وجنيف، كيف سيتعامل الأردن مع عبء اللجوء وتهديد الإرهاب، كيف ستخدم مناطق خفض التصعيد في تخفيف أعباء الأردن، كيف ستتطور علاقة عمان مع دمشق، وهل يمكن أن نشهد عودة نشطة لحركة البضائع والأفراد والخدمات مع سوريا وصولاً للبنان وعبر الأخير إلى السوق الأوروبية؟، هل يمكن أن ينتقل الأردن إلى دور "الوسيط" بين النظام والمعارضة المسلحة في هذه المنطقة لتكريس استقرارها توطئة لفتح الحدود وعودة اللاجئين؟ ما هي العوائق والفرص لكل ذلك؟

الأزمة العراقية: على الحدود الشرقية، طرأت تحولات استراتيجية في الحرب على الإرهاب، داعش يلفظ أنفاسه الأخيرة ككيان مسيطر على مساحات واسعة من الجغرافية العراقية، والعراق يدخل مرحلة "ما بعد داعش" أكثر انقساماً: صراع عربي – كردي، انقسامات في الوسط الشيعي، انقسامات في الوسط السني، صراع مذهبي سني – شيعي معزز بانتشار كثيف للمليشيات المسلحة، تدخلات إقليمية ودولية واسعة النطاق، انتخابات برلمانية وشيكة، من المنتظر أن تكون حاسمة لجهة تظهير الخلافات ومعرفة أوزان القوى وتبدلات أحجامها.

لكن العراق يشهد جملة من التطورات الإيجابية كذلك: عودة الشعور بالهوية الوطنية العراقية خصوصاً عند المكون العربي، حراك مدني – شبابي اعتراضي على الفساد وانهيار الخدمات واصطراع النخب السياسية، انفتاح عربي نسبي على المكونات العراقية المختلفة، حراك انتخابي عابر للطوائف والمذاهب، وصول نظام ما بعد 2003 إلى جدار مسدود وتزايد الإحساس بضرورة البحث عن حلول لأزمة نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية.

الانعكاسات على الأردن: للأردن مصلحة في الانفتاح على مختلف المكونات العراقية، والاحتفاظ بمسافة واحدة منها جميعها، فتح الحدود واستئناف حركة البضائع والأفراد في الاتجاهين والمساهمة في مشاريع إعادة إعمار العراق وحجز حصة من السوق العراقية ... مواجهة أية تهديدات إرهابية تأتي من هناك ... إنجاز مشاريع استراتيجية في حقل الطاقة كأنبوبي النفط والغاز.
تصطدم هذه المصالح بالتحديات التالية: وجود "لوبي" غير صديق للأردن مؤثر في صنع السياسة والقرار في العراق، انعكاسات التوتر في العلاقة الأردنية – الإيرانية على العلاقة بين عمان وبغداد ... أثر بعض المواقف والتصريحات الأردنية على العلاقة مع المكون الشيعي بالذات (الهلال الشيعي، الحزام الإيراني وغيرها)، ضعف قدرة بغداد على بسط الأمن والاستقرار على الطريق الدولي، تأثير علاقات الأردن بدول الجوار العربي (السعودية والإمارات أساساً) وبالولايات المتحدة على علاقاته بكل من إيران والعراق على حد سواء، والأهم من كل ما سبق، كيف سيدير العراق أزماته السياسية المتراكبة في مرحلة ما بعد داعش، وأي دور يمكن للأردن أن يلعبه في مساعدة العراقيين على تجاوز هذه الأزمات وتفادي انفجارها ... كيف سيتعامل الأردن مع هذه التحديات وكيف ستجيب مؤسسات صنع القرار على الأسئلة التي تثيرها؟

المسألة الفلسطينية: الأزمة الأقدم في التاريخ، والأبعد في المستقبل، التي تواجه الأردن هي المسألة الفلسطينية، بعد تآكل حل الدولتين، وانسداد آفاق عملية السلام، الناجم عن سياسات حكومة اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل وممارساتها على الأرض، فضلاً عن تجذر حالة الانقسام الفلسطيني، وتحول الساحة الفلسطينية إلى إحدى ساحات التنافس العربي – الإقليمي، وتحديداً لجهة التقرير في مآلات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، أو لجهة التأثير على التركيبة القيادية الفلسطينية في مرحلة "ما بعد أبو مازن"... المشهد الفلسطيني على عتبات الدخول إلى مرحلة استراتيجية جديدة، لم تتضح معالمها بعد، وإذا كان الانجراف المنهجي المنظم للمجتمع الإسرائيلي نحو التطرف الديني والقومي هو العنوان الرئيس لهذه المرحلة، فإنه من غير الممكن تجاهل الأدوار التي تضطلع بها أطرافٌ عديدة، عربية وإقليمية، قررت على ما يبدو، الدخول على خط تشكيل ملامح هذه المرحلة: المحور الإيراني وسعيه المعروف لدعم قوى وخيارات محددة، المحور المصري – الإماراتي الراعي للعقيد المنشق محمد دحلان والمشرف على التحالف الناشئ بين الأخير وحركة حماس، والمحور التركي – القطري الداعم لحماس ومن خلفها جماعة الإخوان المسلمين.

التداعيات على الأردن: الأردن دعم خيار التفاوض وحل الدولتين، ورأى في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة مصلحة استراتيجية له، لكن هذه الخيار "الخطة أ" كما سنسميها في طريقه للانهيار، فهل لدى الأردن "خط ب “، وما هي أبرز ملامحها وكيف ينبغي أن تكون؟ هل ما زال الأردن يتمتع بقدرة على التأثير على النخبة الحاكمة في إسرائيل كما كان عليه الحال من قبل؟ وهل ما زال قادراً على حفز مسار السلام إسرائيلياً؟ ماذا عن قدرته على التأثير على النخب الفلسطينية في الضفة وغزة؟ ولماذا الاستنكاف عن القيام بأي دور لتحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية، أين يقف الأردن من موضع الانقسام الداخلي؟ ... عدم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، سيفتح الباب دائماً لحلول في الأردن ومعه، ودائماً على حسابه وعلى حساب الفلسطينيين، فكيف التصرف؟ ... الرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية، تاريخية ومتوارثة، وهي اليوم في "عين عاصفة" سياسات التهويد و"الأسرلة"، وتتحول إلى "خط تماس" بين الأردن وإسرائيل، فما هي خيارات الأردن وأوراقه في هذه المعركة المرتبطة في جوهرها بأمنه واستقراره وبـ "الشرعية الدينية" التي تعد أحد أركان ومصادر شرعية الحكم فيه؟ ... هل التخلي عن الرعاية أو "تعريبها" و"أسلمتها" أو "تدويلها" يُعدُّ خياراً؟ ... وفيما الأردن مقبل على مواجهات من طبيعة كبرى مع إسرائيل على جبهتين: فشل حل الدولتين والرعاية الهاشمية، تعتمد عمان سياسات من شأنها تكريس "الاعتمادية" على إسرائيل في حقول استراتيجية مثل المياه والطاقة، فكيف يستقيم هذا الأمر؟ ... أخيراً وليس آخراً: هل ما زال أمن الأردن واستقراره مصلحة إسرائيلية عليا؟ وهل يمكن التكهن بسيناريو مستقبلي، تتحول فيه مصلحة إسرائيل إلى إثارة "فوضى خلاقة" في الأردن للخلاص من فائض الديموغرافيا الفلسطينية، والانتقال إلى ترجمة شعار اليمين الإسرائيلي: الأردن هو فلسطين؟

الأردن والخليج: يرتبط الأردن بوشائج وعلاقات متشعبة، وعلاقاته مع دول الخليج الست، ليست بالمستوى ذاته، ولا تحتفظ كل دولة من دوله بنفس الوزن في حساب المصالح والسياسات الأردنية ... لكن دول الخليج الست تواجه سلسلة من التحديات أهمها ناجم عن تآكل القيمة الاستراتيجية لمكانة النفط في الحسابات والاقتصادات العالمية، ولأسباب شتى ليس هنا مجال استعراضها، واستتباعاً، تآكل المكانة الاستراتيجية للدول المنتجة والمصدرة ذات الاعتمادية الكاملة على هذه السلعة... فضلاً عن ذلك، تواجه دول الخليج أزمة انتقال الحكم والصراع عليه من داخلها، وانعكاساتها على السياسة الخارجية لبعض هذه الدول، وتتنافس هذه الدول فيما بينها، فيما يشبه الحرب الضروس، على الأدوار والزعامة (الأزمة القطرية)... وتعاني بعض هذه الدول من أزمة هوية قد تمس وحدتها وأمنها واستقرارها، في ظل جمود نظمها السياسية وعدم قدرتها على مواكبة روح العصر وقيمه ومبادئه في الحكم الرشيد والديمقراطية والتعددية، وبوجود ثقافة دينية سائدة، متطرفة وإقصائية في غالب الأحيان، وتتحول مياه هذه الدول وأراضيها إلى مساحات تزرع فيها القواعد العسكرية الأجنبية لدول كبري عالمية وإقليمية متنافسة.

وسجلت ثلاث دول منها على الأقل، نزوعاً تدخلياً في السياستين الخارجية والأمنية – الدفاعية (الحرب على اليمن)، غير مسبوق في تجربة هذه الدولة من قيامها، وهي إذ تشتبك في حروب وأزمات على مقربة منها، تنزع إلى فرض هيمتها على دول أخرى، وتستخدم لهذا الغرض مواردها المالية الجبارة، ولوحظ مؤخراً ميل لدى بعضها للاحتفاظ بوجود عسكري مؤقت ودائم خارج حدودها، على شكل تدخل عسكري مباشر أو قواعد عسكرية مستأجرة، ولم يعد انخراطها العسكري مقتصراً على دول مجلس التعاون، بل تعداه إلى معظم أزمات المنطقة وبعض أطراف أفريقيا، وتقدم بعض هذه الدول نفسها لاعباً مهماً في مسائل لم يعرف عنها الاهتمام بها، كالمسألة الفلسطينية في بعدها الداخلي (الصراع على مرحلة ما بعد أبو مازن)، والمسألة الكردية (دعم استفتاء كردستان وانفصالها) وغيرهما من الأزمات.

التداعيات على الأردن: للأردن علاقات تاريخية متشعبة مع المنظومة الخليجية، وعلاقاته بها شهدت صعوداً وهبوطاً، وتراوحت ما بين الازدهار والفتور، وللأردن مئات آلاف العاملين في دول الخليج، وتحديداً في السعودية ودولة الإمارات، يرفدون الاقتصادي ببضعة مليارات من الدولارات سنوياً، والأمن الأردن يترابط بدرجة أو أخرى مع أمن جواره الخليجي، الأمر الذي يفسر عدم قدرة الأردن على التغريد بعيداً عن السرب الخليجي، حتى في المواقف والأزمات التي لا يبدي ارتياحاً حيالها.

لكن العلاقة مع دول الخليج تواجه تحديات صلبة، قد تتفاقم في الخمس أو عشر سنوات القادمة ... أهم هذه التحديات وأخطرها: (1) ما يمكن أن يتداعى على العمالة الأردنية وتحويلاتها من تطورات ناجمة عن تآكل إيرادات هذه الدول وعائداتها النفطية وتراكم عجوزات ميزانياتها العامة ... (2) عدم قدرة الأردن على مواكبة ومجاراة النزعات التدخلية لبعض هذه الدول في العديد من أزمات المنطقة ... (3) الخيارات الصعبة التي تضيق أمام الديبلوماسية عندما تندلع نزاعات بينة داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي ... (4) على المدى الأبعد، فإن انتقال شرارات "الربيع العربي" إلى هذه الدول، ستكون له تداعياته على أمن الأردن واستقراره ... (5) الأردن متأثر بالقراءات الأكثر تشدداً وتطرفاً للإسلام ذات المنابع الخليجية على وجه العموم، والتي لم تعد تأثيراتها تقتصر على العاملين فيها، بل وتطال المدرس والمسجد والوعاظ والأئمة في الأردن ذاته ... (6) الأردن لا يستطيع أن يلامس باختياراته الديمقراطية ضفاف الملكية الدستورية، إن افترضنا وجود إرادة بذلك، في ظل استمرار العلاقة غير المتوازنة مع دول الخليج العربية.


بعيداً عن قوس الأزمات المحيط بالأردن مباشرة، إلى الدائرة الإقليمية الأوسع، كيف تبدو علاقات الأردن باللاعبين الإقليميين الآخرين: إيران وتركيا، ما هي مصالح الأردن وحساباته الخاصة للعلاقة مع كل منهما، وهل ثمة قضايا مباشرة تسهم في تحسين أو توتير العلاقة الأردنية مع كل من أنقرة وطهران، أم أن الأمر مرتبط بمواقف هذه الدول من أزمات المنطقة واللاعبين فيها من جهة وعلاقات الدول الحليفة للأردن (السعودية والولايات المتحدة أساساً) بهذه الدول؟ ... هل يمكن التفكير بسيناريو فصل مسار العلاقات الثنائية مع كل من الدولتين عن مسار الأزمات الإقليمية وعن حسابات العلاقة الأردنية – الخليجية والأردنية – الأمريكية؟ ... ما هي فرص تطوير العلاقات الثنائية مع دولتي الجوار الإقليمي وما هي التحديات التي تعترضها؟
دولياً، نجح الأردن في تطوير علاقات عمل مع روسيا، مكنته من تفادي أسوأ السيناريوهات في جنوب سوريا، فضلاً عن علاقاته الوطيدة، والعابرة للأحزاب والإدارات في واشنطن، ولديه مع الاتحاد الأوروبي علاقات وثيقة ومتجذرة، ما شكل ويشكل شبكة أمان دولية، ساعدت الأردن في تخطي المنعطفات الأخطر التي مر بها الإقليم طوال السنوات الماضية.

لكن مجيء إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، خلق تحديات للأردن، إن لم يكن على مستوى العلاقة الثنائية بين البلدين، فأقله بالنسبة لعدد من الأزمات الإقليمية التي يجد الأردن نفسه مشتبكاً معها، وبالأخص المسألة الفلسطينية، كما أن التوتر وانعدام الثقة اللذين يميزان العلاقات بين موسكو وواشنطن، يتركان الأردن في وضع حرج، ذلك أن الأردن يرى في التفاهم الروسي الأمريكي، شرطاً للتقدم على طريق الحلول السياسية والتفاوضية لعديد من الأزمات في المنطقة.

كما أن التصعيد في علاقات واشنطن مع طهران، يضع الأردن أمام بعض التحديات الإضافية سواء لجهة مستقبل علاقاته مع إيران، أو لجهة علاقاته مع العراق كذلك ... وفي غياب دور سياسي وأمني مستقل لأوروبا في العديد من ملفات المنطقة وأزماتها، يجد الأردن نفسه مبحراً في بحر متلاطم الأمواج ... كيف ستتطور علاقات عمان مع واشنطن بوجود إدارة ترامب ومواقفها غير المفهومة حيال قضايا أساسية مثل القضية الفلسطينية؟ ... كيف تتطور العلاقة مع موسكو في ظل اشتداد حدة التوتر في العلاقة الأمريكية – الروسية وعودة رياح الحرب الباردة للهبوب من جديد في أروقة الكرملين والبيت الأبيض؟ ... كيف يمكن تطوير علاقات مع أوروبا، شريك الأردن السياسي والاقتصادي في العديد من المجالات والمناحي، ما الذي يتعين فعله للارتقاء بهذه العلاقات، وملء سلالها الاقتصادية والسياسية والأمنية بما يعود بالنفع على الأردن؟

خطة الاستجابة الوطنية: التحديات التي تجابه الأردن على المستوى الإقليمي والدولي، تملي عليه انتهاج سياسات داخلية مستجيبة لضرورات مجابهة هذه التحديات، وتعزيز الجبهة الداخلية بما يخدم إدارة السياسة الخارجية على نحو كفؤ وفعّال، فالسياسة الخارجية تصبح أكثر فاعلية واستقلالية، وتتعدد خياراتها وبدائلها، كلما استندت إلى وضع داخلي سليم، وكلما كانت السياسات الداخلية أكثر فاعلية ونجاعة في مجابة التحديات.

يواجه الأردن داخلياً، ثلاثة تحديات رئيسة:
أولها التحدي الاقتصادي، سواء لجهة تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة معدلاته، وتوفير فرص عمل خصوصاً للأجيال الشابة ومحاربة الفساد، أو لجهة بناء نموذج اقتصادي تنموي قادر على مخاطبة عناصر القوة والتميز التي يتوفر عليها واستثمارها إلى أبعد حد، نموذج قادر على التعامل مع التحديات الضاغطة اليوم وتلك المضمرة في ثنايا التحولات المحتملة في الدول العربية المنتجة للنفط والمصدرة له.

ثانيها: تحدي مجابهة التطرف والغلو، الذي تظافرت جملة من العوامل في تشكله وتفاقمه، وبصورة بات معها يشكل عقبة على طريق التحول الديمقراطي واحترام منظومة حقوق الانسان وبناء الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون، من دون إغفال احتمالات تحوله إلى تهديدٍ لأمن الأردن واستقراره.

وثالثها: تحدي انحباس أو مراوحة مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في البلاد، الذي يتعين إعطاءه يحتل مكانة الأولوية على جدول الأعمال الوطني الأردني، لجهة ترجمة مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة الفاعلة والمتساوية، دولة جميع أبنائها وبناتها، واحترام وتكريس مبدأ سيادة القانون على الجميع من دون استثناء أو تمييز، وباعتباره مدخلاً رحباً للتصدي للتحديات الأخرى، وبأقل كلفة ممكنة... فالأردن المتماسك داخلياً، أقدر على مجابهة التحديات والتهديدات الخارجية بأعلى درجة من الكفاءة والاقتدار.